أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مقداد مسعود - أذن عصية لسان مقطوع















المزيد.....



أذن عصية لسان مقطوع


مقداد مسعود

الحوار المتمدن-العدد: 8627 - 2026 / 2 / 23 - 16:22
المحور: الادب والفن
    













































-1-
أوصلتني تجربتي الشخصية إن ( كل نص يمثل معنى في علاقته بالنصوص الاخرى) . هذه القناعة اغوتني ......
وها أنا افتش عن اواصر التعايش السلمي بين النصوص ، من خلال الكشف عن السمات الاتصالية الكامنة....
-2-
أحيانا يكون الاتصال جوانيا , إي بين مكونات النص ذاته : إتصالية الزجاج / الاذن العصية واللسان المقطوع/المفتاح والصندوق /.....الخ
واحيانا يكون الاتصال برانيا :بين مكونات نصين قد يختلفان في الاجناسية قصيدة (نافذة العجوز) وقصة(طقس العاشق )

لكنها يتصلان بالمهيمنة : العزلة
وبشكل هندسي يجعل الشخصيتين في حالة تبئير : النافذة احيانا لا يختلفان بالاجناسية بل باسلوبية التناول كما هو الحال في (بصرياثا) و(البصرة جنة البستان)
-3-
في هذه القراءة الاتصالية لا اجترح معجزة , ولا انتزع براءة اختراع في قراءتي للنصوص
-4-
توصلت الى هذه القراءة من خلال كدحي الدؤوب في المعرفة وانا مدين لكل الاصدقاء الذين فتحوا ابواب مكتباتهم وقلوبهم لي , خصوصا في سنوات المسغبة / الحصار
واخص بالذكر الصديق الناقد حاتم العقيلي وصديقي الحميم القاص قصي الخفاجي ومكتبة معهد المعلمين حين كان صديقي الوديع المسالم الشاعر مجيد الموسوي مسؤولا عنها
ولا يمكن نسيان الحضور الاستثنائي الجميل لأستاذي وصديقي القاص محمود عبد الوهاب الذي كان وما يزال يمدني بما احتاج من كتب ومشورة / وانا ممتن غاية الامتنان لتوجيهاته المضيئة وقراءته المتواصلة لما اكتب
-5-
تاخرت هذه الخطوة كثيرا لأسباب خارج إرادتي الذاتية وما أوهنها أمام شروط موضوعية /هي الاشد قساوة




مقداد


الفهرست
الباب الاول
رقم الصفحة
* اتصالية الزجاج 13
*نوافذ البريكان 19
* الوجه والنافذة 25
* الشاعر والنقابي : الشاعر مصطفى عبد الله 44
والنقابي هندال
* المفتاح والصندوق : الشاعر ياسين طه حافظ 64
من " جنة الزاغ " الى " عالم اخر "
* البلبل الالباز : الشاعر رعد عبد القادر 89
في قصيدته " دع البلبل يتعجب "
* فضاءات عادل مردان الشرقية 102
* الشاعر موفق السواد في " اسرة الفتنة " 114
"الباب الثاني "
* العاشق العجوز : قراءة اتصالية 128
في "طقس العاشق " للقاص محمود عبد الوهاب
و"نافذة العجوز " للشاعر محمود البريكان
* ( القوس ) يعرب السعيدي ، 144
( يحدث كل صباح ) ... محمود عبد الوهاب
* اصطياد لحظة : للقاص عبد الاله عبد الرزاق 159
* الليل : في قصص محمود عبد الوهاب 204
" الباب الثالث "
* التسموية الاتصالية في زاوية الشاطئ الثاني / 225
للروائي مهدي عيسى الصقر
* غواية الماء في ( صراخ النوارس ) ... 249
الروائي مهدي عيسى الصقر
* انتاج الصرخة تصنيع القائد .. / 360
الروائي زهير الجزائري في ( الخائف والمخيف )
* الطريق الى عين التمر : الروائي الفلسطيني 392
" محمد الاسعد " في " حدائق العاشق "
* مكملات النص في " اعجام " 411
للروائي سنان انطوان
* الحضور المغيب في ( يحدث امس ) : 427
للروائي اسماعيل فهد اسماعيل
* مكملات النص في (خطوة نحو الحلم ) . 444
* الواقع والميتاواقع للقاص كريم عبد في 458
خرزته الزرقاء الاذن العصية واللسان المقطوع
* كينونة المتواري الروائية ارادة الجبوري 501
في ( عطر التفاح )
* سلطة الام ي رواية بتول الخضيري 552
( كم بدت السماء قريبة )
*الطريق الى سارمارا : الروائي 595
حنون مجيد في ( المنعطف )
* الاتصالية السيميائية : الرائي وارد بدر السالم 609
في ( مولد غراب )
(الباب الرابع)
* اتصالية المكان بالمكين: الشاعر 826
فوزي كريم في ( العودة الى الكاردينيا )
* بصرياثا : جنة البستان 654






اتصالية الزجاج
يأخذ الشاعر محمود البريكان مفردة (زجاج) ينفخ فيها من روحه .. تبدو المفردة صقيلة ولامعة وبهذا تنتقل من مقام النكرة (زجاج) إلى مقام المعرفة (الزجاج )كما هي متألقة في قصائده كافة . وكيف لاتكون كذلك وقد باركتها يد الانسان الشاعر البريكان .. من الملاحظ ان زجاج البريكان دائما يقترن بالبرودة (من مطر على الزجاج البارد القاسي) (وحك انفا وسخا صغير / ببارد الزجاج ) من (قصيدة ارتسام ) ويقول الشاعر في قصيدة (خلف الزجاج ) (وعبر الزجاج البارد يستمر المشهد )ويقول في قصيدة (قصة التمثال من اشور ) (في غرفة الزجاج / لاتصل الشمس ولكن يصل المجهر) ويقول الشاعر في قصيدة (الوجه ) يظهر ملتصقا بالزجاج كوجه غريق وعلى وجنتيه تسيل / قطرات المطر / والدموع) .ان اتصاف الزجاج بالبرودة دلالة على برودة الاتصالية بين الطرفين اللذين يفصل الزجاج بينهما كما ان هناك صفة اخرى للزجاج فهو يمنع الصوت من التسرب الى الرائي جاء في (قصة التمثال من اشور ) ( في غرفة الزجاج : لا يصل الصوت / يبدو رجال ، ربما يواصلون الهمس ) وفي قصيدة (خلف الزجاج ) يقول الشاعر (الصوت غير مسموع في الداخل ) ثم يضيف (الرجل يتكلم ويتكلم بطريقة يائسة) ولان الزجاج يحول بين المتكلم والرائي فان الكلام يخضع لاحتمالات عديدة (اهو اعتراف بخطا ؟ توضيح موقف لا يفهمه الصغار ؟ محاولة اقناع تصطدم بحاجز الغضب ؟استنطاق لانتزاع سر حرج ؟)
والزجاج كما هو معروف ،يوفر رؤية صقيلة من خلاله عندما يكون لامعا كما هو الحال في قصائد البريكان لكنه لايوفر اتصالية بين الذين يفصل بينهم الزجاج وهنا تكمن الوظيفة الاشارية لمفردة( الزجاج) فهي توفر لنا رؤية الانفصال لا الاتصال اذن الزجاج هو الحد الفاصل بين عالمين مختلفين كما هو الحال في قصيدة (ارتسام ) فالزجاج هو الحد الفاصل بين الشبع (في المطعم الصاخب ) وعالم الجوع (اطل من خلف الزجاج عابر صغير / اغمد نظرتين في الاطباق نهمتين )في قصيدة( قصة التمثال من اشور ) ان الاتصالية التي تتحرك من خلالها القصيدة هي الاتصالية التكرارية حيث تتكرر في القصيدة شبه الجملة التالية (في غرفة الزجاج ) خمس مرات الاخرون رواد المتحف يرون ويكتفون بالرؤية /الفرجة وهي الرؤية / السطح / اذن لابد للتمثال ذاته ان يخترق هذه الرؤية ويصلنا بماضيه الحجري وهكذا من خلال الاندراج السردي تعرفنا القصيدة على المتغيرات المكانية التي تعرض لها التمثال هذا الاندراج الذي يسبقه الشاعر بتقديم اندراج مكاني تفتح به القصيدة وتوضحه بالترقيم (1- في غرفة الزجاج 2- في متحف 3- يقبع في مدينة ضائعة 4- ترسب في بلاد مهجورة 5- في قارة واسعة ) .

نوافذ البريكان
الذي يطل على نوافذ البريكان الشعرية ، سيرى كيف يفتح الشاعر نوافذه بتبئير شعري ليرينا ما هو موجود ضمن بؤرة النافذة ، والشاعر يحصن جملته الشعرية عبر التكيف الشعري دون ان يؤثر سلبيا على توصيل بثها الدلالي فهو يجعله يجري عبر قنوات الاقتصاد في الاسلوبية علما ان مفردة( نافذة) لا تتخلى عن دلالتها اللغوية / المعجمية بل اضاف اليها الشاعر البريكان حمولة جديدة من الدلالات عبر المعنى الايحائي للمفردة ذاتها . وبالطريقة هذه فان الشاعر يحيل المالوف الى مدهش عبر لغة شعرية / بريكانية توهم بالعادية والمباشرة لكن الذي يتمعن فيها سيرى ان العادي او المطلي بالعادي هو بحق ( التفوق الذي يحدث الدهشة )
* * *
كل نوافذ البريكان : مشرعة الابواب / مرفوعة الستائر الا ( نافذة الحب ) و (نافذة الفتاة ) وهناك نافذة اخرى موصدة الزجاج لكنها مرفوعة الستار مما يسهل امر تبئير المشهد من خلالها كما هو الحال مع القصيدة ( خلف الزجاج ) والزجاج هنا ردئ التوصل للكلام جيد التوصيل للرؤية واحيانا يتجاوز الزجاج حدود النافذة ليمتد جدارا فاصلا بين عالم الشبع وعالم الجوع يحدث ذلك في قصيدة ( ارتسام ) .. في قصيدة اخرى يتكاثر الزجاج لينهض غرفة كاملة ( قصة التمثال من اشور )
* * *
الشاعر يفتح النوافذ وتلك مهمة كل شاعر لكن الموت وتلك وظيفته البغيضة يغلق نافذة الدنيا كما يحدث في النوافذ التالية ( نافذة الشاعر ) ( نافذة العجوز ) (قصة التمثال من اشور) وثمة نافذة اخرى في طريقها الى الانغلاق (نافذة الفتاة) ... واذا كان الموت هو الحتم المشترك لحيوانهم فان الوعي الفردي هو الذي يوسم كل نافذة بميسمه الخاص .
بين النوافذ تقوم اصرة اتصالية / لذيذة يمكن اختزالها كالتالي (نافذة عامل وافد ) و (نافذة محطة ) نرى فيها العامل ذاته .. يعتمد الاندراج الدلالي على الجملة الاسمية كعناصر اشارية في القصيدتين فعل مضارع واحد (يحجب احيانا مجال الضوء / نافذة عامل ) ( يظهر نصف وجه في الضوء / نافذة محطة ) .. ( نافذة للطفولة ) و (نافذة للشاعر) القسر حاد وشرس في نافذة الشاعر مما يضطر الشاعر الى غلقها (النافذة ) القسر مخففا وايمائي بالنسبة لـ( نافذة الطفولة ) غلق النافذتين ياتي من باب الجبر لا من باب الاختيار .. كما تتصل (نافذة الكسيح ) اتصالية خارجية مع قصة قصيرة للقاص محمود عبد الوهاب (الشباك والساحة )
* * *
ان نوافذ البريكان التي تطل على الداخل ، نرصد حركية الداخل من توضعها الخارجي وبهذه الطريقة يعكس الشاعر العملية .
رهافة الشاعر البريكان وعزلته المضاءة بوعيه تجعله يتصدى للصخب بغلق النافذة انه لايتصدى لصخب العالم ومن اين للواحد الاعزل الامن توجسات وعيه الفردي ؟ من اين له القوة التصدي ؟ ومن سيقرضه قرضا حسنا من القوة دون شروط لا تقل همجية عن الصخب .










الوجه والنافذة
قراءة في نوافذ البريكان
كل نص يمثل معنى في علاقته بالنصوص الاخرى
بييرزيما
نافذة فتاة
محمود البريكان
في صدرها اصيص
تبزغ منه زهرة واحدة
تراقص الهواء
ومرة او مرتين في هزيع الليل
يلوح عبر شاشة الستار
ظل الفتاة المائل الاسود
*نافذة للحب
نافذة الحب مسدلة الستائر
يرشح منها الضوء
وظل موسيقى
وقهقهات
وغمغمات طفلة
وصوت اطباق
نافذة زرقاء
تضيئ في وجه ظلام الكون


1
يحصن الشاعر "محمود ا لبريكان " جملته الشعرية بـ"التكتيف " دون ان يؤثر ذلك في توصيل بثها الدلالي ان "تكتيفه " الشعري ، يجري عبر قنوات الاقتصاد / الاسلوبي والشاعر حين يتكلم عن فتاة يقدمها للقارئ من خلال معادل موضوعي "زهرة واحدة " تاركا لفطنة القارئ اشتقاق الدلالات من هذا الدال المتكون من مفردتين تؤكدان الواحدية / العزلة "زهرة واحدة".. ولا يكرر الشاعر مفردة "فتاة " كما سيقع في مفردة "عجوز" في "نافذة عجوز" انه يكتفي بتعليقها لتضيئ الثريا / ثريا القصيدة "عنوانها" ويعوض عنها بمفردة تومئ الى الفتاة ، اعني بذلك مفردة "صدرها" التي هي في ترتيبها السياقي تعني النافذة "في صدرها اصيص" وفي مستواها التأويلي تشير الى الفتاة ثم يأتي السطر الثاني "تبزغ منه زهرة واحدة " اشارة الى واحدية الفتاة في عزلتها واذا كان الهواء هو الذي يراقص الزهرة / الفتاة "زهرة واحدة/ تراقص الهواء" فان اللاحد هو الذي يساكن الفتاة والذي يتموضع في طية المسكوت عنه في القصيدة .
انه ذلك الذي "ينقر عند هبوط الليل نوافذنا / ويحرك اطراف ستائرنا حين تهب الريح / من قصيدة "حضور الاموات / مجلة الاقلام / ع "5"/ 1998 "هذا اللاحد الكامن في "ظل الفتاة المائل الاسود " وهذا المائل الاسود هو الذي يوقظ الفتاة "مرة او مرتين في هزيع الليل" وهو ذاته الذي يسحب العجوز في "نافذة عجوز" ليلتقط له هو من خلاله صورة فوتوغرافية مكبرة "تقترب العجوز / من حافة الاطار / كصورة لعالم يموت"


2
كل نوافذ البريكان / مشرعة الابواب / مرفوعة الستار الا نافذتين "نافذة فتاة " و"نافذة للحب " فالتبئير يأتي دون أي مصد كما ان وظيفة الستار او الستائر ذات انتاجية شفيفة توصل الدلالة دون عسر او افتعال ... من اسدل الستائر في نوافذ البريكان ؟ رهافة الحس لديه ؟ وعيه ولا وعيه الجمعي ؟ تعامل الحيي مع خصوصية المرأة ؟ ... الستائر المسدلة "تفلتر الرؤية " بالمعنى السلبي لمفردة "فلتر " والضوء في نوافذ البريكان دائما لا يصل مباشرة للرائى .. في "نافذة فتاة" توجد "شاشة الستار " وفي "نافذة الحب / مسدلة الستائر" وفي "نافذة عامل وافد " "رأسه الاشعث/ يحجب مجال الضوء " وفي "نافذة المحطة / عامل متعب / يظهر نصف وجهه في الضوء " واحيانا انفتاح النافذة يستفز البراني وعندما يقوم الجواني بذلك كما الحال في "نافذة الشاعر " فهو "يفتحها للنور والريح وعطر الارض " لكن عندما يستفز فعل الفتح صخب العالم "يهجم منها صخب العالم " هنا يضطر الشاعر الى ان "يغلقها كأنما لاخر الزمان " واحيانا اخرى انفتاح النافذة يكون مزدوج القيمة على الجواني ، فهو يسعد الولد العابث فـ"يتسلق القضبان / منتصرا " لكنه يقلق سواه "تمتد من ورائه يدان يسحب للداخل / قصيدة "نافذة للطفولة " .
3
لـ"نافذة فتاة" لايوجد سوى "شاشة الستار " تشف منها حركة الفتاة وظلها المائل ... في "نافذة للحب" لدينا نافذة واحدة / وستائر "نافذة مسدلة الستائر" وعلى كثرة الستائر لكنها لم تعطل فاعلية الترشيح ومن فعل "يرشح " يستمر الايجابي بضخ انتاجيته "يرشح : الضوء الموسيقى / القهقهات / غمغمات / صوت اطباق / اصداء من السكون " ان كل هذه الفاعليات تصل الى الرائي مرشحة وهي "الفاعليات" تمثل الحركة الاولى في القصيدة ... اما الحركة الثانية فيمثلها الفعل الثاني "تضيئ " والمسبوق بـ"نافذة زرقاء " في الحركة الاولى / المبدوءة من "نافذة مسدلة الستائر" والمنتهية بـ"..السكون " كان الفاعلية جوانية .... اما في الحركة الثانية "نافذة زرقاء ... " فان الفاعلية ذاتها تقدمت للمواجهة بفعل اتصاليتها الجوانية المتماسكة وهي اتصالية اجتماعية تذواتية بين الموجودين خلف النافذة ... والحركة الثانية حركة اختزالية ، ذات شحنة دلالية عالية تصل الى اقصى المديات . فاذا كانت القصيدة تأخذ تسميتها المعنونة بـ"نافذة للحب " فانها تاخذ لونها "الازرق " بالحركة الثانية هذا اللون الذي مهدت له كل عناصر / الاشارة / المنتظمة في اندراج دلالي مشتق من الفعل المضارع "يرشح " وحركة المواجهة غير متكافئة الطرفين ، انها معادلة : الواحد "نافذة" والكثرة " ظلام الكون " . لكن الاقوى / الحب يتصدى للكثرة الشمولية / الكونية "ظلام الكون " بزرقته المضيئة ... اضاءة تسبب في تعطيل حركية الظلام لانها مسلطة على "وجه ظلام الكون " "نافذة زرقاء / تضيء في وجه ظلام الكون "... اذن النافذة ليست سائبة انما هي في علاقة تضاد مع كثرة واسعة انها ... محاولة امتلاك العالم لا بقوة السلاح ولا بقوة المال ... انها محاولة شعرية لامتلاك العالم بالحب بالمودة والرحمة بزرقة الضوء لا بكثرة الظلام ، تلك الكثرة الباطلة . ان غلق النافذة واسدال الستائر لايراد منه الانقطاع عن ايجابية الخارج بل يراد منه تحصين الداخل من الشرور القادمة اليه من الاخر ... لقد فتح الشاعر نافذته في قصيدة "نافذة الشاعر" ، فتحها للايجابي الموجود في الخارج "يفتحها للنور والريح وعطر الارض " فاذا بانزياح شرس يحدث "يهجم منها صخب العالم " فيضطر الشاعر الى غلق النافذة "يغلقها كأنما لاخر الزمان "
4
ما يسدل عليه الستائر "نافذة للحب " يصل الينا عبر عملية الترشيح كما لاحظنا . واذا كانت النافذة المغلقة رديئة التوصيل للكلام فأنها وعبر جدارها الشفيف ، الزجاج ، ستكون جيدة التوصيل للرؤية كما هو الحال في قصيدة "خلف الزجاج / مجلة الاقلام / العدد "5" 1998" ومن خلال شفافية الرؤية تؤصل القصيدة رسالتها ، اعني ما يحدث بين أب وأبن من سوء فهم ... واحيانا تتجاوز النافذة حدودها / ابعادها الهندسية المتعارف عليها لتمتد جدارا فاصلا بين عالمين / عالم الشبع / التخمة ، وعالم الجوع كما هو الحال في قصيدة "ارتسام " "في المطعم الصاخب / اطل من خلف الزجاج / عابر صغير / بوجهه الشاحب ... / مجلة الاقلام / العدد الثالث / الرابع / 1993 " ... وفي قصيدة اخرى للبريكان يتجمع زجاج النوافذ ليؤسس غرفة كاملة "قصة التمثال في اشور " والقصيدة تؤصل سيرورتها على اتصالية / تكرارية اذ تكرر فيها خمس مرات شبه الجملة "في غرفة الزجاج / مجلة المثقف العربي / العدد "5" / 1969 ." من النافذة نطل على الزجاج ، نتفرج عليه او نرصده ... نوافذ "البريكان " تعكس العملية ، فهي تثير انتباهنا وتجعلنا نطل عليها وعلى الكائن خلفها واذا تعذر ذلك ساعدنا الشاعر ذاته بتنظيم العناصر الاشارية ضمن اندراج دلالي واحد كما هو الحال في "نافذة للحب " "نافذة عامل وافد " "نافذة المحطة " ... ان انتباهة الشاعر الكبير وحدها جعلته يستعمل النافذة للتبئير الشعري المتسق مع الاختزال الشعري الذي نراه في قصائد كثيرة له .



هوامش
*نوافذ : قصائد البريكان تتموضع ضمن "عوالم متداخلة / قصائد "1970 – 1992"
مجلة الاقلم / العدد 3/4 – 1993
*التكتيف : مصطلح تعود براءة اختراعه / للصديق الحميم / القاص الكبير محمود عبد الوهاب / اقترضته منه وسبقته – بعد الاذن منه – في الاستعمال .
*قصيدة "خلف الزجاج " احدى قصائد "سدم / تكوينات / عوالم " / مجلة / الاقلام / العدد / 5 / 1008
*قصيدة "ارتسام " / مجلة الاقلام / العدد 3-1993 / 4/ اقترضناها من مقالة الناقد "طراد الكبيسي " : شيء من الذاكرة – شيء من النقد
قصيدة "قصة التمثال في اشور " مجلة المثقف العربي / العدد / 5 / 1970 .
الشاعر والنقابي
مصطفى وهندال
(1)
وثيقة قضائية وقصيدة لدينا .. نحاول ان نجد الاصرة الاتصالية بينهما .. شاعر القصيدة (مصطفى عبد الله ) اسمها (زهرة للمواطن ) مذيلة بـ(15/ 3/ 1979 ) وهو تاريخ صلاحيتها للنشر .. اما الوثيقة فهي "مرسوم جمهوري " بتوقيع "صدام حسين " رقم المرسوم 1024 تاريخ تنفيذه (الخامس من شهر أيلول لسنة 1983 ميلادية ) .
(2)
1978 : وبالضبط في (30 / 8/ 1978 ) اثر عودته من سياحته في اوربا الشرقية اثناء العطلة الصيفية ، يمكث( مصطفى عبد الله ) اقل من شهر في بصرة الاعتقالات وهو المطارد مثل غيره من الشيوعيين ، يزوّر كتاب مديرية التربية / الموافقة على السفر الذي كان قد استعمله من قبل .. ويغادر البصرة الى (عمان / الاردن ) بعد ستة اشهر ونصف الشهر يكتب (مصطفى عبد الله ) قصيدته (زهرة للموطن ) "1" التي مسك ختامها السطر التالي (ويصعد هندال الى المشنقة ) .. يومها لم يكن هندال لتنوشه المشنقة .. اجل ان هذا الحجر الكريم ، الشهيد الحي / المعرف باسمه الاول من اقصى الجنوب الى اعالي الشمال "هندال " لا يقف الاّ عاليا على صخرة الحلم الثوري / الصخرة التي اوهت قرون الثيران الوحشية كافة .. (هندال) : الامي / الأممي : بخبرته الكادحة قرأ صراع الطبقات وعرف ان القيمة هي : ان الانسان هو اثمن رأسمال ،وان فائض القيمة لا ربّ له سوى فائض العمل الاستغلالي .. اجل القائد العمالي "هندال " لم يصعد الى المشنقة بل هي التي صعدت لتنوشه فـ"هندال " هو الشيوعية بتساميها الاخلاقي ووعيها المضاء بالشهادة والشيوعية (أقوى من الموت واعلى من أعواد المشانق ) وهي مقولة لا ارتجال فيها ولا عفوية بل هي متشققة من خبرة سياسية / اجتماعية ترى لـ(العمل الفكري دورا بالغ الاهمية في منظومة اشكال الكفاح يخوضه الحزب الشيوعي من اجل انجاز اهدافه الآنية والبعيدة المدى / كما جاء في (الموسع الفكري المركزي / اواخر ايلول 2003 اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي / لجنة العمل الفكري )
(3) .
1978 : البدايات الساخنة لسلطة البعث ضد الحزب الشيوعي العراقي ، تستعمل السلطة جريدة الراصد في شتاء "78" لتتهجم على سياسة الحزب .. تستمر ملاحقة قواعد الحزب ، تستعر الحملات : اختطاف الشيوعيين من دوائر العمل .. من الشوارع ، انتزاعهم من اسرة الفنادق .. في السنة الاولى من الحرب التي فرضها الطاغية على الجارة ايران يأمر الطاغية احدى الدمي (عضو قيادة قطرية ) فيصّرح لمجلة( الاسبوع العربي ) : (سنبيد الشيوعيين في العراق ) .. بهذا التصريح الاسود يشعل الطاغية الضوء الاخضر لشركة متعددة الجنسيات اعني اسياده كافة .. كل ذلك يعرفه الشاعر الشيوعي (مصطفى عبد الله ) ويعرف ان رجلا مثل (هندال ) ليس امامه او خلفه او بين يديه سوى هذه الولادة الاشد قساوة : تصعد المشنقة الى (هندال ) لينزل من رحمها الفظ حيا الى الابد .
(4)
عديدة هي المرات التي كنا نلتقي القائد العمالي (هندال) في بيتنا المضاء بالفكر والشهادة في (العباسية) وكثيرا ما انفردا : القائد العمالي والشاعر الشيوعي في حديث طبقي حميم : هندال يسرد تاريخا عماليا بطوليا و"مصطفى" يصغي لينسج من تاريخ هندال مستقبلا بصيغة ملكية جماعية .. مصطفى ينسج ولا يستهين بشائعة صفراء سربتها سلطة البعث بين الجماهير كافة مفادها (عام 80 ليس في العراق سوى البعث والبعثيين ) .. هندال قائد عمالي / شيوعي يلقى عليه القبض 1978 ثم يطلق سراحه ليلقى القبض عليه في 1979 ثم .. يلقى القبض عليه 1980 القائد الشيوعي هو الاقرب الى حبل المشنقة فكلما ارتقى الشيوعي في المسؤولية كلما كان اقرب من سواه الى المشنقة .. وهكذا رأى مصطفى الى هندال بعيني الرفيق الخالد (فهد) اثناء الحملة الشرسة التي شنها الطاغية / التمثال في الثلث من سبعينيات القرن الماضي ولم تتوقف الا مع سقوط التمثال ..
هندال ليس امامه سوى الشهادة وهي ملكيته الفردية الوحيدة التي يستأثر بها على سواه .. ليس امام هندال اما الشهادة واما .. الشهادة .
(5)
المناضل يستعمل الوعي كأداة انتاج ، ليمتلك العالم بالمعرفة لا بسواها .. من هذا المنطلق يخاطب الشاعر .. المرأة فمن يجيد استعمال هذه الاداة الانتاجية / المعرفية سيدرك الفارق بين سلبية الجلوس وصيرورتها العاطلة (تجلس الحجارة لتصير تمثالا خالدا) وبين الصعود المشرق / المشرف (ويصعد هندال الى المشنقة).. ربما لايعرف هندال ذلك الشاعر الجاهلي الذي ادرك الاسلام" متمم بن مقبل" لكن من المؤكد ان هندال لا يشاركه امنيته الحجرية (ليت الفتى حجر ...) فالقائد العمالي ينتشر بين الجموع ليفتديها وحين تغيبه السجون تقف الجموع الكادحة ذاتها لتهزج اهزوجتها الثورية / الخالدة (حي / ميت / هندال / انريده ) "x "كذلك يفعل الشاعر انه يطلب من حبيبته ان لا تتفرج على الاحداث بل عليها ان تشارك بفاعلية /منتجة / ساخنة "حاربي " انه يناشدها بالحرب فما عدا ذلك لا يفي بالغرض في التصدي لافعال السلطة الباطشة ..ان فاعلية المرأة الحربية ذات قيمة مزدوجة (1) ان جهدها المبذول ليس جهدا تحت التدريب بل من اجل الحصول على انتاجية متفردة (حاربي ...كي يثمر ) وكما جاء في القصيدة (حاربي من اجل جهدي الذي صنعته /كي يثمر )
(2) الجهد النسوي المبذول يوصل المرأة ذاتها الى تميزّ معرفي مفارق للمألوف وهو كالتالي (حاربي /تعرفين / لم تجلس /يصعد ) وكما جاء في القصيدة (هكذا تعرفين :لم تجلس الحجارة لتصير تمثالا / خالدا / ويصعد هندال الى المشنقة ).
(6) من فعل الامر الذكوري الموجه الى انثى معينة (حاربي ) تتشقق الافعال التالية :- (حاربي من اجل جهدي الذي صنعته ) نرى ان ( حاربي ) يؤدي الى استئناف فعل ماض ( حاربي ... صنعته ) ويوصلنا ( حاربي ) الى فعل مضارع ( يثمر ) : حاربي ..كي يثمر (حاربي من اجل جهدي الذي صنعته / كي يثمر ). والامر ذاته يوصلنا الى (مضارع / تعرفين ) (وهكذا تعرفين ) ومن المضارع ( تعرفين ) تتشقق ثلاثة افعال مضارعة ( تجلس / تصير / تصعد ) ( هكذا تعرفين / لم تجلس الحجارة لتصير تمثالا خالدا / ويصعد هندال الى المشنقة ) نرى ان الافعال المضارعة تؤدي الى استمراريتين (1) استمرار حركة عمودية من الاعلى الى الاسفل تجلس الحجارة (2) حركة عمودية صعودية من الاسفل الى الاعلى (يصعد هندال )
(7) يمكن ان نرى في الاسطر الاخيرة وتحديدا في طيتها سر وصية موجهة من الزوج (مصطفى عبد الله ) الى زوجته الاولى / زوجته العراقية ( السيدة ساهرة عبد الكريم عباس القرغولي ) واذا فككنا الشفرة يمكن ان نرى في الجهد الذي صنعه ويريد ان يثمر .. ولده البكر (بسيم مصطفى عبد الله /1973 )الذي كان عمره في عام 1979 قد تجاوز السادسة باشهر .
(8) الرائي الذي في الشاعر مصطفى رأى (هندال )تنوشه المشنقة في (15/3/1979 ) بعد هذه الرؤيا ، بثلاث سنوات وخمسة اشهر وثلاثة اسابيع ، يصدر الطاغية مرسوما جمهوريا دمويا وبعد عشرين عاما ومع سقوط الطاغية / التمثال : تهب عاصفة الاوراق السرية ومنها الورقة التالية (بسم الله الرحمن الرحيم / مرسوم جمهوري / رقم "1024" استنادا الى احكام الفقرة (ى) من المادة الثامنة والخمسين من الدستور المؤقت / رسمنا بما ات : المصادقة على تنفيذ حكم الاعدام شنقا حتى الموت بالمدانين كل من : محمد جواد طعمة عمران البطاط ومحمد جواد عباس القريشي وعبد الجليل ابراهيم حمزة المياحي وفوزي طاهر معروف وعبد الله خليف العبودي وفريال احمد حسن الاسدي وجمال عبد علي محمد حسين المظفر وشاكر عبد الباري هادي نعمة انتيغ دغل الفرطوسي وعصام حسناوي كسار المهيلي ومحمد عزيز حسن كاظم وعلي عزيز خضر ومكي خماس عسكر العباس وقدوري حسين عبد الله التميمي وفاضل علي خضير ونعمان محمد مكي حسين وهاشم حاتم عبد الله الجابري ولبيب عطا خليل السواد وهندال جادر حاجم وماجد عبد الرضا طلال الذي اصدرته بحقهم محكمة الثورة بتاريخ 5/9/ 1983 في القضية المرقمة 1371 / خ/ 983 وفق المادة 156 وبدلالة المواد 49 و 50 و 53 من ق.ع على الوزراء المختصين تنفيذ هذا المرسوم
كتب ببغداد في اليوم الاول من شهر ذي الحجة لسنة 1403 هجرية المصادف لليوم الخامس من شهر ايلول لسنة 1983 ميلادية.
صدام حسين
رئيس الجمهورية
9) سقط التمثال وقناع الحملة الايمانية سقط معه في المقابر الجماعية وانكشفت الاحلام القومية / الشوفينية / المتجذرة في توسطات مشبوهة مع نكرات لا حصر لهم واشرق الفكر الانساني الحي الذي لاتحده انشوطة / فضة / قبيحة .. ولا يخفضه ذلك العلو / القميء / لخشبة الموت .. انهم الى الموت يصعدون ليعبر كل الجديرين بالضوء الى حياة اجمل وهم يرددون :
سلاما على جاعلين الحتوف
جسرا الى الموكب العابر
* * *
(1) زهرة المواطن / من مجموعة مصطفى عبد الله / الشعرية "مكاشفات ما بعد الرحيل" دار المدى / دمشق / ط1 / 1999
x)) في الاصل حي ميّت زاهدنا نريده . اهزوجه رددها عمال السكك عام 1949 بعد اعتقال ، العامل النقابي آنذاك الشاعر المعروف الراحل زاهد محمد .













المفتاح والصندوق
الشاعر
ياسين طه الحافظ
من
( جنة الزاغ) الى (عالم آخر)

((وأضعت نهاري ، ابحث عن مفتاح للصندوق المغلق لكن لامفتاح ولاصندوق فكيف ساطلق هذا الحلم المأسور ))
(حكاية للاطفال / ص94 )
(1)
ترى قراءتنا الاتصالية ان الشاعر ياسين طه حافظ يبث نتاجه الشعري من لحظة معينة (قبل ان يلمس النخل خيط غريب البياض / قصيدة جنة الزاغ / ص142 ) والشاعر منشغل برصد ( بقية عالم يغرق / قصيدة / نهار /ص11 ) اذ لاالحضور العياني / الواضح الملامح بل الحضور الشبحي ، هو الفاعل السكون لاالحركة الظل لاالشمس / الموتى لاالاحياء / الاحراش المستطيلة لاالحدائق المنسقة ( استطالت حوالي احراشه ) والأنا ( شبح تائه /ص102 ) والسلم : سبورة النبات الطبيعي ( ترسم الاشنات عليه خرائط سيرتها / ص128 ) والميت ( ملك غير راض /ص128 ) والفراغ كبير / او مملوء بنفايات قرن مضى / والروح قديم / الربابة يابسة / الازمنة تالفة / الحضور هو الغياب / والنواح القديم يدور بنا / الباب مغلق / الزمن مستدير هذه التوصيفات هي التي تؤثث ( جنة الشوك ) اعني ( جنة الزاغ ) ( شوكها والمخالب ) ( متوحشة / جنة الزاغ / نائية / معزولة / محصنة بالمدى والعساليج ) وتخفي خنازير فاتكة .
-2-

اتصالية الاول بالاخر:
المفصل رقم (1) عنوانه ( تقديم ) وهو يتكون من قصيدة واحدة عنوانها ( صائغ)
المفصل رقم (4) عنوانه ( خاتمة ) والخاتمة تتكون من جنسين :
1) جنس الشعر / قصيدة عنوانها ( خطاب )
2) جنس النثر/ سردية : عنوانها ( ضوء في اخر الطريق ) . المفصل رقم (1) واعني ( قصيدة / صائغ ): سيرورتها الارسالية / متوجهة من الواحد الى الكثرة ويمكن ان نرى في الابيات الثلاثة : اتصالية / تضاد / بين الواحد والكثرة .
1- سادتي / ما قصصت عليكم من حكايات ابائنا
2- او كشفت خيانات اصحابنا
3- انا ما اضحكتكم سطوري
ثم يتحول الامر الى اتصالية واحدية ( الذات ) / ( الموضوع ) / الشاعر وملهمة الشعر
4-( ولاارسلتني ملهمة الشعر ) ومنها تتشكل عودة الى الواحد والكثرة .
5- كيما اجيء لسادة هذه القصور .
6- باحلى الثمار واقوى النسور .
7- فانا رجل صائغ جاء من عالم اخر .
8- يصنع من فكره طائرا .
9- يصنع من طائر فكرة . ثم تنتهي القصيدة باتصال / يتماهى فيه الواحد في الكثرة :
10- يصنع من نفسه خبرا للعصور .
* ان الشاعر ياسين طه حافظ يعي جيدا ان ملهمة الشعر لاتستعمل الشعراء لزيادة قوة المال بقوة السلاح ( ولاارسلتني ملهمة الشعر كيما اجيء / لسادة هذه القصور / باحلى الثمار واقوى النسور ).. هذا الوعي المتقدم / يوصل الواحد / الشاعر الى اتصالية تضاد مع كثرة فعلت الاغتراب لا الاتصال مع الواحد / المبتلى برهافة الوعي ( كيف افهمكم ..) ( انني اتحدث عن فرحتي في الشجر ) من قصيدة خطاب /ص147 ) والقصيدة هي الجزء الشعري من مفصل الخاتمة /المفصل الاخير في جنة الزاغ ، ان انقطاع الاتصال مع الاخر يؤدي الى الغاء ( الديالوج ) وتفعيل ( المنولوغ ) وهذا ما يعلنه في السطر الثاني ( واكلم نفسي في الضفة اليابسة ) ويمكن ان نضيف الى البيت ( كيف افهمكم ؟ ) وتكون المسافة في مقدمة السطر ، ان الواحد المنعزل والمضاد بعزلته يرى اللامرئي ويعقد اتصالية معه ( وراى في المدائن ما قد خسرت / وما اتقي / والتي تركت ضوءها في الزمان /ص147 ) .
للشاعر ياسين طه حافظ عين الصقر لامخالبه هذه العين ترى اللامرئي بالنسبة للعين العادية
• في جنة افتراضية مثل جنة الزاغ ، اين تتموضع الأنا ؟
وكيف يكون التصدي ؟
الأنا : مغامرة ( انا خضت طريقا تجاهلها الناس / ص114) مغتربة ( لاارى ما يرحب بي او يصد ). متماهية ( انا طائر ابيض يستقر على مائه لحظة ) ( ويفارق موجته خائفا ) قدرة الآنا على التخلي والتجاوز ( جلد ذئب على عتبتي وخطوت اريد حياة ) .
الانا : مفزوعة من الفراغ وغياب المحبة في اتصالية الذات مع الاخر ( انا افزع من ذكر ازمنة فرغت من محبتها / ص107 ) او هي محاصرة في وحدتها ( انا الان وحدي ولا شيء الا سكون مخيف / ص108 ) او مراقبة من الخارج كله ( كل شيء يحدق بي وانا مفرد/ 103 ) . واحيانا تكون في عزلتها ترقب الحركة الشرسة ( وانا وحيد جالس / احدق من شقوق الباب بالريح التي جنت /ص14 ) لكن الانا في الاصل لم تكن هكذا لكن خرابا اكتسح الوجود وادى الى هذه النتيجة الظلامية ( ان هذي الطريق / لم تكن هكذا ، هذه الشجرة / لم تكن هكذا / هذه القنطرة / لم تكن هكذا / لم يكن هو يجلس من تعب ويراقب هذا المصير /ص17 ) اذن تموضع الذات ليس بالتموضع الطبيعي بل هو تقرفص قسري ، ادت اليه كتلة من عوامل الازاحة والتهميش ، اما تصدي الذات لما يحدث فهو يقتصر على حدود الوعي الحريص على ديمومة الحيوي الفاعل ( اتشبث في كل شيء حوالي / كي لاتضيع الحياة / ص148 ) ( كل بيت هنا عالم ) ( كل ساقية قد تفيض تصاوير ضائعة ) ( وحليا مخبأة / ووجوها مسافرة اخذت سحرها معها / حينما غابت الشرفات /ص147 ) والواحد لايرى نفسه في مراياه بل في الوجوه / الشجر / الساقية ، وهو حين يعلن عن كتابة ذاته ، فهي ليست كتابة فردانية بل هي ( مفردة بصيغة الجمع ) فهو لايكتب ذاته الا عبر نسق اتصالي ( كتابة النفس ترسيمة الطريق ومشتقاته ، الاصرار على فاعلية حضور الحياة ) والتصدي لكل اساليب القهر الساعية الى التشيؤ / الاغتراب ( انا اكتب نفسي وارسم هذا الطريق / وذاك الممر / والتي عبرت / والبساتين والخلوات / اتشبث في كل شيء حوالي / كي لاتضيع الحياة ).
• اذا كان الشاعر ياسين طه حافظ ، قد اختزل الذات في ( صائغ ) الى خبر ( يصنع من نفسه خبرا للعصور ) فانه في ( خطاب ) يسعى الى تحويل المجرد ( خبر ) الى الحيوية من خلال فاعلية النسق الاتصالي انف الذكر ، من استمرار ديمومة الحيوي ( كي لا تضيع الحياة /ص148)
• بالنسبة للجزء الثاني / المفصل الاخير/ سردية ( ضوء في اخر الطريق ) : يمكن قراءته كمقدمة متاخرة / مقدمة / تفسير للفعل الشعري في ( جنة الزاغ ) الا يمكن ان نطلق على هذه الورقة / المقدمة المتاخرة / الا يمكن ان نطلق عليها ( تجربتي الشعرية في جنة الزاغ ) ؟ نكتشف من خلال هذه الورقة / التجربة ، ان هذه المجموعة : مختارات شعرية من تجربة عمرها عقد من السنوات ( حين اكملت نقل القصائد من شتات اوراقي المتناثرة بين عشر سنوات خلت ، استرحت كمن باح باسراره قبل ان يموت ص105 ) – اطال الله عمر شاعرنا الجميل – ثم يقدم الشاعر توضيحا وقائعيا لثريا المجموعة ( جنة الزاغ ) فجنة الزاغ ( بستان اسطوري ثماره نادرة تثير الحكايات وضحاياه لاتنتهي ، اسطورة هو ؟ لكن على نهر ديالى قرية اسمها ( زاغية ) بساتينها شاسعة تغطي النهر فلا نقر بوجود ( جنة الزاغ /ص150 ثم يستعين الشاعر بشهود عدل على واقعية ( جنة الزاغ ) : احمد الراشد ( كان يعيش في بستان قريب من بيتنا في طرف بعقوبة الغربي /ص150 ) وعلى مبعدة من البستان .. كانت تسكن ( غ.العوف ).
• يحدد الشاعر ، وظيفة واحدة لهذه المجموعة الشعرية وهي وظيفة ارضاء مزدوجة / وظيفة غير مؤطرة بابعاد نسبية بل بابعاد مطلقة : الحياة / الانسان ( اريد ارضاء الحياة والانسان /ص150 ) اما الاخر / النسبي / المتواجد / فالشاعر غير معني به ( وليس ما يرضي سواي الان مطلبي ) . وهنا اتساءل هل قال الشاعر ياسين طه حافظ كل ما لديه من اجل الحياة والانسان ؟ وهل كان كتاب ( جنة الزاغ ) ( ديوان اليوم والذاكرة ) ؟
• في عالم اخر سيواصل الشاعر حفرياته الشعرية في المنطقة ذاتها وسيواصله الحفر الى طبقة معينة سيتمعن فيها تمعن الاثاري وسيضعها لنا بدقة مجهرية او يجعل منها كشوفات .
- عالم اخر / او تضاد المعرفة المسالة والجهل المسلح – المعرفة : ذات وظيفة مزدوجة فهي تضيء وعي الانسان ، وتشحنه بالالم الاجتماعي ، في الوقت ذاته : السلم الذي يوصله الى الاستشهاد او يجعله على شفا حفرة منه فالزارع وهو يحفر ( لايعرف هذا الزمن الميت /ص4/ قصيدة ملء كفين من الارض ) ربما لانه يكتفي بالبعد للوجود ، فهو يقلب الازمنة الرثة في مسحاته ) . اما الشاعر فيجثو كدرويش ليرى ( كتلة من جسد الارض عليها / معطف من اشنات / اوجه ضائعة وتواريخا / وطينا اسود ) اما الاخرون فهم (ضحايا خدع / كل دهر ترتدي زيا / قصيدة : وفي الشارع تبتعد العربة /ص7 ) اصدقاء الشاعر ( سقطوا كلهم /ص8) الشاعر يبقى مضاءا بمعرفته / وبمعرفته يعيد صياغة الاشياء بدءا بذاته المنكسرة ( اعيد هناك صياغة نفسي / اعمرها بالذي افتقدت / وبما ظل حلم القلوب اليتيمة عبر العصور / قصيدة الصائغ ) والواحد / الشاعر بواحديته : لاتكتفي بل هو يتماهى في كثرة ينتسب اليها ( انا ما كنت افعل لولا العبور الى الضفة الثانية / لاجلس والصاغة الماهرين / قصيدة الشاعر ) . ان صياغة المعرفة هي التي تشحنه بالامل في زمن الثار والهيجان في وطن منتهك وجريح لابد للواحد من كثرة مضيئة يستهدي بنورها ويستدفئ كثرة يلوذ بها الشاعر ( خلني وشيوخ العصور/ اعود لحكمتهم / اتلمس منهم عزاء / واصغي لحكمتهم في مواجهة الثار والهيجان / قصيدة الشاعر ). حقا انها حيرة المسالم / الوديع / الشاعر / الى اين يذهب الاعزل إلاّمن وعيه في زمن السيادة فيه للذبح وللتفخيخ ( يسال الناس / ما نفع هذا الغناء ؟ / وما يرتجي شاعر من غيوم السماء ؟/ قصيدة خلوة ) انها حياة مستلبة المرء فيها لما يملي عليه يستسلم حفاظا على سلامته المشروطة ( ولاكمل خط السلامة اعطيت وعدا بألا ابوح بما قد رايت / قصيدة نهار /ص20 ) هذا الاستسلام هو الاسم الثاني لعنق الزجاجة التي وصلت اليها الانا ( وانا مثل جرذ بهذا الممر / قصيدة وردة الظفر /ص23 ) ان الفضاء المغلق / الضيق / الممر / لايمنعه من التامل والوصول الى لحظة الجمال المحض ( انا ابقى احدق في زهرة المشمش بيضاء تناثر فرحانة في الهواء / قصيدة خلوة ) وقد يرغم على اطفاء كل ما حوله ( اطفأت ضوء الحقديقة / اطفأت نافذتي / ثم اطفأت نفسي ) لكنه يحافظ على التضاد الخفي بينه كواحد وبينهم ككثرة مدججة ( لا احبك ازمنتي / لا احبك افقا وراءالبيوت / لااحب كلاما يجيئني من خلل الباب / لااحب تغاضبهم / قصيدة الحلزون ) ولن يبقى جالسا (*) مرعوبا محاصرا في وحدته هذا الجلوس الذي تلح عليه قصائد الشاعر في ( عالم اخر ) بل سيحاول التسلل من حجرته ( هذه فتحة في الجدار / سانسل من هذه الحجرة الغامضة ) والفتحة التي في الجدار / هي بارقة الامل ومن شرارة هذه الفتحة سيندلع اللهب الذي سيضئ مجد الشاعر الذي تصدى منذ البداية ليخلص الذاكرة من الوحش الذي يريد مصادرتها .
المصادر
• ياسين طه حافظ / جنة الزاغ / وزارة الثقافة / دار الشؤون الثقافية /2002.
• ياسين طه حافظ / عالم اخر /2004.
• الجلوس :موضوعة التقطتها من ( عالم اخر ) حيث يتكرر الفعل ( جلس ) والفعل المضارع ( يجلس ) في باقة من قصائد المجموعة الشعرية :( الصائغ ) ( الشاعر ) ( زهرية فارغة ) ( نهار ) )( خلوة ) ( الوصول ) ( جلسة في بستان صادق ) ( فقدان ) .. الخ
• ( الوحش والذاكرة ) : مجموعة الشاعر الاولى قدم لها الاديب الراحل ( جبر ابراهيم جبرا ) طيب الله ثراه .


