|
|
قصيدة عند قبر الشاعر السيّاب
مقداد مسعود
الحوار المتمدن-العدد: 8665 - 2026 / 4 / 2 - 00:12
المحور:
الادب والفن
ثنائيات الاتصال في (مقبرة الحسن البصري، قصيدة عند قبر الشاعر السيّاب) للشاعر ياسين طه حافظ
ترى قراءتنا أن هذه القصيدة، تشتغل الياتها على منظومة من الثنائيات: (1) ثنائية العنونة (2) ثنائية نص القصيدة
(*) تشتغل القصيدة على ثنائية العنوان عنوان بالبنط العريض: مقبرة الحسن البصري، يليه بعد فاصلة من البياض العنوان التالي: قصيدة عند قبر السياب. (*) ترى قراءتنا ان الموت مكانا يشكل اتصالية العنونة بين العنوانين في العنوان الرئيس لدينا مفردة (مقبرة) وفي العنوان الفرعي، لدينا مفردة (قبر)، اذن هي اتصالية الواحد (قبر) بالكثرة (مقبرة). كل عنوان يحتوي على اسم علم ثقافي في العنوان الرئيس لدينا، اسم فقيه، حين يذكر ... تتداعى اضطرابات حقبة من تاريخ السلطة الاسلامية في العراق حقبة وسمت باستبداد سلطة غاشمة والفقيه ذاته الحسن البصري، تركت سمات تلك الحقبة ظلالها على مواقفه الفكرية ... على الواقع المعيش لم يبق من الفقيه، سوى هذا العقار الآخروي مقبرة، تتعايش فيها رموز القدامة والحداثة. في العنوان الفرعي: نقلة من الكثرة / العام إلى الواحد الخاص (قبر) وخصوصية الواحد كالتالي : خصوصية شعرية، فالشاعر زائر المقبرة، يخص القبر الذي يزوره بقصيدة، وسبب التخصيص أن صاحب القبر شاعر وشاعر بامتياز ريادي، انه الشاعر السياب، وعلى عمومية اللقب (السياب) لكنه هنا حصريا يخص الشاعر بدر شاكر السياب وحده دون عشيرته. (*) اتصالية القسوة والاستبداد في حقبة السياب هي مرحلة التحرر الوطني ذات الاضطرابات المتنوعة، صراع شرس مع المستعمر، يليه بعد ثورة تموز اصطراع واحتراب بين القوى الوطنية حد الابادة الجسدية، في 8 شباط 1963 ذروتها. ومن جراء القسوة والاستبداد كان كل من الفقيه الحسن البصري والمثقف الثوري (السياب) في عداد الضحايا. (*) العنوانان شبه الجملة الاسمية مقبرة الحسن البصري - قصيدة عند قبر السياب تتكون قصيدة مقبرة الحسن البصري، من الحركات الشعرية التالية: الحركة الأولى: تتكون من الاسطر الثمانية الأولى، ومن خلال هذه الاسطر تقدم القصيدة مسحا طوبوغرافيا للمكان. الحركة الثانية: ثمة كاميرا غير مرئية تنتقل من التعليق الطبوغرافي، الى التصوير من منظور أقرب، ترّكز اللقطة على سكان مملكة الحدبات الحجرية. تتكون اللقطة من ثمانية أسطر ايضا. والحركتان هاتان كأنهما المسافة التي يقطعها الزائر من البوابة حتى القبر المقصود هنا تنهي الحركة الأولى بمفصليها. الحركة الثانية: يكون الزائر قد حدد الوقوف أمام قبرٍ يقصدهُ، رغم معرفته بقبور اخر (قلت اعرف بعضهم، وتوقفت: ذا شاعر ... هنا تنضفر الحركة الثانية الى حركتين فرعيتين، الحركة الفرعية الأولى: يرمم الشاعر الزائر (نقص الصورة من خلال تذكر وجيز لحياة الشاعر السياب وفي هذه الحركة، تتعشق الحياة بالموت في ستة اسطر. في الحركة الفرعية الثانية: يحدث تماهٍ سريع والأصح ان الشاعر الزائر يتعامل بشعرية عالية مع قنونة المكان: التزمتُ بقانون عالمه من خلال هذا القانون، تنكشف لنا بلاغة العدم.
