أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - إسماعيل نوري الربيعي - مفيد كاصد الزيدي -مؤرّخ الخليج وراصدُ تحوّلات الدولة العربية-















المزيد.....

مفيد كاصد الزيدي -مؤرّخ الخليج وراصدُ تحوّلات الدولة العربية-


إسماعيل نوري الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 8680 - 2026 / 4 / 17 - 14:28
المحور: قضايا ثقافية
    


يا هذا، إنَّ في ميدان التاريخ رجالًا يمرّون على الحوادث كما يمرّ العابر على الطريق، لا يرى إلا غبار الأقدام، وإنَّ فيه رجالًا إذا نظروا إلى الحادثة استخرجوا منها روح العصر، وإذا قرأوا الوثيقة أنطقوا ما سكتت عنه السطور. ومن هذا الضرب النادر الأستاذ الدكتور مفيد كاصد الزيدي، أستاذ التاريخ المعاصر، الذي جعل من التاريخ الثقافي نافذةً لفهم المجتمعات، ومن العلاقات الدولية ميزانًا لقراءة المصائر، ومن النظم السياسية في الخليج العربي بابًا واسعًا لفهم تشكّل الدولة الحديثة وتحوّلاتها. وتدل أعماله الممتدة في تاريخ الخليج والتيارات الفكرية فيه على مشروع علمي راسخ، امتد من دراسة بدايات النهضة الثقافية إلى تحليل التيارات السياسية والفكرية في المنطقة. يا أصلحك الله، إنَّ المؤرخ الحق لا يكتفي بأن يقول: هنا وقع الحدث، بل يسأل: ما الذي أهاج هذا الحدث في باطن المجتمع؟ وما الذي أورثه في الوعي الجمعي؟ وهكذا كان الزيدي، فإنه لم يقف عند ظاهر الوقائع، بل غاص في طبقاتها، فقرأ الخليج العربي لا بوصفه جغرافيا نفطية فحسب، بل بوصفه فضاءً ثقافيًا تتقاطع فيه التيارات الفكرية، وتتجاور فيه أسئلة الهوية، والدولة، والنهضة، والعلاقة بالعالم. فهو، يا هذا، كالرائد الذي يدخل الصحراء قبل القافلة، يختبر المسالك، ويضع العلامات، ثم يجيء من بعده الباحثون فيهتدون بأثره. وما دراساته في التيارات الفكرية في الخليج العربي إلا شاهد على هذا النفس الريادي، إذ تناول المنطقة في تخصيصٍ علمي لم يكن مألوفًا، جامعًا بين القوى الليبرالية والقومية والإسلامية والماركسية، في رؤيةٍ ترى الخليج وحدةً فكريةً وسياسيةً تتجاوز الحدود الإدارية الضيقة.
وإذا كان بعض المؤرخين، يا هداك الباري، يأنسون إلى الماضي لأنه مضى، فإن الزيدي يأنس إليه لأنه ما زال يعمل في الحاضر. ولذلك رأيناه يكتب عن محاولات الإصلاح السياسي في السعودية، فيجعل من الإصلاح سؤالًا تاريخيًا وسياسيًا معًا، لا مجرد وصفٍ لتعديلات إجرائية، بل قراءةً في توازن الدولة والمجتمع، والسلطة والتحوّل، والثابت والمتغيّر. وقد لقي هذا العمل صدىً في الدراسات العربية المعاصرة. وهو، يا هذا، في دراساته عن الكويت والبحرين والإمارات وقطر، كالبصير الذي ينظر إلى النهر من منبعه إلى مصبه. يقرأ التجربة الديمقراطية في الكويت لا بوصفها حالةً منفصلة، بل نموذجًا خليجيًا في التعثر والاستمرار. وينظر إلى البحرين في تطوراتها الداخلية باعتبارها مختبرًا سياسيًا لتفاعل الدولة والمجتمع. ويقرأ الإمارات من جهة تاريخها الثقافي والإصلاحي، حتى ليبدو كأنه ينسج من الوثيقة خريطةً للنهضة الخليجية الحديثة. وتشهد كتبه عن قطر وتاريخها المعاصر على هذا النفس التحليلي الممتد. يا هذا، إنَّ الأستاذ في الجامعة كالقلب في الجسد، إذا صحَّ نبضه سرت الحياة في الأطراف. ومفيد الزيدي من هذا الصنف الذي لا يكتفي بتلقين الطلبة، بل يفتح لهم أبواب السؤال. فهو لا يدرّس التاريخ المعاصر على أنه سلسلة انقلابات ومعاهدات، بل على أنه فهمٌ للعقل السياسي العربي، ووعيٌ بكيفية تشكّل الدولة، وإدراكٌ للعلاقات الدولية بوصفها امتدادًا للمصالح والرموز والثقافات.