البلبل لاالباز
قراءة اتصالية في قصيدة – دع البلبل يتعجب -
(1) دع البلبل
يتعجب
من يد الكارثة
التي تدربه كباز
(2) دع الحرية
تتذكر شكلها
(3) دع العالم
يختبر ذكاءه
مجرد طائر
-أ-
(4) لا اهمية له
على الاطلاق
(ب) لا اهمية له على الاطلاق
: ان غرد للكارثة
!وان انقض على الفريسة
(2-1) دع البلبل
يتعجب
(1)
يكتسب العنوان هنا اهمية مزدوجة فهو العنوان / الثريا / مجموعة الشاعر رعد عبد القادر كما انه العنوان / الفرعي لقصيدة من قصائد المجموعة .
(2)
الية القصيدة ، على الاتصالية الجوانية : تشتغل وهي تكرارية اتصالية يعمد فيها الشاعر على تكرار فعل (دع) اربع مرات ويمكن عد هذا التكرار تكرارا رئيسيا . اما التكرار الفرعي فهو يتشقق في النسق الثالث من التكرار الرئيسي انه الجملة المنفية ( لااهمية له على الاطلاق ) .. نرى ان التكرار يراد منه التركيز عليه كاحالة داخل النص نفسه .


(3)
يقتنص الشاعر لحظة شعرية متفردة هي لحظة التعجب / الذهول لما يحدث من تخريب للجمالي ولن يكون الرد على وحشية الفعل بنبرة حماسية منفعلة بل يشحن الشاعر مفرداته بالمحمول الساخر الايحائي فالفعل (دع) صيغة امر لايفعل متغيرا ازاء ما يحدث لانه فعل سلبي بدليل ( لااهمية له على الاطلاق ) كما ان الفعل الذي يليه وهو فعل مضارع لايؤسس حركية جديدة قدر مراوحته في حيز ضيق ، لانه متلو بعد صيغة امر لاتطلب تغيرا ( دع البلبل / يتعجب )
( دع الحرية / تتذكر ) ( دع العالم /يختبر )ليتعجب البلبل الى ما يشاء . فان ذلك لن يعوق الكارثة عن تدريبه كـ( باز ) وحين تنشغل الحرية بفعل جواني وهو التذكر ( تتذكر شكلها ) فان هذا الفعل لامؤثرات برانية له ، كما ان اختبار الذكاء خطوة مختبرية اولى / يتيمة .

(4)
المهيمنة : هي تمسيخ الطائر الوديع المسالم وتحويل عذوبته الى نذير شؤم وعملية التمسيخ هذه ذات ازدواج قيمي فالكارثة تدربه لـ( يغرد للكارثة ) لـ( ينقض على الفريسة ) وكل هذا يمثل وجه العملة اما القفا فهي خيانة النوع .. فالبلبل لاينقض على الفريسة وهو يحمل صفات البلبل اذن لابد من تجريده منها وهذا لن يكون الا بعد تحقق ما يجعله كذلك .
(1) قوة ضاغطة تتفوق على البلبل وهي الكارثة وتحديدا ( يد الكارثة ) والمعنى الايحائي من وراء تجسيم الكارثة. يومئ الى انها ليست من الكوارث الطبيعية اذن هي كارثة مصنعة .
(2) اكتفاء البلبل بالتعجب وهذا الفعل لن يعوق الكارثة عن شغلها المسخ .
(3) صنع البديل المطلوب لا خارج البلبل فالكارثة لاتطلق بازها ليقاتل البلبل لاخوفا على الباز بل خوفا على ماهيتها بوصفها كارثة اذن ومن اجل كسب المعركة عليها ان تقهر البلبل ومن الداخل وذلك عبر فعل / قسري/ تدريبي تنـزله الكارثة ( على ) البلبل ، ان عملية تغريب الكائن عن بني جنسه هي عملية باطلة وعملية مستحيلة كما ان الكارثة مهما قامت من شراسة فانها لا يمكن ان تنتزع البلبل من صفاته المتأصلة فيه .. ترى ان العلاقة كالاتي :
الكارثة – البلبل : علاقة تضاد / الكارثة – الباز : علاقة انسجام .
ان الذي يمجد الكارثة مغردا وعلى الفريسة ينقض ليس البلبل بل الباز المحشور حشرا في البلبل فهي اذن ازاحة وحشية / تعطل السلام ورموزه لتفعل الخراب وانيابه .
(5)
كيف يكون لدينا ثلاثة انساق والفعل (دع) يتكرر اربع مرات ؟الجواب على ذلك انه في المرة الرابعة فان (دع ) وظيفته تدوير النص واغلاقه فقط .
(6)
اذا اردنا النظر الى القصيدة من ناحية العلاقات الدلالية وتحديدا الى الترابط الدلالي فان العلاقات الترابطية هنا هي علاقة استبدالية فعلاقة المفردة ( طير ) بكل من (البلبل ) و( الباز) هي علاقة ترابط عمودي وللدقة فان الاستبدالية تضاد اما نوع التضاد فهو تضاد / تبايني ... وضمن التحليل المكوناتي لدينا ثنائية التضاد التالية :
قوى الشر : الكارثة – الباز / الضحايا: البلبل – الحرية – الفريسة .
(7)
الكارثة وهي تقوم بهذا التخريب للجمالي / الانساني / لطبيعة جوهر الاشياء غير مبالية بالاخر فالكارثة ترى ( ان الحياة الانسانية محصورة بين هذين القطبين اللذين تغزو فيهما الانا العالم باستيعاب الانا على هئية جثة او رماد – تودوروف / فتح امريكا /( ص259 ) .
• دع البلبل يتعجب / شعر / رعد عبد القادر / منشورات مجلة الاديب المعاصر /1996/ بغداد








( تاج العروس )

فضاءات عادل مردان الشرقية
عن دار (الواح ) للنشر مدريد / اسبانيا ، صدر كتاب شعري للشاعر ( عادل مردان ) : ( فضاءات شرقية ) تفترش الوجه والقفا لوحة جميلة للفنان السوداني ( راشد دياب ) ثمة مدخل نثري ينيره مؤرخ الاسى الشاعر طالب عبد العزيز يقول فيه ( لا اود ان اكون هنا بمقام الناقد فلست انا به انما هي سوانح للذكرى اردت ان اخرج بها شاعري من عزلته العجيبة وان ارى العالم شاعرا لاتستقيم خريطة البصرة دونه /ص8 ) يعني هذا ان الشاعر طالب عبد العزيز لايقيد قراءة القصائد ولايوجهها ولايعين في تفكيك المتن الشعري بل هي صور قلمية يلتقطها من زوايا مختلفة لحساسية الشاعر مع الشعر والتناول الشعري للعالم . يتمفصل الكتاب الشعري بمفصلين شعريين فضاءات شرقية / فسيفساء البهجة والموت .
يتكون الفصل الاول من رياضة / الغراب الابيض / لياقة الشبهة / ايوب الثاني . اما الفصل الثاني . فمن لوح اشوري / كلام الريش / المربية الفاضلة / نقش عربي / زخارف كسلى / نوزيكا / البصرة القديمة / صاحب الجفر / حرب طاحنة / كأس رضوان / رقصة البيتو / قطارات النمل . ومن الجدير ان هذه القصائد تشكل جزءا يسيرا من ديوان الشاعر بعنوان ( مازحا يقرص اذني الموت الذي لا صاحب له يتداوله منذ فترة اصدقاء الشاعر ومجايلوه والديوان مكتوب بخط الاستاذ ناطق الجزائري / استاذ الكيمياء في جامعة البصرة العربة الذهبية / تجرها ثمانية خيول / وهو يؤدي التحية / يقذف من النافذة اغنيته المجنونة / لوح اشوري .
ارى الشاعر عادل مردان يتناول الاشياء في سكونها لينفخ فيها من شعريته وهذا يذكرني بلوحة التفاحة لهنري ماتيس . عادل يستفز استجاباتنا القرائية في قراءة اللامقروئية في المتن الشعري عبر الحفر في جيولوجيا القصيدة انه يستنطق الحجر ليبوح بمراده للشمس الفتية يخلخل سكونية الساكن واهبا الجمال عبر الفعل الشعري شرعية الحركة توصلنا اجراءات القراءة ان الدال والمدلول لايشتبكان في وحدة ذرية واحدة حسب فقدان الواحد متعدد الدلالات . خيول العربة تصهل في المخيلة وتحمحم ايضا ثراء شعري يتدفق باقتصاد شعري مبرمج بعد الخطوة العفوية الاولى للانتاج ولايحتاج سوى خصوبة تاويل متاتية من اساءة / بحسب هارولدبلوم / تغذي هذا الاقتصاد الشعري وتدفع به صوب مديات ابعد الشاعر ينحى ذاته ليدنو من الموضوعية يستعير من غابر الامكنة ( نقوش / ايقونات / فوتوغراف / بقعة مباركة .. وكل ما يدخل ضمن البعد السيميائي للسياق ) زمنا حيويا منفتحا على المعاصرة لا رجوعية في زاوية التناول فالحاضر بكل اشكالياته هو لاسواه مفتاح الحاضر .
" اسد يتبع عطرها الى القبة وهي تقسم انها اميرة من كندة / هو يتوسل بدموع حارة ان تكشف عن فخذيها "
نقش عربي
الشاعر يلتقط صورا للجماد لا ليثبته بل ليستفزه على الحركة والانطلاق الفاتك الاسد ملجوم بلجام قانون العطر واللجام مزدوج ( لان قانون العطر هو دائما عنصر ينتسب الى قانون اخر ) على حد قول الخطيبي في الاسم العربي الجريح /ص116 ولجام الاسد يشير اليه توسلاته المتدفقة دمعا . الشاعر يترصد الاخر بعين شعرية بعيدا عن زخرف العقول فالجملة لديه ( تمسح عن وجهها المكياج وتعود الى مرايا الماء / الجنون يغني العقل ) وانه يتدقق في التفاصيل في ( الغراب الابيض ) وثمة سخرية لذيذة تتخلل التناول يتضح ذلك في ( ايوب الثاني ) و( لياقة الشبهة ) اذ لايسعنا الا ان نقتسم مع الرازي ضحكته الفلسفية . مفتتح الفصل الاول باستثناء ( رياضة ) مفتتح فعلي ( يشد لفعله النظرات / قصيدة الغراب الابيض ) ( مللت وانا اصلح هيئة ايوب / ايوب الثاني ) ( يضحك الرازي / لياقة الشبهة ) في حين تبدا اغلب قصائد الفصل الثاني بجمل اسمية (العربة الذهبية / قصيدة لوح اشوري ) ( فوق حافة العرش العليا / قصيدة كلام الريش ) ( بعد هبوطي / المربية الفاضلة ) ( وقتها كنت استعيد ... / البصرة القديمة ) ( الكوفية الخضراء / صاحب الجفر ) جورب اسود على الابنوس / حرب طاحنة ) ( برشاقة اهز جلالي /رقصة بيتو ) ( ساكنا تحت النخلة / قطارات النمل ) ( ها اني كاس رضوان ) ان قراءة الجواني في المتن الشعري ترينا ان من العلاماتي والاسطوري تستولد القصائد بنيتها الدلالية ثمة ضوء ازرق خافت يشير الى العلاقة بين الاسطوري والتاريخي والشاعر يخوض في فضاء معين ويتم التعين في البدء اعلى مستوى البوصلة ( شرق ) ثم تمارس الكلمة شرق انزياحها فتفلت من صرامة البوصلة ودقتها فالشرق ليس محض جهة معينة بل هو علو ايضا فكلمة ( شرق ) وهي تتسع في المجال تزدحم بالانتقائية .( شرق ) كلمة تبزغ من ( شروق ) و( اشراق) سلما نحو المشكاة ليتبرك بالزيتونة الثابتة على خط الاعتدال في حين يعمد الاخر الكونيالي الى زحزحة ( شرق ) ان لم نقل الى انتهاك عذريتها ومادام هناك ادوارد سعيد فيمكن القول ( كلمة استشراق متمثلة بجلاء في الجمع المشوش بين الغموض الامبراطوري والجزئية الدقيقة ) انهم لايثبتونه في لوحاتهم الفنية الا ليحتجزوه في لحظة سالفة ولايرتبون هذا الاول . الا ثالثا دوليا واذا بكوا فهم يتباكون على زمن فارط انهم معنيون بـ( كان الشرق ) لابـ( صار الشرق ) تهمهم الكينونة لا الصيرورة ثريا النص تتواصل بالجلالة عبر المستوى النحوي في جملة المبتدا والخبر في (فضاءات ) والنعت ( شرقية ) كلمة فضاء تفضي الى اللانهائي واللامحدود ، طموح حلم الشاعر لم يكتف بل عمد الى الكثرة فجاءت بصيغة جمع المؤنث السالم ( فضاءات ) بكل مافي هذه الصيغة المؤنثة من سحر انوثة الشرق ولياليه الالف وكان هذه ايضا بكل ما تتضح به من دلالات لاتفي بالغرض فاثرها الشاعر بهذا الثرى الخصيب الروح والجسد والذاكرة يسمونه الشرق ونسميه البدء . فضاءات شرقية قصائد مغايرة موجهة لقارئ يتكافا مع الشاعر ليعيد انتاج الثقة بجماليات هذه القصائد وفضائها الموحي بالدلالات المتعددة .

الشاعر موفق السواد
في (اسرة الفتنة)
( اسرة الفتنة ) هي الفاكهة الشعرية التي جاء بها الينا الشاعر موفق السواد واسرة الفتنة مجموعة شعرية صدرت عن دار (اقواس ) بالتعاون مع مجلة ( احداق 9 التي تصدر في هولندا / الطبعة الاولى / 2005 .
-حالة-
نشا في ظل وضع لم يختره
تعثق وعيه في ظل حرب
لم يخترها
تعفن جرحه في مستشفى
لم يختره
صار جسده ازرق
وفي الخميس الاخير من حياته
وضعوه في قبر لم يختره
(ص70/ اسرة الفتنة)
ان هذا الجبر لا الهية فيه ، بل هو جبر سلطة السلطة الشمولية فالمواطن مستلب تماما وقد اشار الشاعر موفق السواد الى ذلك من خلال توظيف الفعل الماضي ( نشأ / تعتق / تعفن ) وكذلك من خلال تستيره للفاعل ( جعلته مستترا ) فالشاعر لم يذكر اسما او صفة بعد الفعل ( نشأ في ظل وضع لم يختره ) . وقراءتنا للقصيدة ترى ومن خلال الاستلاب الذي يعاني منه الشخص المغيب . انه اقرب الى المفعول به منه الى الفاعل فهو لم يختر هذه النشأة، وحين تعتق وعيه فقد تعتق وعيه ( في ظل حرب لم يخترها ) . ومن الطبيعي ان تصيبه شظية او رصاصة لم يخترها ليصل الى( مستشفى لم يختره ) ان الحياة المستلبة التي ستهيأ له لم تشعل النار في وعيه الفردي بل جعلته يتقهقر في عد تنازلي هم اعدوه له لتنغلق دائرة الجبر السياسي فوهة القبر ( وضعوه في قبر لم يختره ) . ان الشاعر موفق السواد لم يصرح ولم يستعمل في قصيدته غير النبرة الخافتة الجيدة التوصيل لشفرته الشعرية وهي ان الذي لايختار حياته ليس بأمكانه ان يختار موته وهو في الوقت ذاته يدين وبشدة الطرف المتوحش الذي جرد الانسان العراقي من حق الاختيار .
ارى ان هذه القصيدة هي ( صرة ) المجموعة الشعرية ( اسرة الفتنة ) ان الواقع العراقي خلال حكم الطاغية هو السريالي او المسريل أي الذي جعلوه سورياليا باساليبهم القمعية ، ولان الشاعر موفق السواد شاهد عدل عراقي ، فقد جاءت معظم قصائد( اسرة الفتنة ) لتدين هذه السوريالية المفروضة على حياتنا الواقعية ومهما حاول الشاعر التملص من اثار ذلك فان الفشل الاجتماعي حليفه ( . . قشرت وجهي جيدا / نظفته من غبار الصحراء / تأملته/ فسقطت في زاوية / اخرى من العالم / في كوة لا تضيء / وفي هدأة اخرى كنت قد رممت وجهي / واعتذرت الى اصابعي ) ( قصيدة اصابع / ص71) .
الحلم اكثر واقعية وكوابيسنا نحن العراقيين اكثر واقعية من الحلم . يحاول الانسان ان يدرأ الشر بطرق سوريالية ايضا مثلا ينزع جلده مثلما ينزع القميص ويعلقه ويقفز مغادرا قفصه الصدري ولكن هل انتهت المواجهة ..؟
( ليلة البارحة / تركت جلدي معلقا / في باب الغرفة / وقفزت عدة امتار / من قفصي الصدري / ليلة البارحة ) هم يدخلون غرفة الشاعر فلكيون / موسيقيون / مهندسون / خيول برية / نساء / .. في مثل هذه الحالة مالذي يحاوله الشاعر ..؟ ( كنت احاول ان ادفع عظامي / خارج النوم ) وكالعادة سيفشل الشاعر في التغلب على هذه الكثرة المؤججة بالحقد وكراهية الجمال ( التقط فجأة احدهم / جلدي المعلق بالباب / ورماه من النافذة ( قصيدة سيناريو صغير لحلم / ص22-23 ) .هذا الفشل الناصع الذي يعني به الشاعر هو الذي ينتج الاسئلة الجميلة لان الحدث كان متموضعا في جهات لا تعرف الدفء ( من يستطيع ان يهرب القصيدة الى الجهة الاخرى ؟ من يستطيع / ان يحصي هزائمه / ويحدث الطير / عن الرجل الذي مات في اول العاصفة / بين تلال البصرة ..؟ / من يستطيع ان يترك نافذة مفتوحة / ويتنفس الهواء الثقيل ؟/ من يوقظ اشجار الغابة / من خريف طويل ؟ / من يشطب اسم المنفى من ذاكرتي / ويملأ جيوبي / برائحة الجهات ؟ ( قصيدة جهات لا تعرف الدفء / 24- 25). لكن الشاعر موفق السواد لا يكف عن المحاولة مهما كانت النتائج:)هكذا وفي كل مرة / انظف ذاكرتي / واخرج عاريا / لابدأ الدوران / ثم اسقط / في نهار ابيض كالحليب ). ثم يعيد الشاعر المحاولة ثانية سالكا جهة اخرى ( امد يدي في جيوب الدهشة / فاسقط / في بذرة مهجورة ) . ويستأنف محاولاته ( وفي الصباح/ اتسلق من جديد/ ارى قصائدي / تنمو فوق الطاولة / هكذا اكرر نفسي كل يوم / بذاكرة باردة ( قصيدة نهار ابيض كالحليب / ص28- 29 ).
ولا يأس في سعي الشاعر ها هو يخاطب ذاته ( امض فجهاتك محاصرة / والازرق نقطة مبهمة / امض / الحديقة مازالت بيضاء / والفراشة / توشك ان تطير ( من قصيدة مع اولاد خوان ميرو في حديقتهم البيضاء / ص36- 37) .
ربما يكون سببب هذا الاصرار على الامل هو الشاعر هو الذي رأى ، راى الفاجع المسيطر على بلاده ( في الحرب الاخيرة / وقبل ان اموت / كنت اخب ئ السحاب بين اصابعي / سوف اعترف لنفسي / باني الرجل الوحيد / الذي راى عظام الزهرة / الوحيد الذي / راى الموتى يتقيأون احلامهم / الوحيد الذي يحتفظ في جيبه برصاصة باردة / انا الوحيد الذي راى f16 / تخترق وسائد الاطفال/ كنت / املأ العالم باحتجاجي / وفيما كنت اصرخ / كانت القذيفة تقترب / ومن بين تلال الموتى / كنت اصرخ / الحرب لن تموت / سوف يشربها دمي ( قصيدة الجريح يستيقظ ص30-31 ) . في فضاء منطلق بالتراجيديا ، لايبقى امام الشاعر موفق السواد الا ان يعلن ( انا ساحرق / الكلمات / والرماد / الرماد / سانثره على طرقاتهم ( من قصيدة رماد ازرق ص33 ) . وسيفعل الشاعر ذلك وهو ( يركض بعيدا / وهو ينفث هواء فاسدا من رئة الارض / سيترك وصايا باهتة / ويبتكر اسما للغواية / اسما جديدا لعزلته / وللمدينة التي شربها قبل عدة اعوام / بجرعة واحدة ( من قصيدة انا العابر هي المدينة ص43).
هل الشاعر هو الذي شرب المدينة جرعة واحدة ..؟ ( ليس في وسع احد استعادته / كان لصيقا بالمكان / الذي غادره / مرارا / متخذا من الليل الرملي / سريرا رحيبا ) الشاعر استعمل رمل الليل سريرا ، والليل بدوره وهبه درسا لن ينسى ( كان الدرس الذي تعلمه / من الليل / ان ثمة ليلا اخر / وقبل ان يصل الى ليله / اعترته الصفرة المتوارثة / ومات في الصباح ( قصيدة رحيل ما ص56 ). وفي معظم قصائده يحاول الشاعر موفق السواد ان يشتغل على اقتصاد في الاسلوبية لا اسراف في الضخ الشعري موفق السواد ان يشتغل على اقتصاد في الاسلوبية لا اسراف في الضخ الشعري ، ولا اختزال يعيق الدلالة في وصولها الى المتلقي .. الوطن وما حدث فيه هو كل ما يشغل الشاعر الذي يتعامل مع الشعر بحداثة غير متطرفة فهو معني بقارئه مثلما هو معني بادواته الشعرية .
الباب الثاني
العاشق والعجوز
قراءة اتصالية في ( طقس العاشق ) لمحمود عبد الوهاب( ونافذة العجوز) لمحمود البريكان
( واقفا امام النافذة وجبهتي على الزجاج البارد / ص70 )
ج . م كوتزي / بانتظار البرابرة
(1) ( قبل ان يترك حاجز الشرفة ، ترجرج في زجاج النافذة ظل لرجل كهل التقط الرجل عظامه في هدوء واسترخى على كرسيه مادّا ساقيه تحت الطاولة تا ركا بقع الشمس الباهتة تتناثر على وجهه مثل طفح جلدي . الشارع يتحرك في عينيه : يبرق . يضيق . يرتعش . يشحب . يزحف في حركة لا تنقطع ، يطوى هذا العدد الضخم المتزاحم من الناس والاشياء ليستعد لنهار جديد في رحلة لا نهاية لها / ص 74 (طقس العاشق ) شباط / 1997 .)
(2) نافذة عجوز
تمتد احيانا يد معروقة
وتنظر العجوز لتعرف الوقت
وهل توارت الشمس عن البيوت ..؟
وعندما تقترب العجوز
من حافة النافذة
تلوح في الاطار
كصورة لعالم يموت
1984
(3) الكهل الذي يتعبد في حركية العالم ، يحدق من الاعالي حيث يسكن في الطابق العاشر كما تحلق الطيور البنغالية فهو من خلال تأمله فيه (العالم ) يتماهى . هذا الكهل يعلقه القاص محمود عبد الوهاب (عاشقا ) في ثريا القصة وما يقوم به هذا العاشق لحركية العالم وهو منتم لها وهي حركية تجديد لا حركية تكرار ، فهي (رحلة ) لا نهاية لها ) ليس محض فرجة على العالم بل فاعلية تأمل لتجديد انتمائه في العالم من خلال التماهي التالي (الشارع يتحرك في عينيه : يبرق . يضيق . يزحف في حركة لا تنقطع .... ليستعد لنهار جديد ) وعاشق تجديد الحياة لايثبت على مخطط واحد من مخططات الصورة فهو داخل الشرفة / معكوسا في زجاج النافذة / وخارج الاثنين داخل الشارع اذا لم نقل هو الشارع نفسه حركيا والعاشق لا ينتظر بل ( يستعد لنهار جديد ) بطمأنينة الواثق . يحدث كل ذلك من خلال تبئير مزدوج القيمة
(1) ترجرج في زجاج النافذة : ويمكن اعتبار ذلك التبئير الواسع فالعاشق يرى الى العالم من خلال نافذة الشرفة ( قبل ان يترك حاجز الشرفة ) ( ترجرج في زجاج النافذة ظل لرجل كهل ) .
(2) ( الشارع يتحرك في عينيه ) : ويمكن اعتبار ذلك التبئير الاعمق .
(4) ( من حافة النافذة تلوح في الاطار كصورة لعالم يموت ) / نافذة العجوز تشترك العجوز مع العاشق في النظر الى العالم نظرة مبأرة وتختلف معه في تموضعها من العالم .. العجوز تنظر لتعرف الوقت وهي نظرة متسائلة عن الشمس ( وهل توارت الشمس عن البيت ) انها بقية فاعلية يومئ الشاعر البريكان من خلالها الى الحالة القارة التي وصلت أليها العجوز . واذا كان العاشق / الكهل في ( طقس العاشق ) يستعد لنهار جديد . فأن العجوز لا تنظر سوى الزائر الاخير ضمن مخطط الصورة فهي تقع ضمن مخطط الاحتواء . ( تلوح في الامطار / كصورة لعالم يموت ) وضمن مخطط الاتجاه فالعجوز تقع ضمن مخطط افقي فالشاعر يثبت عين الكاميرا بمستوى النافذة ومن الناحية المقابلة . اما العاشق فهو يمتلك مخططين مخططا من الاسفل الى الاعلى أي من الطابق العاشر الى الشارع ثم نظرة افقية لها امتداد عيني العاشق ( الشارع يتحرك في عينيه ) .
(5) العاشق يرى الى العالم بوعيه الفردي المضاء بالمعرفة يشير الى ذلك حضور الكتاب ضمن اكسسوارات الغرفة ضمن تكرار ثلاثي ( كان الكتاب وقدح الشاي ) ( الكتاب ترتعش اوراقه ) ( بين الكتاب وقدح الشاي / 72) في ( نافذة العجوز ) يتعمد الشاعر البريكان ان يضع العجوز بعيدا عن أي اكسسوارات خلافا لما هو عليه في ( نافذة عامل وافد ) و( نافذة المحطة ) .. ان تغيّب كل ما في الغرفة له وظيفة ايمائية عميقة سيلتقطها القارئ الفطن وهو ينتقل بين ( نوافذ البريكان ) او وهو يتوقف امام العجوز وهي في نافذتها الجرداء كالموت . الاثنان في العزلة يعيشان ( العاشق ) و (العجوز ) لكن لكل منهما عزلته الخاصة به .. العاشق يتأمل حركية الحياة ليتباهى فيها ليتجدد من خلال ذلك ( الشارع يتحرك في عينيه ) ( ليستعد لنهار جديد في رحلة لا نهاية لها / 74 ) . وهو بذلك يتجاوز عزلته غير المحسوس بها من قبل ( جميع الذين مروا عليه ... غير عابئين بنظراته التي علقت بهم .. / 74 ) والانسان الذي يستعد للجديد هو الذي يمارس انسانيته بالتجاوز وعلى حد قول احد الفلاسفة ( الانسان.. هو ما يتجاوز ) وكذلك يفعل العاشق من خلال طقسه اليومي .
(7) العجوز تنوء بثقل مزدوج : سنوات العمر المنحدر (عجوز ) وثلج العزلة وهي غير معنية الا بحركية الشمس ( هل توارت الشمس عن البيوت ) . واذا كان العاشق هو الحياة مفتوحة فان العجوز هي الحياة بانغلاقها ( كصورة لعالم يموت ) .
(8) لكل منهما ( العاشق ) و (العجوز ) : شمسه الخاصة به مثلما لكل منهما عزلته . ويمكن ان نرى في الشمس عنصرا اشاريا / كناية / عن الشخصية . شمس العاشق طرية مثل روحه المتجددة انها شمس الصباح وما بعده كما يؤكد ذلك سياق القصة . اما شمس العجوز فهي الشمس في دلوكها والا لم تسأل العجوز ( هل توارت الشمس عن البيوت ..؟ )
(9) نلاحظ ان السيادة في ( طقس العاشق ) للفعل المضارع : ( يترك ) ( ترجرج ) ( التقط ) ( استرخى ) ( تتناثر ) ( يتحرك ) ( يبرق ) ( يضيق ) ( يرتعش ) ( يشحب ) ( يزحف ) ( يطوي ) ( يستعد ) . ونفس السيادة الفعلية تصادفنا في ( نافذة العجوز ) : ( تمتد ) ( تنظر ) ( لتعرف ) ( توارت ) ( تقترب ) ( تلوح ) ( يموت ) . ان دائرة الفعل وتحديدا المضارع اوسع من غيرها واستعمال المضارع للتوكيد على ديمومة الحركة والفعل يستدعي الفاعل و( دائرة الفاعل اوسع بكثير من دوائر الاسم او الضمير وينعكس ذلك في القوة المولدة للاتجاه القيمي في النص / على حد قول صلاح فضل / شفرات النص .
(10) اصطادت قراءتنا الاتصالية هذه الاصرة الرئيسة (النافذة ) والمتشققة منها اواصر اتصالية / فرعية:الشمس/العزلة/التبئير/الفعل المضارع/....الخ . ونحن نبتغي من وراء ذلك الكشف عن وجهي العملة : الاتصال / الانفصال ضمن الحالة ذاتها أعني عزلة الواحد عن الكثرة فقد تكون عزلة مضيئة أوتكون عزلة حالكة السواد
• مجتزأ من دراسة اتصالية لـ (نوافذ البريكان )
• المصادر :
ـ (طقس العاشق )/ من مجموعة رائحة الشتاء /
دار الشؤون الثقافية العامة / بغداد / 1997 ـ (نافذة عجوز / قصائد بعنوان (نوافذ ) ضمن قصائد بعنوان (عوالم متداخلة /قصائد 1970 ـ1992 ).
مجلة الاقلام /العدد 3/4/1993 / ملف عن الشاعر البريكان اعدّه (رياض ابراهيم) رحمه الله

قراءة اتصالية في قصتين
القوس / يعرب السعيدي
(يحدث هذا كل صباح)
محمود عبد الوهاب
تكرس القراءة الاتصالية فعاليتها الملموسة في التعايش السلمي بين النصوص المتماثلة في كينونتها الجمالية والياتهاستعمد هذه القراءة الى التركيز على المفاصل القصصية المشتركة بين قصة القوس/ للقاص يعرب السعيدي / مجلة الاقلام / العدد الثاني /2001 وبين قصة ( يحدث هذا كل صباح / احدى قصص/ رائحة الشتاء / المجموعة القصصية للقاص محمود عبد الوهاب / دار الشؤون الثقافية / 1997) اذا اخذنا الوحدة الزمنية في القصتين نجدها نفسها اعني ان الوقت بالضبط هو ما قبل الدوام الصباحي ففي قصة القوس يقول السارد ( في صباح جديد .. )( يلتمع اسفلت الرصيف بلزوجة الصباح الطري ) ( مر الموكب وعاد الصباح هادئا ) ( واصل سيره وحين وصل دائرته بادره الفراش بتحية الصباح ) اما في قصة محمود عبد الوهاب ( يحدث هذا كل صباح ) فالسارد يقول ( اراقبهما عادة كل صباح من الرصيف المقابل انا بانتظار السيارة التي تنقلني واثنين من زملائي الى الدائرة وهما بانتظار باص الشركة / ص33) كما ان وحدة المكان في القصتين هو ذلك الفضاء العام المفتوح اعني الشارع ( العربة في وسط الشارع تختض باصوات دواليب ( يعبر الشارع من جهة البيوت ) ( يقتحم الشارع رتل من السيارات الكبيرة ) ( الشارع خال تنتشر فيه اعقاب سجائر) هذه الجمل مجتزأة من قصة القوس اما في قصة ( يحدث هذا كل صباح ) فالامر كالتالي : ( فجاة يظهر هو في الشارع مسرعا ) ( عندما يظهر هو في الشارع تكون هي قد لحظت قدومه ) نرى ان الشارع لايبين شعريته وحسب كمكان بل يمكن اعتباره شخصية رئيسة من شخصيات القصتين لايقمع المكبوت في الشخصيات لكنه يقدر على لجمه وتقيد تحركه بفعل تواجد الاخر الراصد / السلبي لهذه التحركات الانسانية واخص من الاخر فضوليته وتطفله وبخصوص التفاصيل فالتفاصيل ثابته في قصة ( يحدث هذا كل صباح ) وهي كالتالي ( حديقة عامة مهجورة ومخبزا وثلاثة او اربعة دكاكين ومجموعة من الشقق المتلاصقة كعربات القطار ) ( الشجيرة المسيجة بالقصب ) . اما بالنسبة لقصة ( القوس ) فان حركية الشخصية تراقفها حركة التفاصيل ( اقتربت عربة نفط ) ( حدق بائع النفط فيهما بعينين ماكرتين ) (مرت سيارة فلاي بيرد لنقل العمال ) ( حط نورس على حافة بركة ) ( يعبر الشارع قطيع اليف من الخراف والماعز ) ( يقتحم الشارع رتل من السيارات الكبيرة ) ( مجموعة من الكلاب تتخامش في وقت التزاوج ) ( طائرة تخترق حاجز الصوت " طائرة امريكية طبعا " ) (زعق طائر النورس اصطفق باب مركز الشرطة ) ان هذه العلامات لها وظيفتها الدالة التي تستفز استجابة القارئ الند للمؤلف الى تفعيلها فهي وحدة قصصية او وحدات قصصية ثانوية توصلنا بدورها الى الوحدات الرئيسة وقولنا وحدات ثانوية لايقلل من شانها بل يضعها في راتوبها السردي الصحيح . في حين نرى الاخرين هم ( رجال بوجوه جامدة كالطين المحروق ووجوه ممدودة مموصة ونساء محجبات وقرويات مهدلات الاثداء والبطون وصبية مدارس وعسكريون بلا رتب وشعراء وشيوخ وبيارق فضفاضة بلا رموز / قصة القوس اما في ( يحدث هذا كل صباح ) فالسارد يختزل المشهد بقوله ( بنكد الفضوليين من المارة ذوي الوجوه المحروقة الجافة ) يلاحظ القارئ ان الاخرين في القصتين لايفعلون الا السلبي او الهامشي من الشارع اما الايجاب فتكتنـز به الشخصية الرئيسة : بالنسبة للمراة نلاحظ في قصة ( القوس ) "( هي تهتز بموهبة انثوية ) ( خيط من رائحة الصابون ينسل من فتحة قميصها الاهدل ) ( طوت جسدها الى جانب ) ( ابتسمت ببرود مثير العطف ) ( كان كعب حذائها المستدق قد ترك في الارض الطينية الهشة عند نهاية الرصيف نقر دائرية منتظمة ) . اما في (يحدث هذا.. ) فيكون التوصيف كالتالي ( تتوهج امامي بثوبها الاصفر ذي الاكمام المخروطية تتريث عند باب الزقاق مستطلعة بحذر طائر صغير ثم تنقل خطوها بحذر ايضا على الرصيف حتى اذا ما وصلت منتصفة وبدات تزن تاثيرها في المارة استانفت سيرها بثبات .. عندئذ تتباطا في سيرها وتستقر بعد بضع خطوط على حافة الرصيف المقابل / ص33 مجموعة رائحة الشتاء ) . نلاحظ ان المؤلف يوظف السارد ليرسم من خلاله الوصف الخارجي للشخصية سواء في ( القوس ) او ( يحدث هذا ..) تاركا لاستجابتي كقارئ تكوين نظرة داخلية للشخصية ذاتها اذ ( يمكن رسم الشخصية الرئيسة عن طريق الوصف الخارجي ايضا ويكون الهدف التأليفي ان يجعل القارئ يعيد بناء نظرة داخلية لهذه الشخصية / على حد قول اوسبنسكي في كتابه شعرية التاليف /ص99) . كما تشترك القصتان في ان الساردينظر الى شخصية المراة في القصتين نظرة جمالية محض والرجل في ( القوس ) يقتفي اثر خطواتها ( تمشي في طريقها كالمعتاد وهو خلفها بمسافة لاتجلب شبه ، يساير خطواتها اللينة خطوة خطوة لااحد سواها في الطريق يتبعها بوقار محسوب بميزان صائغ ) اما الرجل في ( يحدث هذا كل صباح ) ونقصد هنا الرجل السارد فانه يرصد علاقة حبية بين حبيبين ( اراقبهما عادة كل صباح من الرصيف المقابل تاتي هي قبله دائما تتوهج امامي بثوبها ) او ( فجاة يظهر هو في الشارع مسرعا في سيره كمن يريد ان يصل الى مكان معين في وقت معين من اين جاء كيف ؟ هكذا اتساءل من دون جدوى كل صباح كأن يدا حاذقة حشرته في غفلة عني بين هؤلاء المارة ثم تركت له الخيار ليواصل سيره اليها على الرصيف المقابل ./ ص33 من مجموعة رائحة الشتاء ) يلاحظ القارئ ان العلاقة الحبية في القصتين تعاني اختناقا يتمثل بالمسافة الفاصلة بين الحبيبين وكما يصف ذلك السارد في ( يحدث هذا كل صباح ) ( يطيلان النظر الى بعضهما ثم يلتفت كل منهما في آن واحدالى جهة مغايرة هي تتشاغل بالنظر الى الجهة المعاكسة وهو يستأنف سيره متحاشيا معارفه من المارة كان له دوارة ريح تغير زواياها في الوقت الذي يشاء وحين يتشبث به احد معارفه وهو في عجلته تدرك هي اضطرابه انه يختصر آداب المجاملة ليلحق بها هناك / ص34 مجموعة / رائحة الشتاء ) – اما في قصة ( القوس ) للقاص يعرب السعيدي فان الرجل يقتفي اثر المراة ولايتجاوز الاقتفاء الى المرافقة ثم نلاحظ كيف ينتهي الاقتفاء ذاته ( دارت عيناه تبحثان عنها لم يجدها ) لقد ضيعها الرجل في زحام موكب الجنازة هل غمز الموت بعموميته غير المحددة هل غمز الجمال المحض وصيره اثرا بعد عين كما يقول المثل العربي فها هو الرجل ( توقف فجأة مد كل جسده الى الامام واقعي يحدق في الارض كان كعب حذائها المستدق قد ترك في الارض الطينية الهشة عند نهاية الرصيف نقرا دائرية منتظمة ) والرجل في القصتين يستفزنا على المستوى الواقعي لماذا لايبادر الرجل في القصتين الى مفاتحة المراة ؟ هل السبب الخجل وبالضبط الخجل البصري وهذا لايعني ان الرجلين هما مؤلفا القصتين : محمود عبد الوهاب ويعرب السعيدي لكن بعض الشخصيات تقوم بذات المؤلف المدركة كما يؤكد اوسبنسكي في شعرية التاليف ويضيف " وقد يبدو ان الشخصيات التي يتقمص المؤلف ادوارها هي في الشخصيات الرئيسة /ص102 / شعرية التاليف " وقد لايكون ذلك مطابقا كل المطابقة دائما لكن مما لاشك فيه ان كل مؤلف يضع سمة من سماته في شخصياته القصصية .
ان قصة القوس بالذات تتسم باقتصاد اسلوبي ذي شعرية متميزة فالقصة ذات وحدات قصصية موظفة توظيفا فاعلا وكل وحدة قصصية كما راينا من خلال ما اجتزأنا منها ، توصلنا دون استطالات للوحدة القصصية التي تليها .





