أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مقداد مسعود - أ. د علاء العبادي يتنزه في قصيدة مقداد مسعود(ليل هذا النهار)














المزيد.....

أ. د علاء العبادي يتنزه في قصيدة مقداد مسعود(ليل هذا النهار)


مقداد مسعود

الحوار المتمدن-العدد: 8680 - 2026 / 4 / 17 - 14:19
المحور: الادب والفن
    


غزارة التأويل في قصيدة (ليلٌ هذا النهار) لمقداد مسعود
الأستاذ الدكتور علاء العبادي
النص الماثل أمامنا، قصيدة نثرية حداثية سوريالية حداثية،
تقدم الليل لا كظاهرة كونية، بل ككيان مفترس، مسرع إلى ضم الذات، كائن يلتهم القامات ويزج بالجسد في رواق معتم. هكذا تنقلب الدلالة الرومانسية لليل (ملاذ العشاق وفضاء التأمل) إلى تأمل راعب، يخلع الشاعر على الليل، إرادة مادية، مما يضع المتلقي منذ البداية، في مناخ من الغرابة حيث يتردد المشهد بين الحلم والكابوس. يخلق النص بنية دائرية، تبدأ بصيغة المتكلم الجمع (ضمنا، قاماتنا) ثم يتحول فجأة إلى المفرد (كأني غفوتُ، دخلتُ، سألتُ) هذا التحول في ضمير المتكلم، يُعبر عن شرخ في الوعي الجمعي، ربما أمة، أو جماعة، تغيب فجأة ليبقى الفرد وحيداً في دهاليز الليل. ثم نقرأ سلسلة من الأسئلة الحائرة (كيف دخلتُ؟ متى؟ مَن أدخلني؟) أسئلة تخلو من إجابة، مما يذيب الحدود الزمنية والمكانية. إنها لحظة(استفاقة الذاكرة) كما تقول العبارة المفارقة (كأني غفوتُ في ذاكرة ٍ استفاقة) فكيف يغفو الإنسان في ذاكرةٍ؟
هل الذاكرة فراش؟ المفارقة تشي بأن الذاكرة ليست وعياً يقظاً بل سباتاً وهمياً، والاستفاقة ليست صحواً بل دخول أعمق في المتاهة.
يبرز اسم الفيلسوف الإغريقي زينون الإيلي(القرن الخامس ق.م)
صاحب مفارقة الحركة، إذ يقول النص (لا زينون ينتظرنا فيه ولا ظلهُ) غياب زينون ليس مجرد غياب شخص، بل غياب المنطق، الذي يفسر الحركة والمسافة. زينون هو الذي أثبت أن الحركة محض وهم، لكن هنا، حيث لا زينون ولا ظله، يصبح الليل فضاءً
تختفي فيه كل قوانين الفيزياء والميتافيزيقيا. لا أحد يحل مفارقة العابر، ولا حتى ظل الفيلسوف: نحن في نفق لا متناه، لا يقبل البرهان الرياضي، في(رواق معتم طويل) بلا نهاية، ولا بداية.
يقدم النص، الجسد الإنساني في حالات من التحول والانتهاك: (قاماتنا الفارعة) التي تلتهمها ظلمة الليل، فالطول فارع لكنه عاجز أمام الليل المفترس. ثم َ(سمكة ألتصق نصفها في الهواء) صورة عجيبة لكائن( يرتعش قدامي). السمكة نصفها في عنصرها(الماء) ونصفها الآخر في الهواء، أي أنها في حالة تشظٍ وجودي، لا حية ولا ميتة، عالقة بين عالمين. هذا الكائن ربما يكون مرشداً دنيوياً، أو ذاتاً أخرى منشطرة. وأخيراً ( مشاعره تقوست كظهر حيوان يستعد للانقضاض) تحويل المشاعر(وهي مجردة) إلى هيئة جسدية ملموسة(ظهر مقوس) هذا التجسيد يضفي طابعا عدوانياً/ حيوانياً على كيان دخل الليل، لكن الشاعر لم يره ولم يحزره إلاّ بأذنيه
إنه حضورٌ غائب، أو خطرٌ يتلبس بالكتمان.
السؤال الأكثر صدمة ً في النص (هي مقبرة كيف تكتسي هيئة العيد)!! المقبرة موت، العيد حياة واحتفال. هذا المزج يكشف عن قلب للحقائق(على طريقة باختين) ربما الليل هو أرض محايدة يتساوى فيها الموتى والأحياء، أو أن دخول الليل هو دخول في احتفال مقلوب، قداس أسود، والأغرب أن السؤال موّجه إلى (ظلي) الظل هو امتداد الإنسان ولكن دون روح، ظلٌ يسأل ظله ُ عن سبب تزّين الموت -–وهذا انفصام ذهني مدهش.
يقدم كائن غامض (أو ربما هو الليل نفسه) قنينة ماء لكن الماء
(لا صفات الماء فيه، ولا مذاق دواء). الماء في الأساطير والأديان رمز التطهير والشفاء والحياة(الماء الحي، ماء الوضوء). أما هنا فهو معطل، لا يروي ولا يشفي، ليس سائلاً طبيعياً ولا دواءً.
هذا التجريد للماء يجعله عديم الجدوى، مما يعمق الإحساس بالعقم الروحي. لا خلاص في هذا الليل، ولا حتى وهم الخلاص.
يخترق المكان صوت(محدثاً أثراً ماثلاً لما يحدثه خنجرٌ) أنه صوتٌ عميقٌ ومؤلم، ثم نرى مشهداً درامياً :(أفواه منوعة بصقت اسماً) وأشبه بنصال حرابٍ وقعت على الحراب. الأسماء المقذوفة ربما أسماء الضحايا أو أسماء الملائكة أو أسما الشياطين. لكنها(بصقت) وليس(نطقت) أي برجس وتحقير. الصوت والخنجر والحراب كلها أدوات عنف. لكن السطر الأخير (وقعت على الحراب) يخلق تصادماً: نصال تقع على الحراب نفسها، أي اعتداء على الأدوات الحادة ذاتها. ربما انقلاب في العنف، أو تدمير الآلة التي تقتل.
النص دون حل، تاركاً إياناً في حالة ضياع.
نص مقداد مسعود بناء شعري مفتوح على تأويلات متعددة: يمكن قراءته على أنه رحلة باطنية نحو الذات المظلمة (الليل كرمز للاوعي)، أو نقد سياسي للمقابر الجماعية التي تتزين بأعياد السلطة، أو تشخيص لحالة ما بعد الصدمة حيث تصبح الذاكرة كابوساً يستفيق على كابوس آخر. والنجاح الحقيقي هو في توليد تلك الهالة من الرعب، وإقناعنا بأن الليل الذي(يسارع في ضمنا) بل ميتافزيقيا للضياع.


