أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - عبد الأمير شمخي؛ عابر المنافي وصانع المشهد















المزيد.....

عبد الأمير شمخي؛ عابر المنافي وصانع المشهد


إسماعيل نوري الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 8681 - 2026 / 4 / 18 - 09:10
المحور: الادب والفن
    


أصلحك الله، إن أول ما يطالع الناظر في سيرة المبدعين ليس ما أنجزوه فحسب، بل الكيفية التي صاغوا بها أرواحهم في أتون المحنة والرحيل. ومن هنا ينهض اسم عبد الأمير شمخي بوصفه واحدًا من أولئك الذين لم يكتفوا بأن يكتبوا المسرح، بل جعلوا من حياتهم نفسها مسرحًا للمعنى، تتجاور فيه بغداد والمنفى، والذاكرة والركح، والجرح العراقي مع أفق عربي فسيح. فهو كاتب مسرحي ومخرج عراقي، ولد في بغداد، وتكوّنت شخصيته الفنية في أروقة أكاديمية الفنون الجميلة، تلك المؤسسة التي كانت يومًا مصنعًا للأحلام العراقية الكبرى، ومنها خرجت أسماء حفرت في وجدان المسرح العربي. يا هذا، إن الصورة لا تُرى بالعين وحدها، وكذلك الرجال لا يُعرفون من أخبارهم وحدها، بل من ظلال أساتذتهم التي تمشي في لغتهم وحركتهم ووعيهم. وقد كان شمخي تلميذًا لجيل ذهبي من كبار الفن العراقي، أمثال خليل شوقي، وسامي عبد الحميد، وعوني كرومي. وهؤلاء، يا صاح، لم يكونوا أساتذة تلقين، بل بناة ذائقة، وصنّاع بصيرة، ومهندسي روح مسرحية تعرف كيف تجعل من الجسد نصًا، ومن الصمت حوارًا، ومن الإضاءة معنىً يوازي اللغة. ومن جاور الكبار اكتسب من سمتهم، كما تكتسب الشجرة من التربة ماءها الخفي.
هداك الله، ما الفن إلا لسانٌ آخر للروح، فإذا ضاقت الأوطان اتسعت الخشبة. ولعل أجمل ما في تجربة شمخي أنه لم يسمح للمحنة العراقية أن تقطع خيطه مع المسرح، بل حوّل المنفى إلى امتداد طبيعي للمشهد البغدادي الأول. اضطر إلى الهجرة خارج العراق ليكمل مسيرته الفنية، فتنقل بين البلدان، كأنما كان يحمل مسرحه في حقيبة روحه، حتى حط رحاله منذ عقد في كندا. غير أن الإقامة في كندا لم تكن عنده انقطاعًا عن الجذور، بل كانت، على طريقة النخيل العراقي، امتدادًا للجذر في تربة أخرى. يا أيها اللبيب، تأمل كيف يبتدئ المعنى من الهامش، فإن بعض المبدعين لا تصنعهم المراكز بل تصنعهم المنافي. فالمنفى عند عبد الأمير شمخي لم يكن عزلة، بل ورشةً أخرى للخلق. بقي متواصلًا مع النشاط الفني في البلاد العربية، يقدّم أعماله في المغرب والجزائر وتونس وليبيا ومصر والسعودية والكويت وسوريا، حتى غدا اسمه كالمسافر الذي كلما ابتعد عن بغداد عاد إليها من باب آخر. وهنا تتجلى حكمة المسرح، إذ يجعل الجغرافيا خادمةً للرؤية، لا سجنًا لها. يا صاح، إن اللون إذا نطق أسكت العبارة، وكذلك المسرح إذا اكتمل أخرس الشرح. كانت المحطة الأولى البارزة في سيرته مسرحية "الرهن" عام 1984 مع فرقة الفن الحديث، وهي محطة لا تُقرأ بوصفها عملًا عابرًا، بل بوصفها إعلانًا مبكرًا عن صوت درامي يعرف كيف يزاوج بين الفكرة والتشويق، وبين الحس الاجتماعي والعمق الرمزي. وليس غريبًا بعد ذلك أن ينال جائزة أفضل مؤلف، لأن الجوائز، في مثل هذه الحالات، لا تمنح النص قيمة، بل تشهد له بما استحقه من قبل. يا رعاك الله، ما كل ظاهرٍ في المسرح هو مقصوده، فإن ما يُرى على الخشبة أقلّ مما يُراد منها. حين أخرج مسرحية "الذيب" للفن الحديث عام 1986، بدا كأنه يختبر العلاقة الدقيقة بين النص والجسد، بين الكلمة وقدرتها على التحول إلى فعل، وبين الممثل بوصفه قارئًا ثانويًا للنص ومُعيدًا لكتابته بحركة العين واليد والنبرة. ثم جاءت "أطراف المدينة" عام 1988، لتكشف عن وعيه الحاد بالهامش الاجتماعي، وبالأمكنة التي تصنع المدن من أطرافها لا من مراكزها وحدها.