قراءة اتصالية
في قصة اصطياد لحظة
للقاص عبد الاله عبد الرزاق
قصة

" امراة قد نال منها الاعياء ، طفلة اصابها التعب ، فخارت قواها . تنوح على نهر عظيم حيث الصفصاف لاينمو"
"مرثية بابلية"

اخترقت يده موجة ضاجة لا احد يعلم اكانت من فوضى هذه الاجساد المتشبثة عنوة باي شيء املا بالنجاة ام كانت موجة حقيقية ضخمة ارتفعت لحظة انهيار الجسر لحظة ان انتاب النهر حريق شطر الموج فرفعه لينهار مثل شلال عاصف ؟ يمكن رؤية دخان ابيض شاحب ينأى مثل بخار يتعاقد مع تصاعد الموج ، هل يحترق الموج فعلا؟ عندما يغلي الماء بفعل قوة نار هائلة يستسلم بالتاكيد لفعل الحريق ولالسنة النار فيحترق كما تحترق الاوراق . نار حقيقية تغلق امامه قوس الافق الشاحب بتاثير الدخان والعتمة . لم يكن النهر في يوم ما قادرا على ان يضخ هذا الغضب كله في امواجه فيجعلها مثل ما تبدو الان موجة تعلو في اذيال موجة حتى تصل الى عنان السماء فتغلق كل منفذ . من المؤكد ان قوة القصف هي التي جعلت صدى عصفه ينفخ في ماء النهر بحقد وحشي فيتركه هكذا موجة تعلو في اذيال موجة تحاول المياه ان تهدا فيستقر سكون عاصف على صفحته المضطربة ثمة ما يشبه بقايا كتل بشرية تتضاءل وتنسحب بعد صراع يائس . قد يتحرك منها شيء في دوامة منكسرة ثم لايني يختفي لتبقع سطح الماء وفي مكان اختفاءه بقع من رغوة ربد تنحل بفعل الريح التي لاتزال تهب بشدة بدفع من ضغط الماء ينظر امامه بعينين زجاجيتين مشروختين من كل اتجاه بعد ان غطاهما الماء والريح واهتزازهما في التيار المتدافع.مرة اخرى امتدت يده . اخترقت الماء الغائر كانت تمتد بحثا عن خلاص بعيد لايعلم ان كان فعلا يحاول تخليص نفسه عندما يبحث يائسا عن شيء ما او انه يرى ما يظن انها يد بشرية وخصلة شعر سوداء ناحلة تظهر ثم تختفي ، ثم تختفي نهائيا . الان يتاكد ان ثمة يدا حقيقيا تطفو وحدها فعلا في الدائرة الضيقة التي تحتويه . تنقيض اصابعها بضعف وتنبسط في حركة بطيئة حركة مروحية دائبة يصعب متابعتها . لاتلبث اليد ان تختفي نهائيا ويستكين سطح الماء هنيهة لكنه لايلبث ان يضطرب كما لو ان شيئا غامضا يحاول ان يصعد فوقه يجهد ان يفتح عينيه دافعا بجسده خارج الماء لكن قواه تخونه كما يبدو فتسقط يداه وتغوص مثل صخرة غير انه يعاود ارتفاعه كأن قوة غامضة تدفع به الى امر مقرر سلفا شيء يجهل حقيقته كان يذعن الى سطوته فهو مايزال يرتفع به باصرار مذهل ولم يكن قادرا على ان يملك امر نفسه كان ينقاد لمشيئته فيدفع به لان يغوص عندئذ تنحسر عنه طاقة التشبث في قدميه اللتين تبدوان متخشبتين سائبتين حركة تتراوح بين الدفع والجذب تجعله يطارد بجسد ليس جسده وبقدمين لايدري اين هما وبذراعين مستسلمتين لحصار الماء يطارد بعضا من قبضة هواء تبتدي له انها ادنى اليه لكنها تظل محتبسة بفعل القوة الغامضة فينتابه اختناق عاصف فما بين قطع النفس واستعادته كان يبدو له ان الهواء يوشك ان ينفذ بفعل الضغط وارتفاع الموج لقد كان جسده المتارجح يبحث عن شيء ضئيل من هذا الهواء في الحد الضيق القائم على سطح الماء المحترق والمضطرب ومرة اخرى يرتكن الى شيء من الامتداد السريع فيتسنى له ان يرى وبشكل صاعق اقتراب اليد المجهولة نحوه .. كانت تتراءى له كيانا يستوعب حياة ما وان لم يظهر ذلك عليها للوهلة الاولى كيانا مستسلما وبشكل آسر الى ضغط الماء . لم تكن تتحرك الان لم يدفع بهاالتيار بعيدا عنه ، كانت تتبدى له وكانها تقترب منه . هل سيلتقيان ولما يكن امرهما طوع مشيئتهما . لم يرد غير اليد تشق صفحة الماء او ان الماء الغاضب هو الذي يخترقها قد تعلو عليه قليلا لكنها لاتلبث ان تختفي وتدوم في موضعها مثل نافورة تبدامن مركزها ثم تتسع شيئا فشيئا تاركة بقعة صغيرة مترجرجة من زبد يزفر ما يشبه البخار ! ان الية المشهد توحي للرائي ان اليد قد تكون يده هو تظهر تارة وتختفي تارة اخرى طالما كان مقتول الحس مستسلما لسطوة الماء . لحظة تدافع الماء نحوه لحظة استسلامه للهبوط المجهول لحظة ارتفاعه ادنى الى السطح لحظة ان يفتح عينيه عبر زجاج مهشم ومبتل يتساقط على عينيه فتغيم فيهما الرؤية لحظة اقترابه من سكون ابدي يستشعره في ما يحيط به كأنما قد توقف النبض حوله ، جمد النهر وانسحب الموج وسكنت الريح وهدات الاصوات وتعلق صمت مقيم شامل وآسر ووحشي عند ذاك يرى ان كل شيء فيه تهاوى وكان يسالبوعي بعيد عنه :أهذه هي فعلا لحظة ساكنة هادئة لم ير عربة مسرعة تنحدر به في قوة نحو نقطة ضياء ونهاية نفق سري كامن خلفها .. لم ير شريطا متسارعا يسقط في ذاكرة مقفلة فيحل فيه ظلام قاحل غير ان لحظة صحو اخرى تنهمر في ذاكرته مثل قطرة ماء يتيمة بعد احتباس طويل ، يعود فيتذكر اليد التي لابد ان تكون قد طغت الان يغمض عينيه يعاود فتحهما بصعوبة يراها فعلا اقرب الى جسده ما يزال يبحث عن شيء من الوعي الذي سيمكنه في النهاية لاتخاذ خطوة صغيرة كان ينتظر مثل هذه الفرصة وكان يعتقد انها ستجيء حتما طالما مازال يعيش حتى اللحظة في هذا الطقس غير المفهوم طالما كان يشعر انه مايزال مستسلما لمشيئة الماء وحدها غير انه كان يخشى ان يفقد هذه اليد فان كانت يده فعلا فمعنى ذلك ان النهاية ستقبل بعدئذ وبسرعة عاصفة وان كانت يدا لانسان اخر فسيعجزه الياس اذ سيجد نفسه وحيدا وبلا معنى وان مصيره لايختلف عن مصير الاخرين الذين سبقوه ببضع لحظات وان يكن وحيدا فمعناه انه موت حقيقي عاجل غير ان الامر يظل مرهونا بزمنه حسب وهو كل شيء ابعد مايكون عن فهمه او استيعابه لم يكن حلم بادنى فرصة للنجاة لم يكن معنيا بالاندفاع عبر قوة مخذولة محاولا النفاذ من هذا الجحيم لم يكن يامل ان تمتد اليه ذراع لتنتشل جسده الرخو المعلق بين الماء والقاع لم يكن يعنيه شيء سوى ان يقترب من اليد المجهولة او انها تقترب منه ان يمسك بها او يحركها ان كانت يده هو غطاه الماء تماما فقد الرؤية ثمة ظلال اشباح او بقايا لاجساد بشرية .. قمصان منفوخة وعلب واغلفة دفاتر واكياس نايلون ملونة تتهاوى بين موجة واخرى تغطس ثم تعاود طوفانها . غطاه الماء فقد قدرته على الرؤية كان يهبط الان مثل ارجوحة ناعمة ثمة ظلال اشباح لاجساد بشرية تتهاوى .. دهش حين رآها بثياب بيض طويلة تتحرك بها حركة متموجة بطيئة جدا ود لو يتغلق عالم الجحيم السفلي هذا ليتسنى له ان يندفع بتلك القوة الغامضة نحو الخارج الى سطح الماء كان يشعر ان اليد او صاحب اليد ينتظره هناك على السطح فاللقاء قدر مؤكد لايحتمل التسويف او التاجيل طالما ظل طرفاه قائمين طرفه الاول هو وتلك اليد المجهولة الطرف الاخر لقد كان يقاتل من اجل الحصول على حق من وعي مسلوب منه كان يحاول ان يعطي نفسه قدرة ما كي يرتفع وكي يؤجل قرار موته المؤكد قليلا ليتهيأ له ان يغادر اعماق الجحيم هذه الى هناك نحو اليد التي تنتظره كان واثقا من هذا اللقاء في عمق اللحظة التي القته وراءه باحثا عن وعيه المسلوب . ها هو يندفع الان . هل افادته توسلاته ؟ أهو الذي يدفع بجسده ام قوة اخرى يجهلها؟ كنه على كل حال وطالما فقد وعيه فلم يعد يفهم شيئا عن اليأس والاحباط او الرضى والامل لقد توحدت في ذاته الممزقة كل المتناقضات ولم يعد يعنيه سوى ان يلتقي باليد التي من الممكن بل من المؤكد انها تنتظره . دفع به وهمه لان يتصور ان كل شيء يتواءم ليكون طقسا واحدا هو طقس الموت غرقا وان حركة الجسد وصراعه بين الغرق والنجاة فضلا عن اليد المجهولة توحدت كلها لتغدو جزءا من مفردات هذا الطقس الذي يشرف عليه الغرقى حسب ولااحد غيرهم ، ولكن من سيسمع حكايتهم او يطلع على تفاصيل طقسهم ؟ هم وحدهم القادرون على ذلك بالتاكيد .حين راى اليد امامه مرة اخرى بدا كما لو انه يردد مع نفسه : لابد ان يقع ذلك ! لابد ان يقع ذلك ! . وقع فعلا ما كان متوقعا كانت اليد قريبة منه تماما كما لو ان الماء قد فجرها فجأة . امسك بها بقوة كأنه يخشى ان يفقدها . اختلجت بين اصابعه احس بنبضها الواطىء يلمس عروقه وهي تتدافع بين اصابعه كما لو انها وجدت الملاذ الذي كانت تنتظره عبر هذه اللحظات المنفلتة وصل اليه الان شيء من دفئها على الرغم من برودتها الشديدة كان الدفء يدنو من دفء يده الممسكة بشدة وببطء خيل اليه ان يده ستسقط هذه اليد غير ان بقايا الدفء المتسلسلة الى يده كانت تحول دون ذلك ضغط عليها . حاول ان يقربها منه سحبها اليه ببطء تاكد لديه انه يسحب شيئا ثقيلا لاقبل له عليه وفجأة رأى بدايات جسد بشري يرتفع عن الماء ظهر الشعر اولا ثم الراس لم يعد يسحب كان الجسد يرتفع وحده لعل حرارة النبض هي التي اشعلت فيه هذه الطاقة الغريبة كان الان بمواجهة جسد امراة حقيقية . كانت تتنفس بصعوبة وتبدو وكانها قد اكتشفت توا خلاصها فسقطت عليه محاولة ان تمسك بيديه كلتيهما مد يده الاخرى طاوعته بشكل فاجأه امسك كتفها احدهما يحاول جر الاخر كانت قد التصقت به او التصق بها وكانا يهويان نحو الاعماق السرية بصمت ورضى واطمئنان آسر وقد سكنت صفحة مياه النهر فوقهما كما لو انها قد تسلمت نذرها .. وكان الجسدان مايزالان يهويان .
خاتمة محتملة :
ثمة امراة كانت توقد شمعة في مساء كانوني بارد عند صخرة قريبة من الجسر وعند الصباح وفي الموضع نفسه كانت هناك صفصافة قد شقت الطين فنمت .


قراءة اتصالية
(1)
من خلال اصطيادنا للتكرار اللفظي نحاول ان ( نقيم شبكة من العلاقات بين الجمل المتباعدة داخل النص )" 1" لنؤكد ان محدودية مفردات القاموس القصصي في ( اصطياد لحظة ) لايعني اعادة الانتاج البضائعي ذاته للمفردة قدر ما يعني التوسيع في مديات انتاج المفردة القصصية من خلال التركيز عليها ( اذ تضيف كل جملة لاحقة الى سابقتها عنصرا اخباريا جديدا ) "2" يشتغل الملفوظ القصصي على ثلاثة تكرارت . وهي كالتالي :
1- لحظة : ( ارتفعت لحظة انهيار الجسر لحظة ان انتاب النهر حريق شطر الموج ) نرى ان اللحظة الاولى معنية بانهيار الجسر اما الثانية فمكرسة للحريق ثم تواصل سيرورة القصة بثها ليعود السارد الى تشخيص لحظة اخرى ( لحظة تدافع الماء نحوه ) اذا كانت اللحظة الاولى ذات عمومية لخصوصية الجسر والثانية لخصوصية الحريق فان اللحظة الثالثة لحظة افقية متجهة نحو الرجل مندفعة صوبه ( لحظة تدافع الماء نحوه ) ثم تليها لحظة عمودية مسارها من الاعلى الى الاسفل لتصطحب الرجل في مسارها اعني ( لحظة استسلامه للهبوط المجهول) لكن سرعان ما تصطدم هذه اللحظة بلحظة مغايرة لها في المسار فهي من الاسفل الى الاعلى ( لحظة ارتفاعه ادنى الى السطح ) ثم تعاود اللحظة الافقية حضورها ( لحظة يفتح عينيه عبر زجاج مهشم ) تعقبها لحظة انغلاق / سكون ( لحظة اقترابه من سكون ابدي يستشعره ) ومن نسبية السكون تتشقق لحظة سكون مطلق . ( أهذه هي فعلا لحظة الموت ) لكن هذه اللحظة المطلقة تخترقها حركة استرجاعية ( لحظة صحواخرى تنهمر في ذاكرته ) ومن ضوء اللحظة هذه تبثق لحظة الامل ( انها ستجيء حتما طالما يعيش حتى اللحظة في هذا الطقس غير المفهوم ) لحظة الامل هذه ليست لحظة مطلقة بل هي لحظة قلقة مهددة بلحظات من سبقوه ( ولايختلف عن مصير الاخرين الذين سبقوه ببضع لحظات ) وهذا يعني ان لحظته ستتراكم في تلك اللحظات المنغلقة على الاخرين نرى هنا للمرة الاولى .. يعمد السارد الى جمع مفردة ( لحظة ) وقبل نهاية الملفوظ القصصي سيكرر ذلك مع الاختلاف في الدلالة . ( لحظات ) الاولى هي لحظات منغلقة على الموت وكل لحظة تخص احد المغرقين . اما ( لحظات ) الثانية فهي لحظات منفتحة على الحياة والاصح لحظات الوهم بالنجاة وخصوصية الاولى بالمغرقين من سياق الملفوظ اما ( لحظات ) الثانية فهي مقوسة بين ( هذه ) و( المنغلقة ) ( هذه اللحظات المنغلقة ) ومن (هذه ) نعرف مدى قرب اللحظات ونعرف من ( المنغلقة ) انغلاقها من الموت اعني محاولتها في الانفلات .
(2)
لايشتغل الملفوظ القصصي على تكرار لفظة ( لحظة ) في وحداته القصصية حسب بل منها يشتق البنية الاولى اعني ثريا القص فتكرار المفردة ذاتها هي محاولة في اصطياد لحظة وضمن شروط فن الصيد فان الصياد لايصيد الميتة بل الحية وهنا نتساءل : الصياد من ؟ احد المغرقين وهو يتنقل بين منوعات اللحظة ؟ ام النهر ( وقد سكنت صفحة مياه النهر فوقهما كما لو قد تسلمت نذرها ) ان اختيار الصياد مرهون باستجابة المتلقي .
2- اليد : لايغمرها الماء ولاتغتسل به هذه الحالات الثلاث تقترن بالحالة القارة اما في الحالة القلقة حالة العنف المزدوج ، قصف امريكي وحشي قصف تشقق عن ازدواجية الاذى ( حريق / غرق ) فسيكون التعامل عنيفا جدا ( اخترقت يده موجة ضاجة ) ثم في السطر العشرين ( اكتدت يده ، اخترقت الماء الفائر ) لايعني هذا الاختلاف أي تشويش في الاسلوبية .
الجملة الاولى جملة الاستهلال وهي تمتلك شروط اقناعها الدلالي فهي تسرد لحظة القصف الاولى اما الجملة الثانية فهي تعني اللحظات التالية واليد ( تمتد بحثا عن خلاص بعيد ) في حين ترد مفردة ( يد ) في المرة الثالثة من اذن الظن لامن عين اليقين ( يرى ما يظن انها عين بشرية ) ثم يتاكد اليقين ( الان يتاكد ان ثمة يدا حقيقية ) والمسافة بين يده هو واليد الاخرى جدا قصيرة فهي ( في الدائرة الضيقة التي تحتويه ) وبفعل القرب تتضح الصورة ( تنقبض اصابعها بضعف وتنبسط في حركة بطيئة ) لكن اليقين والقرب ورؤية العين المجردة سرعان ما يمحوه الماء فتغيب اليد ( لاتلبث اليد ان تختفي نهائيا ويستكين سطح الماء ) ثمة قوة اخرى تدخل في تواز مع قوة الماء ( قوة غامضة تدفع به الى امر مقزز سلفا شيء يجهل حقيقته كان يذعن الى سطوته وحين يطارد الغريق بعضا من قبضة هواء فان هذه القبضة ( تظل محتبسة بفعل القوة الغامضة فينتابه اختناق عاصف ) حينها تحاول اليد المجهولة الاقتراب منه ( يرى بشكل صاعق اقتراب اليد المجهولة نحوه ) وهنا تتداخل الاسئلة وهو( لم ير غير اليد ) هل اليد هي التي شقت صفحة الماء ؟ ام ان الماء الغاضب هو الذي اخترقها كما ( اخترقت يده موجة ضاجة ) اليد هنا منظور لها افقيا ومن المنظور ذاته اما بالنسبة للاخر الرائي فان ( الية المشهد توحي للرائي ان اليد يده هو تظهر تارة وتختفي تارة ) ثم يعاود الغريق تذكر ( اليد التي لابد ان تكون قد طفحت ) .تفكيره باليد الاخرى لايعني تفكيره بالنجاة فهو لاينتظر اليد التي تنتشل ( لم يكن يامل ان تمتد اليه ذراع لتنتشل جسده .. لم يكن يعنيه سوى ان يقترب من اليد المجهولة او انها تقترب منه ) وبعد وحدات قصصية صغرى يتواصل مع اليد مؤقتا ان ثمة حتمية قدريا ( فاللقاء قدر مؤكد لايحتمل التاجيل او التسويف ) كل هذا الرصد لليد يؤكد مدى فاعليتها في الملفوظ القصصي . انها مفردة حيوية ( من مفردات هذا الطقس الذي يشرف عليه الغرقى ) ثم تستمر حركية السرد في التركيز على هذا الحتم ( كان واثقا من هذا اللقاء ) ( لابد ان يقع ذلك ) ثم يركز السرد في وحداته الصغرى المتبقية من القص على لقاء اليدين ( امسك بها بقوة .. اختلجت بين اصابعه ، احس بنبضها .. وهي تتدافع بين اصابعه .. وصل اليه الان شيء من دفئها . وهنا بعد الاندراج المعلوماتي المتسلسل يخبرنا السارد انها يد امراة ( كان الان بمواجهة جسد امراة حقيقية ) نلاحظ ان السارد وضمن الاندراج المعلوماتي مرة يصف اليد الحقيقية ومرة بالمجهولية ومرة يذكرها مجردة ( اليد ) ثم يعاود وصفها بالمجهولية ومرة يذكرها ( صاحب اليد ) نرى ان الاندراج يتساوق مع مكابدات الغريق الذي صار يحاول اصطياد لحظة دفء ثنائية الموت لافرديته الباردة فالغريق ( لم يعد يفهم شيئا عن اليآس والاحباط او المرض او الامل ... ولم يعد عينيه سوى ان يلتقي باليد .. ) ثنائية الموت تصير مطلق وحشة الموت نسبيا فهي خير زاد يتقوت به الطرفان على وحشة الطريق الهابط الى قرارة لينة ها هما يلتصقان ببعضهما حتى لاتتسرب الوحشة اليهما وهما ( يهويان نحو الاعماق السرية بصمت ورضى واطمئنان آسر ).
3- لم يكن :( لم يكن النهر في يوم ما قادرا على ان يضخ هذا الغضب كله ) وهذا يعني ان كل هذا العنف ليس من سليقة النهر بل بفعل تلك التكنولوجيا الموظفة بوحشية امريكية لقهر الشعوب ، انهار الجسر وتشظى الادميون المسالمون واداة الجزم "لم " تعني الشخصية الرئيسة في الملفوظ القصصي اعني : النهر ثم يعمد السرد الى تكرار استعمال ( لم يكن ) لابخصوص النهر ثم يعمد السرد الى تكرار استعمال( لم يكن) لابخصوص النهر بل بخصوص من هو الان في عداد المغرقين .
1- لم يكن يحلم بادنى فرصة للنجاة .
2- لم يكن معنيا بالاندفاع عبر قوة مخذولة.
3- لم يكن يامل ان تمتد اليه ذراع لتنتشل جسده .
4- لم يكن يعنيه سوى ان يقترب من اليد المجهولة .
هذه الجمل المجزومة تاتي بالتعاقب في الملفوظ القصصي أي ان قراءتنا لم تصطدها من الملفوظ وترتبها بنفسها ويمكن اعتبار هذه الجمل وحدة قصصية صغرى مهد لها السرد قبل (46) سطرا بـ( لم يكن قادرا على ان يملك نفسه ) نرى ان هذا النسق الخماسي يتدرج من القدرة – الحلم – الاندفاع – الامل لاليفعل هذه الالفاظ بل ليعطيها وليشغل في الوقت نفسه النسق الاخير (... سوى ان يقترب ) اسلوبيا نرى لو ارتبطت هذه الجمل فيما بينها بـ "واو" العطف لادى ذلك الى تفريغ شحنتها العالية ذلك لان ( غياب الرابط كان لقوة الارتباط )"2"
(3)
* العلاقة بين ما قبل النص وما بعد زمن الحدث ( قصف الجسر .. الخ ) بعد بنية العنوان تاتي بنية المقتبس وهو مرثية بابلية بالنواح اكتفت المراة البابلية بالنواح وهو كل ما تبقى لديها من طاقة .( فهي تنوح على نهر عظيم حيث الصفصاف لاينمو ) في مفصل ( خاتمة محتملة ) نرى ان المراة الكانونية ( نسبة الى العدوان الامريكي في كانون الثاني على قطرنا الحبيب ) لاتنوح ولاتلعن الظلام انها تفعل الامر ( توقد شمعة ) والشمعة وهي تقطر ذوبها لاتموت بل تبذر ذوبها في صلاة الصخر فيذوب الصخر الى طين تشقق عنه صفصافة ( هناك صفصافة قد شقت الطين فنمت ) اذن العلاقة بيم ما قبل النص ( المقتبس ) وبين ما بعد قصف الجسر هي علاقة تتمة فما لم تفعله المراة البابلية فعلته المراة العراقية الان .
(4)
ان في تركيزنا على التكرار كمشغل لسيرورة القص راينا ان التكرار جاء ضمن وحدات قصصية ( ذات وظيفة تواصلية واضحة تحكمها جملة من المبادئ منها الانسجام / التماسك الاخبارية "4" . والان الى السؤال التالي هل قصة ( اصطياد لحظة ) قصة سائبة ام لها اتصالية بالمنتوج القصصي المتميز للقاص عبد الاله عبد الرزاق الذي حقق له ( مكانة فذة في القصة العراقية ) على حد قول غالب هلسا وهو يكتب عن ( لاوفيليا جسد الارض ) مجموعة القاص المنشورة عام 1976 ضمن منشورات وزارة الاعلام العراقية .. ان دقة التوصيف وشعرية القص في ( اصطياد لحظة ) هي في ( لاوفيليا جسد الارض ) وكذلك الاقتصاد في الاسلوبية فالقاص منشغل باللحظة القصصية لايبتعد عنها بل يحفر فيها والعنف نفس العنف ( ففي جو من الصمت الذي يعم الطبيعة ينفجر عنف شرير ) لكن المختلف هنا ان للعنف مستوى اخر اولا العنف هنا يتناول ما ارتكبته الوحشية الامريكية في ارضنا وشعبنا والعنف هنا ثانيا ليس عنفا فرديا بل هو عنف دولي تكنولوجي تقوده امريكا ضد قطرنا كما ان الاحداث لاتقف خارج التاريخ بل تنسب اليه وهي تقوم بارخنة قصصية لذلك "5" والاتصالية الداخلية مشروعة ومبررة فنيا بين ( اصطياد لحظة ) وبين قصة (لاوفيليا جسد الارض ) التي تحمل المجموعة القصصية اسمها . من ناحية الاقتصاد في الاسلوبية / ودقة التوصيف / وشعرية القص / كما تشترك القصتان في الفضاء المائي نفسه وتمسرح الجريمة فيه ( الان بدا الجسد يهبط في حركة خفيفة جدا كانه يتجنب ان يلامس القاع ولم تمض هنيهات حتى مس حوافي القاع مسا مرتبكا جعله يرتفع مرة واحدة في انزلاق عجل ثم عاود استقراره نهائيا بشيء من البطء /ص32 /( قصة لاوفيليا ) بالطبع ثمة فروق بين (لاوفيليا ...) وبين (اصطياد...) فالعنف في ( لاوفيليا ) عنف شخصي لاتصل مدياته ابعد من العداء الشخصيبين افراد بيئة واحدة يتناولها السرد القصصي اما في ( اصطياد..) فلدينا غريق هو الذي يتوصل الى الغريقة ليهبطا معا الى القاع . هذا بالنسبة للاتصالية الداخلية بين نصوص القاص نفسه . كما ان هناك اتصالية اخرى ضمن الوحدات القصصية لـ( اصطياد لحظة ) اتصالية تعتمد على تفعيل بعض المفردات مثل ( لحظة ) و( اليد ) وهناك ايضا مفردات اخرى تتكرر ... كما ان هناك تكرارا لفعل تسبقه اداة جزم ( لم يكن ) هذه الاتصالية نقترح تسميتها بـ( الاتصالية الجوانية ) لتمييزها عن الاتصالية الداخلية . ان تفعيل التكرار يراد منه احالتنا اليه بين الحين والاخر للتركيز عليه كاحالة داخل النص نفسه او داخل اللغة ( يتمثل في تكرار لفظ او عدد من الالفاظ في بداية كل جملة من جمل النص قصد التاكيد وهو الاحالة التكرارية وتمثل الاحالة بالعودة اكثر انواع الاحالة دورانا في الكلام )"5" من هذه الاحالة اشتقققنا الاتصالية التكرارية اما مفهوم ( الاتصالية ) فقد اعلنا عنه في مقالتنا عن القاص محمود عبد الوهاب ( عزلة مؤتلفة عزلة مبصرة / الاقلام / تموز / 1998 ) ان (هابرماز ) يؤكد على اتصالية من خلال اتصال الذات بالاخر . ونحن نستفيد من اطروحات ( يورغن هابرماز ) وننقل المفهوم من الحقل الفلسفي الى الحقل الادبي ... اللهم اشهد اني قد بلغت .
المراجع
قصصيا
1- عبد الاله عبد الرزاق / اصطياد لحظة / مجلة الاقلام / العدد السادس /2001
2- عبد الاله عبد الرزاق / لاوفيليا جسد الارض / وزارة الاعلام /1976 .
نقديا
1- الازهر الزناد / بحث في مايكون به الملفوظ نصا ( نسيج النص ) ص16 / المركز الثقافي العربي / بيروت / الطبعة الاولى /1993
2- المصدر السابق /ص63
3- المصدر السابق ص39
4- المصدر السابق
5- المصدر نفسه ص119
الجرائد
صحيفة الثورة / غالب هلسا / الصمت والعنف / لاوفيليا جسد الارض – 26/4/19






الليل
في أدب
محمود عبد الوهاب

( تستطيل المسافات في الليل من فحمة الليل : يحترق العارف وحيدا يبقى كالالم له الجدران وانتظار الحمامة )
م3
نتعامل هنا مع الليل كشخصية رئيسة فاعلة لها قابليتها على نمو الحدث ، وسنركز هنا على فاعليته الاتصالية. في نتاج القاص ( محمود عبد الوهاب )
(1)
كلما تقدم الليل تراجعت قوة المواجهة في الانسان . فيستعين على سواد الليل بسواد النوم ( فساعات الليل تخيفنا وعادة ما نلجأالى النوم مبكرين هربا من مصائرنا ونحن ايقاظ ) / قصة ( على جسدك يطوي الليل مظلته ) / مجموعة ( رائحة الشتاء ) والليل ذئب يفترس الانسان الخائر اما المتماسك فيتركه الى حين ( الليل هو عدونا الذي ينشب اظفاره في اضعفنا / قصة على جسدك ..) ولايكتفي الليل عند حد تعامله بالمفرد بل يتجاوز ذلك الى الجملة فالليل شبكة صيد كبيرة لاناجي منها (ظلال الاسرة وقد ارتمت على ارض الردهة كشبكة كبيرة/ 1) . والليل في هذه القصة : حاضنة يحدث فيها كل مروع ومخيف ، ان السيادة في قصة لليل وهو الزمن المهيمن على المكان ومن ثريا الجليد الاسود الذي يشل الحركة ، تتدلى القصة فالليل يقبض على الكائن ولايسرحه الا لسواد اشد ، ذلك ما تعلنه في البدء ثريا القصة ( على جسدك يطوي الليل مظلته ) والعزلة تضعفهُ وتزيده خشية من الليل ( بدات اخشى الليل وحدي / ص43/ رغوة السحاب ) ربما يكون سبب الخشية فاعلية الليل على شخصية المكان ( اذا تنبهت معالم المكان في الليل وتسقط المسرات في العتمة وكل ما كان مبهجا يفقد بريقه ، اظل طائر يبحث عن عشه / ص43/ رغوة السحاب ) والوسيلة الناجعة في التصدي لليل : هي اتصالية الذات بالاخر ( في زيارتي الاخيرة كنا نجلس حتة منتصف الليل /ص49 / رغوة ..) ومن خلال جماليات هذا الاتصال الانساني ، يتجول ليلاً في نهارات الفوتوغراف ( تاتي انت بالبوم الصور لتضع امامي مشاهد من حياتك : مجموعة من زملاء المدرسة تقف انت بينهم منتصبا / ص49 ) او يحدث ان يخففا من حدة الليل بضوء الشعر ( كنت لاتتطلع الى القصيدة بل كنت منصرفا الى الفضاء البعيد .. وكان صوتك ياتي مثل صيحة طائر يبتعد في سماء لانهاية لها /ص50 ) واحيانا تتفعل اتصالية بين مجهولين من جراء قساوة العزلة المزدوجة على الكائن ، انها العزلة النمطية التي ستتوالى هندسيا بسبب الحرب ( لم يكن المتكلم شخصا اعرفه ، لكن لصوته نبرة حميمية مطمئنة جعلتني اتغاضى عن فعلته بدا يعتذر مما سبب لي ازعاجا بسبب مكالمته في هذا الوقت المتاخر من الليل ثم اخذ يشرح لي بنبرة هادئة دوافعه فالقلق والعزلة والوحشة تنتابه في مثل هذه الساعة دائما ولا خلاص له الا بالاتجاه الى صوت بشري يبدد عنه هذا الشعور المضني /ص97 ) وفي الليل تشتد الحاجة لحميمية الاتصال بين الذات والاخر ( وغالبا ما يحدث هذا في ساعة متاخرة من الليل .. اذ لايمكن للمرء ان يؤجل مكالمته الى الصباح فالقلق لايغادر مكانه الذي تربعه في الداخل حتى تطمئن على سلامة من تحب /ص115 ) ومن جراء الاتصالية بين الذات والاخر البعيد . تحدث اتصالية بين الذات والاخر القريب الذي لم تنتبه الذات الى حاجته الاتصالية ( انتهيت من مكالمتي طالعني بابتسامة شاحبة ، التمس مني البقاء طويلا متوجسا من وحدته وشيخوخته الراعشة ) ومن هذه الاتصالية الليلية ستتشقق اتصالية ادبية ( تعدني ؟) ( ان تكتب حكايتي /116)
(2)
الليل في نتاج القاص محمود عبد الوهاب ليس مطلق السيادة في الفضاء القصصي ( لم تكن الظلمة تامة ، ولا الضوء كافيا ) وهي حالة يأتلف معها المتواجد فيها ( الا انني اعتدت ان اتبين المكان وحافات الاشياء من غير صعوبة / قصة / على جسدك يطوي الليل مظلته / مجموعة رائحة الشتاء /ص65 ) هذه المناصفة بين اللونين الابيض / الاسود سنجدها معلما خاصا بقصص محمود عبد الوهاب اما الاسود المطلق الظلام التام فسنجده عند الروائي نجيب محفوظ . تتوزع الاضاءة كالتالي في ( سيرة ) ( الظلال والاضواء تزحف على وجوه الاصدقاء / ص45) والقاص يختار عبر المنظور الطبيعي للصراع التكاملي بين الليل والنهار اللحظة المتداخلة بين الطرفين لاحضور تام ولاغياب ..( في الظلام ، عندما بدات حافات المباني والاعمدة والاشجار تفقد وضوحها / قصة طيور بنغالية ) ، ومن بؤرة اللحظة المتداخلة ، يمارس الحلم فاعليته ( كان المارة يبدون كلما اقتربوا منهما كما لو انهم يتأبطون في مشيتهم يحنون لهما قاماتهم في طقس هندي كالعادة / ص61 ) والامر ذاته سيصادفنا في قصة الحديقة ( وتراءت له حافات الاشياء في غرفة ناتئة وملتبسة ) ويمكن ان يكون المساء هو المكان الذي يقصده ( سلمان ) في ساحة ( ام البروم ) ( وهو يدب نحو البروم في مساء شتوي كئيب / رائحة الشتاء ) . والمساء ذاته يحتوي حركة ذات مسار مغاير لحركة سلمان ، في مكان اخر يكون المشهد مبأرا ( كانت عيناك ، تلتقطان في عتمة المساء ، ظلال نساء مسرعات يحتمين بمظلاتهن من المطر / قصة امراة /ص21)
(3)
في الفضاءات المفتوحة ، عندما يتقدم الليل ، يكون مصحوبا بما يجعله اكثر انفتاحا ولانعني بانفتاح المعمار الهندسي للمكان بل هو انفتاح على حريات غير مشروطة الا بشروط الوعي في استعمال الليل ، ضمن قناعات الانسان ذاته . ان جمالية الامكنة المترفة لايمكنها اخفاء قلق الانسان اللاهث وراء طموحاته الشخصية والضوء هنا وظيفة سلبية ( اضيئت مصابيح المنيون داخل المطعم ضوؤها الابيض المزرق يمتص وجوه الجالسين وايديهم ، كانوا هم في مقاعدهم ، صفر الوجوه ، وكأنهم يشكون نقصا من النوم / قصة يوم في مدينة اخرى /ص20 ) ان الليل هنا يفضح غياب الاتصالية بين الذات والاخر ، ذلك الاخر الذي يشحن الذات بذاتيتها ويضيف لها من قوته . فغياب الاخر يفرغ المكان من تألقه وينشط العزلة فالمكان بالمكين والانا لاتكتمل الا بالاخر لقد انتظرت المراة كثيرا ولم يبق امامها سوى تفعيل انسحابها .
1- تنهض المراة من الاريكة
2- تطفئ الضوء
3- تقفل الجهاز
4- تزيح عن طريقها صينية صفت عليها ثلاثة صحون وقدحان وسكين ذو مقبض عاج
5- تصعد السلم الداخلي
6- تتوجه الى غرفتها
ان هذه الافعال الستة ذات الدلالة السلبية نتاج العطل الذي اصاب اتصالية الانثى بالذكر الذي ادى الى تعطيل اتصالية الانثى بالذكر بالمكان ببيتها ( في حين تبدا الاشياء من حولها تفقد الفتها / قصة توليف /ص24 / رائحة الشتاء ) لقد تعطلت من جراء تعطيل الاتصالية الانسانية الفوائد الثلاث للبيت فـ( البيت يحمي احلام اليقظة والحالم ويتيح للانسان ان يحلم بهدوء / باشلار / جماليات المكان /ص44) . لقد حدث تغيير في الاتصالية بحضرة الليل بسبب عطل في مركبة الشابة وهي (تجتاز وحدها طريقا بهيجا وسط الريف / قصة توليف ) وثمة امراة في البيت تنتظر لالتصليح لها مركبتها بل ليليها وعندما ( تدق ساعة الحائط الواحدة بعد منتصف الليل فترمقها المرأة من مكانها بنظرة متبرمة ) وحين تعثر الشابة على من يعينها يبث القاص سردية ايمائية صغيرة استباقية لما سيحدث ( تسحب المرأة ستار النافذة التي بجوارها من دون ان تغير جلستها فتشتد العتمة في الزاوية المحصورة بين نهاية الاريكة وباب غرفة الطعام ) لقد حدث تبادل في الادوار الاتصالية فالمرأة التي تنتظر رجلها ليسهران في البيت فقدت اتصاليته به ليكون اتصاله مع المراة الشابة صاحبة المركبة العاطلة ( يدعو السائق الشابة الى الصعود في سيارته يصعدان معا يقود سيارته وهي الى جانبه ) جرى كل ذلك في حضرة الليل ولليل دخل في ذلك ففي طريق ريفي ستكون الاعانة في الليل اقل مما عليه في النهار . وفي قصة ( امرأة ) وهي قصة مسائية الحدث تجري في فضاء مغلق / مفتوح / متحرك ( في مساء ممطر وحافلة الركاب تهتز بك وسط الشارع الاوربي الفسيح ) الرجل في القصة لديه تذكرتان وهذا يعني ان ثمة شخص اخر يفترض ان يكون معه او سيلقاه فاذا بالمصادفة تفعل اتصالية على مستوى ادنى عاطفيا ولكن على مستوى رفيع انسانيا انها انفصالية الشخصين عن المكان ( فهي ليست هذه المدينة ولم يتيسر لها الوقت لشراء تذكرة ) وكذلك الرجل هذه الانفصالية الجغرافية تحدث اتصالية انسانية بينهما فالمرأة يفاجأها الرجل بمبادرته وهو يرفض اخذ ثمن التذكرة يرد ذلك سرديا بضمير المخاطب ( تفاجأ هي حين تدفع لها انت بالتذكرة معتذرا عن اخذ ثمنها ) هذا الاحسان ترد المرأة عليه بمحاورة الرجل في اثنائها ( تقف بجوارك تحمل على ظهرها حقيبة سفر ...) ( وحين كنت تتطلع حولك كنت ترى عينيها تبتسمان لك كأنها لاتزال تعبر عن امتنانها ) يمكن ان يكون هذا تمهيدا لاتصالية بين الرجل والمراةلولا الية جوانية مترددة يتسم بها الرجل ( كنت متشوقا الى التحدث اليها لكنك متريثا كعادتك ). وحين تترجل المراة وحدها تتمنى ان تتكرر هذه الاتصالية بينهما بكل اجوائها ( تقول انك لطيفا معها ، وانها ستراك مرة اخرى في مساء ممطر كهذا المساء)
(4)
نرى ان الليل في قصص القاص محمود عبد الوهاب ، يمثل وحدة سردية ذات دلالة منفتحة لحدث قادم مسكوت عنه وكأنه قصة اخرى غائبة عن القارئ ان يفتح مستودعه عند الاستجابة واستقبال النص ليكتب ما سكتت على القصص . وبذلك يفعل الليل الوحدات الاخر للقصص وعندئذ يقوم القارئ بفعل تعضيد الحكاية كما يصطلح عليه امبرتوايكو .








الباب الثالث
التسموية الاتصالية قراءة في رواية
مهدي عيسى الصقر
(الشاطئ الثاني)
(ماعدت اعرف صدقها من كذبها حتى اسمها لا اظنه اسمها الحقيقي /ص22/رواية الشاطئ الثاني ). اذا كانت (كل قراءة تأتي لتسم النص بدمغة جديدة ،تعيد وسمة . تبرز فيه طبقة مخفية تلقمه ببعد اخر ما كان من قبل ملموحا فيه / جاك ديريدا / صيدلية افلاطون ) .فان الاتصالية هي دمغتنا الخاصة وزيادة في التحديد فانها اتصالية تسموية .. خاصة بالأسامي التي تحملها الشخصية النسوية الرئيسة في رواية (الشاطئ الثاني ) للروائي العراقي مهدي عيسى الصقر ومقتصرة عليها وما ستقوم به اتصاليتنا هو كالاتي : سحب خيط فاعلية التسمية من النسيج الروائي لنحوك منه نسيج قراءتنا الاتصالية . وفيما يلي الاسماء الواردة في الرواية للشخصية ذاتها مع عدد تكرار كل اسم : (سلوى/ 50مرة) (سراب /6) (سلمى/3) (بلوى /3) ( سعاد /5) (سكينة /7 ) .. ( سكينة هو الاسم الحقيقي وهو اسم اسلامي ، يكشف عن محبة المسمي / الاب : لال بيت النبوة (الاسم الذي اطلقه علي ابي بعد الولادة هو سكينة نرى ان الاسم (علامة ذاتية في اللغة ) والتسمية لا تخلو من تملك ، ان اسميك يعني استدعيك انى شئت .. اسمي علامتي الفارقة .. وان اسميك معناه ان اناديك فتاتي لي وحدي طوعا او كرها تاتي ( كان يعرف اسما واحدا غير انه لم يستطيع ان يذكره امامها كان يخشى انه اذا ذكره بصوت عال فان صاحبه قد يظهر بغتة امامها جاترتن / رواية بيتر اكرويد ) الا يمكن اعتبار التسمية انتشالا من الارضنة التي توسق بمظلتها سائر الكائنات ؟ فالاسم ثمرة من ثمرات الوعي البشري فالانسان دون سائر الكائنات هو الذي يسمي (حيث يصنف الناس باعتبارهم افضل من الحيوانات والنباتات ومظاهر الطبيعة الاخرى فنحن الكائنات الحية الوحيدة التي تتأمل في معنى وجودها وتقلق قلقا مستديما على الحب والجنس والعمل والموت والاخلاق / جورج لايكوف ومارك جونسون / الفلسفة في المجد ) . خبرتها الحسية السلبية توصلها الى ادراك العلامة في الاسم ومديات فاعليته. المكان الممحاة النتنة .. يصفها توصيفا سلعيا يمحو في المرأة كل ما لا يتفق مع شروط التبادل السلعي للنساء كافة وعلى مفاتنهن اعني المسقطات من النساء ! هن محض لحظات في سيرورته ( اللحظة السايكولوجية المتشكلة من جراء تحقيق الجنس هي انية محددة بفضاء زماني لا يدوم الا لحظة اللذة او ما بعدها بلحظة وجيزة جدا .. محمد بن عبد الرحمن يونس / الجنس والسلطة في الف ليلة وليلة ) . انها سعاد كما تفهم صاحبة المنزل السعادة . عندما ترمى المرأة في مثل هذه البيوت فان اسمها ، خارج هذا المكان ، المباءة يقذف ويستبدل بغيره ، و استبدال التسمية ليس موضة عصرية فقد ( كانت الفتاة المستاجرة تترك اسمها الحقيقي وتنحل اسما اخر كما تقول:سلام خياط .ان لا اخلاقية المال والقوة المتمثلة بالرجل الثري من شأنها التأثير على بطشه والغاء كل من يقف في طريقه ، والثري يمتلك كل اليات الجنسنة لذا فهو لا يريد من سلمى أن تجعله موضوعا لرغبتها لكن (سلمى ) لا ترغب في رغبته هو فهي تحاول انتشال جسدها من ارضنة فاسده من خلال رئيس ( عباس ) وبالتالي ( سامي ) رجل يشرعن رغبتها الناصعة لكن هناك من يرغب في تعطيل هذه الرغبة بل و تلطيخها .. رجل يغويه ثراؤه بـ(تأبيدها بدونية الجسد ) رفضها للثري متأت من رفضها للأخر لأحتكار الأخر الثري لجسدها (أستأجرت لها بيتا و خادمة لكنها ناكرة الجميل لم تمكث فيه غير أسبوع واحد ثم هربت ) فهي أذا حققت للثري رغبته فستكون جسده هو .. لا جسدها وعلى مستوى النحو التوليدي فان كلام الثري ، كلام استعاري واذا استعنا بـ(مايكل ريدي) الاستعارة هنا استعارة ( المجرى ) اذ( يمكن لتصور معين ان يخفي بواسطتها مظهرا معينا من تجربتنا / جورج لايكوف ومارك جونسون / الاستعارات التي نحيا بها ) اذن العلاقة بين الثري و( سلمى ) هي التي يمكن تسميتها بالاتصالية التعالقية وهي اتصالية استتباعية، فوجود (سلمى) يؤدي الى وجوده وموجوديته مرتهنة بموجودية رجل مع (سلمى) في المكان وبهذا الشرط تفعل اتصاليته بها فهي اما ان تكون له او لا يختص بها احد او لتكن مشاعة لكل الاخرين ، فبعد مقتل ( عباس ) ( كأنه تلاشى ) وما ان ظهر سامي في حياتها حتى عاود الثري الظهور وهي علاقة انفصالية بالنسبة لـ( سلمى ) لكن الانفصال لايعني الانقطاع بين الثري وبين الموضوع (سلوى ) ففي حالة الانفصال يكون الاتصال بالقوة قائما ويسعى الثري في تحقيق رغبته كما تسعى (سلمى) لتحقيق رغبتها ، اعني تعطيل رغبة الثري ذاتها وعلى حد قول (سراب ) كما توقع (سلمى) في الرسالة الموجهة الى سامي بعد اختفائها (انني لن ادع هذا الوضيع يلمس جسدي مرة ثانية حتى لو اضطررت الى قتل نفسي) والاسم لدى سكينة يتصف وظيفيا بالازدواج القيمي فهو اسمها الذي ينادونها به وهو اسم من اطلق عليها التسمية . وعلى حد قولها (سلوى اسم عباس) ثم تفكك الجملة (قصدي اقول انه الاسم الذي اختاره لي المرحوم عباس ، وهذا يعني من جهة اخرى ان هذه الاسامي تتغذى من شروط زمكانية فاعلة ، واذا كان الاسم علامة فان العلامة على الاستبدال تقوم فهي (الاسامي) ليست ثابتة بل في متغير مستمر وهذا يعني انها تملك حركيتها الخاصة حركة تخضع لاندراج معين . تتعاون سنارتان على حياكة نسيج التسمية : الاولى سنارة الشخصية النسوية الرئيسة ذاتها اما السنارة الثانية فهي مجموعة السنارات المتعاقبة ويمكن حصرها بالسنارات التالية : العائلة (سكينة) الزوج (سلمى) والعشيق كذلك بيت البغاء (سعاد) عباس/ (سلوى) صديقتها المقتولة : (سراب) عواد/ (بلوى) انها اتصالية تسموية من طراز خاص : اعطني اسما لتمتلكني من خلاله طوعا ، بالاسم ابدأ بداية جديدة والاسم يهيء للحلم فضاءه الازرق ، اعطني اسما لاحلم بك و(لاصير به وعد محبة) و(سكينة) من الاسماء التي لاتتشاءم بل من الوجوه (لاانا لااتشاءم من الاسماء بل من الوجوه) تقول له وهي تطلب منه ان يسميها (سراب) (لكنك لست سربا يا عزيزتي انت حقيقة) يقول لها سامي فتجيب انها تسمت به (اكراما لبنت كانت معي في ذلك المنزل قتلها اخوها) وفاعلية الاسم (سراب) للاندراج التالي يخضع فهو في البدء اسم تتسمى به صديقتها في ذلك المنزل / المباءة لكن بعد مقتل (سراب) تحاول (سكينة) احياء (سراب) الصديقة عبر تفعيل اسمها منها وهي تزداد قوة تحقيق هذا الاحياء التسموي خصوصا وان اسم عباس اقصد الاسم الذي اطلقه عباس عليها (سلوى) اخذ يتراجع بعد مقتل عباس كما ان (سراب) يتواءم مع انتفاء الحاجة للاسم (سلوى) فقد تأفق الاسم (سلوى) بافق سرابي وحين ترسل رسالتها الى سامي فانها توقعها باسم (سراب) ، هنا ياخذ الاسم (سراب) اقصى فاعليته على المسمى هنا ينطبق الاسم على المسمى فكل سعادتها سراب خصوصا بعد ان قرر سامي الزواج منها فعلا ، لكن ظهور الرجل الثري جعل السعادة تتأفق بأفق سرابي مطلق . الامر مع سامي يختلف ، في البدء كان يرى فيها موضوعا لتحقيق رغبته وحين تسأله عن امرها يقول لها (امنيتي ان اجعلك خاتما في اصبعي لا يفارقني ابدا او مسبحة احملها معي) ان هذا الكلام الاستعاري يعاني من تعارض دلالي فهو يعني عكس ذلك لانه محض كلام .. بوظيفته الاستعارية لا الفعلية يكتفي .. وهو كما توصفه (سكينة) (كلام جميل لا يكلفك شيئا) وسرعان ما تتعطل وظيفته الجمالية ايضا وهي تصارحه (اذا كنت صادقا في حبك كما تقول فتزوجني ) فتلمح فيه ارتباكا فتخاطبه (اسمعني انا مللت من لعب دور ... ) وهنا بالضبط يعمد سامي الى ممارسة سحر التسمية ، انه يحاول ان يعيد اتصاليتها بزمن البراءة والاستقرار العائلي فيخاطبها (عزيزتي سكينة) فتصده قائلة (لا تتلفظ بهذا الاسم ، خصوصا هذا الاسم) لان اتصاليته هو لا اتصاليتها هي مفقودة مع الاسم (سكينة) فهو لاينوي تنظيفها من الدنس عبر شرعنة علاقته بها ، وبعد حوار مأزوم قصير يعاود الكرة مستعملا تأثير الاسم الثاني عليها (حبيبتي سلوى) ترد عليه (ولا هذا الاسم ايضا عباس كان رجلا شهما) ان هذه الاتصالية التسموية انقلبت ضده حيث رجحت كفة الغائب المقتول على الحاضر الحي وحضور الغائب مرتهن بصفة غير متوفرة في الماثل امامها اعني شهامة عباس واسم سلوى كان عباس يغذيه بشهامة رجولته اذن غير عباس سيجعل الاسم عاطلا عن الفاعلية ولان سلوى رأت في عباس الوسيلة الوحيدة لاعادتها من امرأة سيئة الى زوجة يحيي فيها ما اماتته الحرفة الدنسة .. في مثل هذا الحال فان سامي لايختلف الا قليلا عن الرجل الثري فالثري مخلص لشهوته لاخلاقيات جسده هو ، فهو يريد تأميمها بـ(دونية ابدية ، دونية الجسد) وسلمى بالنسبة له يمكن اعتبارها (وجوب كينونة) ورغبته فيها تشتد كلما رفضت ان تجعل منه موضوعا لرغبتها وهكذا يكون الثري ذات / ضد: مسؤولة عن برنامج سردي استحواذي اخلاقي .. الاسم (سلوى) يتصل بعباس فكيف اتصل بـ(سامي) ؟ (تجيبنا عن ذلك (سكينة) (استاذ سامي تعرف انك تشبه المرحوم عباس من بعض الوجوه) وستتصل الجملة بصفة التشبيه التي تشكل اتصالية معينة بين الرجلين (اقصد انك ساذج مثله) وستحاول ان تأثل اتصالية تسموية جديدة بينها وبين سامي (وانت حبيبي أي اسم تختار لي ؟ ) يقول سامي (انا لا تشغلني الاسماء انما تشغلني هذه البنت العذبة الجالسة امامي) . سامي بالجسد منشغل وبتحقيق رغبته من خلاله ، فالجسد موضوعة ولا يرى فيه ذاتا انسانية تتواءم مع ذاته في علاقة شرعية بل علاقة لذية محضة .. اما (سكينة) فهي تترجاه (ارجوك سامي يطيب لي ان احمل اسمك قصدي الاسم الذي تختاره لي) قبل ذلك قالت له عن اسم( سلوى) انه اسم عباس قصدها الاسم الذي اطلقه عباس عليها . بالنسبة لعواد صديق عباس فانه يسميها (بلوى) وهذا الاسم مشتق صوتيا فقط من الاسم (سلوى) فالمجاورة بين الاسمين ليست بالدلالة بل بالصوتية فقط وهي تسمية خاملة فعواد لا يوصلها الى المتلقي الاول (سلوى) بل لمن له علاقة بها ويمكن اعتباره متلقيا ثانيا اعني سامي وسرعان تفكك (سكينة) الشفرة بقولها (عنده حق انا بالنسبة اليه بلوى نزلت من السماء) . نلاحظ بعد كل هذه الاتصاليات ما يلي : ان السيادة التسموية هي للاسم (سلوى) جاء في معجم المتوسط (سلوى : كل ما سلاك) والشخصية النسوية لم تكن – رغم كل الجهود غير المخلصة (عباس و(سامي)- لها سوى هذه الوظيفة اعني تقديم التسلية للاخر طوعا او كرها..النسبة لاسم( سكينة) فهو معجميا يعني (الجارية الخفيفة الروح الظريفة النشيطة فسكينة تعني الطمأنينة والاستقرار والرزانة والوقار) نرى ان هذا الاسم يقترب معجميا من الاسم(سلوى) اذ كيف تستطيع توفير التسلية دون خفة الروح .. لكن (سكينة) لا يضيء معجميته في الاستعمال اليومي بل يشير الى الوضع الاجتماعي للغة أي تحقيب اللغة بحقبة تاريخية / اسلامية والضوء الدلالي المبعث من الاسم (سكينة) هو الضوء الايحائي او ما يسمى بالدلالة الحافة هذه الاشارة تسلمتها سريعا صاحبة المنزل .. لذا عمدت الى تذويبه في الاسم (سعاد ) وسكينة هي الاسم المرجع يجعل ذاكرة المسماة تلتفت نحو الفردوس المفقود وهو الاسم الوعد بالنسبة لـ(سامي) وهو يتلفظه يعلن عن مسكوت فيه هو فالشخص الهوائي يتصرف على وفق هواه هو لا يتردد في تنفيذ ما يراه يسعده ويسعد من يرتبط معه مهما كلفه الامر وعندها يدخل الاسم سلوى ضمن تعبير الخانات حتى يتضح الامر . وبعد .. من يحمل من ؟ هل انا احمل اسمي ؟ هل اسمي يحملني ؟ وكيف تكون فاعلية التسمية عليّ وعلى سواي ؟ وكم نسبة فاعليتي الخاصة في ذلك ضمن شروط واقعية وميتا واقعية تجتاحني ؟ كقارئ كأنني اسمع سكينة وهي تصيح (اعطوني اسما لاصير به حبكم في الارض ) لاصير به وعد محبة ،
قالوا لها اسماؤنا صلباننا ،
نتعذب فيها ،
نحلم فيها .