(ليل ٌ هذا النهار)
مقداد مسعود
ليل ٌ يسارع في ضمنا إليه. ليلٌ يلتهم قاماتنا الفارعة
يزجنا في رواق ٍ معتم طويل، لا زينون ينتظرنا فيه
ولا ظلهُ،
كأني غفوتُ في ذاكرة ٍ استفاقت.
دخلتُ في ليلٍ، ودعنّي منذ نعومة أحزاني اللبنية.
كيف دخلتُ؟ متى؟ مَن أدخلني واختفى؟ أو تملص
ليتموّن ذخيرة ً. ومَن هذا الذي يرتعش قدامي
كأنه سمكة ً التصق نصفها في الهواء.
حين دخلتُ سألتُ ظلي
: هي مقبرة ٌ كيف تكتسي هيئة العيد!! مَن أدخلني
رأيتُ مشاعرهُ تقوست كظهر حيوان يستعد للانقضاض.
حين دخلتُ الليل َ
لم أرهُ
لكنّ أذنيّ حزرتْ خطواته ُ.
وأنا أسيرُ في جوف الليل، هناك من أوقفني وناولني
قنينة َ ماءٍ، كان الماءُ لا صفات الماءِ فيه، ولا مذاق دواءٍ.
فجأة ً
أخترق المكان صوتٌ
محدِثا أثراً مما ثلاً
لما يحدثهُ خنجرٌ
فرأيتُ أفواهً منوعة ً
بصقت ْ اسما
كأن نصال َ حرابٍ
وقعت ْعلى الحرابِ



#مقداد_مسعود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الباحث والكاتب نبيل الربيعي( البنية الرمزية في قصيدة (ليل هذ ...
- ليل ٌ هذا النهار
- ذكرى صالح معتوق المعيدي
- رأي وامض في قصيدة( قبضة) أ. د علاء العبادي
- (الغريب) قصة للقاص والروائي محمد عبد حسن
- قبضة
- عبد الرحمن منيف
- حين نطل من شباكنا المعرفي
- الدكتور مالك المطلبي
- (صيف سويسري)
- نعيم قطان
- شاعر الوجود والظل
- قصيدة عند قبر الشاعر السيّاب
- حفريات في غياب الصورة
- ريح ٌ
- فهدنا الفادي
- قراءة في قصة( دمية في يد عملاق)
- قصيدة مربي الأجيال الأستاذ يوسف التميمي
- حسب الشيخ جعفر .. وروايتان
- اليد والنسيان


المزيد.....




- سوريا.. الشرع يستقبل الفنان السوري جمال سليمان في قصر الشعب ...
- من الأجمل في افتتاح مهرجان كان السينمائي 2026؟ إطلالات نجمات ...
- أميريغو فسبوتشي: لماذا تحمل أميركا اسم بحار إيطالي؟
- عبور مؤجل إلى ما خلف العدسة.. عبد الله مكسور يكتب يومه في ال ...
- -أشعر وكأنني ماكولي كولكين في فيلم وحدي في المنزل-.. فانس ما ...
- أزمة قلبية مفاجئة.. رحيل الفنان الجزائري كمال زرارة
- مفارقات كوميدية بين -كزبرة- وأحمد غزي في فيلم -محمود التاني- ...
- انطفأ السراج وبدأ عصر -الموديلز-
- أكرم سيتي يختزل قرنًا من الاستبداد في دقيقتين
- أبو الغيط يترأس اجتماع مجلس إدارة الصندوق العربي للمعونة الف ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مقداد مسعود - أ. د علاء العبادي يتنزه في قصيدة مقداد مسعود(ليل هذا النهار)