|
|
(الغريب) قصة للقاص والروائي محمد عبد حسن
مقداد مسعود
الحوار المتمدن-العدد: 8674 - 2026 / 4 / 11 - 08:45
المحور:
الادب والفن
( الغريب ) محمد عبد حسن
(تبدو غريبًا).. قال لي. ربما دلّه على ذلك متاعي القليل.. وتعب طريق طويل كان يتزايد، ويفيض، كلّما دنوتُ من البوابة. لمّا التفتُّ إليه؛ وجدتُ أنّه يتخلف عنّي خطوات. ذكّرني، وجهه المصبوغ بفرحة العائد إلى داره، أنْ لا دار لي هنا.. وأنّ عليّ البحث عن أحد خانات المدينة لقضاء ليلتي الأولى. (نعم).. قلتُ. ولا أدري إنْ كنتُ أنا مَنْ تباطأ.. أمْ أنّه مَنْ أسرع ليكون بجانبي.. لنصبح، ونحن نجتاز بوابة المدينة، كصديقين. كان المساء يتبعنا متعب الخطى؛ حتى أنّه ترك لنا فسحة من وقتٍ سألته فيها عن خان قريب. كنتُ أظنّ أنّه سيأخذني إلى بيته.. إلا أنّه أخذني إلى دار، قال إنّه يملكها، في حقل وجدتُ نفسي أسير فيه بجانبه. وحين بقيتُ وحيدًا.. لم تلتقطْ عيناي غير نخلة، معتنىً بها، تتوسط الباحة. كانت قسمات وجهه تهرب منّي كلّما حاولت الإمساك بشيءٍ منها.. وكنتُ أسمعه وهو يقول لي: (بإمكانك البقاء هنا. أملك حانوتًا وسط السوق، وأحتاجك معي. بعد غدٍ سأمرّ عليك لنذهب إلى المدينة.. وترى رأيك). بدأتُ أذهب إليه في الصباح لأجده في حانوته. وكنتُ أساعده في أعمال يمكنه القيام بها وحده: ألبّي طلبات زبائنه القليلين. وكان يشغلني الوقت كلّه دون أنْ يترك لأحدٍ، من أصحاب الحوانيت المجاورة، فرصة الحديث معي. أتذكّر كلّ ذلك وأنا أجمع أمتعتي لأبدأ رحلة جديدة.. لا أدري إلى أين. منذ أيامٍ وهاجس الرحيل يستولي عليّ.. أنا الذي لم آلف مكانًا. ولم أخبر الرجل حتى ونحن نسير معًا، أمس، عائدين.. قبل أنْ نفترق. أترك أمتعتي، تحت ظلّ النخلة، وسط الدار وأذهب لأراه وأعلمه قراري. عن بعدٍ.. لمحتُ الحانوت مقفلًا. واتضح لي، وأنا أقترب، حجم الضرر الذي يستولي عليه! أحدث كلّ هذا ليلة أمس؟! على العتبة المهشّمة.. جلست أنتظر الرجل، مفكرًا: كيف لم ألحظ ذلك من قبل!! ربما لأنّي كنتُ أصل فأجده مفتوحًا، ولأنّه ينشر بضاعته عليها قبل حضوري. ولمّا طال انتظاري؛ سألتُ صاحب الحانوت المجاور: - ألمْ يأتِ الرجل اليوم؟ نظر إليّ مشدوهًا كما لو كنتُ ظهرتُ أمامه فجأة، وبقي ينقل بصره بين الحانوت المقفل وبيني قبل أنْ يقولَ لي: - هذا الحانوت مغلق.. لم يفتحه أحد منذ سنين!! بدا عليه أنّه يراني للمرّة الأولى. في حين أننّي كنتُ أعرفه، إلّا أنّي لم أتحدث إليه من قبل. لم أجدْ ما أقوله. أبتعدُ. الطريق، على غير العادة، طويل. أشعر بتحرري من عينَي الرجل الذي سألته. أجتاز المفرق الذي كان الرجل يودّعني فيه متجهًا إلى البيت.. ولم يكنْ ثمّة بيت: كانتْ أمتعتي وحدها، وقد فارقها الظلّ، قرب جذع نخلة لم يعتنِ بها أحد منذ سنين. (قراءة ) مقداد مسعود