غواية الماء
في صراخ النوارس
(.. مياه البحيرة التي لاتكترث لموت سمكة او انسان ) صراخ النوارس ص51

رواية: مهدي عيسى الصقر
اشهد ان تفعيلي لـ( صراخ النوارس ) هو نتاج تجربة عاطفية بين استجابتي كقارئ وبين كينونتها كرواية ، ويحق لي المجاهرة انها ليست بالتجربة الانفعالية بل هي تجربة متفاعلة نشطتها ووجهتها تكرار قراءة السرد الروائي، تكرار ادى الى انفتاحات في افق ( صراخ النوارس ) والى تعاطف استجابتي كمتلق لهذا الانفتاح ( انفتاحا يتيح معرفة ان الرواية هي المكان الذي تستطيع فيه المخيلة ان تتفجر كما لو كان الامر في حلم )(1) . استجابة تحاول ان تفعّل الذهاب والاياب في مسطح الرواية والغاية ليست ( الامعان في تفكير مسطح المحايثة وانما في ابراز وجوده غير المفكر به )( 2) وهذا في راينا لن ينجز دون مفصلة مسطح السرد الروائي وتناوله عبر اجزائه لا لغرض التجزئة فنحن نعلم ان الاجزاء مجاميع نعني ان ( المجاميع مغلقة ) وان الكل ( هو السلك الذي يخترق المجاميع ) (3). ( قل ربي يا خالق القاتل والقتيل اذا شاءت ارادتك التي لاراد لها ان تفتح بصري وبصيرتي لاشهد الحقيقة في كامل عريها المخزي فافعل ذلك بي قبل نزول البلاء لابعد نزوله ولافدع عبدك العاجز ...ص34/ الرواية )
- الاب يرغب في افتضاح امر زوجته واخيه ( اريدك يا ولدي ان تذهب الان الى البيت لترى ما الذي تفعله امك في هذه الساعة /ص10/ الرواية )
- الاب يرغب ان يمسكهما الابن ( الام – العم ) بجرم مشهود ( ليتك تعاملني مثل واحد من سمكاتك فتطلقني انا ايضا اذهب لحالي /ص20 )
- الام ترغب بالطلاق من الاب . يصف السارد المشارك والذي هو الابن ، تاثير علاقته بأبيه على امه ( اظنها تحقد بسبب عجزه وايضا لاستئثاره بي تظنه ينتزعني منها /ص21)
- وهذا يعني ان الام ترغب في تقوية علاقتها بابنها وترى في الاب العائق لذلك .* تقول الام للعم ( وماذا تريد ان افعل ؟
- واجهيه بالحقيقة . كان في صوته ما يشبه الامر وكثير من نفاذ الصبر
- وماذا تعني ؟
- يجب ان يعرف ...
- ما تطلبه مني مستحيل مستحيل /ص10 -11 )
- العم يرغم الام بمكاشفة زوجها:
*(اعقل يا ولدي اعقل ان كل هذه السنين احاول ان اقربك اليه وانت تخلق اسبابا جديدة للعداء /ص56)
- الام ترغب بتقوية العلاقة بين ابنها وعمه الذي صار زوجها بعد غرق الاب ( حتى كان اليوم الذي اخذته جانبا وقلت له وجها لوجه ان يكف عن دخول بيتنا /ص100)
- الابن لا يرغب بمجيء العم الى بيته ( لماذا لاتاتين به .. تتناولان طعام الغذاء عندنا احد الايام /ص101 )
- الابن يتظاهر بتطبيع العلاقة مع العم ( فاقسم امام الله والبحيرة بانني حين اكبر اغدو رجلا سوف اجعل الشخص الذي غدر بك .. يدفع الثمن حياته نفسها / ص52)
- الابن يرغب باخذ الثار لابيه ( اريد ان اعرف ما الذي فعلته انت حتى تثور امك في وجهك بهذا الشكل كانها توشك ان تقتلك وماذا تعني بصراخها الهستيري ( اتدري ماذا فعلت يامجنون ص94-95)
- زوجة الابن ترغب بمعرفة سبب هياج الام وهي ترغب بمعرفة امور اخرى ( تريد ان تكون على علم بتفاصيل ما يجري حولها ؟ماذا ؟ كيف ؟/ص96 ) . من هنا نرى ان السرد الروائي نسيجه منظومة من الرغبات المتشابكة والمتقاطعة فكل شخوص ( صراخ النوارس ) يمكن اعتبارهم من اولئك ( الذين ينظرون من رغباتهم على أي بعد كانوا يضعون الحدث عن طريق التداخل المنطقي بين الحدث والرغبة )(4) . اذن يمكن اعتبار الرواية تدور ضمن سيرورة اقتصاد الرغبة والحدث . اشتباك الرغبات وتقاطعه يقابله اشتباك ( السرد التقليدي والاستباقي والارتجاعي ) والانتقال السريع بين السرود وبين الضمائر من المخاطب الى المتكلم او العكس ومجاورة حادثتي الغرق ( غرق الاب وغرق العم سوف يحدث بعد احدى عشر سنة ) والمراد من هذه المجاورة السردية هو كسر افق توقع القارئ واختزال الزمن بين الحادثتين ان كل هذه التدخلات التي قد تلتبس على استجابة القارئ ليس الغرض منها استعراض المؤلف لامكانيته في التقنية الروائية . ارى ان هذه الاشتباكات التقنية جاءت موائمة لاشتباكات العلاقات بين شخوص ( صراخ النوارس ) والتباساتها بحيث يتوجب تفسير العلاقات بين افراد عائلة النوارس ثم تفسير التفسير ( هنا يكون لدينا مثال على التفسير الذي يكون داخل اطار التاليف الذي يتطلب مع ذلك تفسيرا تاليا )(5) . يمكن اعتبار رواية ( صراخ النوارس ) روايتين يتقاسمهما الشخوص انفسهم الرواية الاولى : هي مدونة السواد على بياض الورقة والمصرح به علنا . والرواية الثانية هي التي سنطلق عليها ( هذا ابن من ؟) . وتقع الرواية الثانية بين ثنايا مدونة السواد عن رفعت عطفة مترجم رواية ماريو فارغاس لوسا ( البيت الاخضر ) ، عن الكاتب الارجنتيني بورخس ( ان لكل قصة موضوعا سريا يستشف ) الروايتان في ( صراخ النوارس ) تتفاعلان وتتشابك المصائر بينهما . الرواية الاولى هي الرواية الرئيسة وهي تتناول لحظة اجتماعية متميزة في حياة اسرة تقصد بحيرة للاستجمام فيغرق اب الاسرة وهو اسير عائد يشكو من عوق في ظهره وبعد احدى عشرة سنة تعاود الاسرة المجيء الى المكان ذاته فيموت غرقا ايضا من اصبح بعد غرق الاب ابا للاسرة . ان كينونة الرواية الثانية متوارية بين ثنايا الرواية الاولى ويمكن اعتبار الرواية الثانية هي الرواية الاساس وتشكل العنصر ( غير المسرود في النص ) . فـ( النص على الدوام في وضع الخفاء ولسوف نحاول ان نحيط بدرجات الخفاء وبمستوياته )(6) .
* يصف السارد في المشهد التالي حوارا يقع بينه وبين عمه ( لماذا تركته وجئت في هذه الساعة ؟) يكلمني بصوت خفيض كأن بيننا سرا مشتركا .- ابي يريد مزيدا من الشاي .
- ابوك ؟
تخبو الابتسامة على وجهه ويرفع صوته في حدة واستنكار ...
- تعالي خاتون هذا ابنك يقول ابي يريد مزيدا من الشاي ابوه / ص12) . تقول الام وهي تصف زوجها الثاني اخو زوجها الاول ( ليس هو بالانسان الحقير ليفكر في معاشرة زوجة ابنه قصدي اقول بمثابة زوجة ابنه/ ص55) ، اثناء التحقيق تقول الام ( كان يجلس على الشاطئ مثل كل يوم وابني يجلس بجواره .
-ابنك هذا من رجل اخر ؟
- لالا استاذ انا لم اتزوج غير المرحوم انا قصدي ابننا /ص68-69 ) . تقول الكنة لزوجها وهو ابن الاب الغريق مدافعة عن عم زوجها : ( لو لم يكرس احلى سنواته لرعايتكم .. لكان انجب ولدا في مثل عمرك الان وتضيف وهي تلمس خدي بطرف اصبعها وربما يشبهك /ص26) ،( اتدري ماذا فعلت يا مجنون يا مجنون يامجنون /ص81) كذلك تصرخ الام في وجه ابنها وهم ينشلون جثة العم من البحيرة . بعد غرق الاب في البحيرة تدخل الام على ابنها في غرفته مواسية فتخاطبه ( ماذا لو قلت لك ... غير انها تتوقف عن الكلام في الحال كأن كفا غير مرئية اطبقت على فمها وحبست الكلمات في حنجرتها /ص99) من هذه الفقرات المنتجة والمبثوثة في منسرد الرواية الرئيسة ، تتمفصل الرواية الاساس والتي اطلقنا عليها ( هذا ابن من ؟) فـ( المسكوت عنه في الخطاب يمثل احد اليات النص في التشكيل بما هو جزء من بنيته الدلالية وقد يكون المسكوت عنه مدلولا عليه في الخطاب بطريقة ضمنية وقد يكون مدلولا عليه بالسياق الخارجي )(7) لانه ليس من ورثة نرسيس ، فالاب العائد من الاسر معوقا معطوبا لايتمرى بمرآة البحيرة واذا استعمل الماء مرآة فاستعماله يختلف كل الاختلاف عن ذلك الاب ليس مثل سائر الخلق يذهب الى الصيد ، ليعود بصيده الى ذويه او الى السوق . عند الاب ينشال الصيد ( يتحول ) لايعود الصيد للاستهلاك . لدى الابن الامر يثير الاستغراب ( لاافهم انا الصبي الصغير الحكمة من وراء هذه اللعبة /ص21) الام تقول زوجها الميت اثناء التحقيق ( انه يجري تجارب مهمة لها علاقة بالجنس البشري /ص67) الابن يقوله كالتالي ( انه يريد ان يرى الفرق بين سلوك بني ادم وسلوك هذه الحيوانات المائية الغبية /ص19) . الاب يتحرك وهذا يعني انه يتنقل في المكان ( والحركة تفترض فرق الجهد وتقصد الى تعويضه /ص15) (8) ، الاب بهذه الحالة لايأرضن السمك الى حالة اخرى لايحوله من حيوان حي الى حيوان ميت اولا ولا ينتشلها ( الاسماك ) محولا اياها الى سلعة تعرض في السوق ثانيا واليكم تشخيصنا العيادي للحالة هذه : ان الارضنة لاتحدث للسمك بل للصياد ذاته ولعملية الصيد ذاتها ( ففي سلوك كل واحد منا مهما كان سنه سواء كان مشتركا في اصغر الاشياء او اعظم التجارب انه يبحث عن موطن يدعم عملية انتشال ويقودها )(9) ، الصيد هنا عملية ارضنة ( تحليق) بل هي ضرب راق من انتشالات الارضنة والصياد يتارضن عبر ذلك وحين يسرح الاب بصره في مرآة البحيرة فالذاكرة مثل سمكة طرية تنزلق وتخمد نيرانها في ماء البحيرة مع مدى الشص ترتمي الذاكرة في البحيرة وتغوص وتتأرضن في الاعماق المظلمة الباردة فتغتسل الروح وتنظف من الاذى كله الذي ينهش فيها فيصفو كدرها وتتخلق ثانية ذاتا عذراء طرية لايبوسة فيها ولاصلادة انه الماء توسق خيمته الكليّة الشفيفة الحيوات كلها ( وجعلنا من الماء كل شيء حي افلا يؤمنون /30/ الانبياء ) دون ان يقصد ، يستعمل الاب الماء مرآة لا ليستمري فيها بل ليستقبل زمن البراءة الاولى لا زمنه وحده بل ازمنة غيره المحايثة لزمنه ، فالاب ( يحافظ على حركة العودة الى سرعته الاصلية البريئة من كل تلوث كيما يمارس فهم الحركات التسريعات الاخرى )(10) ، تتحول البحيرة الى سرير عيادي يسترخي عليه الاب فتنساب الذاكرة مستقبله زمن البراءة فالعم كان شابا طيبا وخجولا مثل بنت يافعة لم تعرف رجلا (ص27/ الرواية ) كذلك يصف الام ( نقية وبريئة مثل سمكة / ص27 / الرواية ) بالطريقة هذه يجدد الاب كل يوم ما تبقى من حيويته وحياته بالانسياب مع الماء فيتزامن في ماضيه الاجمل . نرى وهذه استجابتنا الشخصية : ان البحيرة – المرآة هنا ذات مفهوم لاكاني ( نسبة الى جان لاكان ) فالمرآة تقترن بزمن البراءة -العذرية . الماء ممحاة تمحو تشنجات العصاب ، يستفزها ذلك الحيز المغلق اعني بيت البحيرة فيتحول الضحية الاب الى جلاد يهوى بعصاه على عموده الفقري ( يا ولدي انت عمودي الفقري /ص35) . الضرب يستهدف الابن ويقصد غيره . فعل القسوة الذي يمارسه الاب هو فعل العاجز المستبد سلوك مرضي اسقاطي لكل ما يعتمل في الاب من احباطات ، انه ضرب بالاستعارة لغير الابن ( يا ولدي اريدك ان تعرف بانك لست انت المقصود في اغلب الاوقات بنوبات الغضب التي تسيطر على كياني ولا اقوى على التحكم فيها / ص17/ الرواية ) . الضحية الاب لا ينوش الجلاد العم ، لاقدرة له على ذلك عطله الجسماني يحول دون ذلك فيتحول الابن وبالضبط تتحول راحتاه الى كناية انه من خلال ضربه للابن يضرب سواه والابن لايشعر بحقد على ابيه ، فالعصا قبل ان تهوى على راحتيه كانت تمر على عيني الاب فتتزود بدمع الاب السخين (ص19/ الرواية ) . ولايعكر صفو الاب مع الماء ، سوى يبوسة الاخرين ( العم / الام ) وصلادة مشاعرهما ( يتسليان بالفرجة علينا /ص31). حين تتقد جمرة الغيرة في الاب ، تلك الجمرة التي مارقنها عطب عموده الفقري ) يرى الماء اما رحيمة فيرتمي في البحيرة ليطفئ نيرانه وربما لينطفئ هو ايضا . هنا في هذا الحدث وللمرة الاولى ينتبه العم ويرى في المار رايا اخر اوحى له به اخوه دون قصد منه . العم يرى الماء انشوطة داخلانية بامكانه ان يلفها حول عنق اخيه ، حين يكون اخوه في موته اليومي المؤقت موته المثقل بحبوب المنوم ومن خلال الانشوطة المائية يستحيل الوقت الى ابدي والعم يرى في الماء الانشوطة الشاملة تلتف على الحياة فتتسرب الحياة ليعلو منسوب الموت من خلال ثقب التسرب( الحياة يا جماعة مثل رحلة على سفينة مثقوبة /ص128 ) العم هنا يستعمل تجربة اخيه الفاشلة فيصححها له ويستعمل المتفرجين شهودا ( الجارة). السارد المشارك لا يجاهر بذلك بل يومئ والايماء موائم كل الموائمة لسرية الجرم . هنا يتكشف لنا الوجه الاخر للماء : قوته الباطشة . الماء هوهو نفس الماء نفس الوعاء الطبيعي : البحيرة والمسافة الزمنية بين المحاولتين : جد قصيرة . لكن الاختلاف في توظيف العنصر فاختلاف في المتغير الوظيفي للماء والمقترن بالاستعمال . هذا الوجه الاشد قساوة للماء سيتعزز بعد سنة وعقد من السنوات حين يتحسس العم بنفسه ذلك الوجه الباطش فتاخذه البحيرة الى رحمها البارد المظلم فتطفئ نار خمرته ونار حياته ثم تلفظه البحيرة : جثة هامدة منقوعة بالموت الطري . الاستجابة تختلف : في الموت الاول كانت الفاجعة تعني الابن وحده فموت الاب المعوق ساعة الخلاص للزوجة وتحول علاقتها باخي زوجها من علاقة زنى الى علاقة زواج . الموت هنا اذن للعلاقة بالشرعنة ونقلها من سرية الزنى الى سعة العلاقة الزوجية . الموت الثاني هو موت الام وهي في حياتها استحالت الام الى حصاة يسحبها الماء الى اعماقه الباردة . المظلمة رغم وجودها على اليابسة . نقترض قولتنا التالية من ميلاد كونديرا ان الموت الثاني جاء (ضد ارادتها وعلى غير انتظار منها )(11) . من خلال مشاهد حياتنا في البصرة وفي موسم النوارس بالتحديد نرى ان ما يصدر من النوارس لايمكن ان نطلق عليه ضحكا او قهقهة بل هي اصوات حادة صراخ او اقرب ما تكون الى الصراخ . صراخ النوارس : فعل فيزيقي صادر عن طير مائي موجود في المسرد الروائي ببعده الواقعي بل ان اجنحة النوارس هي الفرشة الممتدة من مستهل الرواية حتى خاتمتها وشبه الجملة المتكونة من المضاف ( صراخ ) والمضاف اليه ( النوارس ) ذات وظيفة واقعية ضمن اليات السرد الروائي وهي ايضا من العناصر الاساس لتاثيث فضاء متخف خلف اجنحة النوارس بحيث يمكننا ان نعتبر النوارس تشغل وظيفة: المعادل الموضوعي . والعلاقة كما سنرى بين الاسماك / الماء / العائلة ، علاقة متكافئة فلكل عنصر من عناصر تاثيث الرواية حرية حركيته الخاصة ( فالمجاز يكون ممكنا طالما يوجد هناك افق مشترك من التفسير يحدث فيه المجاز (12) . وصراخ النوارس حين تكون مكتفية بذاتها فهي علامة مهمة تتجاوز ايضاح مفهوم وحين نرى في صراخ النوارس علامة فلا يحق لنا مطالبتها بايضاح مفهوم فهي ليست كينونة بل هي ترابط ( فالعلاقة مثل الكل المترابط للدال والمدلول تمتلك طاقة اكبر من مجرد مجموع الاجزاء )(13) . حفرياتنا في طبقات المسرد الروائي : توصلنا الى ان النوارس وصراخها ذات وظيفة اشارية تشكل الوجه الخارجاني للمعنى ذلك لان ( القراءة لاتعني مجرد التقصي او الاستيعاب لكلمة تلو كلمة وانما تعني في المقام الاول اجراء حركة هرمنوطيقية مستمرة موجهة بتوقع الكل وتملاء في النهاية بالجزئي اثناء تحقيق المعنى الكلي ) (14) ولنكون في الصادقين اليكم برهاننا يصف السارد المشارك ( الابن ؟9 احتفالية الاخرين ورفقته لابيه التي تحرمه مشاركة الاخرين ( ويحل علينا الضحى ويتالق وجه البحيرة والهواء يفوح بعبق بخار الماء المالح وشذا العشب والاشجار المزروعة على جوانب الممرات وبجوار الارصفة وفي الحدائق بين البيوت والشاطئ الرملي الفسيح تحت البناية يمتلئ بالاجساد شبه العارية في لهوها اليومي تتمدد على الرمال او تتحرك بين الشمس والظلال والماء بالقرب من الشاطئ المبلول يضرب ترقطه رؤوس السابحين في حين يبقى الماء القريب من الصخور التي نجلس عليها ابي وانا ساكنا تصنع فيه نسمات الريح التي تمر وادعة على وجه البحيرة رفيفا لايكاد بيبين والصراخ المرح البعيد يتلاشى في الهواء . كم اتمنى لو ذهبت بين ذلك الحشد اللاهي غير انني لا استطيع ان افارقه واظل جالسا في جواره اتامل البحيرة وانتظر وعلى سطح الماء .. تحط مجموعة من النوارس في ما يشبه الدائرة نقاط بيض صغيرة تطفو متقاربة كأنها تعبت من الطواف فوق البحيرة بحثا عن رزقها اليومي فحطت هناك تستريح قليلا وتناقش فيما بينها شؤون النوارس وبين وقت اخر ينهض طائر وحيد .. ويحلق علىعلو منخفض لمسافة قصيرة ليحط بعد ذلك في مكان اخر من حلقة الطيور ويعاود جلسته الساكنة يصغي الى ما يقولون / ص24-25) . الصراخ : حين نشخصه عياديا ، نرى انه لايكون على المستوى البشري الا حين يعجز الوسيط اللغوي بين طرفين . الصراخ هو الصوت والاصح هو نبرة الصوت المتشنج جاء في المعجم الوسيط ( صرخ: صاح صياحا شديدا / ص415) وهذه النبرة منطلقة بكل مالديها من مدى وبكل ما في المصوت من احتدام فالصراخ صوت في حالة تشنج يحاول المأزوم الباث ايصاله الى المتلقي المتمكن احيانا ( فاذا الذي استنصره بالامس يستصرخه/ ) . واحيانا يكون بين الطرفين لا الصمم بل ذلك الصمم العلائقي بين الطرفين بسبب قيامه جدار بين الطرفين كأنه ذلك الجدار الذي ( فما استطاعوا ان يظهروه وما استطاعوا له نقبا ) (15) والصراخ يراد به الاستغاثة ( وهم يصطرخون فيها ربنا اخرجنا نعمل صالحا ) . وصراخ النوارس يأخذ شمولية في الحقل الدلالي لانعدام النقيض على المستوى الطبيعي اذ ليس هناك من معنى مجاور للمعنى الذي تناولناه واذا وجدت معان اخر فهي لاتتسم بالمركزية ذاتها وهذا ان الصراخ والضحك لا يعرفان طريقهما الى صور الاستعمال ( لكن ليس في نفس السياق ونفس المعنى ) (16) حد قول مريم فرنسيس وصراخ النوارس دال والمدلول يتاتى لنا حين نفعل بنية السرد الروائي فنرى ان المدلول ينسل تحت الدال وينجح في مقاومة محاولتنا لتحديد مكانة ورسم حدوده على حد قول جاك لاكان (17) . ونستعين بباسل حاتم وايسن ونقول ان الوظيفة السيميائية لا تحدث انزياحا للوظيفة الواقعية الموجودة في المسرد الروائي فالنوارس وصراخها تفترشان الرواية باسرها بل تحدث الموائمة بين الوظيفتين . ارتماء الاب في ماء البحيرة هي فاتحة تشكيل نسق ثلاثي من الارتماءات . فعلة الاب تفتن العم الذي دون وعي منه عطل فعالية الماء السلبية بانقاذه لاخيه تامل الحدث بعد ذلك يستفز العم ويغويه باعادة الفعل ذاته وهكذا نرى العاجز الاب يعين الحيوي العم لتفعيل المحاولة الفاشلة . تفعيل العم لا ينقله لنا السارد المشارك باسلوب مبين بل يومي اليه فالايماء يوائم سرية العمل وخصوصا ان الجرم حدث اثناء غياب الابن في نومه الليلي وهنا يكون القارئ امام ليلين : الطبيعي وليل الايماءة اليس ( كل ايماءة معتمة بطريقة ملغزة )(18) . ترى هل يحدث اتفاق بين استجابتنا كقراء وبين شكوك الابن ؟ اذا كان الاب هو من صحح خطأ المحاولة الاولى كيف وصل دون ان يتوكأ على عصاه ؟ هنا يتساءل القارئ مع الابن حين يسال صارخا عن العصا والملفت للانتباه ان الابن لايوجه سؤاله الى الاحياء – الجماعة بل الى الميت الفرد ( اين عصاك ؟/ ص54) ولم يقل اين عصاه في البدء اذ لا اجابة لدى الاحياء فالامر لا يعنيهم ولا يفعل جواب فيهم وحين يكرر السؤال ذاته يغير في صيغة السؤال فالابن هنا يسأل الاحياء عن عائدية لا تخص سوى الميت ( اين عصاه كيف وصل ابي الى البحيرة بغير عصا يتعكز عليها /ص54 )انها ادانة بصيغة سؤال تشترط على المدين الجهر بالادلة القاطعة وعلى مراى الاخرين لكن الاخرين غير معنيين بالامر باستثناء الام والعم ( يرمقني عمي بنظرة احسها مثل ضربة سوط ثم يتجاهلني ويهرع صوب البيت / ص45 ) ثم يصف السارد ( سوف تظهر في ما بعد وقبل وصول رجال الشرطة عصاك السوداء ملقاة بين الصخور / ص54 ). نكرر ان مقتل الاب غير معلن عنه فالمسرد الروائي ( في الحقيقة ليس سوى سلسلة من التلميح ام الماح للقارئ ودعوته لتركيب قطعة لغوية ضمن المعنى )(19) التشخيص العيادي يوصلنا الى ان التجربة الاولى مع الماء هي تجربة الاب وتعتبر ممارسة فعلية خارجانية وهي ايضا رد فعل الفرجة ( اظنهما عمك وامك جاءا يتسليان للفرجة / ص31 ) ويشكل رد الفعل الحافز الداخلاني . التجربة الثانية : مقتل الاب على يد العم وهي رد الفعل خارجاني – داخلاني اعتمل في العم ( ان الحسابات التي اجرتها والدقة التي توختها في عملها لا يمكن عزوها الا لمتعة تنفيذية ) (20) . المحاولة الثالثة هي رد فعل على التجربة الثانية لكنها ليست فورية فالمسافة الزمنية بين المقتل الاول (الاب) وبين مقتل العم ليست بالقصيرة بل هي احدى عشرة سنة بينها المسافة جد قصيرة بين محاولة قتله وبين مقتله ( قبل اسبوع تقريبا نعم قبل اسبوع / ص67) والسبب ليس غياب العزم بل ضعف القدرة فالابن يومها ( في الثالثة عشر يا ابي / ص23) . العم اصبح مقتولا مع وقف التنفيذ لمدة احدى عشر سنة ( فالقسم امام الله والبحيرة بانني حين اكبر واغدو رجلا سوف اجعل الشخص الذي غدر بك .. يدفع الثمن حياته نفسها حين اكبر /ص52). حياة الشخوص طوال سنوات وقف التنفيذ مغيبة عن السرد وكذلك حياتهم خارج البحيرة اعني في المدينة اذن يمكن اعتبار الرواية : توصيفا لسيرورة عائلة في لحظة معينة تمثل فترتي الاستجمام في البحيرة . من ذلك نشتق العنوان التفسيري للرواية ( الصيرورة في البحيرة ). نرى ان غواية الماء شبقية فهي بدءا تستدعي الاب ، تجذبه اليها ، توجه له نداء خفيا فيلقي بجسده ( فسقوط جسم يفترض وجود جسم اخر يجتذبه )(21) . في المرة الثانية يلقي بجسده وفي الثالثة يلقى بجسده العم فالبديهية الاجتماعية ( بشر القاتل بالقتل ) تتفعل ذاتيا اذا لم تجد من يعجل بتفعيلها . من جراء ذلك يتضح لنا التوظيف السلبي للماء ( وهذا السقوط يعبر عن تغير في الكل الذي يضم الجسمين معا)(22) يجري كل هذا والماء في وعاءه الطبيعي ( البحيرة) اما وهو معقلن في الانابيب فهو يقترن بالممارسة المعلن عنها للجنس دون حشمة او اعتبار للاخرين ( المحه وهو يجر امي من يدها الى الحمام وهي تمضي معه مذعنة ..هكذا بكل وقاحة دون ان يراعيا مشاعري وبلا أي شعور بالحرج من وجود زوجتي في البيت / ص108 ) والماء خديعة وهي تستعملها الخائنة الزوجة فهي تتظاهر باراقة مائها الداخلي ( ادرارها ) لتنعطف الى غرفة عشيقها عم ابنها ( امي برداء النوم تخطف مسرعة في خطى لاتسمع كانها تمشي حافية في طريقها الى الحمام/ ص39) . والماء هو الوسيط الذي ستظهر عليه طير الهامة على هيئة قبعة قش الاب . اذن الماء قرين الموت والمسلك الذي لا يواصل لغيره انه ( رمزا لعالم عائم غير مستقر لعالم ملئ بالاحتمالات فهو ايضا دخول في الموت ) (23) .
* هل يمكن اعتبار(صراخ النوارس) رواية مائية ؟ الاب حارب وتعرض للاسر واصيب بعوق في حرب من اجل الماء مثلما هي من اجل اليابسة العائلة تقصد الماء في وعائه الطبيعي للاستجمام ( وفدنا الى هذا المكان بقصد الراحة والاستجمام / ص5 ) و ( اراحة اعصاب ابي المكدودة / ص5 ) كذلك يقول الابن لامه . والماء هو الفناء الرحب يقصده الاب كل يوم ليغتسل به من ضيق ذلك الحيز المغلق (بيت البحيرة ) فيتخلق الاب ثانية بتاثير صفاء الماء يطلي مواطن التمزق في الاب والابن معا ( احدق الى سكون الماء واجهد للانفلات من اسار جسدي موطن التمزق والالم والتلاشي في مياه البحيرة /ص17) . ومثلما راينا الماء صرفا . هناك الماء ممزوجا مرة مع الشاي ويستخدم الاب نفاده ذريعة لارسال ولده ليتجسس على عمه وامه ( اريدك يا ولدي ان تذهب الان الى البيت لترى مالذي تفعله امك في هذه الساعة من النهار / ص10 ) . والماء ممزوجا مع الخمرة يساعد الابن في انجاز الثار اذ ينجز ثاره والعم ثمل . من هنا نرى ان الماء عو العنصر المتسيد في بنية المسرد الروائي . والرواية لا مبللة بل مغمورة بالماء ذلك الهادئ الوديع ان ( الماء يضيف كتلة الى ذلك ، كتلة غامضة من القيم الخاصة .. انه يجرف لكنه يفعل اكثر من هذا انه : يطهر )(24) والتطهير نستطيع ان نقلبه ظاهرا وباطنا فهو يعني الطهارة كما يعني التخلص من الاخر . بعد كل هذا الا يحق لنا اعتبارها ( صراخ النوارس ) رواية مائية ؟ البيت هو بيت البحيرة وهذه هي صفته الاساس . الاقامة فيه لايام معدودات اهلوه متفاوتون اجتماعيا ولكنهم متجاورون ضمن راتوب اجتماعي واحد من ذا الذي يستجم غير ذوي الفائض المالي . وبيت البحيرة هو قرين البيت الحقيقي لهما ذات المنظومة التناسبية ( انظر الرواية / ص36) اذن البحيرة هو البيت الحقيقي مغيب ومستحضر بالاستعارة من خلال بيت البحيرة فـ( كل الامكنة المأهولة حقا جوهر فكرة البيت )(25) حتى بعد احدى عشرة سنة فان الاسرة حين تعود الى البحيرة تسكن البيت ذاته مصادفة ( تشاء المصادفات العجيبة التي تتحكم في مصائر البشر ان يكون البيت السياحي الذي استاجرناه علىالشاطئ هو البيت نفسه الذي عشنا فيه/ ص104) . نرى ان السارد المشارك ينتشل البيت ثم يعيد ارضنته من خلال بيت البحيرة الذي لايختلف الا بالموقع عنه وبيت البحيرة يخضع لذات عملية الانتشال فهو يدعم عملية انتشال ويقودها من خلال تشبهه بالبيت الحقيقي . انهم يصممون هذه البيوت ليتواصلوا مع البيت الحقيقة بالالفة لا بالروتين فـ( المحاكاة والتقليد يجب ان يتما على صعيد اخر وبمستوى اخر على غرار مستوى معرفتنا الدقيقة لها والتي لم تعد مقتصرة على المشاهد السطحية السريعة للطبيعة وانما تكمن في معرفة جوهر الاشياء وكنهها ومبادئ تكوينها وبنائها )(26) بيت البحيرة لاذكر فيه للسلم ( هذه الوسيلة المريحة والبسيطة للارتقاء العمودي )(27) واين هو الارتقاء العمودي في العلاقات بين الشخوص ؟ انه بيت مسرات مسروقة تسرقها الزوجة والعم من الاب بعد مغادرته وابنه الى شاطئ البحيرة ، ثم تستانف المسرات ليلا بعد ان تبدا حبة المنوم ببث مفعولها في جسد الاسير المعوق . العم : علاقته الخفية وشبه العلنية مع الام تغير من معناه (عم ) فتزيحه عن ابن اخيه واخيه بمقدار 180 درجة ( اذا اضاعت قيمة ما مضمونها العياني فما الذي يبقى منها )(28) فالعم هو الذي لم يستطع ان يتميز عن الزاني الذي فيه انه ( مجرم سعيد يستحيل اشعاره بالذنب ) (29) وهو يمارس سلوكا نابذا يتيسر باليات سيرورة قوة انجذابه مع الام وهي زوجة اخيه والعم يظن ان حبل عمره لا يقرضه سوى اللذتين : الخمرة والنساء .( لاتخف يا عزيزي فمهما شربت فلن اسقط في البحيرة / ص139) ظن اعمى حال دون رؤية الحبل ذاته منقوعا بماء البحيرة ينتظره احدى عشر سنة ، ليلتف حول عنقه كما لفه هو حول عنق اخيه . العائلة تقصد البحيرة للاستجمام تاركين من الحياة روتينها ومن المدينة ضجيجها بمجاورة الماء يحاولون الانفصال ولو الى حين عن يبوسة اليابسة ويمكن القول مع جيل دولوز وغيتارى ( انهم يقصدون البحيرة لـ( ينتشلون ذواتهم من الارضنة )(30) فاذا بماء البحيرة يصوغ لهم ارضنة هي الاشد قساوة ، الابن تتارضن حياته بمقتل ابيه على يد عمه . كل ما تبقى من حياة الاب ، ابتداء من عودته من الاسر حتى مقتله تتارضن في الابن عملية الصيد تارضن الاب مقتل العم يتارضن حياة الام . الاب يتزوج ، سعيه وراء اسباب الرزق ، يشترط عليه التغيب عن البيت ( انا بحكم عملي كثير الاسفار / ص27 ) من هذا الاشتراط الاشد قساوة تنتقل ثغرة شيطانية تستفز الحيوان الكامن في الانسان ( كم يتغير الانسان حين يستثار الحيوان في داخله وتستنفيق الغرائز / ص27 ) فتغتنم الزوجة وهي النقية البريئة كسمكة كما يصفها الاب ( ص27) . ويستفحل ذلك الشاب الخجول الطيب مثل فتاة يافعة (ص27) . غياب الاب وحده قهر طهارة الزوجة ام استجابة الزوجة للغريزة ام ( انها تتصرف بسبب حافز غير منتظر )(31) . ها هي الزوجة تحرر جسدها من كل الروادع ملبية نداء الطبيعة فيه . في الخلوة يتساوق الانسان مع طبيعته الخاصة عندما يغيب لجام الوعي تكون الغلبة لصالح الحيوان في الانسان . غياب الوعي يعين الخلوة على تعطيل الكوابح / اوامر الدين / ضوابط الاخلاق / الاعراف الاجتماعية . تعطيل الكوابح يقابله تفجير الشهوات الاشد دونية : زنى بالمحارم . غياب الاب ينمي تدريجيا ودون قصد منه حضورية العم في العائلة . حضورية تتنامى الى مركزية حضور تسعى الى تهميش الاب ، هذه الحضورية بدا الاب في حينها يدرك مخالبها ( افكر في ابني وفيها هي ايضا وحدها في البيت مع شقيقي .. ولكن ماذا بوسعك ان تفعل وانت محاصر / ص29 ) وهكذا نرى ان الاب يتزوج امراة ، تصير المراة زوجته . ينتشل العم زوجه اخيه يصيرها له عشيقة . الاب يحيا – بعد عودته من الاسر معوقا – وهو مدرك انه لم يعد بمقدوره ان يفترض ذلك الاتصال الاشكالي السابق ونعني بالسياق بالضبط سنوات زواجه الاولى . الثغرة الشيطانية اتسعت ، سعة الغياب الاشد قساوة على الاب ( وحدها في البيت مع شقيقي/ص29). ان عودته من الاسر معطوبا في رجولته ( ان اباك ما عاد رجلا منذ اليوم الذي اصيب بذلك الجرح الشنيع في اسفل عموده الفقري /ص14). حول الثغرة الى فناء كامل يطالب بشرعية الانعتاق ( ليتك تعاملني مثل واحدة من سمكاتك فتطلقني انا ايضا اذهب لحالي / ص20 ) . الثغرة هنا اكتسبت مطاليبها صفة الشرعية يساندها الشرع الاسلامي لاستيفاء الشروط . الابن وقد تمحورت اليات سيرورة المسرد الروائي عليه بصفته السارد المشارك والاصرة الاجتماعية التي يرتبط بها الاب / الام / العم .. الابن لايرى الا ما يعتمل في دخيلة ذاته ومن سعة الحياة وعمقها لا يرى الا تاريخيته الخاصة وحين يدخل الجامعة لا ذكر لاي صديق . من الجامعة يحصل على الشهادة وزوجة ( تحب الشعر والروايات الرومانسية ) وهو لايرى من امه الا الزانية في حين ينصفها الاب وهو يتكلم عنها (27) (30) ولايرى الابن في ابيه سوى الضحية ، لايرى ذلك الجانب القاسي المتنافي مع ابسط احكام الشرع هل سبب عدم التطليق هو الولد كما يزعم الاب (ص18) ام انه يخشى على نفسه اذا طلق ، من يعينه وهو المعوق ؟ كيف ستكون حياته حين نقرأ الابن روائيا فاننا نجد سواه ومن خلال سواه نعيد اكتشاف الابن . اكتشافنا غير مشروط ، حر اذ ( لاوجود للعمل الادبي بتاتا دون المساهمة الفعالة والنشطة من قبل القارئ (32) . سرد الابن للرواية هي محاولة لتبرير قتل العم من خلال تثبيت جرم عمه وجريرة امه اذن الابن يكتب صيرورة طفولته الان في حاضر مختلف ومكان مجهول لنا نحن القراء ، كتابة لا تتخطى حدود ذاكرته لا يحدثنا من موقع اخر اعني انه لا ينقل لنا ما في ذاكرة الاخرين ، الا في كميات شحيحة . حين يتذكر الاب وهو يصيد على الشاطئ وحين تحدثه امه عن ابيه . السارد تضيق ذاكرته ويحدد الاخر على قدر انفعاله معه : الاب : ضحية / الام : زانية / العم : فاسق . الا يعني هذا ان الابن يعيش هو الاخر في كنف كينونة منتبذة عن كل الاخرين كينونة داخلانية لا خارجانية فيها اعني كينونة منسحبة الى الداخل . فهي حين نرى الاب وهو الاكثر مكابدة هو الاكثر انصافا للزوجة والعم .. وهل نجد في عامل السن تبريرا لذلك . فالاب المعوق تعرف الدنيا وعرف منها . اما الابن فما يزال في الثالثة عشر وهي فاتحة الانفعال مع الحياة من خلال المراهقة ( والمراهق يريد ان يختبر تلك القواعد والوصفات التي يضعها البالغون لسلوكه وقد يخترق تلك القواعد عن اقتناع او بدافع من التحدي او الفضول او اللذة واحيانا بسبب الجهل او الصدق والمشكل ليس هذا الخرق في حد ذاته بل الكيفية التي يستجيب بها المجتمع لهذا الخرق أي ردود فعل المجتمع )(33) والملاحظ ان الابن في السفرة الاولى كان في الثالثة عشر اما في السفرة الثانية وهي بعد احدى عشر سنة فان الابن في الرابعة والعشرين وقد تزوج وله ابن صغير لكن لم يحدث أي تغير في تفكيره فالعم اصبح رجلا كبيرا واحدث الزمن فيه اثاره لكن منظور الابن ظل في ثبوتيته وهو لايسعى الا لاخذ ثار ابيه . عبر تكوينه لاخيه انخرط الاب في تكوين ذاته . تكوين العم وهو يتوارى في الظل انتزع من الاب كينونته انتزاعها بتدبير غير مشروع : فعل الفاحشة في زوجة اخيه . اذ ان غياب الاب عن البيت خصب حضور العم في جسد الزوجة ، فتشجع الخجول كالفتاة على اكتشاف رجولته وبالتالي اخذ يعيد انتاج فحولته ويودع اسرارها في تربة عليه محرمة اقصد جسد زوجة اخيه مغيرا في انبناء هذه التربة من صالحة الى تربة فاسدة ، من زوجة شرعية لاخيه الى عشيقة له ، لقد استفسد العم زوجة اخيه فافسدها واستولدها ولد زنى هو في الاوراق الثبوتية ابن الزوج الشرعي لكنه في الحقيقة ابن العم . انه المتغير الذي فعلته الفاحشة بين الاثنين . والعم لم يكتف بتغير انبناء الزوجة بل اخذ بتحين الفرص للخلاص من اخيه ولم يتردد من استعمال الفرصة وبمهارة فائقة . بواسطة دولوز نقترض الكوب من هنري برغسون (34) لنقول اذا اراد العم في ( صراخ النوارس ) ان يجعل كوب حياته محلى بالسكر ، هل يجب ان ينتظر حتى يذوب السكر فيه ذاتيا و ( الانتظار يعبر عن ديمومة تمثل حقيقة علمية وروحية )(35) وما الجدوى من الانتظار وهو يؤدي الى تعليق علاقته مع زوجة اخيه ولا يفعلها ؟ يوجه العم خطابه الى عشيقته ( زوجة اخيه ): واجهيه بالحقيقة
- ماذا تريد مني ان افعل ؟
كان في صوته ما يشبه الامر وكثير من نفاد الصبر
- ماذا تعني ؟
- يجب ان يعرف ان ...
- لا
صوتها اليائس المدحور يغدو – على حين غرة – حادا عالي النبرة وهي تقاطعه بشراسة ام تدافع عن فراخها
- ما تطلبه مني مستحيل .. مستحيل
ويرين على الغرفة بعد ذلك صمت متشنج يمتد لحظة طويلة ثم يجيء صوته مهادنا هذه المرة : طيب اذن دعيني انا تصرف
- ماذا تريد ان تفعل ؟
صوتها المتسائل مضطرب مذعور : لاادري الان . سوف اجد حلا /( ص10-11) الاب يرفض التطليق ورغم ما به من عوق يتمظهر بالوجود لكن هل يكفي هذا لامتلاك صفة الوجود في الموجود : القدرة على الاكل والشرب والاضراب عن الطعام احيانا (ص6) والذهاب كل صباح بمعونة الابن والعصا والقبعة الى الشاطئ للصيد والتفكير بالماضي (ص27-28). ان موجوديته ( الاب ) لا تفي بشروط الصفة فالاب لا قدرة له على تجديدها وادامتها . اذن يمكن القول ان موجوديته عاطلة لا قدرة لها على انتاج وجودها في الوجود اذ ( لاتدوم للموجود صفة الوجود بمجرد ايجاده بل يكتسبها على التجدد وعلى الدوام ) (36) الزوجة ترى تحديدها الطبيعي ضمن مثابرتها على ضرورة شرعنة انتقالها من الاب الى العم ، شرعنة قوسيها ( الطلاق – الزواج ) فزواجها من الثاني يمر عبر طلاقها من الاول . الاب يفرض على الام حتمية العيش واحتماله معه ورغم استيفاء شروط التطليق. الاب بهذا يسوغ تفعيل الفاحشة بينما وحين القى بنفسه في الماء اغوى العم في امكانية تكرار المحاولة الم يقل العم للزوجة ( طيب اذن دعيني انا اتصرف ) ثم يقول ( سوف اجد حلا / ص11). من هذا كله نرى ان محاولة الاب الفاشلة هي بمثابة الملعقة التي ستحرك كتلة السكر في كوب العم وتجعل الماء محلى ولكن الى حين وبالضبط حتى تكتمل شروط القدرة لدى الابن ( حين اكبر اغدو رجلا / ص52) لقد استغرق ( التحين ) احدى عشرة سنة والحين ( وقت من الدهر مبهم طال او قصر / ص11) ج1/ المعجم الوسيط ). حيث سينقض الابن لا على الكوب فيكسره ولا على محتواه فيدلقه بل على الشارب المطلوب دما اذا كانت علاقتهما الاثمة ( الام والعم ) بفعل عوامل متنوعة قد تحققت في نقطة الدائرة مما جعلها شبه قارة فان مأثوميتها تعني ضرورة تبطيل زواجهما ولو بعد حين وذلك بتنفيذ ما اخذه الابن على نفسه في اخذ الثار (ص52) وهذا يعني ان زواجهما قد تحقق على حافة تحققه . بعد كل هذا الا يحق لنا القول : ان المتغيرات في عائلة( صراخ النوارس) تغدو مستقلة الا بتعجيل الحركة بل بالتباطؤ من خلال السفرتين . انتشال العلاقة الاثمة بين العم والزوجة يكون بالنسبة للزوج انتشالا عمودي ينطلق من الاسفل الى الاعلى يتمثل في دعاء الاب ( قل ربي خالق القاتل والتقتيل / ص 24) ثم يتارضن او تارضنه قوة عليا بمشيئتها ليعود الى الاسفل : الارض وهذا الانتشال استجابة فعالية للدعاء الادمي المغلوب انسان لا يملك الا الدعاء اما بالنسبة للابن فالانتشال يكون من طبيعة محايثة وخط مسار الانتشال : افقي وهو يخضع للتحين ( حين اكبر واغدو رجلا / ص52) وهو رد فعل شرس : مقتل الاب غرقا فاذا كان الاب يترقب الى عمودية التطلع فان الابن يسعى الى افقية الانتشال . السارد يصف البيت لا يقراه ووصف البيت عملية خارجانية اما ان تقرا البيت فاننا نحاول الانتساب الى مكان البيت الى قوقعته واضعين ذاكرتنا في زمن معين . وصف البيت بيت البحيرة ومن خلاله يتم توصيف البيت الحقيقي يجعل منه كائنا افقيا لا عموديا فلا غرفة فوق السطح ولا سرداب تحت الارض بيت مثل هذا لاينتج سوى منظور واحد لظاهراتية الخيال ( ان وظيفة السكن هي استجابة خيالية لبناء البيت )(37) وهو بيت الكراهية المتكتلة كتلة الام والعم كتلة الاب والابن انه من اوهن البيوت والابن لايزوره عبر الاحلام الليلية فنحن حين ننام ننغلق عن اليقظة وتتفتح ابواب اللاوعي لسراة وطراق يقصدوننا من اماكن شتى لا مرئية يحطون رحالهم فينا ونحن موتنا اليومي المؤقت وهذه معلومة شرقية استوقفت العالم الجليل بشالار فاشتغل على توسيعها في كتابه ( احلام اليقظة )(38) . ولا يقصده الابن عبر اليقظة نقول قولتنا هذه اعتمادا على مدونة السواد والبياض معا للرواية بل هو يمضي الى البيت بقدميه لا في النومشة ( المشي اثناء النوم ) بل ويقظته بكل اناقتها الواعية يعود بتحريض من البعض ( الاصدقاء والمعارف يقولون لي انهم يشاهدون قبعة ابي ما تزال تطفو على سطح الماء / ص100) . الابن يستدعيه المكان فبيت البحيرة تارضن في الابن فـ( الاماكن التي عانينا فيها تظل راسخة في دواخلنا )(39) انهم يسكنون البيت ذاته الذي سكنوه قبل احدى عشرة سنة ( تشاء المصادفات العجيبة التي تتحكم في مصائر البشر في عشوائية ان يكون البيت السياحي . هو البيت نفسه الذي عشنا فيه / ص104) من يقصد من ؟ هم يقصدون البيت ذاته يستدعي العائلة ذاتها ؟ قدرية عابثة ؟ انصاف تاريخي ؟ الم يقل هيغل ان الحدث ذاته يتكرر مرتين واضاف من بعده كارل ماركس في كتابه (18برومير لويس بونابرت ) ياتي الحدث ذاته مرة مهزلة ومرة ماساة . في البيت ذاته سيفعل الابن قسمه التاريخي ليضع مصيرا خارجانيا لداخلانية الجرم والاثم جرم قتل الاب واثم العلاقة بين الام والعم طوال حياة الاب حتى بعد شرعنتها بعيد مقتل الاب وانتقالها ( العلاقة ) من افق داخلاني الى افق خارجاني . حين نتامل في انتقام الابن نراه وهو فعل الى الخارج نراه يتحصن في طية داخلانية ( الليل / ارتفاع منسوب الخمرة في العم / انعدام الشهود ) ولايعرف مكمنة في الطية الا شخص شارك في طية سالفة ، شخص على مضض يسكت بعد اندفاعه هستيرية شخص لا يفتح الطية بل يمسكها باليد ويكتفي بهزها حتى لا تتثلث فقداناته لقد فقدت زوجها الاول والاصح شاركت في مقتله وها هي تفقد على حين غرة منها زوجها الثاني فهل تفقد الابن ايضا ؟ والقتل كاجراء انتقامي الم يضع الابن في النفي ؟ هل تطامنت انفعالاته الى حالتها القارة ؟ وهل اثمرت هذه الحالة مع امه او مع زوجته ثمرات يانعة ؟ على مستوى الامومة فقد شطر القتل حياته مع امه ( انشطار العلاقة بشكل نهائي بيني وبين امي / ص95 ) وعلى مستوى العلاقة الزوجية ( زوجتي تبدو غير مقتنعة عيناها المرتابتان المضطربتان تتفحصان وجهي تحاولان ان تغوصا في الاعماق المجهولة والمعتمة من نفسي علهما تكتشفان ما يساعدها في فهم اللغز / ص95 ) .كيف ستامن الزوجة على حياتها مع زوج حانق في تنفيذ الفعل الاجرامي . والطفل ( لعل طيف هذا المشهد يترسب ويحفر له الان مكانا راسخا في لا وعيه سوف يبقى مطمورا ليظهر بعد عشرين سنة او ربما خمسين في احلامه وكوابيسه باشكال مخيفة تجعله يصارع مستميتا من اجل الخلاص / ص95 ) . ترى هل ثمة قوة انجذابية مهيمنة فتاكة تسحب رجال هذه العائلة الى اغوارها الباردة المعتمة ؟ ( الله كم يتغير الخارج حين يتغير الداخل كم يتغير حين يصيب العطب دواخلنا / ص109 / الرواية ) . ونحن نفعلها تتميز بنية السرد الروائي بثنائية الداخلاني – الخارجاني
- بيت البحيرة خارجانيا هو بيت من بيوت البحيرة تؤجره العائلة لكن ترسيمته الداخلانية متطابقة مع المنظومة التناسبية لبيت العائلة الحقيقي (ص36/ الرواية ) بل هو ( التمركز المكاني لاهم ذكريات العائلة )
-العم خارجانيا هو عم لابن اخيه لكن التقصي يوصلنا الى الداخلاني وهو ان العم : الاب الحقيقي للابن .
- يتكرر مجيء العائلة السبب الخارجاني للسفرة الاولى هو ( وفدنا الى هذا المكان بقصد الراحة والاستجمام / ص5) وسيكون الدافع ذاته في السفرة الثانية ام الدافع الداخلاني فهو المكيدة من قبل الابن للاخذ بالثار ( ما كان يخطر ببال زوجتي على الاطلاق ان هذه السفرة الى البحيرة من اجل الترويح عن النفس / ص96 )
- الاب خارجانيا يصيد اما داخلانيا فهو يفرغ الصيد من دوافعه المعروفة فهو لايصيد لياكل ولا يدع غيره ياكله ولا يبيعه ولا ينتشله بضاعة ولا يترك الصيد على اليابسة ليموت بل يعيد ارضنته الى الماء .
- الاب يتمظهر خارجانيا بسلطة الاب اما داخلانيا فالاب ( ما عاد رجلا منذ اليوم الذي اصيب فيه بذلك الجرح الشنيع في اسفل عموده الفقري / ص14) .
- العم خارجانيا حمو الزوجة لمنه داخلاىنيا عشيقها .
- القبعة خارجانيا غطاء راس الاب لكنها داخلانيا حصن له ( كانها تعويذة مباركة كتبها له شيخ مكشوف عنه الحجاب / ص9 ) ثم تصبح بعد مقتل الاب غرقا طير الهامة
- المسرد الروائي يشكل الخارجاني في سيرورة الرواية وكل المسكوت عنه : الحوادث المتهورة / العلاقة الخفية بين الام والعم / كيفية انتهاء الاب فكل ما يصل لنا هو ( تكثيف لما هو خفي وسري )
- الخطر الخارجاني : الحرب العراقية الايرانية وداخلانيا هو ( بين جدران البيت / ص28 ) ان جدلية الخارجاني – الداخلاني تؤكد ( ان الخواص الخارجية نفسيا هي محض اهتزازات تتغير في الوقت الذي تتحرك فيه العناصر الداخلية )(40) ( ارى قبعة ابي تغوص في البحيرة كأن يدا- لعلها يد ابي جرتها الى سكون الاعماق / ص144) هذا السطر يشكل الكلمات الختمية في الرواية يليه غير مسود الا رقم الصفحة . سنحاول الان الغوص في المسرد الروائي لاستعادة القبعة بعد تخليصها من اليد :
- قبعة القش الصفراء بحافتها العريضة تخفي شعر راسه انطفا كله وغدا رمادا باردا / ص8 ) القبعة هنا علامة قائمة على علاقة تجاور مع مرجعها منذ دخولها البحيرة اذ ترتبط بظرف المكان هنا : البحيرة او ترتبط بظرف المكان : هناك في قوله ( لمح ابي هذه القبعة في دكان صغير على ناصية الشارع التون كوبري / ص9 )
- بهذه الفقرة حاول المبحث الاستفادة من ( الاحالة في بناء النص ودلالته / مريم فرنسيس / دمشق / 1998 – ثم تتخذ القبعة سيميائيا وظيفة غيبية تعويذية ( ومنذ ذلك الحين لم يخلعها ابي عن راسه الا في ساعات النوم وعند الاستحمام كأنها تعويذة مباركة كتبها له شيخ مكشوف عنه الحجاب / ص9 ) . والقبعة ذاتها تثير الهزء لدى العم والحرج لدى الام ( وهو لا يكترث لابتسامات عمي الساخرة ولا لانزعاج امي وشعورها بالحرج امام نظرات الاستغراب تلحظها في عيون الاخرين / ص9 ) . ثم تشغل القبعة وظيفة اخبارية قائمة على علاقة تجاور مع المكان ( وقبعة القش الحبيبة الى نفسك تطكفو فوق سطح البحيرة / ص52 ) وتتكرر الوظيفة ذاتها والسارد يصف العم ( دهمه مشهد قبعة القش التي تكاد لا تفارق راس اخيه تطفو فوق رقعة من الماء / ص83 ) . ثم يحدث تغير في الوظيفة السيميائية فالبعد الواقعي يختفي ويظهر الميتاواقعي وهذا بدوره يغير في وقع الاثر على الروائي فهي بدءاتثير الغرابة ( يقولون لي انهم يشاهدون قبعة ابي القش ما تزال تطفو على سطح الماء ..ابعد كل هذه السنين تبقى قبعة مصنوعة من اعواد القش /ص100 ) هذه التساؤلات يطرحها الابن بعد سماعه الخبر . ثم يصف الابن المشهد وهو في المكان ذاته ( اقف في مكاني مشدوها لا اكاد اصدق ما ارى /ص109 ). رؤية الابن للقبعة ازال الشك وعدم التصديق لقد استنفذت الغرابة مفعولها ليثبت البعد الواقعي ثم تعمل القبعة اذا جاز القوزل بتشكيل المادة الروحية للاب تلك المادة المعروفة بالاوكوتوبلازما (41) حيث يكون بمقدور الابن محادثة الاب . وتواصل القبعة تحريضها للاخذ بثأر الاب . وفي الوقت ذاته تبث تاثيرا مغايرا على الام ( امي .. تقف مشلولة وجهها شديد الشحوب / ص115) ثم تتدهور حالة الام النفسية (ص115-116-117) فيحاول العم تعطيل بث الخوف في الام من خلال السخرية ( تمزقني ضحكته المستخفة تمزقني تمزيقا / ص116) . نرى ان القبعةعلى زوجة الابن فعاطل ومهم مثل ماضي العائلة بالنسبة لها ( زوجتي لا تفهم شيئا مما يجري /ص116) نرى ان القبعة تدرجت في الوظائف السيميائية بسبب التحويل الدلالي الذي احدثته سيرورة المسرد الروائي عليها ( القبعة ) بدات بقبعة عادية لها تاثيراتها الواقعية يليه تاثير غيبي على لابسها ثم تاثير نفسي مغاير لدى كل من الا م والعم ولم يكن لها تاثير معين على الابن خلال حياة الاب فقد بدأ تاثيرها على الابن بعد احدى عشرة سنة اولا من خلال ما تناقله الاخرون عنها ثانيا من خلال مشاهداته الشخصية بعد ذلك وهنا بالذات نجحت اوليات سيرورة المسرد الروائي في اقناع استجابة القارئ وتفعيلها بهذا التضمين الدلالي للفانتازيا في تجسيد طير الهامة على هيئة قبعة قش حيث يختفي الطير القبعة مع الاخذ بالثأر . العصا في الاساس ذات وظيفة نمطية متعارف عليها حين اقول عصا فلا بد لليدان ان تتأهب للقبض عليها او لصدها في الاقل . العصا هنا مقبوض عليها من قبل راحة يد الاب انها قدمه الثالثة ( الضربات الجافة الصلبة لكعب العصا على اسمنت الممرات المقفرة / ص6-7)من خلال العصا تحدث عملية تارضن لليد فاليد لا تمس الارض مباشرة بل عبر واسطة هي العصا وهذه وظيفة العصا الاساس(42) والعصا تساعده على الثبات ( يحرك خطواته خطوة خطوة متانية بعد خطوة / ص9) والزوجة تستشهد بالعصا على موجوديته الروتينية ( وضربات عصاه على الارض / ص72) ثم تصف الاب والابن ( والمكالمات القليلة التي يتهامسان بها في طريقهما الى الخارج ) كما تاخذ العصا من خلال طريقة استعمالها دلالة اخرى ( معتمدا عصاه يضرب بها الارض بقوة / ص39) : العصا التمظهر الخارجاني لما يعتمل في داخلانية الاب من غضب وهو التمظهر الوحيد الذي يتشكل في افق قدراته الذاتية العاطلة ازاء فاحش الفعل / يمارسانه الام والعم / . ) اما مدى تاثيرها او قوة تاثيرها في الاخر فهو كالتالي ( ضربات عصاه على ارضية الممر تبدو لي اخف رنينا هذه المرة كأن رجلا جاوز عمره المائة عام يجرر خطاه متقدما الى الامام بعناء شديد / ص40) يحدث ذلك بعد ان افلحت الضربات السابقة على الارض بعرقلة تفعيل الفاحشة ( امي تهرع عائدة الى غرفتها في خطى مضطربة كأنها تهرب من شيء / ص40 ) والتغير في ايقاع ضربات العصا تكشف عن دخيلة الاب . وفي مشهد غرق الاب في ص52 يشكل غياب العصا ادانة واضحة للعم وشاهد اثبات ضد العم لذا نلاحظه يسارع الى احضارها يجري ذلك ضمن ابنية المسكوت عنه ثم تاخذ العصا صيغة اخرى ( بي رغبة مجنونة في ان اختطفها من يده ( السارد يعني هنا ضابط التحقيق) واحتفظ بها لنفسي الا انني لا اجروء على الاقتراب من الضابط فأنا اخاف رجال الشرطة / ص61) الابن يرى في تصرفات الضابط سلوكا لا ينسجم مع جثة ابيه المسجاة في المكان ذاته ويرغب بانتزاعها لكن الرغبة مقموعة فالعصا بيد رجل يمثل السلطة بكل ما لدى السلطة من روادع تسري في اللاوعي والوعي في صبي لا يملك الا احاسيس صادقة لا تثير انتباه احد . يقول السارد ( التقط عصا ابي التي عافها ضابط الشرطة ، مسندة الى ظهر الكرسي ادخل غرفتي اوصد بابها ثم احتضن ابي وانتحب / ص93) هنا يحدث للعصا عملية انتشال – وفق راي دولوز وغيتارى – انها تنتقل من التشيوء الى الانسنة ( التقط عصا ابي :- احتضن ابي وانتحب ) ويتاكد ذلك اكثر في قول السارد ( عصا ابي تتمدد نائمة في حضني / ص98) ثم يقول ( اصابع يدي الاثنتين تحيط باعتزاز بجسد العصا البارد / ص98) ثم يحدث الانتشال الاكبر للعصا اذ تعود الى وظيفتها الاولى ارضنة اليد اضافة الى بثها للتماهي تماهي الابن في الاب ( مازال احتفظ بها باعتزاز في خزانة ثيابي واحملها معي حين اخرج ليلا اتمشى في شوارع بغداد / ص136) . يلاحظ ان العصا تقترن بالاب ولم يتخلص منها الا مرة واحدة في حلم يحلمه الابن في ص57 . نظارة العم هي الاخرى تستفز استجابة المتلقي الذي يفعل ويحاول اعادة انتاج المسرد الروائي . النظارة حجاب يمنع الانسان لتصد حرارة الشمس عن عينيه والنظارة ايضا تكشف الحجاب بين لابسها وبين الاشياء اعني من يشكو ضعفا في بصره نظارة العم والاب حجاب يصد او يخفف من نظرات الاب نحو العم طوال الرواية فالعم لايخلع النظارة على مرأى اخيه فالعين مرآة الروح وما يختلج فيها . عبر تبادل النظرات ينكشف الخبيء لذا فان نظارة العم هي حصن العم ( وهو لا يكترث لابتسامات عمي الساخرة يرنو اليه من وراء زجاج نظارته السوداء / ص9 ) او ( يرقبنا هو ايضا من وراء زجاج نظارته السوداء / ص21) والنظارة لا تستر عورا في عين العم او حولا فها هو العم وقد غاب الاب " عيناه المكشوفتان تتمعنان في وجوه الناس الذين تجمعوا / ص51) ثن تكشف العينان عما في العم من اضطراب ( يرمقني عمي بنظرة احسها مثل ضربة سوط / ص52 يلاحظ ان الحاجة الى وضع النظارة ، بعد موت الاب : انتفت ( وانتفخت الجيوب تحت عينيه اللتين ما عاد يغطيها بنظارات سود منذ رحيل ابي / ص102 -103 ) في الرواية يرد ذكر مدينتين ( بغداد ) و( التون كوبري )وهي منطقة ريفية يمكن الوصول اليها من قضاء الدبس في كركوك ومن التون يمكن اختصار الطريق الى اربيل . ( التون كوبري ) يرد ذكرها في (ص9) حيث يشتري الاب قبعة القش . ان ذكر بغداد والتون كوبري كمناطق حقيقية تعايشها شخوص الرواية . (التون كوبري تكون معرفتهم بها معرفة سياحية عابرة اما بغداد فهي منطقة سكنى الشخوص المدينة الثالثة التي يرد ذكرها ، الامر يختلف معها فهم لا يسكنونها او يقصدونها للسياحة بل يرد ذكرها ضمن مثل يضرب ( بعد خراب البصرة/ ص9) كل هذا له علاقة بالسرد الاشاري . المؤلف الاستاذ مهدي عيسى الصقر : عراقي الجنسية والوصف الذي ينقله ينطبق على البيئة العراقية والبحيرة معروفة لدى الجميع ان اخذ هذا التجاور بعين الاعتبار ضروري لفهم اليات المسرد الاشاري خصوصا وان السارد المشارك والمؤلف من خلاله يعمد ( الى اضمار الاحالة الى المكان المحلي فيفترض بعض الالمام ليس فقط بمعطيات المكان الجغرافي بل ايضا البشرية والثقافية والعمرانية ) (43)
ثنائيات : يلاحظ في سيرورة المسرد الروائي . انها تتسم بثنائية جلية :
- الرواية ذات سيرورة مزدوجة هناك الخارجاني المعلن عنه في مدونة السواد وهناك الداخلاني الذي يتكون من كل المسكوت عنه في الرواية
- العائلة تاتي مرتين الى البحيرة ذاتها
- الفترة بين السفرة الاولى والسفرة الثانية احدى عشرة سنة لاحظ تكرار الرقم (1) في (11) سنة .
- الابن له ابوين واحد في الخفاء ( العم ) وهو الحقيقي وفي العلن والاوراق الثبوتية فالاب هو الاسير العائد معوقا.
- علامتان للاب المعوق : القبعة والعصا
- في السفرة الاولى يتعرف العم علبى حارة وزوجهافي السفرة الثانية يتعرف على رجل وامراة مشبوهين ولا يختلف الثنائي عن الثنائي الاول الا قليلا من الناحية الاخلاقية
- بيت البحيرة ذاته تنزل فيه العائلة مرتين
- الام . تتزوج مرتين وتترمل مرتين ؟
- لا الاب خلع قبعته امام العم ولا العم خلع نظارته امام الاب
- بغداد محل سكن الاسرة والتون كبرى ناحية يقصدونها للسياحة .
- الماء هو العنصر المتسيد في الرواية والحياة تكون على ضفافه / اليابسة بعيدا عن الماء فهي مغيبة تقريبا .