وما أجمل، يا هذا، أن ترى الباحث يجمع بين التاريخ الثقافي والعلاقات الدولية، فإن أكثر الناس يكتفون بواحدٍ منهما. أما هو فقد أدرك أن الدولة لا تُفهم بالمعاهدات وحدها، ولا بالنخب وحدها، بل بما يعتمل في المجتمع من ثقافةٍ وطبقةٍ وسطى وانتلجنسيا وأسئلة نهضة. ولذلك جاءت دراساته عن الطبقة الوسطى والانتلجنسيا في العراق لتكشف أن التاريخ الاجتماعي هو مفتاحٌ لفهم التاريخ السياسي، وأن النخبة ليست هامشًا في السرد، بل هي من صانعيه. يا أصلحك الله، إنَّ من دلائل الرسوخ العلمي أن تتسع اهتمامات الباحث من الخاص إلى العام، ومن المحلي إلى الإقليمي. والزيدي فعل ذلك حين كتب عن العرب والنظام الدولي وإرهاصات الربيع العربي، فقرأ التحولات العربية في ضوء تبدّل النظام العالمي، ورأى أن الربيع العربي لم يكن انفجارًا سياسيًا فحسب، بل لحظةً كشفت هشاشة الدولة الوطنية، وامتحنت قدرتها على البقاء في عالمٍ متغيّر. وهو، يا هذا، في حديثه عن الحروب الأهلية العربية ومستقبل الدولة الوطنية، كمن يضع إصبعه على جرح الأمة. لا يكتفي بوصف الدم، بل يسأل: كيف تضعف الدولة؟ كيف تتشظى الهوية؟ كيف يتحوّل المجتمع من فضاء مواطنة إلى فضاء انقسام؟ وهي أسئلة لا يطرحها إلا مؤرخٌ يرى في الحاضر امتدادًا طويلًا للماضي.
ثم انظر، يا رعاك الله، إلى اشتغاله بتاريخ العلاقات العراقية مع الهند والإمارات والخليج عمومًا، فترى عقلًا لا يحبس العراق في حدوده، بل يقرأه في امتداده الآسيوي والعربي. فهو يدرك أن العلاقات الدولية ليست جداول دبلوماسية، بل شبكات مصالح، وذاكرة تفاعل، وجذور ثقافية تتجاوز السياسة اليومية. يا هذا، إنَّ بعض الباحثين إذا كتبوا في التاريخ الثقافي غرقوا في الرموز، وإذا كتبوا في السياسة جفّ خطابهم. أما الزيدي فقد جمع بين حرارة الثقافة ودقة السياسة، فكان أسلوبه كالماء العذب: يحمل العمق دون أن يفقد صفاءه. ولهذا جاءت دراساته عن بدايات النهضة الثقافية في الخليج العربي من الأعمال المؤسسة في بابها، لأنها لم تنظر إلى النهضة بوصفها كتبًا ومطابع فحسب، بل بوصفها تحوّلًا في الوعي الجمعي وصناعةً للإنسان الجديد. وإني، يا هذا، لأرى مشروعه العلمي شبيهًا بالمنارة على ساحل الخليج: تهدي السفن في الليالي المظلمة، وتدلّ الباحثين على المسالك التي قد تخفى في لجّة الوثائق وتراكم الأحداث. فمن أراد فهم الدولة الخليجية الحديثة، أو تشكّل التيارات الفكرية فيها، أو تداخل الثقافة بالسياسة في فضائها، فلن يستغني عن أثر مفيد الزيدي. فاذكر، يا أصلحك الله، أن الرجال لا تُقاس أقدارهم بكثرة ما يقال فيهم، بل بما يتركونه من بصيرةٍ في عقول تلامذتهم، ومن أثرٍ في مناهج البحث، ومن ضوءٍ في المسائل المعقدة. ومفيد كاصد الزيدي من أولئك الذين جعلوا التاريخ المعاصر حيًّا في الضمير العلمي العربي، لا خبرًا محفوظًا، بل فهمًا نافعًا، وبصيرةً في الدولة، وتأملًا في المصير. فهو، يا هذا، مؤرّخٌ إذا كتب في الخليج أبانَ عمقه، وإذا كتب في الدولة العربية كشف هشاشتها وقوتها، وإذا كتب في الثقافة ردّ السياسة إلى أصلها الإنساني. وتلك منزلةٌ لا يبلغها إلا من جمع صبر الباحث، ونفَس المؤرخ، وحكمة من يرى في الأمس مرآة الغد.