تفصيل ثان : ثنائيات القصيدة
المفصل الطبوغرافي / فاتحة القصيدة (انتحيتُ جانبا . ليس للبحر شأن بها لا البساتين تقرب منها ولا الشط، بعد الذي صار يعرفها). في هذه الأسطر الثلاثة، تتكشف لنا قوة انتباذية، عزلت هذا المكان بنسق ثلاثي عن ماء الحياة : 1- ليس للبحر. ٢ -لا البساتين . 3- ولا الشط. نلاحظ هنا أن الانتباذ مكانيا، ليس بفعل سيرورة ذاتية بل من جراء تضاد نسق مائي، ثلاثي .. جعل هذا المكان منغلقا مثل دائرة (هي دائرة اغلقت)، ولكن انغلاقها يمور بحركة مصدرها السكون، يعلن عن ذلك لسان القصيدة، من خلال الجمل التالية: 1-قد يضيق الفضاء بها 2- فتمد الى الرمل أذرعها وتطوقه. 3- هي تزحف زحفا بطيئا. 4-وتبدو مخدرة في أسرتها. هندسياً يحيلني هذا النسق الرباعي إلى صرامة شكل المربع، وهي احالة ضمن افق استجابتي الشخصية، وفي داخل المربع، ثمة مثلث يؤثل اضلاعه من النسق الثلاثي للفعل المضارع تمد/ تطوق / تزحف وهي افعال ذات حركة برانية، خلافا، للفعل الرابع: (تبدو) المخادع من خلال سياقه (تبدو مخدرة في أسرتها). ترى قراءتنا ان السطر الشعري، الأول والسابع والثامن والثاني: وحدة شعرية صغرى: (انتحيتُ جانبا هي في عالم غير عالمنا والقوانين من زمن تتحاشى اثارتها، هي دائرة اغلقت).نلاحظ هنا أن الأفعال ذات شحنة سالبة: يشكل الفعل الماضي (انتحيتُ) القوس الأول، اما القوس الثاني فيتشكل من الفعل المضارع بدلالته السالبة (تتحاشى) ومن قوسي الانتحاء والتحاشي، تتكمل دائرة الانغلاق المبنية للمجهول: (هي دائرة أُغلقت). ومن خلال انغلاقها تنفتح للداخل، لأنها دائرة لها تابوها الخاص، الممنوع من القنونة، خطاب هذه الدائرة يتقاطع مع الخطاب السائد المألوف، في هذه الاسطر الشعرية الثمان ركزت القصيدة عين كاميراتها على لقطة كبيرة وظيفتها بث مسح عام المقبرة. (*) جغرافيا الانغلاق، لا ينتج سكونها، سوى الأفعال السالبة هذه هي خلاصة الأسطر الثمان التالية حيث تركز القصيدة على سلبية التلقي عند سكان مملكة السكون بقوة من خلال توظيفها للفعل المضارع وتفريغ فاعليته الموجبة سياقيا، ويمكن اعتبار السطر الأول بمثابة المولدة للأسطر السبعة: - 1- ناسها يرتضون السكون الذي يحكم الكل. شخصيا في هذا السطر الشعري، خلاصة الاسطر السبعة القادمة وهنا تتكشف دوافع الشاعر / الراثي، زائر المقبرة، انه منشغل بإنتاج قيمة فلسفية لمملكة يحكمها الغراب، وإذا كان الموت حافزا على حمل النفس على رثاء نفسها فان الشاعر ياسين طه حافظ تخلص من ذلك بالانشغال على معادل موضوعي أعمق دلالة لنعد الى السطر ذاته، نلاحظ ان الرضا هو اشد انواع الاستسلام، والرضا هو نتيجة لسبب قوة مهيمنة السكون، وهي قوة كلية لا نفاذ منها: حاكمية السكون المطلقة، اذا الرضا جبر لا خيار فيه، "ف" السكون" يحكم الكل. ونتيجة هذه الكلية، تم التنازل من قبل الكل 2- (والكل فيها تنازل عن : ما له و بهارجه وحماس عشيرته)
السطر الثالث يكشف عن الألفة بين سكون المكان وصمت المكين مع إحالة تكرارية للرضا، ولكن بصيغة الماضي لا المضارع: 3 – (ارتضوا أن يظلوا هنا صامتين) وإذا كانت القوانين تتحاشى أثارة المقبرة، فأن الحياة كل يوم تسهم بتزويد المقبرة بانتاجية مطفأة. ليست المواعيد مرجأة فحسب بل الأشياء كلها رهينة الأرجاء، ومن جراء ذلك: (لا يرحب بالقادمين هنا أحد) (ليس من يتململ من ضجر) هنا تختتم القصيدة صيرورة الحركة الأولى بشقيها الطوبو غرافي واتصالية المكان بالمكين، ومن هنا تنتقل القصيدة من المشهد العام إلى المشهد الخاص.
#مقداد_مسعود (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
حفريات في غياب الصورة
-
ريح ٌ
-
فهدنا الفادي
-
قراءة في قصة( دمية في يد عملاق)
-
قصيدة مربي الأجيال الأستاذ يوسف التميمي
-
حسب الشيخ جعفر .. وروايتان
-
اليد والنسيان
-
موسى كريدي
-
مصطفى جواد
-
رسالة الأستاذ الدكتور علاء العبادي إلى مقدادمسعود
-
ذاكرة مستلقية وتهرول
-
ليل هذا النهار
-
الحداثة المأزومة
-
مناجاة الشاكرين
-
حسب الشيخ جعفر/ تركي الحميري
-
هما
-
تعليق نبيل الربيعي على(طواف حول نهج البلاغة) مقداد مسعود
-
طواف حول (نهج البلاغة)
-
أ.د علاء العبادي قراءة في (أرباض) مقداد مسعود
-
أ.د علاء العبادي/ الثنائية الكونية في قصيدة مقداد مسعود
المزيد.....
-
وراء الباب السابع
-
بغداد تئن من وجع الأوهام
-
مهرجان اوفير الدولي
-
ألبوم -سر-: مريم صالح تواجه الفقد بالغناء
-
إعادة ترجمة كلاسيكيات الأدب.. بين منطق اللغة وحسابات السوق
-
قاسم إسطنبولي.. حين يتحول الفن والمسرح الى المقاومة الثقافية
...
-
عودة أنيقة لفيلم The Devil Wears Prada 2 .. ميريل ستريب وآن
...
-
لماذا يثير كتاب لطه حسين جدلاً منذ مئة عام؟
-
الرمز البصري لتيار ما بعد الإادراك العرش
-
الفنان عزيز خيون: المسرح العراقي -رسالة تنويرية-
المزيد.....
-
تمارين أرذل العمر
/ مروة مروان أبو سمعان
-
اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية
/ أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
-
رحلتي في ذاكرة الأدب
/ عائد ماجد
-
فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال
...
/ أقبال المؤمن
-
الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير
/ أقبال المؤمن
-
إمام العشاق
/ كمال التاغوتي
-
كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين
/ ياسر جابر الجمَّال
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو
...
/ السيد حافظ
-
أحافير شاب يحتضر
/ المستنير الحازمي
المزيد.....
|