*ثبت المراجع
* صراخ النوارس / رواية مهدي عيسى الصقر / ط1/ دار الاداب / بيروت / سنة 1997
1- فن الرواية / ميلان كونديرا/ تبدر الدين عروكي
2- ما هي الفلسفة / دولوز- غيتاري / ت مطاع صفدي / الينابيع
3- فلسفة الصورة / دولوز/ ت: حسن عودة / منشورات وزارة الثقافة / دمشق / ص18،/ 1997
4- المصدر السابق / ص29
5- القص والخطاب وفلسفة الحدث / ت علاء العبادي / مجلة الثقافة الاجنبية /ع1/ سنة 1998
6- تجلي الجميل/ جادامر / ص71/ت: سعد توفيق
7-القارئ في الحكاية / اميرتوايكو / ص29/ انطوان ابو زيد / 17/ط1/ المركز الثقافي العربي بيروت / 1996
8- نقد الخطاب الديني / دمصر حامد ابو زيد / ص223/ط3/ مطبعة مدبولي /1995 مصر
9- فلسفة الصورة / دولوز/ ص15/ ت حسن عودة / منشورات وزارة الثقافة / دمشق/ 1997
10- ما هي الفلسفة / دولوز وغيتاري / ص82/ فصل الشخصيات المفهومية / الينابيع / مطاع الصفدي
11- المصدر السابق / المقدمة المكتوبة بقلم مطاع الصفدي
12- فن الرواية / كونديرا / ت بدر الدين عردوكي / ط1/ 1999 / دمشق
13- تجلي الجميل / جادامر / ص120 / ت سعيد توفيق
14- الثقافة الاجنبية / ع1 / 1998/ البعد السيميائي للسياق / باسل حاتم وايان ميسن
15- تجلي الجميل / جادامر / ص108
16- سورة الكهف / الاية :97
17- في بناء النص ودلالته/ مريم فرنسيس / دمشق / 1998
18- البنيوية وما بعدها / فصل عن لاكان / مالكوم برادي / ص174/ ت محمد عصفور عالم المعرفة / شباط / 1996
19- تجلي الجميل / جادامر / ص183
20-مقدمة فن النظرية الادبية / تيري اينلتن / ص84 / ت ابراهيم العلي / دار الشؤون الثقافية الطبعة الاولى / بغداد / سنة 1992
21- النظر والسمع والقراءة ص115 شتراوس /ت/ خليل احمد خليل / ط1 / دار المعلمين / بيروت
22- فلسفة الصورة / دولوز/ ص15
23- المصدر السابق
24- حركية الابداع، خالدة سعيد / ص222/ دار العودة / ط1/ 1979
25- الجنون والحضارة/ فوكو/ نقد عن مجلة كلمات البحرانية / ع3/ سنة 1988 ت : امين صالح
26- جماليات المكان/ باشالار / ت غالب هلسا / ص43/ كتاب الاقلام / بغداد/ 1980
27- حديث في العمارة / د. خالد السلطاني / الموسوعة الصغيرة ع156/ ص129
28- المصدر السابق / ص156
29- فن الرواية / كونديرا / ص57
30- المصدر السابق / ص59
31- ماهي الفلسفة / دولوز وغيتاري / مشروع مطاع صفدي / الينابيع
32- فن الرواية / كونديرا/ ص64
33- مقدمة في النظرية الادبية / تيرايغلتون
34- اشكاليات المنهاج في الفكر العربي والعلوم الانسانية / المختار الهراس / ص82 فصل منهج السيرة في السيسيولوجيا
35- - 36: فلسفة الصورة / دولوز ص16
37- ابن سينا / العقاد / نقلا عن عبد الفتاح الديدي / الاتجاهات المعاصرة في الفلسفة / ص331 / دار المعارف / مصر / 1970
38- جماليات المكان / باشالار/
39-احلام اليقظة /
40 جماليات المكان / باشالار
41- فلسفة الصورة / دولوز/ ص15
42- ما هي الفلسفة / دولوز وغيتارى
43- في بناء النص ودلالته/ مريم فرنسيس/ ص120 / دمشق / 1998 .



*اتصالية الخائف والمخيف
عن الروائي زهير الجزائري
*انتاج الصرخة : تصنيع القائد
(1)
هذه الرواية ، سحريتها من كابوسية الواقع العراقي ، الذي مسخه الطاغية ، على مدى اكثر من ثلاثة عقود ، و((فنتازيتها)) من واقعية استبداد السلطة وأهوالها ،ومهاراتها الفنية ، من قوة مناعتها ، التي حصنتها من الالتزام المطلق بالتسجيل الوثائقي لكل ماجرى في ارض السواد المزدوج . السرد الروائي في رواية ((زهير الجزائري )) الخائف والمخيف ))((ط الاولى / المدى / 2003 ) يستفيد من الوثائقي / والتاريخي ،لكنه يمرره عبر منظومة فنية؟،توزعه على الوحدات الروائية حسب الضرورة ، وهي رواية تؤرخ للسلطة منذ بداية انقلابها ((الابيض)) عام (1968)) وتحديدا منذ ان استعمل الطاغية صدام ، السفاح ((ابو طبر)) لذبح العائلات في بغداد ، الى استمراره في الحروب ضد دول الجوار ،لكن ((الخائف والمخيف )) ليس بالرواية التاريخية وفي ترميزاتها للواقع العراقي ((لا دليل جنائيا يؤكد على ان الرواية ضد الطاغية / صدام ،وتلك تقنية فنية ضرورية )) فالرواية صالحة للنشر في ((25 كانون الثاني2002 لندن )) كما هو مدون في الصفحة الاخيرة من الرواية .
وهي كما سنرى رواية عراقية ، سحريتها غير مستوردة من امريكا اللاتينية بل منبثقة من ترميزاتها المجاورة لترميزات الروائي العراقي الفقيد (( غائب طعمة فرمان رحمه الله )) وخصوصا ترميزات رواية ((القربان)) وهي تتناول حقبة تاريخية ( بعد اغتيال الزعيم الشهيد (( عبد الكريم قاسم )) ، واذا كانت ثمة اعمال روائية او قصصية اشبه ماتكون قراءة مكتوبة ) اعني انها نتاج تجربة في القراءة لا تجارب في الحياة ، فأنني ارى ومن خلال قراءاتي لثلاث من روايات ((زهير الجزائري )) وهي لا تزال ساخنة اعني ابان صدورها (( المغارة والسهل )) منتصف السبعينات ((مدن فاضلة )) اواخر القرن الماضي ، و ((الخائف والمخيف 2002 )) ، ارى ان المنتوج الروائي للجزائري هو نتاج خبرة اندماجية بالحدث الروائي ، لا محض تأمل ، او انحياز فكري ، الذى تجيء رواياته بكل غواياتها التشويقية ، التي تجعل القارئ لا يغادرها الا بعد اتمامها .
(2)
(( ستكون الصرخة هي المحك / ص 77 / الخائف والمخيف ))
تبدأ الرواية ، بصرخة (( صرخة امرأة ، طويلة وحادة كسرت زجاج الليل البارد ومعها انطفأت اضواء المدينة لدقائق .. ثم عاد الضوء والصمت فبدت وجوه الجميع شاحبة ممصوصة وقد تأكدوا من ان المحذور قد وقع / ص 7 )) وتنتهي الرواية (( نموت ويحيا القائد / 359 )) والهتاف هو حنظل ختام الرواية ، و ((الهتاف ))احدى منتجات الصرخة في معامل تصنيع القائد اعلاميا ، صور القائد / اغتيال القائد / روايات واشعار تتناول سيرة القائد ، فالاعلام العراقي ابانها لا عمل له سوى (( اعادة تصنيع القائد في ذاكرة الناس / 251 )) لا غائب في هذه الرواية سوى الغياب ، كل الخائفين فيها الذين ارّقوا المخيف وهم يتحولون الى دبابيس في فراشه ، وسيقفون قدامه كأدلة اثبات لجرائمه اللانهائية ضد الشعب العراقي ولا نقول شعبه ، فالمخيف لا يمتلك أي صفة من صفات العراقيين ،واذا رأينا الهتاف ذاته في مرآة الواقع العراقي فستكون القراءة الصحيحة هي (نحيا ويموت القائد )) الخائفون هم ((المساجين الذين لم يروا النور منذ دهر بلحاهم الطويلة وجراحهم وقملهم ، امهات القتلى بوجوههن الملطخة بالطين ، جياع المخيمات بهياكلهم النحيلة واشكالهم واطفالهم الذين ماتوا قبل ان تصل عصيدة الاغاثة ، المعوقون الذين فقدوا في الحروب سيقانهم واذرعهم وعيونهم ، سيأتونك على كراسيهم المتحركة مالئين شوارع المدينة .. سأجلب لك كل هؤلاء من اقبية التعذيب ، من المقابر ، من ردهات المستشفيات ، ما من احد اجدر منهم برسم النهاية 359 ))
وفي الرواية سنجد المخيف ومشتقاته الطفيلية العاطلة عن التفكير المجترة نهب ثروات العراق (( مهربوا الحبوب والاغنام الى الخارج والتلفزيونات الدائرية الى الداخل ، سارقوا مساعدات الاغاثة والمتاجرون بالمعلبات الفاسدة ، والسجائر الاجنبية الذين يغرقون رمال الشاطئ بالجرافات ويبيعونها لأصحاب الحدائق ، والذين يبيعون لأبناء الاغنياء دفاتر الاعفاءات من الخدمة العسكرية ، الذين يغلقون انابيب الماء ليبيعونها في قناني ممهورة بماركات اجنبية كاذبة ، والذين يتعهدون صرافي السوق السوداء ، مقابل نسب في الارباح ، ومن يساعدون التجار في تهريب اموالهم الى الخارج مقابل عشرة بالمائة تودع في حسابهم الخاص في بنوك اجنبية / 350 ))
(3)
بين الخائف والمخيف : اتصالية / تضاد تتمثل بـ(( الصرخة )) ، والصراخ حين نشخصه عياديا ، نرى انه لا يكون على المستوى البشري ، الا حين يعجز الوسيط اللغوي بين طرفين ، والصراخ هو الصوت والاصح هو نبرة الصوت المتشنج (( صرخ: صاح صياحا شديدا / ص 415 المعجم الوسيط / الجزء الثاني )) وهذه النبرة منطلقة بكل ما لديها من مدى وبكل ما في المصوت من احتدام ، فالصراخ صوت في حالة تشنج يحاول المأزوم / الباث ايصاله الى الملتقى المتمكن احيانا ، واحيانا اخرى يكون الصراخ نتاج الصمم العلائقي لا الفسلجي بين طرفين ، والوظيفة السيميائية للصراخ لا تحدث انزياحا للمعنى المعجمي بل تعمل على توسيع مدياته ، في الفرشة الروائية كلها.
للمخيف ملكية كل وسائل انتاج الرعب ، التي تستعمل الخائف كمادة خام لانتاج (( الصرخة)) واعادة انتاجها بكلفة اقل ، مما يغري المخيف بتوسيع مؤسساته الصراخية ، واستنساخ مخيف آخرين لتحمل المخاطر بدل المخيف / الاصل كما استعمل مجيد من قبل وهاب ، الى حد يجعل الاخرين يتساءلون (( اهو الاصل ام الشبيه ؟/ 352 )) .. والصرخة على مدى ((21)) صفحة ، ابتداء من (ص7) حتى (10) ، تشغل الوظائف التالية :
(1) ازدواج قيمي : اذا كانت الصرخة دليلا على سلطة الرعب فأن هذا الرعب لا يشترط تحفيز الجميع / الخائفين على التكاتف ، بل يبث اللامبالاة في الخائف / الاخر ما دام المخيف بعيدا عنه (( مرت دقائق اخرى من الصيت وارعشه ثم دبت الحركات الاولى التي تبارك عودة الحياة واليقين بأن ما حدث كان بعيدا ولم يمسهم أذاه.. ص7 )) وبهذه الطريقة استطال المخيف على الاخرين واستطالت تصفية من يريد
(2) الغموض : ويكون ذلك اثناء القراءة الاولى للرواية وتحديدا قراءة الصفحات الاول مما جعل القارئ يتساءل ما الذي يحدث ؟ ولماذا ؟ هل هي رواية بوليسية ؟
(3) الصرخة : هي الومضة الروائية ، التي سوف يسعى الروائي / الجزائري ، الى تفكيكها لتنتقل من ومضيتها (ص 30 -7 ) لتشمل الرواية كلها .


(4)
وثمة تنويع ضمن تراتبية الصرخة ذاتها ، فاذا كانت الصرخة الاساس / عالية النبرة / ذات مديات بعيدة ، فأن هناك ، صرخة بمديات محدودة / ضيقة / مقموعة ( القائد الجديد رافعا سيفه علامة النصر وباليد الاخرى رأس السفاح الذي تقلصت ملامحه من الم الضربة ومن الصرخة التي لم تخرج / 43 ) وهناك صرخة لا تخلو من تراجيكوميديا هي صرخة (( قاسم فنجان )) البويهمي / الشاعر / عاشق الحياة / الذي سوف تحتز رأسه حرب الطاغية ( 154ص) وهناك صرخة في فضاء مغلق / دموي (( الصفير القصير الجارح للعصا وصرخات المعذبين / 227ص )) وثمة صرخة تتجاوز المغلق / صرخة من رأي المخيف بكل شراسته (( وسمعت صرخة ، صرخة جوقة موحدة من النساء طويلة وحادة / 241)) وثمة صرخة تنتقل من المفتوح الى المغلق (( الصرخة التي أيقظت الجميع ، وصلت عميقة مخنوقة الى جوف النفق .. / ص 246 )) والنفق هو طريق الخلاص من السجن الذي كانوا من خلاله يواصلون الامل : الشيوعيون والاسلاميون السجناء وهذه الصرخة ذات مسار عمودي وهي تنطلق من الاعلى الى الاسفل ، وهناك ايضا صرخة افقية (( على الجانب الثاني من النهر ، انطفأت الاضواء قليلا، ثم انفجرت قليلا ، ثم انفجرت الصرخة ، قريبة كأنها تحدث في بيت مجاور.. / ص 148 )) .
(5)
شمولية الصرخة للمجتع العراقي ، على اختلاف تراتبيته الاجتماعية / الايديولوجية له اتصاليته ، بشمولية استبداد السلطة ، التي قررت احتواء الكل من اجل تمسيخه ابادة الشيوعيين / الاسلاميين / العوائل الثرية / بيوت البغاء استعمالها للتجسس على ضباط السلطة / ابادة السلطة لـ(( مجيد)) حين حاول مجيد ان يكون هو لا القائد (( لا تنس ولا مرة واحدة انك انا ولست انت / 330))












القسم الثاني
انتاج الصرخة :
تصنيع القائد
2-2
(6)
لدينا روايتان : (1) الخائف والمخيف : للروائي زهير الجزائري وهو روائي معروف بثبوتية موقفه الثوري الرافض لنظام البعث الفاشي ، منذ بدايته .
(1) رواية "الصرخة " وتلك تسمية مقترحة لثريا الرواية اشتققناه من اتصالية "الصرخة" بين جميع : الشخوص / الامكنة في الرواية ، مؤلف الرواية "وليد القاضي " احدى الشخصيات الرئيسة في رواية / زهير الجزائري " الخائف والمخيف" ، وليد القاضي : شاعر عراقي وروائي / كتبه ممنوعة في الداخل استطاعت اساليب السلطة الفاشية ان تستدرجه للداخل ، لم يبق امامه الا محاسبة ذاته في هذا الخصوص " مرة اخرى لام نفسه على العودة لبلد يعيش على حافة القيامة ص20" واحيانا معاتبة الاخر " ما كان عليك ان تعيدني لاعيش هذا الكابوس 82" كذلك يقول ليعقوب ، مدير انتاج الرعب والقتل في معامل السلطة المظلمة " سجونها" بصفته الرأس المخابراتي الاول ، ويعقوب يرفض التقاطع بين حرية الابداع وسلطة السلطة الدموية ، وحين يصارحه وليد " لا استطيع ان اكتب شيئا وانتم تتابعون كل جملة فيها " يقصد الرواية " / 83 " تضع السلطة القمعية "يعقوب " البديل الزائف كمواد اولية للكتابة " امامك امور كثيرة اجمل واسهل ، لن يضايقك حولها رقيب : الحب وانت خبير به وبالمناسبة كيف هي / 83"
ان هذا التساؤل الاستفزازي الفج حول "هي" ويقصد " ياسمين" يمثل نفيا لقوله الاول في السطر ذاته " لن يضايقك حولها رقيب " .