تبدأ القصة بالواقعي ثم تنشطر.. أو تنقلب من الواقعي إلى الغرائبي الذي يليق أن يكون حلماً. ولماذا ليس رؤيا؟ شخص عاد من سفرٍ، يلتقي شخصاً ومن التلاقي ينبث التحاور ومن المبثوث والمسرود ينهض صرح هذه القصة القصيرة، التي سردها مشعرن ومكثّف قصة تجعل القارئ مغوياً بتكرار تقليب قماشة النص، وكلما قرأ القارئ كلما صار يحلم أنه الشخص الغريب، الذي ربما قادم من الغربة الغربية لمولاي السهروردي. هنا تنقض قراءتي الثالثة، قراءتي الأولى، ثم قراءتي الأخيرة، تخبرني: لا يوجد واقع في القصة. السارد يوهمنا بواقع ليغوينا بالدخول في بيت القصة، ثم يتملص السارد، ويغادر النص ويغلقه على القارئ. هنا يعود القارئ في تنضيد علامات القص، ويتحاور معها، ربما يمتح من بئرها ما يزيد قلقه ُ جمالا. ستقوم قراءتي بتنضيد العلامات وترقيمها : (1) تبدو غريبا (2) ذكرني وجهه المصبوغ بفرحة العائد إلى داره (3) أنْ لا دار لي هنا (4) علي البحث عن أحد خانات المدينة لقضاء ليلتي الأولى. يشعر القارئ بصوتين يتحاوران الغريب والرجل الآخر وكلاهما بلا ملامح لهما صفات فقط (5) كنتُ أظنّ أنه سيأخذني إلى بيته (6) إلاّ أنه أخذني إلى دار قال أنه يملكها في حقل. (7) لم تلتقط ْ عيناي غير نخلة، معتنى بها، تتوسط الباحة يخبرنا الغريب عن الرجل الآخر: (8) كانت قسمات وجهه تهرب منّي كلّما حاولت الإمساك بشيء منها (9) يطرح الرجل على الغريب أن يعمل معه في دكانه فيخبرنا الغريب :كنتُ أساعده في أعمال يمكنه القيام بها وحده (10) العلامة العاشرة في غاية الأهمية، حين يخبرنا الغريب : وكان يشغلني الوقت كلّه دون أن يترك لأحدٍ من أصحاب الحوانيت المجاورة فرصة الحديث معي. (11) نعرف من الغريب أنه من الجوابين لا يقر له قرار (12) (هاجس الرحيل يستولي عليّ) (13) نصل إلى المفاجأة التي تفاجأ بها الغريب (لمحتُ الحانوت مقفلاً) (14) تكتمل المفاجأة حين يسأل الغريب صاحب الحانوت المجاور (15) ألم يأتِ الرجل اليوم؟ (16) نظرَ إليّ مشدوهاً كما لوكنت ظهرتُ أمامه فجأة، وبقي ينقل بصره بين الحانوت المقفل وبيني قبل أن يقول لي: هذا الحانوت مغلق.. لم يفتحه أحد منذ سنين!! (17) يخبرنا الغريب عن صاحب الحانوت المجاور (بدا عليه أنّه يراني للمرّة الأولى. في حين أننّي كنتُ أعرفه، إلا أنّي لم اتحدث إليه من قبل/ وهذا يعني نحن أمام ما يجاور (عودة الابن الضال) (18) يخبرنا الغريب وهو في طريقه لأخذ متاعه، يخبرنا أنه (أجتاز المفرق الذي كان الرجل يودّعني فيه متجهاً إلى البيت.. ولم يكن ثمّة بيت: كانت أمتعتي وحدها، قرب جذع نخلة لم يعتنِ بها أحد منذ سنين. (*) كقارئ أراني أمام قصة قصيرة مشطورة، كما أراني أتجول في مدينة مرئية ولا مرئية. المدينة لها بوابة لكن القارئ لم ير بشراً يتحرك فيها!! المتحرك الوحيد الغريب والرجل الاخر وكلاهما لم يطلق السارد عليهما اسما!! أما الرجل الثالث صاحب الحانوت المجاور لحانوت الرجل الآخر، فهو محدد بوظيفة واحدة: إخبار الغريب حول الدكان المغلق، لكن لصاحب الحانوت وظيفة أخرى يدسها لنا الغريب (بدا عليه أنّه يراني للمرّة الأولى. في حين أننّي كنتُ أعرفه، إلاّ أنيّ لم أتحدث إليه من قبل) إذن هو ليس بالغريب عن المكان، بل هو الجوّاب الذي ينفر من الإقامة في أي مكان لماذا الرجل الآخر لا يدع الغريب يتكلم مع أصحاب الحوانيت!! المشهد الثاني يكذّب المشهد الأول، كأن المشهد الأول رؤيوي والثاني ميداني : بخصوص الرجل الآخر وكذلك الحانوت والنخلة والبيت. (*) فمن هو الرجل الآخر ولماذا أهتم بالغريب؟ ولماذا اقتصرت القصة على الرجلين في تحريك النص؟ الغموض الشفيف يجعل القارئ يشارك في تفكيك النص، ولو بإنتاج أسئلة ً توسع المعنى. ومضة سردية ربما تميط اللثام للنصف عن الرجل حين يخبرنا الغريب (كانت قسمات وجهه تهرب منّي كلّما حاولت الإمساك بشيء منها. (*) لغة النص تختلف عن لغة القاص والروائي محمد عبد حسن أراه يسلك أسلوباً جديدا لموضوعة غزيرة الخصوبة وعليه أن يواصل السعي في هذا الفضاء القصصي الصعب، الذي اصطفاه
#مقداد_مسعود (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
قبضة
-
عبد الرحمن منيف
-
حين نطل من شباكنا المعرفي
-
الدكتور مالك المطلبي
-
(صيف سويسري)
-
نعيم قطان
-
شاعر الوجود والظل
-
قصيدة عند قبر الشاعر السيّاب
-
حفريات في غياب الصورة
-
ريح ٌ
-
فهدنا الفادي
-
قراءة في قصة( دمية في يد عملاق)
-
قصيدة مربي الأجيال الأستاذ يوسف التميمي
-
حسب الشيخ جعفر .. وروايتان
-
اليد والنسيان
-
موسى كريدي
-
مصطفى جواد
-
رسالة الأستاذ الدكتور علاء العبادي إلى مقدادمسعود
-
ذاكرة مستلقية وتهرول
-
ليل هذا النهار
المزيد.....
-
توبوريا يكشف كواليس الشراكة مع رونالدو في فنون القتال المختل
...
-
تضارب الروايات بشأن مضيق هرمز: واشنطن تعلن العبور لتطهير الأ
...
-
بلوزيوم الأثرية.. اكتشاف بقايا معبد يعود لأكثر من ألفي عام ف
...
-
بوكسينغ وموسيقى.. علاج غير مألوف لمرضى باركنسون
-
عائلته ضمن الحضور.. فيلم عن حياة مايكل جاكسون يجذب الآلاف إل
...
-
الرجل الذي كان يهرب على عجلتين
-
مقابر بني حسن.. حين نحت أمراء مصر القديمة سيرهم في بطن الجبل
...
-
أكثر من 2500 فيلم يتنافسون على المشاركة في «كان» السينمائي
-
أول تجربة إنتاجية لمنى زكي.. -وحيدا- ينافس في مهرجان هوليوود
...
-
فيلم -الحياة بعد سهام-.. ماذا نعرف حقا عن آبائنا؟
المزيد.....
-
تمارين أرذل العمر
/ مروة مروان أبو سمعان
-
اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية
/ أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
-
رحلتي في ذاكرة الأدب
/ عائد ماجد
-
فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال
...
/ أقبال المؤمن
-
الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير
/ أقبال المؤمن
-
إمام العشاق
/ كمال التاغوتي
-
كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين
/ ياسر جابر الجمَّال
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو
...
/ السيد حافظ
-
أحافير شاب يحتضر
/ المستنير الحازمي
المزيد.....
|