إسماعيل نوري الربيعي
الحوار المتمدن-العدد: 8683 - 2026 / 4 / 20 - 21:04
المحور:
الادب والفن
وقال لي، قف في باب الصورة ترَ ما لا يُرى. فدخلتُ على لوحة الفنان صبيح كلش كما يدخل الغريب إلى بيتٍ يعرفه من قبل أن يراه، فإذا الألوان ليست ألوانًا، بل طبقات من النداء، وإذا الشكل لا يقيم في حدوده، بل يفيض عنها كأنما يطلب خلاصًا من عينه. لم تكن اللوحة أمامي موضوعًا للنظر، بل كانت مقامًا للوقوف، والوقوف أول المعرفة وآخرها. وأوقفني في معنى اللون، فإذا الظاهرُ حجابُ الباطن. في أعمال صبيح كلش، لا يُستعمل اللون ليُرى، بل ليُخفى، كأن الأحمر لا يُفصح عن حرارته، بل عن جرحٍ لا يريد أن يُسمّى، وكأن الأزرق لا يدلّ على السماء، بل على ما انقطع منها في الداخل. إننا لا نقرأ الألوان هنا بوصفها عناصر تشكيلية فحسب، بل بوصفها إشارات نفسية ووجدانية، تتقاطع مع ما يسميه علم السيميائيات بالمدلول المؤجّل، حيث لا يستقر المعنى في العلامة، بل يظلّ مؤجَّلًا، هاربًا، متحوّلًا. وقال لي، إذا نطقتِ الخطوطُ صمتَ الشارحون. فالخط في هذه اللوحة ليس حدًّا يفصل، بل أثرًا يصل. إن الخطوط المتكسّرة، أو المرتجفة أحيانًا، لا ترسم الشكل بقدر ما تكشف قلقه. كأن اليد التي رسمت لم تكن تسعى إلى الإتقان، بل إلى الإفصاح عن اضطراب داخلي، عن رجفة في الرؤية قبل أن تكون رجفة في التنفيذ. وهنا يغدو الخط كتابةً غير لغوية، كتابةً تنتمي إلى ما قبل الكلام، حيث تتشكّل المعاني في هيئة آثار، لا في هيئة جمل. وأشهدني فراغ اللوحة، فرأيت الامتلاء في النقص. إن الفراغ في هذه الأعمال ليس غيابًا، بل حضورٌ من نوع آخر. المساحات التي تبدو غير مكتملة، أو التي تُترك بلا تفاصيل، تؤدي وظيفة جمالية وسيميائية عميقة، إذ تتيح للناظر أن يشارك في إنتاج المعنى. فاللوحة لا تُعطيك نفسها كاملة، بل تدعوك إلى إكمالها فيك. وهذا ما يجعل تجربة التلقي تجربةً تشاركية، لا استهلاكية.
وقال لي، لا تنظر إلى الوجه، وانظر إلى ما وراءه. في حال حضور الوجوه داخل التكوين، فإنها لا تُقدَّم بوصفها بورتريهات واقعية، بل بوصفها أقنعة أو آثارًا لوجوه. الملامح ليست واضحة، أو هي مشوّهة عمدًا، كأن الفنان يريد أن يقول إن الهوية ليست ما نراه، بل ما نفقده. إن هذا التلاعب بالملامح يُحيلنا إلى أسئلة أعمق تتعلّق بالذات، بالذاكرة، وبالتحوّلات التي تصيب الإنسان في سياقات القلق والاغتراب. وأوقفني بين الضوء والظل، فعرفتُ أن المعنى ابنُ التردد. الضوء في اللوحة لا يضيء بقدر ما يكشف حدود الإضاءة. هناك مناطق مضاءة، لكن هذه الإضاءة لا تُطمئن، بل تُقلق، لأنها تكشف ما ينبغي أن يبقى في الظل. أما الظل، فليس غياب الضوء، بل حضوره المؤجّل. إن العلاقة بين الضوء والظل هنا ليست علاقة تضاد بسيط، بل علاقة جدلية، حيث يولد المعنى من التوتر بينهما. وقال لي، كل لونٍ لا يفضي إلى سرٍّ فهو عابر. وهنا تتجلّى خصوصية تجربة صبيح كلش، إذ لا يُنتج لوحات للزينة، بل لوحات للتأمل، للوقوف، للقلق. إن اللون عنده ليس قرارًا جمالياً فحسب، بل موقفٌ وجودي. اختيار لونٍ دون آخر، أو مزج لونين بطريقة معينة، هو في جوهره اختيار لمعنى، أو محاولة للاقتراب من معنى لا يُدرك. وأراني هيئة الشكل، فإذا الصورة تستعير روح الناظر. إن الشكل في هذه اللوحة لا يكتمل إلا بالنظر إليه. فكل متلقٍّ يرى فيها ما يوافق تجربته الخاصة، وكأن اللوحة مرآة لا تعكس ما أمامها، بل ما في داخل من ينظر إليها. وهذا ما يمنح العمل طابعًا مفتوحًا، حيث لا توجد قراءة واحدة نهائية، بل قراءات متعددة، تتجاور دون أن تُلغي بعضها. وقال لي، ما غاب في الأثر أعظمُ مما حضر. إن ما لا نراه في اللوحة هو ما يمنحها قوتها. الإشارات الناقصة، التفاصيل المبتورة، الأشكال غير المكتملة، كلها تفتح المجال أمام الخيال، وتُحرّض الذاكرة. إن الغياب هنا ليس نقصًا، بل استراتيجية جمالية، تجعل من العمل فضاءً للتأويل، لا موضوعًا للإدراك المباشر.
