|
|
أ.د علاء العبادي قراءة في (أرباض) مقداد مسعود
مقداد مسعود
الحوار المتمدن-العدد: 8641 - 2026 / 3 / 9 - 16:24
المحور:
الادب والفن
قراءة في وحدتين شعريتين في ديوان مقداد مسعود (أرباض) أ.د علاء العبادي في قراءتنا للوحدتين الشعريتين رقم ١٩ ورقم ٢١ للشاعر مقداد مسعود في ديوان (أرباض)ط 1/ 2018/ دار ضفاف/ قطر- الدوحة – بغداد العراق. نجد أنفسنا أمام نصّين يتقاسمان روحاً تأملية واحدة، ويُقدمان رؤية فلسفية معقدة للعالم من خلال عدسة شعرية مليئة بالرمز والانزياح اللغوي. على الرغم من أن الوحدة ١٩ تتمحور حول "الريح" كقوة وجودية، والوحدة ٢١ تستعرض عناصر طبيعية أخرى كـ "المطر" و"الهواء" و"الشمس" و"الغبار"، إلا أن كليهما يشكلان معاً لوحة مترابطة تستكشف صراع الحركة ضد الجمود، والعري ضد التمويه، والطبيعة الخام ضد تشيؤ الحضارة الإنسانية. نلحظ منذ البداية نبرة أسطورية تقترب من لغة النبوءة أو الترنيمة الفلسفية. من الناحية الصوتية والتركيبية، يعتمد الشاعر على جمل قصيرة متتالية، غالباً ما تكون مبتورة أو مجزأة، مما يخلق إيقاعاً يشبه الأنفاس أو الهمسات المتلاحقة، وهو إيقاع يناسب موضوع الريح الهائمة والحركة الدائمة. نجد تكراراً مقصوداً لصوتي السين والصاد في الوحدة ١٩ ("تستحي"، "تتسلى"، "مصائر"، "سفائن"، "يستفز" وغيرها) مما يخلق حفيفاً صوتياً يحاكي صوت الريح نفسها. وفي الوحدة ٢١، نجد الأصوات نفسها إضافة لصوت الطاء ( "المطر"، "المؤطر"، "القطط"،" معطرة" وغيرها) لإبراز قسوة العناصر وتحديها. التركيب النحوي يميل إلى الخروج على المألوف، باستخدام أفعال مضارعة منفصلة عن فاعل واضح أحياناً، أو يكون الفاعل غير متوقعٍ ، وكأن الفعل نفسه هو الفاعل، مما يعزز إحساساً بأن العالم في النص يتحرك بقوانينه الذاتية الغامضة. أسلوبياً، يُبني النص على شبكة كثيفة من الاستعارات والكنايات التي تخلق عالماً شعرياً متماسكاً لكنه غامض متعمداً. فـ "الريح" ليست مجرد ظاهرة طبيعية، بل هي "فتيةٌ دوماً وراقصة للأبد"، أي تجسيد لمبدأ الحركة والحيوية والشباب الأبدي، وهي قوة لا أخلاقية ("لا تستحي") تتسلى بمصائر البشر ("بسفائننا")، وتستفزها محاولات البشر للتجذر والثبات ("كبرياء الشجر") وللبناء الصلب ("الكونكريت"). هنا نجد تناصاً مع فكرة "الريح" في الشعر الصوفي كقوة روحانية عاتية، كما في شعر ابن عربي، وفي الأدب العالمي كرمز للثورة والتغيير اللامتناهي، كما في أعمال الشاعر الإنجليزي بيرسي شيلي في قصيدته "أغنية إلى الريح الغربية". تحضر أيضاً صورة "الضوء" الذي يغضب الريح، و"النهار" الذي يجردها، كصراع رمزي بين الظهور والخفاء، بين المعرفة المكشوفة والحقيقة المستترة. المشهد الحميمي يظهر كجيب صغير من الذاكرة الحسية المدفونة، كأنه ما تبقى من فردوس شخصي مفقود في مواجهة النسيان الجماعي ("ولا تستيقظ الذكرى من حليب اللوز؟"). دلالياً وفلسفياً، تطرح الوحدة ١٩ سؤالاً جوهرياً عن إمكانية استعادة البراءة والطهر ("هل تعود الريح حديقة...") في عالم يتحالف أهله "ضد الريح" بنسج الشباك وتلغيم الفضاء وإيداع الأساطير في "الأراشيف المغبرة". إنه سؤال عن إمكانية الشعر (أو الجمال أو الحرية) في زمن التحنيط