(7)
وليد القاضي : الكتابة لا يمارسها بحكم العادة ، بل عبر استجابة جوانية لديه " تستهويني الشخصية التي تستفزني اكثر من التي احبها .. / ص84 ) وحين يستأنف الموضوع ذاته مع " ياسمين " ، تقول له " امامك الف موضوع غير المخبر والمعذب وقبو التعذيب : الحب / الامومة / الفراق .. ص 97 " يتعجب "وليد القاضي " عن اتصالية الرأي بين " يعقوب " و " ياسمين " " عجيب كيف توافق الامر لتطرح السؤال نفسه " ان اتصالية الرأي بينهما جزء من اتصاليتهما مع السلطة الاستبدادية ذاتها وموقفهما الواحد في استعمال الادب للتسلية لا للتثوير والتوعية ومجابهة استبداد السلطة .. واذا استطاع الاديب " وليد القاضي " بدهائه التخلص من الرقيب " لن اذكر القاعة العباسية / سأستبدل الوزير بتاجر ادوات احتياطية / سأحيل الواقعة لزمان ومكان آخر 147 " فان الرقيب الذي زرعه استبداد السلطة لن يجتثه دهاء " وليد القاضي " دائما يخرج الرقيب البارد من داخله غامزا بعينيه .. سيعرف المعنيون سيصفونك انت قبل ذلك 132 ".
(8)
مارس الاعلام العراقي في زمن الطاغية ،الزنى بكل صنوف الثقافة : آلاف الجداريات للقائد الضرورة روايات تافهة تحت اكثر من سلسلة روايات قادسية صدام تحت لهيب المعركة كتاب عرب يحسبون على الفكر اليساري ، باعوا انفسهم ليكتبوا سيرة الطاغية ، صور في كل مكان "انظر 178 ـ 179 من والمخيف " لذا لابد ان يشمل الامر وليد القاضي ويلغي حقه الادبي حتى في الكتابة عن الحب الذي منحه يعقوب رجل السلطة .
وزير الاعلام اكثر نعومة من يعقوب " ستكتب سيرة رجل تجله " لكنني لا احبه " " لايهم حتى لو كنت تكرهه، فالاجلال عاطفة تصنع بغض النظر عن عواطف الشخصية ، حتى لو لم يصدق سيصدق الخوف الذي وراءه سيقبل الكذبة التي تحول الخوف الى حب ص 252 " هذه الحوارية القصيرة بين السلطة " وزير الاعلام " وبين الادب " الروائي وليد القاضي " ذات الفهم الميكافيلي توصلنا الى اتصالية التضاد ، بين الخائف والمخيف من منظور اقرب فالوزير محض انبوب فارغ تتدفق فيه ، فلسفة القائد " الخوف اكثر دواما من الحب ، لأن المحبين لا يترددون في الاساءة للمحبوب ويترددون في الاساءة للمخيف ص111 " والقائد يعرف جيدا " بالخوف يقتل الكراهية دون ان يكسف الحب ، فالاتباع يحبون بأرادتهم ويخافون بأرادة المخيف 1149 " والمخيف الذي هو من الدرجة الثانية ضمن تراتبية السلطة الاستبدادية ما ان يتوجس ان ثمة مكيدة سيدفعها المخيف الاكبر القائد باتجاه ، حتى يزداد تعلقا بالقائد ذاته " مخاوفة من الخطر ، دفعته اكثر نحو هذه السلطة التي لا حماية له دونها ، ومع ذلك يخاف بمقدار ما يحتمي بها 249 " ان اعادة تصنيع القائد في ذاكرة الناس هي اعادة تصنيع الرعب على مدار الساعة العراقية التي ستقوى دقاتها لترعب وتهدد دول الجوار ، وتصنيع الرعب يعتمد على آلية التكرار انتاج القائد صوريا " التكرار يزرع الصورة في لا وعي المواطن ، بحيث تقفز صورة الرجل الممسك بقبضة السيف كلما قال أحد "هو" صوره على اغلفة الكتب المدرسية ، على وجه العملة على طوابع البريد ، شارع جديد في يوم ميلاده يحمل اسمه يخترق المدينة من وسطها ص / 178 ـ 179 "

(9)
هذه هي الطريقة الاعلامية في تمسيخ المواطن العراقي وتلك آلية الوزير ، اما آليات القائد ، فهي ضمن تراتبية التسقيط التالي للمواطن " شرح القائد خطته التي تقوم على تحويل كل مواطن الى مخبر او متعاون على ثلاث
درجات محترف ، عامل بالمكافأة متطوع ( 201 ص "
(10 )
وليد القاضي ، النموذج الرئيس أدبيا هناك " سليم " " انسان لا علاقة له بأي حزب احلامي واهتماماتي لا تتعدى حدود غرفتي واوراقي هذا هو عالمي 262 " فيرد عليه المحقق " مع ذلك فهي نمط تفكير ونحن معنيون بنمط تفكير المواطن " .
(11)
وهناك كتابة مؤجلة وهي من طراز مغاير يعد لها السجين " مروان " وهو يسهم في السجن في حفر الامل / النفق، يتوغل في حياة رفاقه مزمعا ان يكتب فيما بعد بجهد وصبر عن ذكرياتهم وما سيفعلونه بعد السجن 322"
(12)
وليد القاضي ، يستمر في كتابة روايته " الصرخة " عن المنتصر / المهزوم / الشاهر سيفه على المغلوبين / الارامل / الجياع وبهذه الطريقة ايضا يتطهر " وليد القاضي " من انكساراته .







حدائق العاشق
محمد الاسعد
( الطريق الى عين التمر )

قراءة اتصالية في ( حدائق العاشق ) للروائي والشاعر محمد الاسعد ( سافانا ) او عين التمر ، مدينة آرامية داثرة ، هي الآن اطلال خاوية على عروشها ممعنة في الصحراء غربي كربلاء ، سكنتها قبيلة جدي وعاشت في احد احيائها الاربعة قبل ستمائة عام .. لا طريق اليها / 154 / حديقة العاشق . و( سافانا ) تتجاوز دلالتها الجغرافية على الخريطة لتتجاوز اتصاليا مع مدن أخر :
( ايثاكا / الشاعر كفافي ) ( نجد / الشاعر المتنبي ) أنها طراز خاص من اليوتوبيا يفرد لها العاشق فصلا باسمها ( سافانا / ص 53 ) لكن هذا الفصل لا يجعلنا ندخل المدينة من بابه ولا يتعدى في وظيفته العلاماتية حدود سهم الاشارة الذي الى جهة يشير وتلك حدود مسؤوليته فالسهم لا يعين لك مدخلا بل يبث في السالك حيرة التائه ويجعله يتسائل ( ربما هي امامي بدون ان ادري . ربما هي في اقصى ماضيك او ماضي الكون .. / ص 52) ونص سافانا خال من الواحدية المطلقة فالسيادة فيه لتعددية النسبي ( يتعدد هذا النص، ليل كستنائي ، ليل برتقالي، ليل ساطع ) والجهد الاركيولوجي ، المبذول ، لم يتوصل الى الهوية الجغرافية ( لا يعرف ما اذا كانت سافانا مدينة نهرية ام مدينة صحراوية ؟ موطن امة واحدة ام موطن امم متعددة ... / 123 ) .
(1)
اتصالية / الخطاب الروائي : حدائق العاشق / رواية توجه خطابها الى متلق متحرر من هيمنة الاشكال الروائية كافة ... متلق استوعب ليتجاوز ، لا استوعب الاشكال ، لتقيم استجابته ، مطمئنة في ذائقة قارة .. فهو اذن متلق لا يقاضي النص على وفق المنطق الارسطي . بل يحاور النص عبر حرية مشروطة بشرط الكتابة الحداثية واخلاقياتها في القراءة . والرواية من جانبها تحذر القاري من التورط في اللجوء الى منطق التأويل الذي يفسد نكهة الغامض بذريعة توضيحه ( التأويلات رغم جمالها تحول السر الى معرفة فتفصلنا عن رجفته الاولى .. / 124 ـ الرواية ) هذا التحذير الذي لم يتعظ السارد به فتورط هو الاخر الى نسق ثلاثي / تأويلي ( انظر الى ص 126 من الرواية ) اذن اتصالية الخطاب الروائي ليست هي اتصالية عامة بل هي اتصالية خاصة موجهه الى قارئ حداثي ، لا تستفز استجابته هذه الاشكال الروائية بل يتلذذ بقراءتها فهي تحقق له بعض ما ينتظره من الرواية العربية الحداثية .
(2) التكرارية/ الاتصالية : سيرورة اواليات رواية ( حدائق العاشق ) لميكانيزم روائي متعارف عليه : لا تخضع وعلى حد قول السارد ( لا اذكر الايام حسب تواليها المعهود فأنا اقول الثلاثاء فالاثنين والخامسة فالرابعة.. هناك فجوة دائما شيء مفقودة / ص 112 ) . الحدث في الرواية لايبدأ لينتهي بل ثمة عودة مستمرة للحدث ذاته نسميها تكرارا اتصاليا .. ويحدث ذلك ايضا مع الامكنة التي هي ( ازمنة ثابتة بلا حركة / 145 ) ومع الاخر الذي هو انا اكثرمني .
مع تغير في زاوية المنظور .. العاشق يتنقل من ( صوفيا ) الى ( دمشق ) ليعود الى ( صوفيا) التي توصله الى المدينة/ اليوتوبيا اعني (سافانا ) وحين يتأمل ( خزانات الجوز) فهو الى ( حجر الروح ) و ( زجاج الروح ) ( ميناء الاشباح ) : يصل .. وما ان يصل القارئ الى ( ص/ 108 ) من الرواية ، حتى يعيده السرد الروائي الى ( ص8)... وحين يصل القارئ الى ( ص 121 ) فهو سيعود الى ( ص 11) وما تهمس به الكاهنة في ( ص 11) سيعرضه علينا السارد ضمن الحفريات في ( سافانا / ص 125 ) .. لذا يمكن اعتبار هذا المنتوج اللذيذ ( حدائق العاشق ) للشاعر والروائي والمترجم ( مجمد الاسعد ) حفريات روائية / حداثية متقدمة في حداثيتها .. حفريات اتصالية في الازمنة / الامكنة / العلاقات الحميمة بين مرهفي الحس .. والعشق لا يتنقل بين الامكنة والازمنة والشخوص تنقل ، السائح ، بل هو يسعى اليها بقدم المطارد . فالعاشق تتداوله المدن عبر فهمها للثقافة من المنظور الاقتصادي والذي سنعبر عنه بـ( اقتصاديات الثقافة ) والتي ( لم تنظر الى الفلسطيني الا كأداة في خدمة ( السياسي واسقطت كل جوانب تجربته الانسانية من حسابها / ص 4 / نص اللاجئ / رواية مخطوطة للصديق محمد الاسعد )
(3) اتصالية / تضاد : الية التشيوء على فاعلية التضاد / الاتصالي : تعتمد . انها تضع المناسب في المكان غير المناسب وهنا يكون للتضاد / الاتصالي ازدواجه القيمي ( 1) تضاد الكائن مع المكان (2) تضاد الكائن مع المكين.. والنتيجة اغتراب يؤدي الى تعطيل الفاعلية الانسانية وعدم تفهم الاخر لما يحدث ( في قفص الدجاج يظل النسر عاطلا عن العمل وغموضه وبطالته يحيران الدجاج / ص 114 ) لكن قوة الكائن لا تتوقف عن بث فاعليتها في ( الكائن يشق طريقه في اثلام متاهة يصنعها ويتخيلها ويهدمها في وقت واحد : اماكن واسماء واجواء/ 22 ) ..
(4) اتصالية / انسجام : الكائن العاشق يتصدى لكل هذا التضاد / الشرس بكل ملكيته من تلك القوة السحرية / البيضاء / القوة المرئية واللا مرئية في ذات الوقت والتي تعينه في اعادة الكائنات والاشياء الى امكنتها الحقيقية عبر لغة عذراء ، وسيط لغوي لم تنتهكه الالسن ( لا بد ان تولد لغة اخرى ، ربما السبب تحدث الانفجارات الصوفية وينفجر غير المعقول وما الى ذلك ، هل نمتلك جرأة الحديث بلغة لم يسبق ان تحدث بها احد / ص 145 ) .. ان عذرية اللغة تعني شعريتها ايضا فـ ( بالشعر وحده تعود الارواح الى الحقول المنسية / ص 117 ) بلغة مثل هذه ينجز التكافئ بين التضاد / والاتصال بين الكائن / المكان ، فمن هذه الاعادات الجزئية ، نحصل على ذلك الكل المفتقد / ذلك الكل الدائر وتعود ( سافانا ) الى اهلها وهكذا تكون وظيفة السرد : انزياحية عليها ان تزيح اغبرة الزمان المتراكمة على ( سافانا) وبالطريقة هذه يكون الفعل الروائي فعل / اركيولوجي ( حفريات ) ، ومن خلال الحفر يتجاوز الحفيد / العاشق ، خسائر الجد ، فالحفر هو خيط اللابرنث الذي لم يتسلح به الجد في التصدي لمتاهة العودة وهنا يكون للجهد المبذول ازدواجه القيمي : قيمة حفرية / وقيمة اشارية ، فالحفر اشارة مرورية تنقذ السالك من التيه وتغنيه من انتظار الدليل ، وهذه ليست قراءتنا فقط فالحفر موجودة سرديا في فصلي ( حجر الروح 117 ) ( حديقة العاشق 123 ) ... وسافانا تستحق كل هذا البذل ففيها تعود الاشياء الى صفاء الجوهر المحض ( .. تعود القصيدة الى بياضها والوردة الى عرائها والمرأة الى موجتها التي كانت عليها / ص )125
(5) اتصالية العاشق والمعشوق : ان فاعلية المكان الخيميائية لن تحدث الا في الحديقة / الام / الرحم الذي نزل منه اسلاف العاشق اعني ( حديقة العاشق) التي خصها بفصل مستقل ، فالداخل فيها ، ينغلق الزمن عليه ليعيده الى تلك اللحظة الحية اعني تماهي العاشق في ذات المعشوق فيسعى العاشق الى تفكيك ما يرى عبر تراتبية / تأويلية / ثلاثية ( تأويل اول ) ( تأويل ثان ) ( تأويل ثالث ) ص 126 / .. ان النظر الى ماتبقى من رسومات على جدران ( سافانا ) النظر وحده ينفخ الروح فيها ، فيغادر الحجر حجريته الثابتة ويتدفق به ماء التحول وتزيد من سرعة التحول فاعلية المخيلة ( اعود الى الشظايا واتخيل صورة للوح اصيلة او حكاية .. / ص 127 ) .. وحديقة العاشق هي ( حديقة التحولات / 128 ) ولها قوتها الخيميائية فيها ( يتحول العاشق الى حجر / 129 ) ومن قوة البهجة يتحول الحجر الى انسان ( الى عاشق حين تغلبه البهجة / 128 ) والحديقة هي العياني والملموس في الوجود الذي يجب ان لا نفكر بسواه ( اثمن شيء ان نفكر بالحقيقي ، بالملموس ، بالحديقة / 90 ) وهنا هي الحديقة على المستوى الواقعي بعيدا عن أي تأويل فهي حديقة بيت العاشق قبل غزو الطاغية صدام الى الجارة الكويت لكن هذا الواقعي سيتصاعد الى الاعلى ويجعل السارد يبحث عن الحديقة الام .. والحديقة هي كل ماتبقى من شريط الذكرى ( الحديقة هي كل مايذكر / 75 ) اذن الحديقة هي الحاضنة لوحدة وصراع الاضداد وذلك في اطار الممكن فهي بالاساس ( حديقة الشهوة / 128 ) وفي الحديقة ينشط التخييل فيحدث التماهي بين العاشق وبين تلك المعشوقة وفي هذا الاتصال / التماهي ايماءة ، شفيفة على اتصالية الدائرة ( سافانا ) بالارامي ( العاشق الارامي .. ص 52 ) الذي ماان يغمض عينيه حتى يرى نفسه هناك ( اغمض عيني لاقترب من الحلم اكثر وارى نفسي في نقش مطموس على صخرة عند اطراف الصحراء / ص 110 ) وهنا تكون حاضنة لاتصالية تاريخية ( الارامي ومدينته سافانا ) ... من وحدة وصراع الضدين : الالم / البهجة ، تنهض الفاعلية / الخيميائية للسرد للروائي في تحويل واعادة انتاج والدفاع عن : المغيب / المقموع / المسكوت عنه وتأئيل الفضاء الحر ليمارس الانسان فيه انسانيته بعيدا عن أي الزام وحتى الرواية ذاتها مشمولة بذلك ، ليقرأها ( كل انسان مثلما يحسن ويرى / ص 112 ) .. رواية ( حدائق العاشق ) كتبها المغلوب الواعي لشروط القهر والذي يحاول الاستعانة بالفن والفن وحده للتغلب على وحشية الغالب اذن رواية محمد الاسعد ( هي من النوع الذي تنكره الشعوب المغلوبة لتتغلب على جوانح الابادة ، بأن تخلق لها شبكة حياة خاصة بها ، وسائل عيش وموت ، حية في جدار او مايسمى بالانجليزية ( niche ) توفر لها استمرارية لتناسل وتغير طرق حياتها الانسانية / نص اللاجئ / ص 54 / رواية مخطوطة للشاعر والروائي والمترجم محمد الاسعد ) .





رواية : سنان نطوان ـ مكملات النص
اِعجام
قراءة اتصالية
1- لوحة الغلاف : لو قلبنا الكتاب رأسا على عقب لتغيرت دلالة اللوحة لاصبح الرجل واقفا على قدميه لامتدليا منهما ولاصبحت يداه الى الاعلى وقد تطايرت الورقتان منهما لكن اليدين متدليتان والورقتين ساقطتان منهما بالقوة فحركية الرجل هي حركية قسرية وهي حركية مقلوبة من الاعلى الى الاسفل كان ثمة يدا لامرئية اسقطت الرجل من عل .والجدار الذي سقط منه الرجل يحتوي على كلمات غير متقاطعة منها :في الجرائم ، والقبض ، والتحقيق وصورة قلب تكاد احدى الورقتين تحط عليه وفي اعلى لوحة الغلاف نقرا ( سنان انطوان شاعر وروائي ولد في بغداد عام 1967 عمل مترجما ومدرسا في الولايات المتحدة ويكتب حاليا اطروحة الدكتوراه في الادب العربي في جامعة هارفرد مجموعة شعرية بعنوان موشور مبلل بالحروف نشر العديد من النصوص العربية والاجنبية في وجه الكتاب تحت اسم المؤلف وباللون الاسود " اعجام " وهو عنوان الكتاب بعد فاصلة نقرا وباللون الاسود جنس الكتاب " رواية " وفي قفا الكتاب وفي الفقرة الاولى نقرا " عثر على مخطوطة كتبها احد السجناء خالية تماما من النقاط وقد طلب من احد الرفاق تنقيطها وطبعها على الالة الكاتبة ووجد النص عبارة عن خواطر غير متسلسلة واستذكارات غير منطقية وبذاءات واستخفاف بمقولات الاب القائد وبقيم الحزب والثورة "
اذن الورقتان المسقطتان من يد الرجل المتدلي في لوحة الغلاف المثبتة في وجه الكتاب ترمز الى المخطوطة المعنية.
2- في الصفحة الرابعة سنعرف انها الطبعة الاولى للرواية وهي مطبوعة عام 2004 من قبل دار الاداب / بيروت .
3- في ص136 سيعرف القارئ ان الاحداث تنتهي عام 1989 وفي الاول من ايلول تحديدا
4- لدينا ورقة سائبة بعنوان الهوامش " تبدا بالملاحظة التالية ( ارتاينا وضع هوامش على صفحات مستقلة ليتسنى لكم سحبها ومتابعة النص صفحة بصفحة )
وفيها يثبت المؤلف تغييره على المفردة فالقائد يحولها الى القاعد والبعث يصبح العبث واحيانا يعيد الى التعريف باسم معين مثلا " نيرودا : شاعر عالمي مشهور .. الخ .
1- تبدا الصفحة الخامسة بمقتبس للطاغية " اكتبوا بلا تخوف ولا تردد او تقيد لاحتمالات ن تكون الدولة راضية او غير راضية عما تكتبون ) الرئيس القائد .
نرى من خلال اهتمامنا منذ فترة ليست بالقصيرة بوظيفة المقتبس ان المقتبس هنا يسلّط لا لتقوية النص بل ان النص يسعى لتعرية الوظيفة الاعلامية الزائفة للمقتبس من خلال مجريات الحدث الروائي فالاعلام الصدامي كان يسعى عبر قنوات ديماغوجية ذات ازدواج قيمي فهي تمكيج الوجه القبيح للسلطة الفاشية ومن وجهة ثانية تسعى لمعرفة البعد الجواني للاخر حتى لو كان هذا الاخر ضمن تراتبية فكر السلطة الوحشي من خلال ادعائها بالديقراطية لتنقض عليه .
6 ـ يلي ذلك صفحة بعنوان ( اضاءة ) وهي اضاءتان واحدة تنفي واقعية الشخوص والاحداث ( احداث هذا النص وشخصياته من نسيج الخيال / ص 7 ) ارى ان هذه الاضاءة لكثرة استعمالها اصبحت باهتة الى حد ال..، الاضاءة الثانية تتكون من شقين الشق الاول يتضمن ثلاث مقولات لابن خلدون فحوى المقولة الاولى ان الكتابة ( حافظة على الانسان حاجته ) وثانيا ( مقيدة لها عن النسيان ) وثالثا ( مبلغة ضمائر النفس الى البعيد الغائب ) اما المقولة الثانية فيمكن تلخيصها بما يلي ( هناك حجاب اخر بين الخطر ورسومه في الكتاب ) ( بين الالفاظ والمقولة ) وسبب هذا الحجاب هو ( لان رسوم الكتابة لها دلالة خاصة على الالفاظ المقولة ) ومعرفة الدلالة مشروطة بالشرط التالي ( وما لم تعرف تلك الدلالة تعذرت معرفة العبارة ) تؤكد على ما نسميه الان استجابة القارئ في معرفة الدلالة ( .. لابد من اقتناص تلك المعاني من الفاظها لمعرفة دلالاتها اللغوية عليها وجود الملكة للناظر والا فيعتاص عليه انتقاؤها ) .
يلي ذلك الشق الثاني من الاضاءة وهو معجمي يوقف طويلا لدى مفردة " اعجام " نقلا عن ( لسان العرب لابن منظور ـ مادة ع ج م ) الذي يهمنا هو الكلام التالي ( كتاب معجم اذا اعجمه كاتبه بالنقط ) اذا تعجيم الكتاب تنقيطه .
وجاء في قفا الكتاب ( عثر على مخطوطه كتبها احد السجناء خالية تماما من النقطة وقد طلب من احد الرفاق تنقيطها ) اذآ فاعلية ثريا الرواية اعجام جاءت عليه ازالة الابهام في النص وازالة الابهام هنا هو فعل هتك لعذرية النص ولهذا الهتك اتصاليته التعذيبية الجارية من قبل الجلاد على اجساد المسجونين واعجام النص اشترطته ضرورة جائرة على المؤلف وهو من خلال نصه كان يتحدى ويفضح الجلاد مؤمنا بان للكتابة اتصاليتها مع ( البعيد الغائب ) الذي يعنيه ابن خلدون .. ولمفردة اعجام حين نعود لصفحة الهوامش فهي تعني الاعدام ضمن لغة المخطوطة الايهامية .
7 ـ ومن خلال تجربة شخصية وعائلية مع النظام الفاشي نرى ان الاعدام يمكن اعتباره اعجاما فبعد سنوات من الحجز في سجون الطاغية حيث يحرم المسجون من مواجهة ذويه او من تقديمه لمحكمة تحكم عليه ليعرف السجين ماعليه وما له وليعرف اهله اين هو يجيء خبر اعدام السجين السياسي الذي لا تتعدى جريرته حدود تعاطي حرية جريدة " طريق الشعب " على حد ما جاء في مستند حكم الطاغية والموقع في 5 / 7 / 1983 ، على مجموعة من السياسيين كانت الفاشية الصدامية قد القت القبض عليهم والجريدة تطبع علنية في العراق . ان خبر الاعدام وهو الاشد قساوة على ذوي المساجين قد وضع النقاط على حروف المصير المجهول اذن لقد اعجمت الحروف .
8 ـ على ص10 نقرأ البرقية السرية التالية ( وزارة الداخلية / مديرية الامن العامة / مديرية امن بغداد / 436758ج / م / سري وعاجل .. الى من يهمه الامر / تم العثور على المخطوطة المرفقة ادناه اثناء اجراء الجرد الشامل لكافة الملفات استعدادا للانتقال الى المجمع الجديد وبعد الاطلاع عليها اتضح انها كتبت بدون نقاط الرجاء تكليف احد الرفاق بقراءتها وتنقيطها مع طبعها على الالة الطابعة وتزيدنا بنسختين منها بموعد اقصاه نهاية الشهر الحالي مع الشكر سلفا )
التوقيع
اطلعت عليه بتاريخ 24/8/ 1998 الرجاء تكليف طلال بالمهمة .
اذن الرواية التي سنقراها عبارة عن مخطوطة عثر عليها في زنازين الطاغية وهذا يعني انها مكتوبة من قبل احد المسجنونين وان السجين مايزال يواصل الكتابة ( ساطلب المزيد من الورق نعم .. اريد ان اكتب المزيد .. ص136) والكتابة وحدها التي تخلصه من البعد الاشد قساوة الـ (هناك ) وتعيده الى دفء الـ( هنا ) البيت والصحبة والعشق والحرية (*) في (8) ص 135 ) تنتهي الرواية بفصل بعنون بـ ( ملحق) جاء فيه ( طبقا للتعليمات الواردة في كتابكم رقم ( 234758ج ) بتاريخ 23اب 1989 قمت بالاطلاع على المخطوطة المرقمة ادناه وبتنقيطها وطبعها بالالة الكاتبة ) .
ومن كاتب الملحق نعرف ان صفحة ( الهوامش ) هي ضرورة توضيحية ابتكرها المثقف الماجور لسلطة الطاغية والمدعو ( طلال احمد ) .
9- في الرواية يتدفق زمنان زمن الـ( هنا ) ونعني زمن السجن وهو زمن مغلق / معتم / لزج / دموي وهناك زمن الـ( هناك ) وهو زمن مفتوح / مضاء بالمحبة .
10- مهيمنة الرواية هي غياب الديمقراطية الذي يؤدي ........


الحضور المغيّب في
((يحدث أمس)) للروائي
اسماعيل فهد إسماعيل

قبل الآن .. الى اسماعيل حسين غلوم

اتصالية السياسي
(1)
السياسي المغمور بشعرية قص تميز بها الروائي اسماعيل فهد اسماعيل منذ " كانت السماء زرقاء 1970 " لا " البقعة الداكنة 1965 " عمله الادبي الاول .. السياسي المحدد روائيا بسنة " 1960 " في " يحدث امس " وهي سنة ملتهبة من سنوات ثورتنا الخالدة " 14 تموز 1958 " الثورة التي اجّل الاعداء كل اختلافاتهم ليتفقوا على جعلها ثورة مغدورة عبر القطار الاسود الدموي المسمّى بـ"8 شباط 1963 " . ان الفترة التي اعقبت ثورة "14 تموز " اتسمت للاسف بالاصطراع والاحتراب بين الوان الطيف السياسي .. وقراءتنا الاتصالية ترى " ان النقد الذي لا يحسب حسابا لموقف النص في العالم هو مشروع لا ينتمي للشعوب التي استعمرت من قبل / ادوار سعيد – مفارقة هوية ص 48 .
(2)
اتصالية الروائي اسماعيل فهد اسماعيل بالتاريخ : اتصالية ماركسية "وجدت ان القراءة الماركسية للتاريخ هي الاكثر صوابا من ناحية حركة المجتمع وطبيعة الصراعات وطبيعة داخله او تلك التي تحكم الصراعات الدولية على حد قول الروائي نفسه " ارتحالات كتابية د. مرسل فالح العجمي ص16 رابطة الادباء في الكويت 2001 " اذن فهو روائي كما يفهم من قوله هذا " مثقف ثقافة تقدمية " والنقد لا سواه من " يضع المثقف في العالم ص56 ادوارد سعيد" ذلك لان العمل الجوهري لهذا المثقف ان يتحدث عن السلطة ان حديث المثقف عن السلطة يرتبط بحرية مشروطة لا اعني بذلك شروط الوعي بل بشروط مدى اقترابه او ابتعاد عن سلطة السلطة التي يتحدث عليها او عنها اتصاليا نؤجل ذلك الى نهاية القراءة .
اتصالية العنونة
" يحدث امس – يحدث هذا الصباح – امس كان غدا " يتصل العنوانان الاول والثاني بالفعل المضارع " يحدث " .. في " يحدث امس " .. امس : تجعلنا نرى ان ما يحدث قد حدث بالامس بحكم التصريح " امس" غير ان " يحدث " قابل كفعل مضارع للدلالة على الاستمرارية وعلى المستقبل باستقصاء " امس" ومن هنا فان المفارقة في حدوث الفعل في الزمن الماضي واستمراريته في المستقبل "اجل ما حدث امس يحدث ، اليوم ص262 يحدث امس "
في " يحدث هذا كل صباح – محمود عبد الوهاب " نرى ان الفعل المضارع " يحدث" يفيد للحاضر والمستقبل .
ان اتصالية العنونة تمت عبر الفعل المضارع "يحدث" .. ثمة اتصالية اخرى مزدوجة :
الاولى : اتصالية – ظرفية زمانية "امس" بين "يحدث امس" و "امس كان غدا للقاص والروائي كاظم الاحمدي ".
الثانية : اتصالية موضوع ويمكن تسميتها اتصالية تعاقبية .. ذلك لان "امس كان غدا " تتناول السنوات الاخيرة من عصر الاحتلال البريطاني للعراق ، يمثل ذلك عائلة " مستر فيلمن " عبر اتصالية عقيل مع " عائلة ابي عقيل " الذي يمتهن النجارة لدى مستر "فيلمن" .. تحاول" مسسزفيلمن" اعادة صياغة عقيل من خلال رسمه في لوحة زيتية .. ورواية" امس كان غدا – بغداد 1992 " هي الجزء الاول يليه " نجيمات الظهيرة – بغداد 2001 ويليه " تجاه القلب " لم يطبع بعد وقد اطلعنا عليه شخصيا ضمن من اطلع عليه من ادباء البصرة .. في حين تبدأ " يحدث امس " بعد سقوط الملكية وقيام ثورة تموز 14 يوليو وتحديدا سنة 1960 من هنا نرى اتصالية الموضوع : اتصالية تعاقبية فالرواية الاولى "امس كان غدا " تتناول فترة ما قبل الثورة تعقبها " يحدث امس" لتتناول السنة الثالثة للثورة . علما ان هذه الاتصالية هي اتصالية خارجية تجاورها اتصالية داخلية تمثلها ثلاثية الروائي كاظم الاحمدي "امس كان غدا – نجيمات الظهيرة تجاه القلب " .





اتصالية قومية
(1)
بعد رباعيته الروائية التي كان العراق موضوعها "كانت السماء زرقاء – المستنقعات الضوئية – الحبل – الضفاف الاخرى " كان الروائي مهتما بـ" تصوير التوترات والصراعات الاجتماعية في الستينيات ارتحالات كتابية ص77 " بعدها ينتقل الى الكتابة عن القضية الفلسطينية فيكتب " ملف الحادثة67 " وبعد مجموعته القصصية "الاقفاص واللغة المشتركة 1975" يتناول لبنان الدم المسفوك روائيا "الشياح 1976 " تلك الرواية التي دخلت ضمن التثقيف الذاتي لليسار العربي "قررت الشياح على الكثير من الاحزاب الشيوعية لقراءتها سياسيا 17 – ارتحالات كتابية " ثم وبعد كتابات متنوعة : دراسات - نص مسرحي رواية دراسات عن مسرح سعد الله ونوس، يدخل الروائي اسماعيل الى مصر القرن التاسع عشر عبر بوابة تاريخية كبرى هي كتابات المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي فيتصل التاريخي الذي لدى المؤرخ بالفني الذي يمتلكه الروائي على اثرها يتدفق النيل ثلاثا "البدايات – النواطير – الطعم والرائحة " بعدها مباشرة يكتب "يحدث امس 1989 " لكنها لا تنشر الابعد سباعيته عن غزو الطاغية للجارة دولة الكويت " احداثيات زمن العزلة – 1996 ) فتنشر ( يحدث امس – في عام 1997 – دار المدى دمشق "
(2)
من خلال كل ذلك نلاحظ : ان اتصالية الروائي اسماعيل مع الهم القومي تتم عبر قدراته الفنية وعلى اهمية هذه القدرات ، غهي منبثقة من تجربة قراءة لا من معايشة حياتية باستثناء رباعيته عن العراق فهي رواية منشأ وتجربة عراقية معيشة فالروائي " من ام عراقية واب كويتي ومولود في العراق وكان في البال ايام مطلع الشباب ان اظل هناك .. على حد قول الروائي ذاته ص19 ارتحالات كتابية " في حين كانت " ملف الحادثة 67 " تشكو من برودة التأمل لانها تفتقد حرارة التجربة وهذا الامر ينسحب على الشياح وكذلك الجزء الثالث من ثلاثية النيل .. انها الفروق بين السياحة والمواطنة . في السياحة قد يستغني السائح لكثرة زيارة البلد المعني عن الدليل السياحي وربما يكتب " ريبوتاجا "ناجحا اذا كان صحافيا لكن الكتابة الروائية لاطواف السائح بل ثبات الشجرة في المكان تحتاج وقد يختلف سائحان في معرفة هوية شجرة فهما لم يلدا معها ولم يكبرا في جوارها او تحت ظلالها، وعلى حد قول تلك العجوز البولونية " اسمع ايها السائح .لقد ولدت مع هذه الشجرة كنا طفلتين معا وكبرنا معا وهكذا ترانا الان شائختين –محمود عبد الوهاب- رواية رغوة السحاب ص61 " وعندما يتامل السائح ، يرى ثمة اتصالية تماهي بين الشجرة العجوز " اتنقل بنظراتي بين كف العجوز ناتئة العروق وجذور الشجرة المتصلبة الممسكة بالارض ، التحمت عروق الكف وجذور الشجرة في عيني حتى كانهما انبثقتا معا في زمن واحد وتربة واحدة ص62 رغوة السحاب – محمود عبد الوهاب " لذا نرى كل هذه الروايات ذات الهم القومي باستثناء رباعيته عن العراق وسباعيته عن الكويت وهما منبثقتان من تجربة حياتية طويلة فان الروايات الاخر تمثل " مراكز انتباه " روائية فقط .






اتصالية داخلية

" يحدث امس " تتصل مع رباعيته عن العراق بالوجه التالي
اتصاليات :- كانت السماء زرقاء
1- اتصالية مكان :- ايران " السماء زرقاء " هي الملاذ تحاول مجموعة بشرية الفرار اليها لكنها :- تفشل ..
" يحدث امس " :- ايران منها تنطلق مجموعة بشرية يقودها المهرب " هادي " لكنها تفشل في التسلل الى العراق.. وايران بالنسبة الى " هادي " هي المكان الشريك :- لانشطار حياة بين عائلتيه واحدة في العراق والاخرى في ايران .
2- اتصالية تقنية :- في السماء زرقاء يتناوب الحكي اثنان :- الشخصية الرئيسية وضابط شرطة سابق تصيبه رصاصة في ظهره فتعيقه عن الحركة . " يحدث امس " يتناول الحديث ثلاثة :- المهرب " هادي " وسارق اسلحة " المقاومة الشعبية " :- " حاكم " والعائد الى البصرة بعد غياب سبع سنوات في " الكويت " " سليمان " .
3- مكان الحكي :- عزلة مغلقة :- في " .. السماء .. " يجري الحديث في كوخ منعزل . " يحدث امس " :- زنزانة في مديرية امن البصرة.










إسماعيل فهد عبد الحافظ
خطوة نحو الحلم

قبل الدخول الى النص الروائي ( خطوة نحو الحلم ) تستوقفنا ( المكملات النصية ) التالية والتي يسميها (جيرار جينيت ) ( اهداب النص ) اذن فنحن قبل الدخول الى العين النصية , يستوقفنا ( الاهداء ) واهداءات الروائي ( اسماعيل فهد اسماعيل ) تستحق قراءة نقدية خاصة ( الى عبد الله واحلامه ) فهو اهداء مزدوج القيمة ، اهداء للمرئى / الشخص ( عبد الله يوسف ) واذا توقف المهدي / الروائي بعد ذكر الاسم واسم الاب ( عبد الله يوسف) فان الاهداء لايحتاج تكملة ، لكن عبد الله يوسف ) المرئى / الانسان لايكتمل الا بتميزه عن سواه ، لايكتمل الا – اللامرئى / المقروء من قبل الاخر / الروائي اسماعيل فهد اسماعيل ( احلامه ) وهنا تاخذ الاحلام وظيفة اداة معرفة . اذا كان الاهداء ، بالصيغة التالية ( الى احلام ، عبد الله يوسف ) لاشكل الامر واخذ الاهداء وجهه اخرى واصبح موجه من رجل / الروائي الى امراة معينة .
2) المكملة الثانية ، بعد الاهداء هي (المقدمة ) لكن مقدمة الروائي مغايرة للمقدمات المالوفة فهي غير نثرية ، بل مستلة من قصيدة الشاعر ( سهيل ابراهيم ) حول عاشق يحترق ليضيء ولايحترق وهنا تتداعى ذاكرتي كقارئ الى قصيدة ( مثل كريم ) للشاعر التركي ( ناظم حكمت ) ( اذا انت لم تحترق ...) فالعاشق في قصيدة ( سهيل ابراهيم ) يضيء دون ان يمس / يحترق ( غصنا يابسا في شجرة ) وهو يريد امتلاك الكون بالعشق وحده ( احتل ب---- الفضاء / انثرك على جدران العالم كله ) لكن ارادة العاشق / فردية لا اعانة له حتى من المعشوق / فهو غائب هذا الغياب الاشد قساوة الذي تسبب في هزيمة العاشق ( ليتك شاهدت معي نزف العالم من رقبته / بعد ان قطعوا فيه شريان الحب ) .. القصيدة تكشف عن غياب الاتصال بين الذات والاخر كما تكشف عن تضاد بين الذات والعالم وهو تضاد معرفي يمكن ان يكون وهذا سر عذوبتها ولها وظيفة اخرى في استعمالها كمقدمة فهي تمهد وتنبه القارئ لما سيقراه في الرواية ذاتها . المكملة الثالثة هي ( هوامش ) /عنوان فرعي يتكون من اربع وحدات نثرية الفاصل بينها أي بين الوحدة النثرية والتي تليها ثلاثة نجوم (*** ) .
سنرقم الهوامش لضرورة نقدية ، في الهامش الاول ، العلاقة كالتالي
امراة ـــ رجل / صفة المراة : زوجة صفة الرجل : زوجها .
اذن الاتصالية بينهما : اتصالية شرعية .
طابع العلاقة : سوء فهم تمارسه المراة / الزوجة بحق زوجها ( تظن ..تفهكك .. تتعامل واياك على هذا الاساس) وسوء الفهم ياخذ صيغة سلطة استبدادية / مغلقة تماما ( لاتفهمك ولايمكن ان تتفهمك على الاطلاق )
رد فعل الرجل / الزوج ، يتميز بالثنائية التالية : حرية الاخر لممارسة ( سوء فهمه ) (ان لاتكون جلفاء فتحرمها فرصة ممارسة ذكاءها ) ، حرية الانا في السعي نحو فضاء البديل ولكنه سعي / دون مكاشفة الاخر / الزوجة ( ان تسعى جاهدا وبحذر شديد – لان تتنفس هواءا نقيا )
في الهامش الثاني : يتجسد سعي الزوج وتكون النتيجة كالتالي
امراة ــــ رجل / صفة حبيبة / صفة الرجل / محبوبها
المراة بحكم العرف (رجل متزوج ) تخشى التواصل مع الرجل / الزوج ( لاتملك حق ان تحبك بحجة انك متزوج)
الرجل : لايرى زمنه الا في عين هذه المراة / الحرية ( زمنك في عينيها يتجسد حياة ابداعية ) رد فعله على موقفها: اقناعها بحقها في محبته وما تكرار ( ان تقنعها ) في ( اول ) و ( ثان) الا التاكيد .
المراة / الزوجة في الهامش الاول – والمراة في الهامش تلتقيان بـ( قناعة راسخة ) فاستحواذ المراة الاولى ( بقناعة راسخة ) ، والمراة الثانية عدم احقيتها في حب رجل متزوج بـ( قناعة راسخة ) القناعة الاولى :( قناعة ذاتية / القناعة الثانية : قناعة اللاوعي الجمعي المترسخ في الوعي الفردي لدى المرأة ذاتها . نلاحظ ان الهامشين لهما وظيفة واحدة : الكشف عن تازمات رجولية في الهامش الثالث . اذا كان الرجل في الهامش الاول يسعى ( جاهدا وبحذر شديد لان يتنفس هواء نقيا ) وهذا الحذر يومي الى خيانة زوجية . فان المراة / الزوجة في الهامش الثالث تمارس الوظيفة ذاتها ( تظن .. انها تملك حق ان تقيم علاقة ما .. مشبوهة او خفية عنك حد الشبهة ) واذا كان الرجل / الزوج في الهامش الاول بسبب سوء فهم الزوجة " السعي عن علاقة عاطفية ، فان ذريعة المتزوجة في الهامش الثالث انها مهملة بتعمد ( مشغول عني باهتمامات اجهلها ) في حين هي في حاجة لمن يكرس ذاته ووقته لها ( انسان يمنحني حبه ووقته ) رد فعل الزوج : يقتصر على معرفة البديل ، لمعرفة مدى تفوقه عليه ( ندا لك ) ومن ثم جلد الذات بطريقة موارية ( تبحث عن اقرب مرآة بالحجم الطبيعي، تقف امامها ، تتطلع الى الشخص الثالث تبصق او لاتبصق لافرق )
الهامش الرابع : عودة الى الهامش الثاني لالتكراره بل لتفعيله بالطريقة الصحيحة وبكل اصرار ( ان تدافع بكل وجودك عن وجودك فيها او فيك .. لافرق ) كقارئ ارى ان هذه الهوامش الاربعة اطارات مركبة رواية ( خطوة نحو الحلم ) فمن خلال هذه الهوامش تكون سيرورة الرواية ، وهذه الهوامش تذكرني بتلك اللقطات الممنتجة من الافلام التي تعرضها صالات السينما حين كانت لدينا دور عرض والتي اطلق عليها ( مقدمات ) واذا كانت هذه الهوامش الاربعة في اطار المجرد فان ( هامش اخير ) الموجود بعد نهاية الرواية (123) يحول المجرد الى محسوس الفضاء العلائقي في الرواية منظور له من مشارك فيه مشاركة منفعلة /والاصح مؤطرة زاحفة وعلى حد قول السارد / المشارك / المحور في الفضاء العلائقي ( لايداخلني ايما احساس باني حيوان زاحف /123) ارى ما ان يقوله الهامش الاخير اشبه ما يكون قراءة / رجالية للعلاقات بين الجنسين التي ترى اساءة فهم الحرية الممنوحة ( ويقال ولاعهدة على احد ان الحرية الممنوحة والقدرة على وعي المسؤولية لن تتوفر لهما فرصة الفعل الايجابي الا من خلال مناخ صحي يتضمن علاقات انسانية في مجتمع معين ، والمعين هنا هو مجتمع الكفاية والعدل/123/ خطوة نحو الحلم ) ارى من خلال قراءتي الشخصية لـ95% من نتاج الروائي اسماعيل فهد اسماعيل ان هذه الرواية تحديدا عودة الى الرباعية الاولى تقنية مع التجاوز الاجمل فهي رواية مكثفة شعرية القص ويمكن اعتبارها بعض الشيء ( مسرواية ) لمواكبة الحوار المسرحي لسرد الراوي .