يا من يلتمس الحكمة، إن الجمال قد يختبئ في الكسور، وكذلك المبدع الكبير قد يظهر في شظايا أسفاره أكثر مما يظهر في سيرة مستقرة. فما يميز شمخي ليس مجرد كثرة الأعمال، بل هذه القدرة العجيبة على حمل الهمّ العراقي إلى فضاءات عربية مختلفة، من غير أن يفقد النص روحه الأولى. كأن بغداد كانت تكتب معه حتى وهو في الرباط، أو تراقب الإضاءة من وراء الستار وهو في الجزائر، أو تهمس للممثلين من شرفات الذاكرة وهو في القاهرة. يا أيها الفاضل، إن الخطوط أحيانًا أصدق من الوجوه، وكذلك الأثر أصدق من السيرة الذاتية. فالرجل الذي تعلّم على أيدي كبار المسرحيين لم يكتفِ بالمحاكاة، بل مضى إلى صوته الخاص، وهذا هو الفرق بين التلميذ المقلّد والتلميذ الخلّاق. لقد أخذ من خليل شوقي صرامة الحضور، ومن سامي عبد الحميد انضباط اللغة المسرحية، ومن عوني كرومي حسّ التجريب، ثم مزج ذلك كله في تجربة تحمل اسمه وحده. يا صاحبي، لعمري إن الظل نصف الحكاية، وما لم يُكتب عن الفنان أحيانًا أعمق مما كُتب. ففي سيرة شمخي ظلٌّ عراقي شفيف، ظلّ المنفى، وظلّ المدن التي مرّ بها، وظلّ الخشبات التي ترك عليها آثار خطاه. وهذه الظلال هي التي تمنح تجربته بعدًا إنسانيًا لا يقتصر على الحرفة، بل يمتد إلى معنى الصبر على الفن، والوفاء له في الأزمنة العسيرة. يا من يفتش عن المعنى، إن الفراغ في الفن كلامٌ مؤجل، وكذلك الصمت بين محطتين من حياة الفنان أبلغ من ضجيج التواريخ. فالعقد الذي أمضاه في كندا لا ينبغي أن يُقرأ ببرودة الجغرافيا، بل بحرارة الاستمرار. لقد ظلّ وفيًا للمسرح العربي، يتنقل بين فضاءاته، كأن الركح وطنٌ بديل لا تصادره الحدود، وكأن النص العراقي قادر على أن يتكلم بلهجات عربية شتى من غير أن يفقد نبرته الأولى.
يا أيها المتأمل، ما أكثر ما تقول الصمتات في التكوين، وكذلك ما أكثر ما تقوله سيرة شمخي عن جيلٍ كامل من المسرحيين العراقيين. جيل عرف كيف يجعل من الفن مقاومةً للنسيان، ومن الإخراج فعلًا تأويليًا، ومن الكتابة بابًا لرد الاعتبار إلى الإنسان. إن شمخي ليس اسمًا فرديًا فحسب، بل علامة على تقليد مسرحي عراقي راسخ، بدأ من بغداد وتوزع على المنافي، من غير أن ينكسر. يا فتى، إن للخشبة ذاكرةً لا تخون، وإن أسماء من خدموها بإخلاص تبقى معلقةً في سقفها كما تبقى الأضواء بعد انطفائها في حدقة الروح. وهكذا يظل عبد الأمير شمخي مثالًا للفنان الذي وحّد بين الكتابة والإخراج، بين الوطن والمنفى، بين المحلية العراقية والأفق العربي، حتى صار حضوره أشبه بجسرٍ من بغداد إلى العالم. فإن سألتني، أصلحك الباري، ما الذي يبقي الفنان حيًا بعد كل هذا الترحال؟ قلت: أن يجعل من المسرح وطنًا، ومن اللغة بيتًا، ومن الذاكرة خشبةً لا يسدل عليها الستار.