وأوقفني عند الصمت، فإذا اللوحة تتكلم من سكوتها. الصمت في هذه الأعمال ليس سكونًا، بل خطابٌ خفي. هناك توتر داخلي، حركة غير مرئية، كأن العناصر جميعها على وشك أن تقول شيئًا، لكنها تتراجع في اللحظة الأخيرة. وهذا التراجع هو ما يخلق الأثر الجمالي، لأنه يتركنا في حالة انتظار دائم، في حالة بحث لا ينتهي. وقال لي، ليس الجمال فيما ظهر، بل فيما استتر. إن الجمال هنا ليس زخرفًا، بل كشفٌ جزئي لحقيقة أعمق. لا يسعى الفنان إلى إرضاء العين، بل إلى إرباكها، إلى دفعها نحو ما وراء المرئي. وهذا ما يجعل اللوحة تجربة فكرية بقدر ما هي تجربة بصرية. وأدخلني في هندسة التكوين، فرأيتُ النظام يصادق الفوضى. فالتكوين في هذه اللوحة يبدو في ظاهره عفويًا، لكنه في العمق محكوم بعلاقات دقيقة بين العناصر. هناك توازن خفي بين الكتل، بين الألوان، بين الفراغ والامتلاء. كأن الفوضى ليست غياب النظام، بل شكلاً آخر له، أكثر حرية، وأكثر قدرة على التعبير. وقال لي، الخط أولُ الحكاية وآخرها. فكل شيء يبدأ من الخط، وينتهي إليه. الخط هو الأصل، وهو الأثر الأول الذي يتركه الفنان على السطح. لكنه أيضًا النهاية، لأنه يبقى بعد أن تتلاشى الألوان، وبعد أن تتغير القراءات. وأشهدني كسرَ النسبة، فإذا الاختلال بابُ الدهشة. إن التشويه المقصود في النسب، أو في العلاقات بين العناصر، ليس خطأ، بل اختيار جمالي. إنه يفتح المجال أمام الدهشة، لأنه يحرّر الشكل من قيوده الواقعية، ويمنحه إمكانية أن يكون شيئًا آخر، أن يكون رمزًا، أو إشارة، أو حتى سؤالًا. وقال لي، إذا رأيتَ الرمز ففتش عن غيابه. فالرموز في هذه اللوحة ليست جاهزة، بل تُبنى في عملية التلقي. ما يبدو رمزًا قد لا يكون كذلك، وما لا يبدو رمزًا قد يتحول إلى مركز للمعنى. إن هذا التلاعب بالرمزية يجعل من العمل نصًا مفتوحًا، يحتاج إلى قارئ نشط، لا إلى متفرّج سلبي. وأوقفني في مرايا اللون، فرأيتُ الذاكرة تلبس هيئة الضوء. فالألوان هنا تستدعي الذاكرة، لا بوصفها ماضيًا ثابتًا، بل بوصفها تجربة حيّة، تتجدّد في كل مشاهدة. إن اللوحة لا تُمثّل شيئًا محددًا، بل تُحيل إلى حالات، إلى مشاعر، إلى أطياف من التجربة الإنسانية.