الواقع والميتاواقع
*قراءة اتصالية في ( خرزة زرقاء ) للقاص كريم عبد

*الى القاص كامل فرعون منذ 1996
ما تشظى على مستوى المبنى والمعنى الحكائي في مجموعة القاص كريم عبد بادر القاص ولملمه وجعله خرزة زرقاء لينفخ فيها كل ما لديه من الروح القصصي هذا استقراء وصلنا اليه عبر محاولاتنا القرائية المتكررة لاعادة انتاج الدلالة الادبية .
( خرزة زرقاء ) هي القصة الام لامن ناحية المساحة الكتابية التي تحتلها ( 38) صفحة من ( 97) صفحة بل هي النول الذي يغزل القاص كريم عبد نسيجه القصصي في كافة كل نسيجه القصصي عليه . والقاص ذاته يعني هذا الامر ودليلنا على ذلك جعلها تشغل من ناحية العنوان موقعين مواقع خاص فهي عنوان قصة موجودة ضمن المجموعة وهو من العناوين الاشتقاقية أي المشتقة من السياق القصصي كما انها العنوان الرئيسي للمجموعة القصصية . لقد راى القاص فيها المهيمنة " الاشد سطوعا والاقوى استجابة للعنونة " 1"تنمو القصة على مستويين مستوى ظاهراتي ومستوى جواني ونقصد بالظاهراتي الابعاد الواقعية للقصة اما الجواني هو ذلك الخيط الخفي الذي يخترق حيوات الشخوص الكافة والمرموز اليه بالخرزة الزرقاء فانه يغني القصة ويوسع في فضائها ويسبغ على الواقع المعيش سحرية عذبة ويكون ذلك عبر شاعرية السرد السحرية" تغني شاعرية السرد وتعزز فنية المغزى وتساعد في عملية ادراك الواقع ويرتفع مستوى متطلبات التلقي بالنسبة الى القارئ "2"
تقسم قصة " خرزة زرقاء " مع سائر قصص المجموعة شعرية الفضاء :/حدائق / عصافير / بساتين ..الخ وتتماثل معها في بنية غياب الرجولة وتازم الشخصية الرئيسية في القصة تازم يحيل غياب شخصية ما الى استحضارها من خلال الشخصية الحاضرة مما يؤدي في النهاية تغّيب الشخصية الحاضرة المسودة بنية بياض الورقة وهيمنة الشخصية الغائبة لاعلى الشخصية الحاضرة وحسب بل على ذاكرة المتلقي ايضا فهو يمسك على الشخصية المغيبة التي تغمر الشخصية الحاضرة بالتماهي بقوة حضورها الفاعل . يتضح ذلك بصورة جلية في " قهوة الحب المرة " فالمراة اشد واسطع حضورا من الرجل( ما يجعلني مغمورا في تيه اللحظة هو انني لحد الان احبو في ممرات اليوم الاول ، ممرات البساتين التي في ظلالك احبو ) صـ54 ( ماذا اجد في الغياب غياب ظلالها الممتدة دهورا غيابها بين الرقص والضحك لمسة يديها الحارتين صـ55 ) ان ثنائية الذكر والانثى في القصص كافة ثنائية مضطربة ناقصة مبتورة مرتبكة لفظا ومعنى فالرجل بدل ان يقول للجارة " دخيل عيونك " قال " دخلت عيونك " صـ7/ قلق وعصافير وضحك" وكذا الحال في" حياة فوتوغرافية " ( حين دخل الشاب الذي بدا خجولا مرتبكا) ص12 ويتكرر الامر في (ثلاثية لشخص مشابه ) " اردت ان اقول لها شيئا لكنني لم التفت شعرت بانني وحدي كنت حزينا وفكرت ان هذا افضل ظللت امشي بهدوء ولكن لااعرف الى اين " ص18 او نراه محتدمحد الانفقجار والقتل " في بيت قديم" و"يحدث في البساتين" اما اذا كان الانسان سويا فان الموت يجيئه كعبث وجودي " في دمشق تحت التراب " بنية الغياب / تازم العلاقة بين الجنسين / ارتباكات الرجل / الطبيعة الخلابة/خضرة وعصافير / احباطات الانثى وووكل هذه الثيمات تتجلى بوضوح جميل في قصة " خرزة زرقاء " كأن المجموعة القصصية ( في معظم ما قدمته هي قصة هذا العنوان )
المهيمنة الاساسية في قصة " خرزة زرقاء " هي الثنائية الجانحة الثنائية غير المتكافئة بين الطرفين يستهلها الراوي بالتناقض المكاني بين الخضرة واليباس بين اجنحة الحلم وقيود الضرورة بين قوانين التمدن والعمران القاسية وبين سيولة الخضرة المنتشرة في افق مفتوح " لكن حدائق المدينة تحلم ان تتسع ان يملائها العشاق فتتسع تنفتح على بعضها وتتداخل فتصبح المدينة كلها حديقةفسيحة حديقة مليئة ..... غير ان المدينة لاتصبح حديقة تظل مدينة كلها هي بضجيجها وانكاراتها ايامها في حين تظل الحدائق المتباعدة متباعدة / 59-60 خرزة زرقاء ) كانه صراع الاضداد وهو صراع يذكرنا ولو من بعيد بطريقة ايحائية بالفرق بين المدينة والقرية اليست الحدائق بقايا فلول القرى بعد استسلامها امام زحف المدن ؟ الا نرى في الحدائق قرى اصطناعية نحاول من خلالها تجميل وجه المدينة والتخفيف من جهامتها ؟ عبر الحدائق نفتح ثغرات في اسوار المدن وحواجزها الداخلية المتكاثرة ونستجلب هدوءا مزقته المدينة بعواءها الميكانيكي واعلاناتها الضوئية ووسائل اعلامها لذا لابد ان نعكس الامر على العلاقات الانسانية بكل اضطراباته ( يحدث ان يذهب عاشقان لامراة واحدة ولايجدانها ويحدث ان تنتظر عاشقات كثيرات على رصيف واحد دون ان يمر احد / ص9 خرزة زرقاء ) هذه المدن على قرويتها استطاعت بتاثير عوامل عديدة موضوع – ذاتية ان تحقق في الامكنة والانسان " الانفصال من خلال التسليم " وتمضي قدما في نهجها هذا وجعلت فيها عرضة لشروط اجتماعية هي الاشد قساوة : هيأت له العمل لامن اجل تهذيب حواسه الخمس وتحقيق شخصيته الانسانية عبر العمل بل هي سعت جاهدة ومن خلال العمل الى تحويل الانسان الى قرد مقيد فهو –الانسان- بدل من ان يرتبط بالاشياء لذاتها فعل التسامي الجميل جعلوه ينظر الى الاشياء فقط من خلال منظور الاستخدام الذي قد تخصص له على حد قول ريتشارد شاخت انها باختصار سلبت الانسان كل انسانيته لترمي اليه مالايكاد يسد الرمق واذا تكرمت عليه فان اقصى كرمها سرير لشخص واحد ( الامر الذي يجعل الفتاة سهلة القياد للاجواء التي ترضي الغرائز وتشجعها / ص83 خرزة زرقاء )
هيفاء / شيرين : شخصيتان رئيسيتان في قصة (خرزة... ) وكل الشخوص الاخرى يوظفها القاص لتعميق معرفتنا بالفتاتين . شيرين : مهندسة تعيش مع امها لها اخ صغير فقط ابوها يعيش مع زوجته الثانية بعد ان طلق امها تعيش حياة نمطية مالوفة حسبها من الحياة السطح . حلم واحد يختزل كل امانيها : نوالها الخلاص الشرعي الذي ينقذها من احباطات العنوسة ( انها تريد ان تتزوج ان قلبها يكاد يتيبس ) ص65خرزة . وشيرين لاتتذكر من الماضي الا ما يخص جسدها فالجسد هو الذي يفكر لاالعقل ص72 ويحدث ذات مرة اخرى حين ترى مراقب العمل فيتداعى جسدها الى ذكرى جامعية "ص76" ومن شدة مكابدتها من العزلة تعزي روحها بالازدحام وترى فيه كل البهجة ص90 وحين يساورها الشك بوجود شخص مع امها لاتبادر وتقتحم الغرفة بل نراها تكشف عن رغبة مرضية اقرب ماتكون للتلصلصية " وجود رجل وامراة في هدوء بيت خال اثار لديها رغبة خفيفة في التامل كانت تود لو انها تشرف على المشهد دون ان تكون لها علاقة مباشرة بالمراة المغمورة الان في حالة لاتعرف شيرين طبيعتها /ص68 خرزة " وحين تكاشفها هيفاء عن محاولات المهندس معها نراها تغار على هيفاء من المهندس " وبقدر حبها لهذه التفاصيل لم تستطيع شيرين ان تخفي بعض التعابير التي توحي كانها تغار من المهندس على صاحبتها ان رغبة شيرين بفتح ازرار قميص هيفاء وجدت تعويضا فيما ترتديه هي كانت ترتدي قميصا فضفاضا يكشف فخذيها وجزءا من لباسها الداخلي الابيض / ص83 خرزة . يمكن اعتبار شيرين امراة متمحورة على رغبتهاالجنسية فهي لاتنظر للحياة الا من خلال جسدها بما يحقق لها تلك الرغبة لكنه تحقيق بالنسبة لها مشروط بالاعراف والتقاليد الراسخة : الزواج " انها تريد ان تتزوج ان قلبها يكاد يتيبس 65"
خلافا لشيرين نرى هيفاء تريد .. لكن لاضير ان كاد ذلك بالزواج او من خلال علاقة جنسية محض فهي لاتفكر بامر خارج رغبتها تلك ولايهمها من الطرف المشارك مشاعره الخاصة فهي حسبها من سليم " بلل شفته ورائحة جسده التي تذكرها برائحة العشب مبتل /ص65 " رغم انها ( تعرف بان قلبه مهشم في حب ما لكنها لم تساله عن ذلك كل ما يهمها هو بلل شفتيه ...65 " وسليم (صديقها الثاني دون ان تحدث شيرين بالامر /ص65 وهي بهذا تكشف عن موقف احترازي مبالغ فيه خلافا لانفتاح شيرين معها بخصوص حسام ص63 ولـهيفاء نظرة سطحية بخصوص عدم زواج الرجال " ان الرجال هذه الايام لا يتزوجون اما هم او معقدون او ان ازمة السكن تحول دون رغباتهم /ص65 " انما تحس الازمة لكنها تنسى او تتناسى وربما غير واعية بالمرة للتناقض الحاد بين انوثتها المتفجرة والرجولة المخنوقة بسبب عوامل اجتماعية. ان تدني الوعي الاجتماعي لدى هيفاء رغم انها كمهندسة ينضدها التركيب الطبقي للبلدان النامية ضمن فئة المثقفين كأمية سترت عورتها بشهادة جامعية جعلها لاتعي ان صيرورة الانسان تشترط تفتح وجدانه الشخصي وانفتاحه على الماساة الجماعية ومن خلال ذلك يصل الانسان رجلا كان او امراة الى التفرد ( فان من حق الرجولة ومن واجبها معا ان تناضل لتكتسب الصفة الشرعية وليعترف بها الاخرون ) 6 اما طريق تحقيق الانواثة لن يتم عبر فعل جماعي واع والتفرد يجئ حين تعي المراة انها كغيرها ولن يتاح لها الا ان تكون يوم يتاح لغيرها ان يحققن ذواتهن ) 7 حين يتودد اليها المهندس المسؤول تزن الامور بعقل تجاري ( المشروع بدا غير عملي لاسيما وهي في دائرة شغلها والاعجاب ياتي من رجل متزوج رغم انه مايزال شابا ومغريا /78" ان تقوم بتتجير عواطفها انها امراة سهلة ( لم تكن ثمة عقبات في دواخل هيفاء تحتاج الى التجاوز 87) لكنها عندما تختلي بنفسهافانها تتجرد من الملابس والافكار وتفكر بجسدها " كانت تتحسس نهديها بلذة واستغراب ودت لو ان المهندس معها الان /79 " وهيفاء متقلبة المزاج ( في اليوم الثاني كان عليها ان تنسى ماحدث لانها غير مهياة لعلاقة كهذه صحيح ان الجو بدا مغريا لكنها تعرف بان الامور ليست سهلة الى هذا الحد /79) واذا كنا نعرف بعض تفاصيل حياة شيرين خارج الدائرة فاننا كقراء لانتعرف على هيفاء في بيتها بل في امكنة اخرى وعلاقتها مع بيوت الاخرين مرتبطة بالجنس : بيت سليم ص65 بيت شيرين ص83 . عندما تقول هيفاء " الرجال اما معقدون او ازمة السكن تحول دون رغباتهم /65 ) او حين تقول هيفاء " ان الرجال مشغولون بشيء اخر غير النساء الله اعلم ما هو ) ص 97 نرى شيرين تضحك وتقول اكيد انه سوء الحظ اليس كذلك ؟) تسالها هيفاء : سوء حظنا ام سوء حظهم ) تجيب شيرين : سوء حظ الطرفين /97 انهما تحسان بالازمة وتكابدان من قساوتها ولكنهما لاتعيبان شروط المشكل وكيفية التجاوز انهما تحاولان تحقيق انوثتهما عبر الاندماج برجولة سوية لكنهما لاتتعطافان مع مكابدات هذه الرجولة المخنوقة المستلبة حد التشيؤ بفعل عوامل تعمد القاص اخفاءها معتمدا على استجابة القارئ الند للمؤلف بالعمل في ملء بينية البياض التي خصصها القاص لنشاط القارئ التاويلي ( والكاتب يتجنب النزعة الوعظية ويؤكد الشعرية فيتحدى بذلك الفعالية العقلية للقارئ " اجهاد مركز الخيال وقدرة التخيل وتعامل واع مع اللغة وصورها ) 8 . كيف يعي الانسان دون ان يحس ومن اين ياتي الاحساس للانسان لايمتلك قوة الانتباه لحركية الحياة من خلال ظهور واختفاء الاشياء ذلك مايومي اليه القاص من خلال المستوى الجواني للقصة اعنى ظهور واختفاء الاشياء ذلك مايومي اليه القاص من خلال المستوى الجواني للقصة اعنى ظهور واختفاء الخرزة الزرقاء وبين المستوى الجواني السحري للقصة والمستوى البراني الواقعي حد فاصل غير مرئي لكنه محسوس فالعلاقة بين الحيوان والانسان لاتجري ضمن بنية حكائية حيث يتقن الانسان منطق الطير ويتقن الطير لغات الانسان في خرزة زرقاء يتوازى الواقعي مع السحري ويستمران في التوازي حتى النهاية والخرزة كرمز( له فنية خاصة وتحرك خاص في علاقته بالرموز فهو مرتبط به بعلاقة عضوية ويتحرك واياه في اطار هذه العلاقة على مستوى واحد ) 9 ظهور الخرزة واختفاءها لايثير لدى الشخوص أي تساؤل ؟ خوف ؟ قلق ؟ استفسار؟ والراوي في القصة يمارس كل برودة الحياة الموضوعي مكتفيا بالرصد اما مشاعر الشخوص لحظة ظهور الخرزة واختفاءها فالامر لايعنيه البتة كما لايعنيه امر المروي له الراوي يترك المروي له مع الخرزة يوقت ظهورها وما يصاحب هذا الظهور من متغيرات فيلاحظ ثمة تزامن بين حضور العصفورة وحضور الخرزة كما يلاحظ المروي له والمقصود هنا بالضبط الذي يمتلك درجة عالية من جمالية التلقي اعني القارئ الند للمولف 10 ان عدم الانتباه للخرزة يماثل عدم الانتباه للفتاتين وضمن المستوى الجواني السحري يوسع من فضاء القص المتازم على المستوى البراني الواقعي الرتيب اذ وحده عنصر الخيال من يخفف من قساوة الواقع المعيش ويدس في صلابته مرونة المطاط ليجعله قابلا للاتساع والعمق وضمن هذا المستوى تنمو القصة على الصعيد الحكائي دون ان تترك اثرا سلبيا يعيق التصعيد القصصي وتوظيفه للعصفورة يذكرنا بنوع من الحكايات يصنفها كاظم سعد الدينبـ( حكاية حيوانات تخالط البشر وتعينه وتكلمه وترشده ) 11 لكن القاص كريم عبد مارس انزياحا جماليا في المجال بين عالم النص وعالم قراءته بين افق التوقع فهو وان كان ينقل لنا احاسيس العصفورة وتساؤلاتها لكنه لم يوسع في قدراتها كما هو الحال في الحكاية الشعبية بل ابقاها عصفورة ( لاتعرف بمثل هذه التفاصيل /ص95) العصفورة ترى ابعد من الانسان لكن الانسان وحده من يغني رؤيته المحدودة بـ ( لانهائية المعرفة وهذا امتيازه الانساني على كافة الكائنات الحية وهكذا نرى ان القاص كريم عبد اجرى تغيرا في افق التوقع من خلال الانزياح الجمالي الحاصل بين عالم النص وعالم قراءته ) اعني المسافة حسب مصطلح ياوس بين افق التوقع الموجود من قبل والعمل الجديد الذي يمكن ان يؤدي تلقيه الى تغير في الافق horizontwandel)) 12 واذا تطرقنا الى التأويل ضمن السياق الحكائي يمكن ان نرى في العصفورة فتاة مسوخة بفعل سحر اسود كما هو الحال في حكايات الليالي الالف وتاويلنا هذا يستند على المسكوت عنه في النص من المؤكد اننا في قراءتنا المغلوطة لقصة ( خرزة زرقاء ) misreading) ) اعتمادا على ماتثيره القصة فينا من استجابات خرجنا عن مقصد المؤلف وحفرنا في القصة طموحا منا في الوصول الى مقصد القصة ذاتها وعيا منا ان القصة الحداثية لاتتم عملها الا بشكل غير تام وان حق المؤلف لايتعدى حدود الكلمات المنضدة قصصيا والمقدمة للقراء لياخذوا حصصهم المتباينة من المعنى

ظلت العصافير اول المساء تفتش عن خرزة زرقاء بين الاعشاب وتحت المصاطب الكثيرة المتباعدة /ص61 . طارت العصفورة .. ظلت تحوم حول راس الفتاتين. وهي تسمع نبض بشك اوضح تشعر احيانا وكانها تنبض في قلبها واحيانا تسمعها تنبض في عش ما على احدى الاشجار الحديقة لكن بحثها دائما يذهب سدى / ص95 سمعت العصفورة الخرزة الزرقاء تنبض بصوت خافت داخل البيت ماوراء النافذة التي اغلقت /62 . هذه الخرزة كما يتناهى الى سمع العصفورة تنبض احيانا في هذا القصر الخالي / ص95


كما تظهر الخرزة لشيرين بالشكل التالي
مرة تحس بها تحت وسادتها سمعت شيئا ينبض تحت الوسادة حين رفعتها شاهدت خرزة زرقاء وارادت ان تمسكها لكن الخرزة اختفت / 64 ) وثانية تظهر لها عندما كانت تعتلي الدرج سمعت نبضا ما في جزدانها وحين فتحته وجدت الخرزة الزرقاء وسرعان ما مدت يدها لكنها لم تمسك سوى المفتاح /71 ) وفي المرة الثالثة لاتراها مخبوءة كما جرى في المرتين السالفتين ولا تراها لوحدها لقد مسخت مسبحة الرجل دون معرفتنا باسباب المسخ :_( اطفا الرجل سيجارته واخرج مسبحة بخرز ازرق بدت لها الخرزات وكانها تتطلع الى كل الاتجاهات ص65 ) والاصح انه تهيؤ حدث لشيرين بسبب التداعي الصوري خرزة / خرزات زرق . لكن هناك من يزهد لا بخرزة بل بمسبحة كاملة كما فعل رجل القصر فهو عندما تخلى عن المسبحة تخلص من ضيقه ومن التصحر الزاحف على روحه واكتسب تالقا باذخا ( اخرج الرجل من جيبه مسبحة بخرز ازرق وبدا يسبح بها خرز زرق كبير الى حد ما سقطت المسبيحة من يد الرجل الى تحت المصطبة وضع الرجل اصابعه على عينيه وبدا يفركها بهدوء عندما فتح الرجل عينيه بدت له الحديقة محتشدة بالزهور والاشجار كانت الخضرة تشع تشع في روحه/ ص85) ورغم وحدته لكنه ( كان يبدو وكانه ليس وحيدا انه يحدث نفسه احيانا شعر الرجل وكان كومة مسامير صغيرة قذفت من خارج الحديقة وسقطت وراءه لكنه لم يلتفت ......، انحنى يقطف بعض الورود واغصان الاس جمعها في يده حتى بدت وكانها مرتبة لكي تهدى لاحد / ص86 ) اما المسبحة فان ( الرجل لم ينحن ليلتقطها ثانية / ص87 ) وهذا يعني ان الرجل لم يضيع المسبحة او انه نسيها تخلى عنها بعد تجربة مريرة اما المسبحة فقد مسخت بعد ان علقتها العصفورة الى الف عين محملقة تحولت الخرزات الزرق الى عيون عيون مفتوحة ترمش احيانا عيون تحملق في جميع الاشياء التي حولها / ص87 ) خلافا لذلك كان تحول الخرز في حقيبة شيرين ( وجدت الخرزة الزرقاء وسرعان ما مدت يدها لكنها لم تمسك سوى المفتاح / 71 ") الا نرى في تباين تحول الخرزة لدى كل من شيرين والرجل او شيرين والموظف ( ص67) اختلاف في وظيفة العلامة دلاليا بسبب العلاقة القائمة بين العلاقة من ناحية خواصها الدلالية السيميائية ومن الملاحظ ان الخرزة لم تخص ( هيفاء ) بظهور خاص بل ظهرت لها وهي في معية شيرين أي كانها ظهرت لشيرين على مرآى هيفاء ومكان الظهور في كلتا الحالتين مكان عام : حديقة ص73 ،ص97) كما لم تظهر لام شيرين التي سلبها الطلاق زوجها واستلب مشاعرها الانسانية هل يكمن السبب في انها ( لم تعد تكن للرجال ايا مشاعر خاصة حتى الحاح الرغبات كان ينمو ويتفتت في نفس اللحظة هشة اصبحت مشاعرها / ص88 -89 ) أي انها اصبحت جاذبية العلاقة بين الطرفين ولم تظهر لاخيها الصغير رغم ما يمتاز به فكر الطفل من احيائية كما يؤكد بياجة في بحوثه اذ ( لايوجد عند الطفل خط فاصل واضح بين ماهو جامد وما هو حي فما يعيش يمتلك حياة قريبة من حياتنا . واذا نحن لم نفهم ما تقوله لنا الصخور والاشجار والحيوانات كذلك لاننا لسنا في انسجام معها بشكل كاف . اما الطفل الذي يبحث عن فهم للعالم فيبدو منطقيا ان يامل بجواب من جانب هذه الاشياء التي توقظ فضوله /ص70 ) لكن الاخ الصغير لايشكو من ثنائية مضطربة اذ ان شيرين توليه اهتماما خاصا تحاول من خلاله ان تعوضه عن غياب الاب واهمال الام المشغولة بمتعتها الخاصة اما هيفاء فلا تخصها الخرزة بظهور لانها ليست المعنية بالامر فهي لديها اكثر من علاقة واحدة ص65 ولم تظهر الخرزة للمهندس المسؤول رغم انشغاله بـ(هيفاء ) فهو يريدها كما تريد هي من الاخرين :( في البيت مستلقية على الفراش شعرت وكانها ماتزال في السادسة عشرة كانت تتحسس نهديها بلذة واستغراب ودت لو ان المهندس معها الان / 79) .
لنحاول الان تفكيك الخرزة الزرقاء : تثير مفردة خرزة لدى الصغار رغبة في اللعب وحين يقول القاص خرزة فاننا نرسم في مخيلتنا شكلا هندسيا معروفا لكنه من ناحية العنونة لم يكتف بذلك وعيا منه ان كلمة ( خرزة لوحدها نكرة وقول النكرة وعدم القول سواء فـ( الكلمة المفردة لاتكتسب معناها الا من جملة العلائق التي تربطها بغيرها من الكلمات ) لذا يعمد القاص الى ربطها بعلاقة حضور من خلال مجاورتها لكلمة تالية : زرقاء . وهنا سيستقيم المعنى والمبنى لكن الطريف بالامر ان المعنى المكتمل الان يعود الى الاكتفاء بالمفردة : خرزة . على مستوى الكلام في قولنا : فلان عنده خرزة ) فاننا نجرده من قدراته البشرية ونجعله عالة على قوى غيبية ويحمل قولنا ( فلان عنده خرزة ) سيميائياً اكثر من دلالة منها القوة ومنها الاستهانة ويكون ذلك ضمن الخواص الدلالية – السينمائية للخرزة . على مستوى المفاهيم الغيبية الخرزة مسكونة بقوى خفية ويمكن من خلال طقوس سحرية معينة تسخيرها لشخص معين أي انها بحاجة الى قوة عالية القدرة وهذه القدرة لاتتوفر الا لشخص بدائي التفكير او قريب او محايث لهذا الفكر والراي والراوي لايرشح لهذه المهمة الفلاح فهو الحائز الوحيد على الشرط الاساس اولا : لعلاقته المباشرة مع الارض : الفلاحة وثانيا لعلاقته الحميمة بالمعتقدات السحرية( الفلاح كما تقول العصفورة ربما يعثر ذات يوم على الخرزة الزرقاء دون ان يعلم احد بذلك فهذه الخرزة تنبض احيانا هنا في هذا القصر الخالي / ص95 ) وعلى الصعيد الواقعي ان الراوي يرشح الفلاح للامر لاهتمامه بالسيدة :) الفلاح .. لم يعد يات ... لان السيدة لم تعد موجودة الفلاح مهتم بالسيدة اكثر من زوجها كانت عيونه تلمع وهو يتطلع كلما تسنة له ذلك الى النور المشع من اعلى ثدييها خاصة عندما تنحني / ص95 ) وهذا الترشيح لا يخلو من انحياز الطبقى من لدن القاص ذاته على المستوى السيميائي : الخرزة علامة والعلامة على حد قول جارلس بيرسي " شيء ما يحل محل شيء اخر غير موجود وقد لايوجد " والخرزة من خلال استقراءنا لباطن النص هي المكبوت المنشود الذي تعامل القاص كريم عبد معه بغموض شعري مكتفيا برصد تنقلات الخرزة دون نقل مشاعر الشخوص وعيا منه ان الافصاح عن تلك المشاعر يتسبب في افساد لذة القصة تاركا القارئ لفعالية استجابته ولوعيه الجمعي في هذا الخصوص ولان الخرزة ليست كينونة بل ترابط بين الدال والمدلول اذن مهمتها كعلامة تتجاوز ايضاح المفهوم .

كينونة المتواري
في رواية عطر التفاح

نتناول رواية ارادة الجبوري ( عطر التفاح ) لا لنتقاطع معها او لننفيها نتناول الرواية باجراء فهم معين لنضيء بنيتها الدالة لنتحاور معها كاشفين عن خصوصيتها المتخفية في باطن النص وعيا منا ان حركية النص لن تكون سياقها الدلالي والامر لايخلو من تفاوت بين النص والقارئ بسبب تباين الاثر لدى كل من الاثنين : المؤلف والقارئ الذي يتعامل مع النص على وفق استجابته بكل ما تمتلك هذه الاستجابة من ذخيرة في الذوق والمعرفة والمثاقفة ومن جهة اخرى ان طرفي المعادلة اعني المؤلف ولا اعني القارئ العادي بل القارئ المعيد انتاج النص بما لديه من امكانات اجرائية في القراءة توازي امكانات المؤلف بل احيانا تتفوق عليه
بهذه الطريقة يدخل القارئ في علاقة جوانية مع صيرورة النص ليشارك فعليا في انتاج فائض قيمة المعنى ضمن نسيج المسكوت عنه لامستهلكا سلبيا مستعملا لذة النص اداة جريمة لقتل الوقت من خلال خبرتها القصصية ( شجرة الامنيات )، مجموعة قصصية 1990 / دار الشؤون الثقافية ، و "( غبار المدن )/ قصص 1993 / دار الامد ، ارادة الجبوري تعي ان في النصوص الحديثة لم تعد الحدود التقليدية في بنية النص واضحة كما اختفت التراتيبية الصارمة وتنضيد الحقل الدلالي واختفى هو الاخر ولم تعد هناك قواعد مشتركة بل اضحى التداخل والتشابك من اهم سمات حداثة النص . الدلالات تتخفى وعلينا ان نقص اثرها ، علنا نصل اليها ، وما ان نصل حتى تمارس علينا غواية خفائها وتجليها وهكذا سيكون علينا لارؤيتها في بروزها وتغورها . قصدية الخفاء من اهم سمات ( عطر التفاح ) وكذلك الابهام والتشويش على استجابة القارئ عبر استفزاز ذائقته بتمظهر النص في الفوضى وهنا يكمن البعد الجمالي ( الجمالي مكمنه النسيج الصافي الشفاف حتى الخفاء واللاحضور او حتى الابهام بالنظام او بالعفوية ) كما تؤكد يمنى العيد / معرفة النص من خلال محاولتنا اعادة الانتاج . نرى ان ( عطر التفاح) : نص روائي متكتم يتستر على ثيمته الرئيسة يوصل عبر مسالك جوانية الى القارئ شفراته : احلام كوابيس / هذيانات / توظيفات ميثلوجية (حيث يغير النص طرائفه من اجل اقتياد المادة الحكائية الى الغايات التي يريدها ) روبرت شولز / السيمياء والتاويل /190-91 . الاحاسيس في ( عطر التفاح ) لاتتدفق كسيل ولاتعلو كنبات طبيعي بل هي تجري متساوقة ضمن شروط الضرورة الروائية بهذه الطريقة الناجعة ارادة الجبوري ، تدحض ستراتيجية القراءة الذكورية المالوفة للنصوص المكتوبة بقلم المراة . ليس بالاحاسيس الثرية وحدها ينال النتاج المكتوب بقلم المراة تاشيرة الدخول الى عالم الرواية كما يؤكد للاسف ناقد كبير مثل جورج طرابيشي في معرض تناوله لرواية نوال السعداوي ( أمرتان في امرأة ): ( الاحاسيس الثرية في رواية نسائية تغني غناء البناء في الرواية التي اورثناها اياها نحن الرجال ) . " اتعرف ؟ ان اكثر ما يثير متعتي هو الاشكال الهندسية : الخطوط .. النقاط المتبعثرة في الفضاء ، تشكل منها ما تريد ، ربما نشترك انت وانا في هذا . اخبرني مرة عن ولعك بالفراغات الموجودة بين الكلمات والرقم وكيف يعشق خيالك مكان كلمة او كسرة او رقم او لوح .. اليس كذلك ) ص55 الرواية .. نسحب هذه الاسطر من سياقها الدلالي داخل النص مستعينين بسيميائية فلاديمير كريزنسكي التعاقبية لننضدها ضمن ( الماخارج النص ) فالاسطر يمكن تاويلها دعوة مهذبة غير مباشرة لمشاركتنا كـ( انداد للمؤلف ) في انتاج فائض قيمة المعنى ( واذا لم يكن ذلك ممكنا فالى أي مدى يحق للقارئ ان يتدخل في فراغات النص ) على حد قول استاذنا القاص محمود عبد الوهاب / انداد المؤلف / مخطوطة محاضرة القاها القاص/ اتحاد ادباء البصرة /ايلول /1995 . كلمة عطر وحدها لاتفي بالغرض حتى وان كانت معرفة : العطر : أي عطر هو المعنى هنا ؟ نحن في بداية الرواية نستروح روائح متفاوتة : ( يعبق البيت بالمعقمات المرشوشة في كل جانب ، رائحة ملمع الاخشاب الممزوجة برائحة مبيد الحشرات .. رائحة مكيف الجو والبخور وعطرها ) ص5 الرواية .. كما ان مفردة ( التفاح )لوحدها مفردة مطفاة لاتضيء حيزا في السابق الدلالي لانعدام القرائن لها ضمن النص وكذا الحال سيكون مع ( عطر التفاح ) جملة لافائدة منها ولاتحتوي على اية شحنة تاويلية داخل الرواية . اما قولنا ( عطر التفاح ) المتكونة من المضاف والمضاف اليه فيجوز حملها من ناحية المعنى على الحقيقة كما يجوز حملها على المجاز وكذلك هي الكناية ابن الاثير في المثل السائر ص248 حيث يقول ( حد الكتابة الجامع لها هو انها كل لفظة دلت على معنى يجوز حمله على جانب الحقيقة والمجاز بوصفه جامعا بين الحقيقة والمجاز). القارئ لايمكنه تفريغ الكتابة، الكتابة المكونة من المضاف والمضاف اليه من شحنتها العاطفية الا بعد ان يقوم بانتاج فائض قيمة المعنى وهذا لايتم عبر غرف الطابق الارضي بل بعد وصوله الى السلم والصعود الى غرفة التفاح بالذات فهناك سيتم بطريقة الية تفكيك جزء من شفرة العنوان فهو ( بنية افتقار يغتني بما يتصل به من قصة او رواية ويؤلف معها وحدة على المستوى الدلالي ) كما يؤكد القاص محمود عبد الوهاب / ثريا النص . اثناء توغلنا عموديا ضمن الحقل السردي تتكشف لنا مفارقة العنوان بكل وضوح وهي واحدة من المفارقات التي تتشظى من قنابل الحروب فاثناء مسخها للوجود لاتنسى مسخ مفردات اللغة تنجز التفارق بين الدال والمدلول بتفريغ المفردات من دلالتها الجميلة الموحية وتحقنها باستراتيجيتها الحربية متعاملة معها كجزء من اليتها العسكرية ( عطر التفاح ) هنا جملة مفرغة من محتواها او ما توحي اليه ومعباة بضربة كيميائية تجعلنا ناخذ حذرنا متعوذين بالاماكن المحصنة من شرورها ( فصل غرفة التفاح )ص16 . من نافل القول ان ( عطر التفاح ) كناية اما نوع الكناية ونحن نقصد عطر التفاح = ضربة كيميائية فان نوع الكناية هو باب التعمية او التغطية كما يؤكد المبرد في الجزء الثاني من كتابه الكامل ص290 . بهذا تكون ارادة الجبوري قد فرغت "( عطر التفاح ) ككناية تحمل دلالات عاطفية من مجازها المتعارف عليه أي ازاحتها والازاحة هنا بينة جدا فـ( العنوان التأويلي بدأ يزيح العنوان الجمالي ويحل محله ) القاص محمود عبد الوهاب / ثريا النص . واذا اردنا البحث عن المعنى المالوف للكناية في ( عطر التفاح ) أي الشحنة العاطفية لدى الشخوص فهي مغيبة او شاحبة او ممسوخة :
• الاخت الارملة : تتماهى في ذكرى زوجها الشهيد .
• اخوها المدرس : متهم بغواية احدى تلميذاته وهو اتهام – من سياق الرواية – باطل وتلك هي الثيمة الرئيسة للرواية وقد حدث ذلك في الماضي ولكن التهمة حتى بعد بطلانها مايزال اثرها يتوقد في روحه حد التأكل . مريم، او حنين كما تحب ان تسمى فقد اصابها المجتمع بانفصام عقلي وهي هاربة من مشفى امراض عقلية قاصدة بيت يوسف .
يوسف : مرتجى مريم المؤجل جار المدرس / متزوج ، عسكري في الجبهة نتعرف عليه من خلال مخيلة مريم لامن خلال جيرته للمدرس او اخته الارملة رغم المعلومات التي يزود بها المدرس مريم عنه ص88 – 89 .
الحرب : حاضر الرواية والثيمة الاساس التي تجري فيها اهم الاحداث ، لقاء مريم بمدرس التاريخ لقاء من مقاصده: تفنيد التهمة الموجهة للمدرس تفنيدا تجريبيا وهكذا سوف نرى من خلال اعادة انتاج النص ، عبر قراءتنا له قراءة نقدية مقترحة ، ان (عطر التفاح ) كحالة انسانية مأزومة تعاني من الاستلاب والتشيؤ ما تعانيه انها المهيمنة الاشد بروزا في الرواية فـ( العنوان الحديث بدات تتحكم باختياره موجهات مختلفة ، تاتي في مقدمتها مهيمنة تتمثل في بروز شديد لاحد انساق النص الاخرى يعمد الكاتب بقصدية الى اختيارها وبلورتها على مستوى العبارة عنوانا لعمله ) محمود عبد الوهاب / ثريا النص . ما ياخذه البعض من ( عطر التفاح ) كثرة العناوين الفرعية (38) عنوانا في رواية قصيرة لاتتجاوز المئة صفحة من الحجم المتوسط لكنني ارى ان عناوينها الفرعية تتباين في مستوياتها الدلالية :
• عناوين تقليدية : تمهد لما سياتي من وقائع : لم يبق احد / تحية الصباح / غرفة التفاح / الكناري/ لم تعد هنا / لم يات احد . عناوين لاتمت بصلة مباشرة للنص بل تشتبك معه عبر علاقة احالة الى موروث ديني او شعبي او انساني : لماذا تبكي السيدة : اشارة الى واقعة كربلاء .
• يوسف اكله الذئب / ماقالته سارح / يوسف في الجب / اسال ميرود : توظيفات توراتية / سفر التكوين.
• ترى في الاعالي / نحب كل يوم / الموروث الرافداني .
• مارش المراة السلافية : التراث الانساني . ان هذه العناوين الفرعية يمكن اعتبارها احيانا ( لاتتعلق بالضرورة الداخلية لبناء الرواية بقدر ماهي اثارة اهتمام المتلقي بما سيحدث او بما تقتضيه اضاءة طريق القراءة ) كما يذكر القاص محمود عبد الوهاب / ثريا النص . " خلت البيوت من ساكنيها لم يبق احد " يشعر القارئ من خلال فاتحة النص الروائي هذه ان ثمة عين حكائية عين تتقدمنا للكشف عن المشهد وهذه العين بالقدر الذي تمنحنا فيه صورة واضحة المعالم فانها مقارنة بالسارد العليم بكل شيء تعمل على تضييق في حقل الرؤية فالمشهد هنا تختزله بؤرة متموضعة تنتقي من المعلومات ما يوائمها هذا التضييق في حقل الرؤية مقارنة بالمعرفة الكلية للسارد ، اعني هذا الانتقاء هو مايسميه جيرار جينيت بالتبئير اما نوع التبئير في " خلت البيوت من ساكنيها لم يبق احد " فهو ما يسمى بالتبئير الخارجي . ثم تنتقل العين الحكائية لتقف قبالة صورة فوتوغرافية ( لااحد سوى ابتسامة ساخرة تشربت في ملامح وجه شاحب هادئ ونحيل فاضت متجاوزة حدود ذلك الاطار الاسود القاسية ابتسامة كانت الشيء الوحيد وسط سكون غلف الاشياء وموات طبع كل شيء بصيغته) ص5 ومعها ينتقل القارئ الى نوع اخر من التبئير انه التبئير الداخلي حيث يتطابق المأوى البؤري مع الشخصية ومن الجدير بالاشارة ان التبئير الداخلي لايتحقق كاملا الا في المحكي على حد قول جيرار جينيت اما المحكي هنا فهو من نوع المحكي السايكولوجي فالسارد هنا هو من نوع السارد المتماثل حكائيا يختزل سيرة حياة من خلال استقراء منطقها الحواري بل من خلال الاستغوار في سماتها الخارجية وصولا الى حركيتها الجوانية للكشف عن مكابداتها ولان السارد يعرف ماتعرفه الشخصية او ما عانته الشخصية ذاتها فاننا كانداد للمؤلف نلاحظ ان ثمة نوعا ما من التماهي بين السارد والصورة الفوتوغرافية مما يؤدي الى اقامة علاقة تناغم بين الاثنين" أيمكن لابتسامة بدا ان مصورا فوتوغرافيا هاويا بذل جهدا كبيرا في انتزاعها بصعوبة من وجه تطامن الحزن فيه حتى بات سمة اساسية لها شكل هدوء بذل جهدا كبيرا في انتزاعها بصعوبة من وجه هذه القوة في ان تسود المكان وتهيمن على كل شيء " ببرود " سخريتها ) ص5 . ثم يحدث تحول لموقع المآوى البؤري :( وسط هذه الاشياء الميتة والسكون والقلق تحركت اصابع نحيلة بارتباك لتتحسس اطار الصورة الفوتوغرافية المعلقة على الجدار انزلت اليدين الصورة ضمتها الى الصدر )ص5 . ان المرسل اليه هنا لايتلقى الشفرة عبر وعي احدى الشخصيات بل من قبل العين الحكائية ذاتها واللقطة هنا ملغزة والشخص هو الاخر يتصف بمجهولية الهوية لانرى منه سوى يدين والوصف هنا مبار تبئيرا خارجيا والسارد يعرف ولكن معرفته اقل من معرفة الشخصية وهذه الشخصية لن تعرف جنسها وحسب هذه الفقرة التالية بل سوف تتكشف لنا صلتها بالسارد :( حملت اختي الارملة امتعتها ثم باقتضاب شديد وبنبرة لم استطع مدى جديتها قالت انها تفضل الموت قرب زوجها . لم تخبرني صراحة ان كانت ستمضي ايامها عند عمتها الوحيدة ام في مقبرة العائلة )ص5 . من الجدير بالذكر ان السارد منذ بداية الصفحة الاولى في الرواية حتى بداية هذه الفقرة كان ساردا متباينا حكائيا بشكل زائف – اذ جاز القول – اما في هذه الفقرة بالذات فقد اخذ موقعه الحقيقي كسارد متماثل حكائيا لا لانه يستعمل ضمير المتكلم بل لانه شخصية رئيسة وشخصية اساسية في الرواية . اود ان الفت الانتباه ان فاتحة الرواية يتسيد فيها من الناحية السردية اسلوب الاستباق ( هو الذي يخبرنا مسبقا بالطابع الحزين للحكاية ) على حد قول كرستينيا انجلي دليلنا الى ذلك مفردات الفصل الاول : خلت البيوت / لم يبق احد / شاحب / نحيل / الاطار الاسود / سكون غلف الاشياء / موات طبع كل شيء / وجه تطامن الحزن فيه / برود / الاشياء الميتة / السكون القلق / اصابع نحيلة / مقبرة العائلة / تفضل الموت قرب زوجها / اختي الارملة / خطاط الشواهد المرمرية . المفردات الانفة اما تقول الموت او تستعمل مفردة توحي اليه، مفردة لاتوصل لسواه وذلك يذكي الاستجابة لدى القارئ ويجعله متهيأ لما سوف ياتي :هذيانات / كوابيس / احلام /رؤى ، اذن ( عطر التفاح )، نص روائي في العزلة وما في العزلة من امكانات اجرائية في خلخلة البنى ( كنت واثقا من انها غير حقيقية مثل بقية الاصوات التي اتخيلها ) ص97 الرواية . خلخلات يعبر عنها افضل تعبير حين يكون السرد على لسان المتكلم انه ( لايقدم لنا حدثا حقيقيا يراه القارئ لحظة وقوعه بل يراه من وجهة نظر الراوي ) على حد قول مهند يونس وسيعزز هذا الراي عندما يكون السارد بضمير المتكلم يتكلم في مكان واحد لايتغير ( فكما تقلص المكان الذي يعيش فيه الراوي المتكلم كلما اصبح ما يسرد علينا معرضا لاحتمالات الذاكرة بعد انفصالها عن العالم الخارجي ) .د. مهند يونس / اختلاف المكان واحتمالات السرد / الاقلام / ع 5-6 / 1993 . كل النمذجات الموظفة في المتن الروائي والكوابيس والهذيانات لاتعيننا الا بعد قراءة فصل "( مالم يقله مدرس التاريخ ) ص90 الرواية ان ارادة الجبوري تستعمل ستراتيجية تجاهل العارف وتختزل امكاناتها الاجرائية في اخفاء المعلومات عن القارئ قراءة فصل (مالم ...) دعوة تحريضية لمعاودة قراءة النص الروائي لحل شفراته المتناثرة . حين نخلع على مدرس التاريخ صفة بطل نامل ان لايتبادر الى ذهن القارئ ذلك المفهوم التقليدي للبطولة بل لان لها مساسا رئيسا بوظيفة الاساءة ( هل اقتربنا من مفهوم فلاديمير بروب ) المدرس هو البطل الضحية ويمكن ادراجه ضمن البطل المطرود الى مكان بعيد عن مسكنه ( لم اخبرها كم موجع الاحساس المتواصل بان كل الاحاديث والكلمات التي يتبادلها الناس تدور حولك ) 90-91 انه يضطر الى ممارسة وظيفة الرحيل القصد منه النأي عن مكان الفشل "( نصحني مدير المدرسة بنقل خدماتي الى مدينة اخرى لم افعل ، تقاعدت وانتقلت الى هنا ) ص91 في هذا الصدد يقول كارل منهايم ( عندما يصاب الفرد بمشكلة الخجل تبدا هذه المشكلة بالسيطرة على شخصيته فتظهر جميع اجزاء العزلة الجزئية ) لم يكتف المدرس بذلك بل عمد الى تعطيل جوانب حيوية من ذاته :( اخترت ان اعيش مدرسا للتاريخ لاحظى ، بعزلتي ، هذه لاكون بمناى عن الاخرين وازعاجهم .. روضت نفسي على الصمت ، لانجو بروحي من ضرائب الحياة : الحياة بانسجام مع الخطيئة ) ص72 . انه نظرة رواقية بينة :(_انني اعيش انتظارا متواصلا لوقوع كارثة ، كارثة لاوجود لها لمن تقع له ) ص 18 .. نحن كقراء نرى خلاف ما يدعيه المدرس ليس هناك في النص الروائي من امكانات اجرائية تدعم ذلك ان موقف المدرس السلبي من تناول الوجود مشخص من قبل مريم ( فصل عادات مدرس التاريخ ) ص61 ، اما هو فقد اعلن حياديته السلبية بكل وضوح ( لاافعل سوى الحلم والاستمتاع بالبحث عشت حياتي مدرسا للتاريخ مهنة لاتضطرين معها لخدش اراء الاخر وافكاره مهنة اواصل ممارستها يوميا حتى معك ) ص56 – ( اردد ما يفكر به الاخر ما يكتبه دون اعتراض او شكوى حتى على صعيد العلاقات الشخصية فعندما يقول فلان انه يحبني او انه لايحبني لااعمل على معرفة الاسباب حتى لو كنت اكن له الحب ) ص56 . انها رواقية تمهد لها انعدام الجرأة فتجرده من كافة المصدات جاعلة منه عرضة لاي اعتداء عابر وعلى حد قول مريم ( احيانا اننا نتحمل المسؤولية في جانب كان علينا ان نتدرع بشيء يحمينا باسلحة تشذب انياب الاخر وان لانكون مجرد شياه لطيفة تمد اعناقها اليهم ) ص87 . سلبية مثل هذه لاتقهقر صاحبها في العزلة ، بل تحشره في قوقعة الخلوة ، فالخلوة وحدها كفيلة (" بصيانة الذاتية الداخلية من التداخلات الخارجية ) كارل منهايم ولاتقف عند هذا الحد بل تجعل حركية الفرد في حالة انتباذية عن حركية الكافة وهنا يهيمن الزمن النفسي وهو زمن لادخل له بالزمن الميكانيكي المتعارف عليه عند الجميع فالزمن النفسي ثابت لايتحول الا ببطء شديد ويمكن تكراره عبر تذكر احداثه . بل يمكن الاقامة في فترة من فتراته ، كما يحدث للمصاب ( بتثبيتات السعادة ) : مرض نفسي يثبت فيه الانسان عند مرحلة من الطفولة او موقف معين لايستطيع تجاوزهما ) حاشية ص44 / جماليات المكان / باشلار . هنا تكمن خطورة الخلوة انها ترفع الحد الواقعي وسواه والمدرس رغم تقدمه في السن لكنه ما تجاوز تلك التجربة ( امضيت ثلثي حياتي افكر بالماضي ) ص91 ورغم تميزه بوعي ثقافي متقدم لكنه لايستطيع نسيان تلك الاساءة رغم ( بطلان التهمة ) ص91 كما نرى المدرس يكرس ما تبقى له من العمر لبحثه الاركيولوجي ص6 ثم يقول في ص40 ( ابحث في تفاصيل صغيرة .. تفاصيل لايعيرها الذين في الخارج ادنى اهتمام ، اعيش منذ سنوات منشغلا بامراة لم تكن من نسل الالهة ولم تكن مقدسة كانت عاهرة معبد عشتار امراة منحتنا المعرفة والحكمة ) عم يبحث المدرس ؟ بمن منشغل ؟ هل يبحث عن ذات ؟ عن موضوع ؟ وهل هو حقا منشغل ؟ ( اليس في عملية الرصد يحدث تغير في المواقع ، يصبح الراصد مرصودا والمرصود راصدا ) نستلف ذلك من بصيرة بول مان فنستعين به على عمانا . لان قراءة تفاصيل المكان من الداخل تلغي الفتة فان ارادة الجبوري تلجم هذه الرغبة لدى السارد المتماثل حكائيا : مدرس التاريخ بانه لايقراء لنا غرفته واذا استعرنا من بول ورومير منظوره في تقسيم المكان الى اربعة انواع حسب السلطة التي تخضع لها هذه الامكنة فالمكان هنا من نوع الـ( عندي ) وهو المكان الذي امارس فيه سلطتي ويكون بالنسبة لي مكانا حميما واليفا ) على حد قول كامل يوسف حسين / مقدمة ثلاثية نيويورك/ بول اوستر / الاداب بيروت /ط1 1993 والوصف هنا ليس بالوصف التصنيفي بل هو وصف تعبيري يذكي الاستجابة لدى القارئ الاخت الارملة اخذت كل ما تحتاجه وكل ما يمثلها وما يربطها بزوجها الراحل (ص5) بعد ان رتبت البيت وهيأته بالطريقة التي ترضي اخاها (ص6-7) وهكذا نرى ان الرواية تبدا ببيت مرتب وتنتهي وقد دبت في البيت ذاته الفوضى مما حدا بالاخت الارملة للتساؤل عن ذلك ( هل من المعقول ان ترمي كتبك على الارض ؟ ما هذه الفوضى ؟ هل هاجمك لصوص ؟ تبدو الغرفة مثل ساحة معركة ، هل زارك احد ) ص98 . بين الترتيب / الرتابة / الفوضى والخروج الاضطراري عن الرتابة تغزل الرواية نسيجها الحكائي وتنجز بناءه السطحي والمتمثل بحركات الشخوص ويمكن ايجازها بالشكل التالي ، ملتمسين عذرا في الايجاز :
1- رحيل الاخت في بداية الرواية .
2- مجيء الجيران لايداع قفص الطيور ومفتاح البيت . راجينه العناية بنبات الظل .
3- العثور على مريم ثم اقناعها بمشاركة المدرس بيته .
4- مجيء امراة سائلة عن ولدها المفقود .
5- ذهاب مريم وايابها من البيت المقابل بيت يوسف بين الحين والاخر دون الدخول فيه .
6- ذهاب واياب المدرس من بيت يوسف لسقاية نبات الظل .
7- رحيل مريم المباغت قبل نهاية الرواية .
8- عودة الاخت الى البيت .
9- عودة الجيران وحزن طفلتهم (مريم ) على موت الطيور ، هذه الطفلة التي لم يعرفنا عليها السارد في بداية الرواية ( تابعت الام محاولتها اخذالقفص من طفلتها تشبثت الطفلة به . انتزعته الام انتزاعا وسلمته لي .. اغلق الباب تناهي الى مسامعي بكاء الطفلة ) ص8 . غرفة المدرس قبل دخول مريم :( رفوف الكتب وهي تغطي جدران الغرفة الثلاثة وطاولة الكتابة وكرسيان بمساند واريكة للجلوس والاسترخاء على امتداد النافذة المطلة على الحديقة ) ص68 / يرجى العودة الى الترسيم الغرفة بعد دخول مريم "( لم تعد الاشياء في مكانها او على حالها . تناثرت الكتب والاوراق على ارضية الغرفة ادوية وانية ماء على طاولة الكتابة وسادة على الارض واخرى على الاريكة رفوف الكتب تلونت بالتراب قفص الطيور ملقى باهمال على مسافة من كرسيي المفضل )ص68 . ترى الاتعيننا محملات غريماس الاساسية واضافات تزفيتيان تودوروف ضمن هذا المجال الا تعيننا في تحديد ماهية العلاقات الفاعلة بين شخوص الرواية : العلاقة بين المدرس ومريم ليست بالعلاقة الفاترة بل هي تخضع لمؤثرات معينة في البدء هي علاقة عداء فقد توجس المدرس منها شرا ( ابتعدي قبل ان اتصل بالشرطة ) ص25 ثم يتحول الموقف بعد ذلك "26" وبعد حوار قصير ينتقل موقف المدرس من العداء الى التعاطف معها ثم يحاول نسيانها لكن سرعان ما يدعوها الى بيته ( تعالي ننتظره سوية ) ص30 هكذا نرى ان العلاقة تدرجت من العداء حتى وصلت الى المشاركة لكن هذه المرة مريم هي المبادرة الى العداء حاولت خنقه لولا مقاومته لها لانتهى (ص47) ثم تستمر علاقة المسارة حتى تصل قمتها في فصل النياشين ص85 . من جانب المدرس تصل العلاقة معها الى نوع متفرد من الحب الطهراني المحض ( كنت احبها هكذا بتجرد من أي غرض او هدف .. حب تختلط فيه مشاعر ابوة لم اجربها من قبل المشاركة والمسؤولية مشاعر الابن لامه برغم انني اكبرها باكثر من ربع قرن ، هذا اذا صدقت تقديراتي لعمرها )ص80 . علاقة المدرس بالتلميذة يمكن اعتبارها علاقة اتصال "( اهتمامي بتلميذة صغيرة ضعيفة لاتملك سوى الدموع دفاعا عن نفسها لاتملك سوى ارتباكها وخجلها ازاء تلميذات ذكيات لم يكن سوى تضامن معها .. مع التلميذ الخجول الذي كنت )ص90 اما اهلها وبقية المجتمع فقد اعتبروها علاقة غواية فاصبحت العلاقة بينهم وبين المدرس علاقة ( الوجوه المتجهمة والحاقدة ) ص91 علاقته باخته لاتتعدى حدود المشاركة ، وعلى حد قوله ( لو كانت اختي الارملة هنا لوجدنا الكثير من الاشياء التي تستحق الحديث لكننا اخيرا نكتفي بعبارة انت تعرفين هذا او انت تعرف هذا فلا حاجة للحديث ثم اعود الى كتبي وتعود الى حياكتها او ماكنة الخياطة ) ص16 . ان عدم الرغبة في الحديث تتكرر بشكل ملموس في نهاية الرواية حين تساله اخته حول الفوضى ( لم تقل لي .. هل زارك احد ؟) يكتفي بالقول ( لا،لا لم يات احد ) ص99 انعدام الرغبة في الحديث ثانية تكشف ان وراء ذلك اسباب واعية بالنسبة لمريم فهي روح شفاف (ص86) تفتقر للعناية العائلية ( لم اكن سوى فتاة من عائلة بسيطة يتيمة الوالدين تعيش مع اخيها ) ص86 ردت على اهمال المجتمع لها بسايكوباثية ربما القصد من ورائها لفت انظار الاخرين لما تعانيه ( اغتصاب الروح ) لكنها تفتقر الى اقناع الاخرين بوجهة نظرها ( لم امتلك حجة الاقناع ، لم يفهموا معنى اغتصاب الروح ) ص87 ومريم شجاعة لكن شجاعتها هدامة فهي لاتبني من خلالها سوى موتها الفردي انها لم تحاول الحياة بل جربت الموت ( بعد اكثر من محاولة فاشلة للانتحار اخبر الاطباء اخي اني لااملك الرغبة في الحياة وان كآبتي مزمنة ) ص87 لم يكن لها من منفذ وسط هذه الجحيم سوى نافذة واسعة سعة الحلم اسمها يوسف (وحده يوسف فهم ما اعانيه ) ص87 هذا التعاطف تخصب واثمر في ذاكرة متشظية مثل ذاكرة مريم المنشطرة فرأت في يوسف منتظرها المؤجل الذي هربت من اجله من المصحة انها علاقة تعاطف من طرف يوسف لكنها علاقة حب من طرف مريم اما علاقة مريم بالناس فهي علاقة عداء متبادل ( من هم الناس ؟ الناس والانسانية يالها من كلمات خاوية .. لم اعد امتلك قدرة الغفران لم ولن اسامحهم ما حييت لن اسامحهم ) ص89 . تحاول ارادة الجبوري الاستفادة من منجزها القصصي فتدخل معه في علاقة من خلال روايتها ( عطر التفاح )هي علاقة اتصال جواني . بعد عودتنا الى مجموعتنا الاولى ( شجرة الامنيات ) وجدنا انها عملت على تطوير منجزها في قصتين هما (مملكة الليل ) و( شجرة الامنيات ) فبطلة ( مملكة الليل ) هاربة من مصحة للامراض العقلية وهي امراة ( منذورة للحنين ) ( الحنين آه كم احن الى الليل قبل ان اذهب لمملكة الليل ) ص33 وهي بهذا تذكرنا بمريم الهاربة من المصحة وتحب ان يكون اسمها حنين لامريم ثم تنتهي قصة ( مملكة الليل ) باختفاء البطلة كما اختفت مريم في الرواية اما بالنسبة لـ( قصة شجرة الامنيات ) فالبطلة تنتظر حبيبها يوسف وتتذكر معه ماضيها المشترك ورغم ما حصل لها ورغم محاولتها في النسيان من خلال زواجها من غيره لكن ثمة قدرية لافكاك منها تقرر لهما الاقتران . والمدرس اليس هو بطل قصة ( الافريقي ) الذي يفعل كل ما يأمرونه به ؟ ان ارادة لم تكرر منجزها بل دخلت معه في علاقة اتصالية جوانية بالشكل الذي يعمق مسارها الادبي ضمن عوالمها المتميزة بجدلية الواقع والحلم الواقع بشراسة والحلم بزرقته العزلاء والمنتصر هنا هو المهزوم لا المنتصر واعني بذلك كل المحذوفين من قائمة المدعوين الى الحفل .