#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مفيد كاصد الزيدي -مؤرّخ الخليج وراصدُ تحوّلات الدولة العربية ...
- إبراهيم العلاف؛ مؤرخ الموصل وذاكرة العراق الحديثة
- رياض شابا؛ من ألقوش إلى مملكة الكلمة
- سيمياء اليومي وبلاغة السوق: قراءة في لوحة فيصل لعيبي
- سيدات شارع المتنبي: جمالية الحضور الأنثوي وذاكرة المدينة في ...
- حسن السوداني؛ سادن الصورة وناسج المعنى
- طارق النعمان في قراءة ديوان حرب تتعرّى أمام نافذتي: صرامة ال ...
- الجسد في متاهة الاحتمال: قراءة نقدية معاصرة في تشكيليات ناظم ...
- باهرة عبد اللطيف: نافذة الشعر التي عرّت الحرب وألبست الذاكرة ...
- قراءة في لوحة -صمت تام 3- ليوسف الدويك
- عبد الله إبراهيم؛ إمام السرد وراعي المعنى في أزمنة التبدد
- عباس الغراوي؛ قيّم الذاكرة الرقمية وروح كلية الآداب
- العلامة محمد جاسم المشهداني؛ حارس الذاكرة العربية وسادنُ الت ...
- صادق الطائي- سيرةُ العارفِ في مرايا الإنسان والمجتمع
- برفسور ياس خضير البياتي؛ سيرةُ عقلٍ إذا نطق البيانُ أنصت، وإ ...
- شاكر حسن راضي: ناسكُ اللغة وراهبُ المعنى في زمنِ العبور
- محمد كريم الكواز: سالكُ اللغة في تخوم الغيب ومرآةُ المتخيَّل ...
- سعيد الغانمي؛ في بيان المعنى وعمارة الخيال
- خالد المعالي- سيرةُ شاعرٍ جعل المنفى دارًا، والكتاب وطنًا
- مهند حلوة ودار كنوز المعرفة ؛ حديثُ السادنِ الذي أيقظ خزائنَ ...


المزيد.....




- الاحتلال يفرض سيادة بصرية.. 300 علم ورمز ديني تعيد تشكيل هوي ...
- أموت فارسا ولا أعيش -بندقية-.. كيف أنهى البارود دولة الممالي ...
- تحت ظل الشيخوخة
- قراءة مبسطة لديوان(النُوتِيلَا الْحمرَاء)للكاتب أسامة فرج:بق ...
- هل توقف قلبه؟ ومتى؟.. توضيح حول الحالة الصحية للفنان هاني شا ...
- الضيق في الرؤيا السؤال!
- الأرجنتين: بوينس آيرس تمزج الإيمان بموسيقى التكنو تكريما للب ...
- العائلة الملكية البريطانية تختار مؤرخة لكتابة سيرة الملكة ال ...
- ضمن فعاليات مهرجان زهرة المدائن التاسع عشر... ملتقى المثقفين ...
- قراءة في رواية(غريب ولكن..)للكاتب: أسامة فرج .بقلم: عادل الت ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - عبد الأمير شمخي؛ عابر المنافي وصانع المشهد