وقال لي، لكل ظلٍّ أصلٌ في الروح. فالظلال في هذه اللوحة ليست نتيجة للإضاءة فحسب، بل تعبير عن عمق داخلي، عن طبقات من الشعور لا تظهر مباشرة. إنها أثر لما لا يُقال، لما لا يُرى، لما لا يُمكن تمثيله إلا عبر الغياب. وأراني حركة السكون، فإذا الثبات سفرٌ خفي. فحتى العناصر الساكنة تحمل في داخلها حركة، كأنها في حالة تحوّل دائم. وهذا ما يمنح اللوحة طابعًا ديناميكيًا، رغم سكونها الظاهري. وقال لي، إذا اتسعت الرؤية ضاق التفسير. وكلما حاولنا أن نفسّر هذه اللوحة، ازدادت غموضًا. لأن المعنى فيها ليس شيئًا يُمتلك، بل تجربة تُعاش. إنها تُقاوم التحديد، وتفلت من القبض، وتبقى دائمًا في حالة انفتاح. وأوقفني عند حافة المعنى، فإذا السؤال أصدق من الجواب. إن قيمة هذه الأعمال لا تكمن في ما تقدّمه من أجوبة، بل في ما تثيره من أسئلة. إنها تدفعنا إلى إعادة النظر في مفاهيمنا عن الفن، عن الجمال، عن الذات. وقال لي، ما كل بياضٍ فراغ، ولا كل امتلاء حضور. فالبياض في اللوحة قد يكون أكثر كثافة من اللون، لأنه يحمل إمكانات متعددة للمعنى. كما أن الامتلاء قد يكون زائفًا، إذا لم يكن مشحونًا بالدلالة. وأشهدني انكسار الخط، فرأيتُ الزمن يتكلم. فالخطوط المكسورة، أو المتقطعة، تُحيل إلى الزمن، إلى أثره في الأشياء، إلى ما يتركه من شروخ في الذاكرة. وقال لي، إذا حضر الأثر غاب الشرح. وهنا تبلغ اللوحة ذروتها، حيث لا يعود الشرح ممكنًا، لأن التجربة تتجاوز اللغة. ما يبقى هو الأثر، ذلك الانطباع العميق الذي يتركه العمل في النفس. وأوقفني في صمت الوجوه، فإذا الملامح نداءاتٌ مؤجلة. إن الوجوه، إن وُجدت، لا تنظر إلينا، بل تنظر إلى مكان آخر، كأنها تبحث عن شيء ضاع، أو تنتظر شيئًا لم يأتِ بعد. وقال لي، ما كل نورٍ كشف، فقد يكون ستراً. فالضوء قد يُخفي بقدر ما يُظهر، وقد يكون أداة للتمويه، لا للكشف.
وأدخلني في سرّ التناسب، فعرفتُ أن الجمال ميزان الغيب. إن الجمال هنا ليس معيارًا ثابتًا، بل توازن دقيق بين عناصر متناقضة، بين حضور وغياب، بين وضوح وغموض. وقال لي، ما بين لونين برزخٌ من الحكاية. ففي المسافة بين لون وآخر، تتشكّل الحكاية، لا في اللون ذاته. تلك المنطقة الانتقالية هي حيث يولد المعنى. وأوقفني في عين الرمز، فإذا الغياب أشد حضوراً من المرئي. وهنا تتكثّف التجربة، حيث يصبح ما لا نراه أكثر تأثيرًا مما نراه. وقال لي، إذا رأيتَ الشكل فاسأل عن روحه. فالشكل ليس غاية، بل وسيلة. ما يهم هو ما يحمله من دلالات، من إشارات، من إمكانات. وأشهدني نهاية الصورة، فإذا البداية كامنةٌ فيها. وهكذا تنتهي الوقفة، لا بانتهاء المعنى، بل ببدايته. لأن هذه اللوحة لا تُغلق، بل تظلّ مفتوحة، كجرحٍ جميل، أو كنافذة لا تُفضي إلى خارج، بل إلى داخل. في النهاية، يمكن القول إن تجربة صبيح كلش التشكيلية تندرج ضمن أفق جمالي يتجاوز التمثيل إلى التأويل، ويتجاوز الشكل إلى الأثر، ويتجاوز الرؤية إلى الوقفة. إنها تجربة تُعيد تعريف العلاقة بين الفنان والعمل والمتلقي، وتجعل من اللوحة فضاءً للتفكير، لا مجرد موضوع للنظر. وفي هذا الأفق، لا يعود النقد وصفًا، بل يصبح مشاركة في الكشف، ووقوفًا جديدًا في باب الصورة.
#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