#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إبراهيم العلاف؛ مؤرخ الموصل وذاكرة العراق الحديثة
- رياض شابا؛ من ألقوش إلى مملكة الكلمة
- سيمياء اليومي وبلاغة السوق: قراءة في لوحة فيصل لعيبي
- سيدات شارع المتنبي: جمالية الحضور الأنثوي وذاكرة المدينة في ...
- حسن السوداني؛ سادن الصورة وناسج المعنى
- طارق النعمان في قراءة ديوان حرب تتعرّى أمام نافذتي: صرامة ال ...
- الجسد في متاهة الاحتمال: قراءة نقدية معاصرة في تشكيليات ناظم ...
- باهرة عبد اللطيف: نافذة الشعر التي عرّت الحرب وألبست الذاكرة ...
- قراءة في لوحة -صمت تام 3- ليوسف الدويك
- عبد الله إبراهيم؛ إمام السرد وراعي المعنى في أزمنة التبدد
- عباس الغراوي؛ قيّم الذاكرة الرقمية وروح كلية الآداب
- العلامة محمد جاسم المشهداني؛ حارس الذاكرة العربية وسادنُ الت ...
- صادق الطائي- سيرةُ العارفِ في مرايا الإنسان والمجتمع
- برفسور ياس خضير البياتي؛ سيرةُ عقلٍ إذا نطق البيانُ أنصت، وإ ...
- شاكر حسن راضي: ناسكُ اللغة وراهبُ المعنى في زمنِ العبور
- محمد كريم الكواز: سالكُ اللغة في تخوم الغيب ومرآةُ المتخيَّل ...
- سعيد الغانمي؛ في بيان المعنى وعمارة الخيال
- خالد المعالي- سيرةُ شاعرٍ جعل المنفى دارًا، والكتاب وطنًا
- مهند حلوة ودار كنوز المعرفة ؛ حديثُ السادنِ الذي أيقظ خزائنَ ...
- رياض الخولي: تمثيل السلطة وتحولات الإنسان في مرآة الدراما ال ...


المزيد.....




- محادثات استثنائية بين -حماس- و-فتح- لاستكمال تنفيذ المرحلة ا ...
- رسائل تصعيد وسط توتر مع سيول.. بيونغ يانغ تختبر صواريخ باليس ...
- بروفيسور أمريكي: إيران ستصبح القوة الرابعة عالميا إذا احتفظت ...
- بإشراف أمريكي.. توحيد ميزانية ليبيا بعد 13 عاما
- -التحقيقات الفيدرالي- يواصل التحقيق بلغز اختفاء وموت 11 عالم ...
- جندي إسرائيلي يحطم تمثال -المسيح- في لبنان.. غضب وتحقيق بتل ...
- تصدع -العلاقة الخاصة-.. حرب إيران تدفع بريطانيا للعودة إلى أ ...
- استثمار أمريكي في مشروع للمعادن النادرة بجنوب أفريقيا
- التباين بين عراقجي وقاليباف.. هل كشف حدود سلطة الحكومة أمام ...
- بعد إعلان ترامب.. فيديو للحظة إطلاق النار على سفينة إيرانية ...


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - إسماعيل نوري الربيعي - مفيد كاصد الزيدي -مؤرّخ الخليج وراصدُ تحوّلات الدولة العربية-