الثقافي. السؤال الختامي عن النجوم ("هل النجوم عيون أميرات اشتقن هبوطاً...") يربط السماوي بالأرضي، ويسخر من "التعالي العقيم"، مقدماً نقداً لامعاً لأي مثالية منفصلة عن الواقع المعاش. في الوحدة ٢١، يتحول التركيز إلى فلسفة "العري" بوصفه قوة ومكاشفة. "المطر يتباهى بعريه" و"الشمس العارية" هما تعبير عن حقيقة جوهرية لا تُقنَّع. العري هنا ليس نقصاً، بل هو اكتمال وجودي وصراحة كونية. حتى "الغبار القبيح" يتباهى بعريه، بل و"يماطل" في معاملات "المراجعات الأنيقات توسلاً بالجمال كما أوصاه الطين". هذه المفارقة العبقرية تحول الغبار من شيء مقيت إلى موظف شاعري، يمتثل لتوصية "الطين" – رمز الأصل والأصالة – بتأجيل المعاملات والتوسل بالجمال. هنا نلمح تناصاً مع فكرة أن المادة نفسها تتوق إلى الجمال، كما في فلسفة الجمال عند جون كيتس أو حتى في تصوف ابن عربي حيث الكون كله يعشق الجمال الإلهي. صورة "الشمس" التي "حولت عريها أسلاكاً معطرة من ذهب" تذكرنا بأسلوب الشاعر أدونيس في تحويل العناصر اليومية إلى رموز ميتافيزيقية مضيئة. الخاتمة الغامضة في الوحدة ٢١ ("أما المحذوف من هذا النص فهو معلوم لدى حراثة المسطور") هي لمسة ما بعد حداثية بارعة. إنها إقرار بوجود فراغ مقصود، ومعرفة سرية يحملها من يحرث "المسطور" – أولئك الذين يقلبون تربة النص ويزرعون فيه. قد نجد تشابهاً مع تقنية "الصمت" أو "البياض" في شعر محمود درويش، حيث يصبح ما لا يُقال هو مركز الثقل في القصيدة. بشكل عام، يقدم مقداد مسعود في هاتين الوحدتين رؤية شعرية فريدة، حيث يصبح العالم الطبيعي مسرحاً لصراعات وجودية وجمالية. لغته متخمة بالصور التي تتحدى التفسير الواحد، وتفتح الباب لتأويلات متعددة. إنه شعر لا يصف العالم، بل يخلق عالماً موازياً، قائماً على منطق الأحلام والذاكرة الجماعية. يمكن أن نرى في هذين النصين استمراراً لتقليد الشعر العربي الحديث الذي بدأ مع السياب وأدونيس، حيث يمتزج الهم الشخصي بالأسطورة وبالنقد الاجتماعي الحاد، كل ذلك مغلفٌ بغلالة لغوية مكثفة ومتألقة. النص يحتاج من القارئ أن يكون "حرّاث مسطور" هو الآخر، ليقلب طبقات المعنى ويكتشف "المحذوف" الذي قد يكون جوهر الرسالة: أن الجمال والحقيقة يكمنان في العري الصادق، وفي الريح العابرة التي ترفض أن تُحصى أو تُوثق. (19) البقاء للريح. فتية ٌ دوما وراقصة ٌ للأبد ولا تستحي.. لا تستحي، تتسلى بمصائرنا، بسفائنا. يستفزها كبرياء الشجر، يغيظها الكونكريت متسربلا بجهامته، يغضبها الضوء. النهار يجرّدها من ملابسها الداخلية. الريحُ تتصفح مكتبات الأرصفة والشوارع، وتقرأها دفعة ً واحدة ً لتكتبها النار. ثمة مَن يتحالفون ضد الريح، ثمة مَن ينسجُ الشِباك َ، يلغمون الفضاء، يفتحون باب الأساطير، لتدخله ثم يوثقونها بوثاقٍ من ظلام الأرشيف المغبرة، ولا يستعملونها عند الضرورة. هل تعود للريح حديقة ٌ من ذلك الفجر الصغير، حيث المجامر تتضوع اللبان والمرّ ولحاء الجاوي؟ هل كانت الريح ربة الهمج في ذاكرات ٍ خذلناها؟ والنجوم...؟ هل النجوم عيون أميرات ٍ أشتقن هبوطاً للتشافي من التعالي العقيم؟ (21) المطرُ يتباهى بعريهِ، ويصفع الماء َ المؤّطر، في تدفقه أو تموجهِ، يهزأ الماءُ الغضوب، ويرى غضبته ُ : انتقام عنينٍ مِن فحولة الأشياء وتوهج الأنثى والهواء بأحفادهِ وأجدادهِ، يتحدى الأشجار ورشاقة شعلتها الخضراء العارية، التي تصفع العاصفة، حين تمر بها، وتتحدى الشمس بخزينها اليومي من الفيء والظل والثمر والزقزقات، ولا تكره القطط حين تعتلي غصونها لتقتنص طيراً غافياً في ذكرى طفولته. أما الشمسُ العارية ُ فمن شدة عريها لا يمكن رؤيتها، لذا حوّلت عريها أسلاكاً معطرة ً مِن ذهبٍ يغمر السطوح والشوارع ومسطحات المياه وروائح الأرباض وباحات المعتقلات وكوات أسوارها العالية. الغبار القبيح يتباهى بعريهِ يؤدي عملهُ كأي موظف لا يتبرم مِن الروتين، ولا يلاطف سوى المراجعات الأنيقات ويماطل في معاملاتهن، توسلاً بالجمال كما أوصاه الطين. أما المحذوف من هذا النص فهو المعلوم لدى حراثة المسطور
#مقداد_مسعود (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
أ.د علاء العبادي/ الثنائية الكونية في قصيدة مقداد مسعود
-
أبو داود
-
مناجاة الإمام زين العابدين (عليه السلام)
-
أ. د علاء العبادي/ قراءة في قصيدة (عربة) لمقداد مسعود
-
الكاتب والباحث نبيل عبد الأمير الربيعي/ رأي في(عربة) نص مقدا
...
-
عربة
-
كينونة مشطورة (غيبة مي) للروائية نجوى بركات
-
نجوى بركات في روايتها (غيبة مي)
-
قراءة بقلم أ.د علاء العبادي في قصيدة (أفول) للشاعر مقداد مسع
...
-
رؤية مهيار
-
رأي في (كناية الديالكتيك) بقلم الشاعر والإعلامي عبد السادة ا
...
-
أ.د علاء العبادي (تعويذة المنوازي) قصيدة مقداد مسعود
-
في حاسوبي
-
أذن عصية لسان مقطوع
-
صفاصف
-
أ.د علاء العبادي/ قراءة في (المغيّب المضيء) للشاعر مقداد مسع
...
-
جملة ٌ معدنية
-
أطبخُ أحلامي
-
ميخائيل نعيمة / نجوى بركات
-
لينين / تولستوي
المزيد.....
-
21 رمضان.. عقيقة الحسن ورحيل مؤسس الدولة العثمانية
-
في الشوارع ومراكز الإيواء.. رمضان يقاوم الحرب في السودان
-
رحيل عاشق الطبيعة الموصلية الفنان الرائد بشير طه
-
الحرب على إيران تربك موسم السينما في الخليج وهوليود تترقب
-
وزيرة الثقافة المصرية تطمن جمهور هاني شاكر على صحته
-
السينما في زمن القلق: مهرجان سالونيك يعيد فتح دفاتر التاريخ
...
-
موسم العمالقة.. 10 أفلام تشعل مبكرا سباق السعفة الذهبية في -
...
-
صراع الأجيال في الرواية: قراءة نقدية بين المركزية الغربية وا
...
-
ما وراء الرصاص: التداعيات الفكرية والمذهبية للمواجهة مع إيرا
...
-
صدريات مخملية وعطور وسلاسل ذهبية تكشف شغف تشارلز ديكنز بالمو
...
المزيد.....
-
فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال
...
/ أقبال المؤمن
-
الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير
/ أقبال المؤمن
-
إمام العشاق
/ كمال التاغوتي
-
كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين
/ ياسر جابر الجمَّال
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو
...
/ السيد حافظ
-
أحافير شاب يحتضر
/ المستنير الحازمي
-
جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات
/ حسين جداونه
-
نزيف أُسَري
/ عبد الباقي يوسف
-
مرايا المعاني
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|