غرفة التفاح
ترسيمة

شريط اسفنجي يحف الباب والنوافذ غطاء صوفي
انية ماء

*غرفة المدرس قبل مجيء مريم


رفوف المكتبة غرفة المدرس نافذة قفص الطيور
الاشياء الجديدة


طاولة للكتابة اريكة زرقاء



كرسي اثنان بمساند


* غرفة المدرس بعد مجيء مريم من خلال المتغيرات
غرفة المدرس


قفص طيور الاشياء المتغيرة وسادة على الاريكة


طاولة الكتابة دم على القطيفة الزرقاء ادوية / انية ماء كتب الرفوف على الارض

وسادة على الارض






سلطة الام .. في
( كم بدت السماء قريبة )
رواية بتول الخضيري

• اذا كانت بتول الخضيري قد اولت شخصية الاب الاهتمام الاكبر في روايتها (كم بدت السماء قريبة ) الطبعة الاولى / المؤسسة العربية للنشر / 1999 . فاننا ونحن نفعّل الرواية سنولي اهتمامنا الاكبر لشخصية الام لما لها من قوة تاثير على سيرورة الفعل الروائي اذ نرى ان الام ( وسيلة واداة في نسق اكبر ) ورغم تاكيدنا على ان الصفحات الـ( 15) الاولى من الرواية هي الاكثر تماسكا والاعلى شعرية والاقرب الى الاقناع الفني فاننا سنلاحق خطوات الام بل ( ونشيعها الى مثواها الاخير ) حتى نهاية الرواية (ص200 ) . وبعيدا عن أي جمود عقائدي ( دوكماتزم ) نتسائل هل ما قراناه رواية ام سيرة ذاتية ؟ فاهداء الرواية نرى مصداقيته داخل الرواية وهذا لايقلل من شان جماليات ( كم بدت ..) اذ ( ان تشكيل موضوع سردي مهما كان غير عادي او شاذا انما هو فعل اجتماعي بامتياز وانه بهذه الخصيصة يملك في داخله التاريخ او يستند اليها / ص145 / ادورد سعيد / الثقافة والامبريالية ) لكننا نرى هذه استجاباتنا الشخصية وما نمارسه من اخلاقياتنا في القراءة ، ان الشخوص الاخرى باستثناء الاب والام والابنة شخصيات لا تفعل بل تكمل الديكور الروائي هي شخصيات تختفي بعد الانتهاء من قراءة الرواية .
• تكتنز ثريا النص (كم بدت السماء قريبة ) بدهشة الطفولة وهو عنوان ملفوظ في الصفحات الاولى .لم تكن السماء بهذا القرب لولا قوة الاّصرة بين نخلتين عراقيتين .لولا خبرة اصابع فلاحة عراقية في الحياكة الشعبية ولولا القوة العضلية لفلاح عراقي ولنترك الساردة الضمنية تركب ما فككناه (نصب لنا ارجوحة بين نخلتين قام اخوها الكبير حاتم بربط زنبيل حاكته امها من سعف النخيل بحبل اوصله بين جذعين متجاورين) من جراء كل هذا يغمر القارىء فيض من الشعرية (ركلت الهواء بقدمي .. ارتفعت الى الاعلى .. ركلت اقوى .. ارتفعت اعلى.. سبحت في فضاء .. اطرتني زرقة حليبية كل النخيل تحت قدمي الحافيتين ... الشمس تسبح في مياه النهر .. افرد اصابع قدمي تنفذ اقلام ضوء بين الفراغات الاربع .. وبالقدم الاخرى اركل اقوى .. ارتفع .. كم بدت السماء قريبة ) ص17 يمكن في هذا السرد الشعري من الرواية دلالة خصبة : ان السمو الحق والتألق الجواني للروح ينبثق من الداخل من هنا فـ( الخير هنا في هذه الارض /ص81 ) كما يمكن ان نرى في ذلك المستوى الاخر فاننا نتحسسه في طبقات السرد الروائي حيث يحدث الانزياح في الدلالة وصولا الى دلالات مضادة وستكون السماء بفعل الغربة في المنفى : قريبة اما البعيدة فهي تلك البقعة المباركة المؤطرة بالروح ( الوطن ) . و( كم بدت السماء قريبة ) جملة تعجبية والجملة التعجبية ملازمة للوظيفة المتعلقة بالمتكلم ( المرسل ) والتي دعاها ياكبسون بالوظيفة التعبيرية او الانفعالية – اذن بحسب ماجاء في ص18 من ( في بناء النص ودلالته / لمريم فرنسيس ) ان العنوان يتسم بالدهشة والانفعالية ) . و( كم بدت السماء قريبة )جملة لوحدها يمكن اعتبارها ضمن الارجاع العام . اما حين تحافظ على سياقها مع الجملة التي قبلها والتي بعدها كما فعلنا ذلك ونحن نفعّل ثريا النص ( العنوان ) يمكن ان تكون ضمن الارجاعية الخاصة ( يراجع في هذا الخصوص / محاور الاحالة الكلامية / مرين فرنسيس / دمشق /1998 ).
• نلاحظ ان السرد الروائي في رواية ( كم بدت السماء قريبة ) لبتول الخضيري ونحن نعيد انتاجه من خلال تفعيله مبثوث من داخلانية ( الساردة ) صيرتها شروط اجتماعية : خارجانية ، جغرافيا . تبدا الرواية في بغداد وفي لندن تنتهي ، هل السرد الروائي هو الطريقة الناجعة للتصدي لقساوة الشروط الخارجانية عبر استعادة الداخلاني روائيا ؟ وقد اصطفت الساردة ( الابنة ) من الدائرة التي يقطنها الاب. اصطفاء يعلن عن انحيازها لكل ما في الاب من دلالات مشعة والسرد مبثوث من حية خارجانية ( داخلانية في الاصل ) الى داخلاني غائب فيزياويا : ميت . كأن الخارجانية تحاول اعادة الروح لهذا الميت الاثير لديها وهي بهذه الطريقة تحاول احياء الميت ومعايشته عبر تفعيله روائيا وتذكير الميت بما مضى او الاستعانة به لتنشيط الاستعادة النفسية للماضي وهذه طريقة تبلغ من الشعرية اقصى مدياتها . كما يمكن اعتبارها مجازا جلسة تحضير ارواح على الطريقة الروائية . ابتداءا من ص7 الى ص115 / من الرواية . فيما تسرد السرد الروزائي والاب غائب فان الابنة في الساردة ( وهي حضور يشارك حضورها الذاتي لذاتها ) تتسلط على هذا الحضور وتشحن اطلالته بمضامينها المختلفة فعوضا عن الحضور الآنوي الآني نرى الابنة تعيش حضورا مشاركا له على انه آنوي وآني بالنظر الى انها ابنة تحدث اباها وكونه ابا يصغي لابنته التي جعل منها صديقةوسكرتيرة ومستشارة له حين تحدثه ذلك لان ( العالم المشترك الموضوعي يتقوم في الابنة من خلال الحضورات المشاركة التي تشارك فيها مع الاخرين على انها حضورات مشاركة بالنسبة لهم ايضا بحسب خوري انطوان مع شيء من التصرف بما جاء في ص69 / مدخل الى الفلسفة الظاهراتية ) .
• ونحن نفعّل بنية السرد ص7 الى ص115 ، نتذكر اذا كنا قد اطلعنا على ( سيمياء وتأويل ) روبرت شولز – تلك القصيدة القصيرة ( مرثية اقرأها لمن ) حيث تتضاءل فيه قيمة الاحياء في عين الشاعر ولاينزع الجدارة في عيني الساردة في ( كم بدت السماء قريبة ) سوى الميت الاب ، فهي لم تستعمل ضمير المتكلم وتسرد .. لو فعلت لما جذبت استجابة القارئ بهذا الشكل حيث تعمدت ايصال المسرود الينا بطريقة غير مباشرة فالمعنى الاول بالخطاب الروائي والموجه له الاول هو الاب وسوى الاب يقع في الراتوب الثاني . وحين يغيب الاب يصير السرد بصيغة المتكلم وبالضبط من ص117 الى نهاية الرواية . وهنا ينبثق سؤال لايخلو من مشروعية : لماذا لم تحول الساردة خطابها الى الام وهي تتساوى مع الاب في الموت وفي الاهداء ( الى ابي وامي ورحيل قبل الاوان ) نرى ان تحويل الخطاب الى الام لايشعر القارئ باي تغير في اليات السرد بل ان ذلك ينّمط السرد ويجعله مبعثا لسأم القارئ كما ان ذلك الانتقال من الاب الى الام ضمن افق توقع القارئ لذا استعملت ضمير المتكلم لتكسر افق توقع القارئ ومن جانب اخر ان بنية السرد الروائي تكشف ضمن المسكوت عنه عن انحياز الساردة وهي الابنة تجاه الاب رغم رعمها الحياد والموضوعية الفلوبيرية احيانا ، فالخطاب موجه من حية حاضرة ( الابنة ) الى غائب ميت ( الاب ) وحضور الابنة يتأفق بافق تذكر الاب ويحيل روائيا الى حضور المشرك والاب ( هذه المشاركة في الحضور ليست اندساسا بل تعود الى ترابطات الاشياء ذاتها وامكانية حضورها الحي في نطاق تجربتي الاولية / ص67 انطوان خوري / مدخل ..) فذاكرة الابنة وهي تنبض استدعت الرصيف فالشارع والمدرسة والاب والام وكل مفردات حياة الاسرة كل هذه المفردات حاضرة في نطاق تجربة الابنة عبر ترابطات حلقية
• ونحن نفعّل بنية الرواية وفق ما تشترطه سيرورة اولياتها من شروط لافكاك منها نرى ان حركية الرواية كانت خاضعة في سيرورتها الى فن السيرة لاالى فن الرواية من هنا يمكن اعتبار ( كم بدت السماء قريبة ) سيرة ذاتية كتبتها ثالثة الثلاثة فقد رحل الوالدان قبل الاوان هذه معلومة يستلمها القارئ قبل قراءة العمل اعني من اهداء المؤلفة ( الى ابي وامي ورحيل قبل الاوان ) وحين ينتهي القارئ من ( كم بدت السماء قريبة ) يعرف مدى تطابق الاهداء مع مصيرالوالدين .
• تنقسم الرواية الى عدة فصول . قراءتنا الخاصة ستقسم الرواية الى قسمين وعذرا سلفا على هذا الفعل القسري الذي اضطررنا اليه : من ص7 الى ص115وص117 الى نهاية الرواية .
القسم الاول يتناول حركية المجتمع وهي في حالة قارة حالة السلم يبدا الاستهلال ( تنبض ذاكرتي على رصيف شارع ) وتلك اشارة الى ان الساردة تتذكر لتستعيد زمناً ضائعاً . الرصيف للمارة وهو اطار الشارع . وفي الشارع يتعطل التذكر ويشتغل الانتباه المّركز والرصيف المكان الانسب للانتظار فيستفز ذلك الجواني ( الذاكرة ) على التدفق عبر زمن نفسي لاحدود له ( تنبض ذاكرتي على رصيف شارع ) ( رصيف ) و( شارع ) مفردتان نكرتان يمكن للقارئ ان يرى فيها ( الان ) و( هنا ) لكن الجملة التالية تكشف عن خلاف ذلك ( كان ذلك الرصيف ) هذا التعريف لايزيل غموضا عن السياق فهو محض رصيف من الارصفة بالنسبة للقارئ لكن يعني للسارد الشيء الكثير والعزيز انها اماكن مثل من تكون مغلقة على سوى صاحبها حين يتوحد فيها فهو مهما حدثنا عنها فلن نشاركه سوى الاصغاء الذي ربما يدفعنا الى تذكر طفولتنا نحن فنعرف ان رصيف الشارع يوصل الى مدرسة تعليم رقص الباليه . ثم تتعمد الساردة في قولها ( مامي ) ( عذرا اقصد امي ) ان ذكر المفردة ذاتها ملفوظة بالانكليزية لايثير انتباه القارئ في البدء لكن التقدم في قراءة الرواية يجعلنا ندرك ان الساردة ارادت لفت انتباه استجابتنا لمفردات آخر (ص11-22) فيدرك القارئ ان هذه المفردات الانكليزية ذات وظيفة اشارية تؤكد انشطار ذاكرة الساردة بين لغتين وبالتالي بين عالمين ( خلافكما ادى الى اختلاطي بالعالمين ما عدا البيت الذي كان في حد ذاته عالمين / 37 ) اذن الرصيف هو الذي يمهد ويشجع الذاكرة على النبض لانها في مأمن من مخاطر الشارع . من هنا يمكن اعتبار المسرود – نبض ذاكرة لما كان – أي عملية استرجاع لما حدث .
• حالة المجتمع القارة ، تقابلها الحالة القلقة الداخلانية على مستوى العائلة : اب عراقي يريد لابنته ان تتسم بسماتها المحلية وتختلط مع ابناء وبنات جلدتها السمراء . أم انكليزية : ذات حضور استعلائي تبذل كل جهودها لاوربة ابنتها :
2- لفظا : من خلال تعليمها اللغة الانكليزية وهي طفلة حيث يؤدي ذلك الى تشوش التعامل اللغوي لديها فهي تخلط بين العربية والانكليزية اثناء الحديث فيؤدي ذلك .
1- حنق الاب في البيت / 2- سخرية الاخرين في المدرسة .
2- تحاول الام الحفاظ على حلقتها الضيقة من الانكليز ( ميلي واخوها ديفيد ) لتمارس طقسا اوربيا يثير الحنق لدى زوجها ( 36/37/43 ) .ان الخارجانية الام تحاول ان تجعل من نسقها الكولونيالي ( معقلنا متدخلا ومكفولا استرجاعيا) وهذا هو المعقلن الذي يصفه ريموند وليمز بانه نظام اخلاقي يومي لايقدم التنازلات قابل في النهاية لان يفصل عن قاعدته الاجتماعية وقابل حين يصير تحت سيطرة الاخرين او اشرافهم لان ينقلب عليها ويستخدم ضدها وخير مثال على ذلك الام وهي تخون الاب مع ديفيد . نلاحظ ان الاتصال لدى الام هو دائما من نوع الصراع الانفعالي الشديد والام بحد ذاتها تشكل الاشكالية المهيمنة في بنية السرد الروائي .
* الساردة الضمنية او بطلة الرواية كما الفنا القول هي شخصية تتيح لها حيويتها ان تكنه كلا الفضائين فضاء الام وفضاء الاب . وهي تعبر من احدهما الى الاخر بسمو جرئ وهي بهذا تريك الحواجز وتدحض سلطتها انها لم تتخل عن صديقتها ( خدوجة ) والاكل معها بل القاء نظرتها الاخيرة عليها رغم سلطة امها . ومن خلال الاحداث التي تمر بها البطلة وبالضبط الميتات : موت خدوجة وقبلها بقرة بيت خدوجة ( عندما ماتت بقرتهم نجمة فحزنت العائلة كلها اشفقت على فقدهم حيوانهم المسكين لكني لم افهم كم يمكن ان تعني لهم بقرة / ص50 ) . وتقول الساردة وهي تخاطب ابيها الميت ( موت خدوجة وتردي حالتك الصحية حولاني الى فتاة اخرى / ص60 ) وكذلك تقول ( الموت وخدوجة اخفقت في الربط بينهما / ص59 ) وتقول عن موت ابيها ( كل شيء حولي يتحول الى جثة / ص116 ) ان قوة الموت منحته صفة الشمولية .وهناك علاقتها العاطفية سليم الفنان / ارنو الفرنسي مواجهة كل هذه الصدمات بشجاعة ووعي وجراة . كل هذا يجعل من الساردة الضمنية تقول عن هذه الذات بطريقة تقارب التكرار الذي لايضيف الى المعنى شيئا انها تكتب لانها تستطيع ان تكتب هو ان يشير لا الى المجتمع الداخلي وحسب بل الى العالم القصي خارج المركز / ص148/ ادورد سعيد / الثقافة والامبريالية ). ان الام لاتشارك الاب حضوراته والاب لايشارك الام حضوراتها فلكل منهما حضوراته الاجتماعية المنغلقة عليه . الحضور المشترك الوحيد بينهما هو الابنة وبهذا الحضور المشترك يتذرع الاب بعدم التطليق . اذن ميدان التشارك بين الاب والام ليس حقل الحضورات المستقلة بل الحضورات المشتركة و( المشاركة على الحضورات وعلى وجه التدقيق : تسلط الحضورات على اطلالية الحضور او على البعد الاطلالي للحضور ص68 / انطوان خوري / مدخل الى الفلسفة الظاهراتية . عندما تشظت المخيلة في افراز صور للشرق من عين كاميرا المستشرقين لامن صلب حضوره وحضوريته . هذه الصور من صلب الحضور المشار ( كل هذا وما شاكله حضور معين استشرك بحكم العادة والتوقع حضورا على انه يشاركه وهو لا يشاركه / ص68 / المصدر السابق ) والحضور المشارك حالة انفردت بها الام ولم يتعرض لها الاب وهو في لندن كما لم يتعرض لها ( ديفيد واخته ميلي وهما في العراق ) حيث تعلما مع الداخلاني اعتمادا على زمنية مؤقتة ونصحوها ان تترك كل شيء للزمن فهو ( وحده الكفيل بالتطبيع وفقا لمزاج الجغرافيا لا لمزاجها هي لكنها رفضت لذا نرى انها تحتاج الى ( المزاج التنفيذي الذي يساعد هو بدوره على اصلاح ما تبقى / ص158 / ادورد سعيد / الامبريالية والثقافة ) نرى ان الشرق بريء كل البراءة ولايستحق هذه النظرة الكولنيالية والخلل في نظرة الام لقد رات فيه ( شيئا يحس به بشكل غامض ومخلل قائما هناك بعيدا غرائبيا وبطريقة او باخرى شيئا هو لنا لنسيطر عليه ونتاجر به بحرية او لنقمعه / ص142 / ادورد سعيد / المصدر السابق ) من هنا نرى ان اخلاقيات الام يمكن تصنيفها حسب مفهوم برجسون بالاخلاق المقفلة وعودة الام في نهاية الرواية الى لندن يمكن ان نراها ظاهراتيا عودة عن العراق وهذه العودة عن العراق بغية العودة الى لندن هي ما يسميه هوسرل عملية السرد (redaction ) او التعليق (epoche ) / ص76 د. انطوان خوري ( فالام ترد الى لندن بعد متغيرات عديدة غيرت في سماتها : زوجية / امومة / ترمل / مرض / مناخية روحية / اخلاقية / وهذه المتغيرات لم تكن في صلب ماهيتها وهي في لندن واذا كان ( الرد : عملية استبعاد لهذه الصفات او استقصاء لهذه الوجوه بحيث تلغي تماما او تعلق / ص76 / انطوان خوري ) ان مثل هذا الرد لم يتم تفعيله في ذات الالم ولم تعد الام عودة الى بناء كما كانت تحلم بالشفاء وبالتالي استئناف الحياة من خلال هذا الرد بل كانت تنتظرها في لندن الحلقة الاخيرة لتكتمل الدائرة وتنغلق عليها فيزيقيا بالموت . ان ادراك الام لحياة الفلاحين : ادراك استعلائي مركب ( كولونيالي ) مؤسس في ادراكات كل منها يلتقط جانبا من جوانب التخلف : البيئة / الوعي . وادراك الام هو ادراك لعموم الفلاحين الفقراء في بيئة نامية وبسبب منظوره الاستعلائي يرى في نفسه ( هذا الادراك ) انه ادراك لشيء بتمامه : الحقيقة . الام ترى ما هو عام بين الفلاحين وما هو مشترك الام ترى ما هو ضمن مفهومية كولونيالية ومن خلال رؤيتها للمشترك والعمومي فانها لاتتعدى في الحقيقة حدود الممثلة (ideation ) التي هي مقوم ماهوي لادراكها الخاص . لعائلة فلاحية فقيرة في بيئة نامية . ان اول ماتراه في عائلة ( خدوجة ) هو ما يجمعها بالفلاحين وهي لاتتوصل على نحو منطقي او تجريدي الى هذا الادراك في هذه العائلة ان فلاحيتها هي اول ما تراه والام رغم استعلائها الكولونيالي تجهل كل الجهل ( موضوعية موضوع الادراك كبنية ذات طبقات متعددة ادناها خاص واعلاها عام / ص43/ مدخل الى الفلسفة الظاهراتية ) . والام لم تأت الى العراق كما اتى الاب فوكو الى الصحراء الكبرى في الجزائر بل جاءت لتترف اوربيتها بما في الشرق من وعد بالقوة ذلك لان الام تدرك الاشياء انطلاقا من قصد ادراكها هي . اما الاب فوكو فقد جاء الى ( الصحراء الكبرى ) للتماهي فيها بانتظار ولادة اخرى له تطهره من ادران الكولونيالية . الاب فوكو فرنسا التحضر واخويه المحبة المسيحية لكافة البشر . الحكومة الفرنسية اثناء استعمارها للجزائر فهي الوجه البشع للكولونيالية والام من موقعها الاستعلائي لم تتقدم نحو الاخر – الارض الناس في العراق بل نراها ( ارتدت ذاتها لتجعل ذاتها بالذات فاعلا وفاعلية /ص50/ مدخل الى الفلسفة الظاهراتية ) هذا الارتداد حلقة في سلسلة بنية الاخفاق لاتدركها الام الا والموت قد ادركها واذا كانت ميتافيزيقية التوبة لاتفيد المرء وهو يستقبل سكرة الموت فان ادراكا مثل هذا ايضا لايفيد لا المدركة والا المصغية اعني الابنة . كما ان هجرة الابنة مع امها لم تفجر صدمات كما هو الحال في ( موسم الهجرة الى الشمال / قنديل ام هاشم / عصفور من الشرق / الحي اللاتيني ..) ذلك لان الابنة من خلال القسر التربوي الذي كانت الام تتعمده عرفت الكثير من عالم امها ( خلافكما ادى الى اختلاطي باللعالمين ما عدا البيت الذي كان في حد ذاته عالمين /ص37 / كم بدت السماء قريبة ) مما خفف من صدمة اللقاء الحضاري اذا لم نقل نفاها تماما بل تماهت مع بنية المجتمع الانكليزي في البدء في الاقل اليس لتفاوت البنى الاجتماعية دخل في ذلك بينية راسمالية كولونيالية استحواذية ( بريطانيا ) تقابلها بنية نامية ( العراق ) ؟ ونعود الى الام ونقول لم يعد العراق كموضوع فعل الادراك ما يشغل الام ان ما يشغلها هو فعل ادراك العراق ذاته كموضوع قصدي لفعل تاملي جديد هو ما يشغل الام ( قال لي ان الشرق ..) .. وحين جاءت الام الى العراق فأن العراق هو ماض عريق وحاضر يتنامى لكن خارج اطار المخيلة الكولونيالية . هذه المغايرة بين الواقعي والمتخيل هي التي ادت الى ( تعليق ) وجود العراق وتقويسه بين قوسين استعلائيين ( عراق ) كل ذلك يمكن ادراجه ضمن رد فعل الام لنستمع الى الام وهي تحدث ابنتها في الصفحات الاخيرة من ايامها ( انواع اخفاقي كثيرة في الماضي حملت بك خطأ واخفقت في اصلاح الخطأ .. ارجو ان لا تسيئي فهمي ثم تزوجت واخفقت في اسعاد الزوج ثم تغربت واخفقت في فهم بيئة زوجي ثم احببت رجلا اخر من بني جنسي من خلف ظهر زوجي مع ذلك اخفقت في الحفاظ على العشيق . كيف أومن ان ما يحدث لي عقاب على افعالي ولم أومن مرة ان الرب هو الذي يسيرني .. فات الاوان يا ابنتي فقد تركت الرب في كنيسة صغيرة في اطراف لندن قبل ان التحق بابيك وبطني تكبر باستمرار /ص166 ..) لهذا الاعتراف فضيلته الناقصة تعترف بأخطائها دون الكشف عن السبب ولاترى في ذلك عقوبة الهية لان تصورها عن الرب جدا ضيق فهو لايتصف بكلية القدرة وهو يستسلم الفعل لايبثه ( تركت الرب في كنيسة صغيرة في اطراف لندن ) وحتى عندما كانت في لندن لاتمتلك شعور المواطنة ( لم اعد انتمي الى هنا عندما غادرت انكلترا ) وحين تقول (لم انجح في انتمائي الى الشرق رغم كل محاولاتي ) فأي محاولات تعني وهي المستعلية على البيئة الريفية العراقية والفلاحين ؟ وتقول ايضا ( والان وقد عدت ثانية اجدني لااستطيع الانتماء من جديد الى موطني الاصلي كل شيء مختلف .. انها فكرة بلهاء قضية الانتماء فنحن لاننتمي الا لظل اجسادنا التي ترافقنا مادمنا احياء / ص167) يتضح من اعتراف الام الاخير انها مصابة بكل عوارض الكوزومبولوتية . ان الام لم تمتلك من الابعاد سوى البعد الخارجاني المتسبب في كل اخفاقاتها فهي لم تكلف عناء معرفة نفسها قط فكيف والحالة هذه لها طاقة في التعرف على كنه الاخر انسانا او بيئة ؟ خلافا لها صديقتها ( ميلي ) التي تحاول التكيف مع البيئة العراقية ( قالت ميلي بابتسامة لا تبالغي فنحن عدلنا عن غلي الماء قبل شربه كما نفعل في ايامنا الاولى هنا انها مسالة وقت وسيقل تركيزك على النظافة والتعقيم واصول المائدة خاصة اوقات الطعام ان الحياة هنا تتبع حرارة الجو وليس للحر نظام / ص28 ). وتاكيدا على ما سبق بخصوص خارجانية الام واقامتها الدائمة على قشرة الحياة اليومية ولا ادريتها تجيب حين تسألها ابنتها عن علاقتها مع عشيقها ( ديفيد ) بعيد وفاة والدها .
- مع ذلك كنت على استعداد للحاق به رغم ارتباطك بنا ؟
- اتعلمين اني لم اعد اميز بين شعوري ذاك ان كان رغبة في اللحاق بشخص ام كان رغبة في الهروب من شخص /ص141 ) هنا نتساءل لماذا لم تعد تميز الام ؟ هل تعد تصرفات الام في اطار ( النومشة ) المشي اثثناء النوم ؟ ام ان التحرر الراسمالي من الشروط الاخلاقية لايعتبر ما اقترفته الام في خانة الخيانة الزوجية ؟ ان الام طوال حياتها الزوجية حافظت على المسافة بين الشرق والغرب بقيت تنظر لنفسها غريبة ولزوجها شرقي ( يكفيني شعوري ان والدك رغم المسافة التي كانت تفصل بين تكويني الغربي وتكوينه الشرقي لوانه ما يزال على قيد الحياة لما ترك جانب سريري قبل ان استرد انسانيتي /ص141 ) لقد عرفت الام كيف تستغل هذا التكوين الشرقي وكيف تمتهنه باستعلاء / الخيانة / اقتلاع نبتة ( ابنته ) من تربيتها الوطنية / وغيرها من افرازات عقدة التفوق ان رؤية الام للشرق تتمثل ( شيئا يحس به بشكل غامض ومخلخل قائما هناك بعيدا غرائبيا وغريبا او بطريقة او باخرى شيئا لنا لنسيطر عليه ونتاجر به بحرية او لنقمعه / ص142 / ادورد سعيد / الثقافة والامبريالية نلاحظ كيف تتبادل الادوار الاب في انكلترا خارجاني . الام.. داخلانية وخارجانية :( لم اعد انتمي الى هنا /166) الاب في العراق : داخلاني ( البلد بلدي والخير هنا في الارض لااريد ان يصيبنا ضياع حضاري كالذي احسست به خلال سنوات دراستي . فكرة العزلة عن الوطن ثانية تخيفني /ص81 ) . الام في العراق خارجانية ( لم انجح في انتمائي الى الشرق / ص166) الابنة وهي في معية امها في لندن ( خارجانية ) من هنا يمكن ان نرى الرواية ( تدور بالضبط حول سلسلة من الافعال الازاحة واعادة الموضعة في الفضاء / ص152 / الثقافة الامبريالية

خريف /2000/ بصرة


الطريق إلى سرمارا
قراءة اتصالية في رواية ( المنعطف )
للرواي حنون مجيد
*هارمونية الاتصال :

الرمزي في نتاج القاص والروائي ( حنون مجيد ) ياتي تاليا ، اما الاول فهو الواقعي . الواقعي بسخونته وضراوته واحتدامه من هنا تكون اتصالية الرمزي بالواقعي اتصالية هارمونية .. الساحر ساحر في قراءتنا الافقية ( قصة الساحر / احدى قصص لوحة فنان / دمشق – 2001 ) وهو اكثر من ساحر ويمكن تاويله في قراءتنا العمودية الى سلطة السلطة وهي تمارس ديماغوجيتها في تزييف الوعي الجمعي ( الحشد الذي كان مهتاجا / 14) ( عيون ما فتئت ايدي الساحر تفعل فعلها فيها / 13) ( للساحر وقع الهوى في النفوس / 19 ) وهو على ما يملك من قوة تضليلية ، لايستطيع الصمود امام قوة الوعي الحقيقي ، المتمثل بالمراة ذات الحضور المباغت ( وقع بصر الساحر عيني المراة .. جمدت حركته وشلت قدرته / ص17 )
* اتصالية التضاد :
شخصيتان رئيسيتان لهما اهمية قصوى في رواية ( المنعطف ) الشخصية الاولى ذات سمات رملية قاسية قارة مترامية تعيش في عزلتها ولعزلتها لا يسكنها الا الرمليون تماهوا فيها ليتغلبوا عليها انها الرمال / التي في بعض منها ( لاتقبل الربيع ليستجيب له نظرا لطبيعتها الرملية الصرف / 6) اما الشخصية الثانية فهي مدنية السمات فاعليتها في سرعتها بفاعليتها هذه تحاول اختراق الشخصية الاولى ليكون النجاح حليفها ( لقد رأت الصحراء غير مرة عربات مثل هذه تضل فاحكمت عليها قبضتها وتركتها نهبا للضلال والوحوش / 131) .
الصحراء والمركبة المحملة بالمسافرين والاتصال بينهما انفصاليا والصحراء هنا صحراء حقيقية لا صحراء مخباة تحت السرير ( صحراء تحت سريرنا صحراء / قصة الفار / احدى قصص دار الشؤون الثقافية /1999) .
اتصال :
كقارئ اصعد في مركبة ( المنعطف ) فالمح عبر مراتها الجانبية تلك المركبة الصغيرة فارى المراة الحامل وهي تخوض في مخاضها ( وفي الوقت الذي كانت فيه تتحفز تفعل شيئا لم تنس ان تدعو ربها / 110 / قصة نتوء/ المجموعة القصصية ( لوحة فنان / ) كقارى اعقده اصرة اتصالية بين الرواية ( المنعطف ) والقصة القصيرة ( نتوء ) للمؤلف ذاته العملين القناة الاتصالية : هي المركبة مع اختلاف الحجم في المنعطف الحمولة لالية ذات نوعية سلبية ولسائق المركبة ومساعده درورا رئيسيا في تفعيل السلب ( لقد اعتدى هذا الفاسق الفظ على رجولتنا ولوث انفاسنا ، ولم يترك للشائنة مجالا الا وطرقه .. وها هو يقتلنا جميعا على مراى من عيوننا ومسمع من اذاننا / 106) اما في قصة ( نتوء ) فلا دور يذكر للسائق ولا حضور له بل لمركبته ( توقفت السيارة لحظة ثم استدارت على صوت الرجل يهتف بالسائق حادا ملتاعا الى المستشفى 110-111 قصة نتوء ) وللمركبة هنا دلالتها الايجابية المزدوجة القيمة فهي وسيلة انقاذ المراة الحامل وهي حاضنة تحقق للحامل فيها حلمها الذكوري بعد ( اردفتهن بها راس فوق راس/ 107) – للمنعطف ونتوء قناة اتصال واحدة : المركبة والقصتان نتاج المؤلف ذاته ( حنون مجيد ) اذن الاتصالية بين العملين : اتصالية داخلية )
اتصالية خارجية :
كقارئ متخصص فان استجابتي تؤسس اتصالية بين ( المنعطف ) وبين ( سائق قطار / قصة قصيرة للرواي الكبير نجيب محفوظ . بسبب السائق يحدث للركاب ما لايحمد عقباه كما حدث لركاب المنعطف وقناة الاتصال بين القصتين هي السرعة الجنونية وقد اراد نجيب محفوظ ان يقدم ادانة قصصية للفترة الناصرية وقد نشرت القصة وعبد الناصر على قيد الحياة ( المنعطف ) التي بين ايدينا هي من اصدارات / دار الشؤون الثقافية / الطبعة الاولى / 2004 لكن الطبعة الاولى كانت قبل سنتين وقد طبعها المؤلف على نفقته الخاصة والسلطة الشمولية الاستبدادية كانت قائمة
عراقية الاتصال :
( نتوء ) السيادة القصصية للواقعي لليومي بسخونته الموضوعة القديمة والمتجددة مجتمعنا الذكوري وهي الموضوعة الاشد قساوة في البيت العربي حتى جاء الدين الحنيف فتصدى لها بانسانيته المضيئة ( اذا بشر احدهم بالانثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم ) ... في (المنعطف ) يتنامى الرمزي تدريجيا الى ان تكتمل دائرته ان سواد اجاز القول – هو اقرب الى السمرة انه يومض بشفراته لفطنة القارئ
الراوية : عراقي محض ، الابطال عراقيون ما يحدث لهم هو من جراء انتاج السلطة الشمولية تصنيعها العسكري الشخوص ضحايا الحروب المزاجية للطاغية الثقفي المزاج معوقيها الذين استاصلت الشظايا : احلامهم فتأجل الضوء حتى ظنها العابر بيوتا مهجورة واذا كانت الرحلة : قصيرة وداخلية في قصة تتوء فهي في ( المنعطف) طويلة بعض الشيء وخارجية انها انتقال من مدينة الى اخرى انها الفرار من الكابوس الى الحلم ( حسبنا مدينتنا كابوسا علينا ان نغادره ) علما ان السفر الى ( سرمارا ) اشبه بسفر الى حلم مستحيل / 13)

سرمارا او اتصالية الكثرة بالواحد :
يرتبط الركاب وهم ( عشرون راكبا او يزيد / ص12) بـ( سرمارا ) ارتباط الكثرة بالواحد فمن هي ( سرمارا)؟
انها المدينة الحلم حيث لاشيء فيها سوى السعادة ( سنصل مدينة سعادتنا لسرمارا اسطورتها والوانها وترفها قصصها جميلة وكلامها حلو ( ثوبها الاسطوري واجواء الليالي الملونة ينتقل اهلها المترفون على بسط من حرير ويتهامسون باجمل القصص واحلى الكلام / ص14) ان ( سرمارا ) مدينة نعم (ابوابها مشرعة للطارئ والغريب لاتحفل بهوية ولا تسال عن جنس او لون يتواصل فيها الليل بالنهار )
ولا شرط لها على من يقطنها سوى الحركة المنتجة والنظافة ( وسيان ان تكون غريب وابنا ما دامت تملك قلبها بعمل مثمر وقلب نظيف / ص15 ) ولها ايضا فاعلية بنسق ثلاثي / تعويضي ( سرمارا العوض عن كل ما فقدت او خسرت مالم يتحقق / ص16 ) وسرمارا قابلة للانسنة وللتانيث ( ولعلها لم تسكن تمثل لديه غير فاطمة ابنة عمه / ص17) وهي النقاء الواسع ( ان يلقي فضاء نقيا وواسعا .. الم تكن سرمارا في نظرها كذلك / ص114).
اذا كان السائق كتلة سلبية من الدلالة ، فان الركاب لا يستحقون ان يكونوا ضحيتها واذا كانت الصحراء بقبضتها الرملية تحتوي من يخترقها فان اولئك الرمليون الذين تحدوها وسكنوها سيكونوا طوق نجاة يخلص الغرقى من الغرق في بحرها الرملي ( ان في هذه القافلة من الرجال من لايستحق الموت / 131 )





الاتصالية السيميائية في رواية
( مولد غراب ) للقاص العراقي
" وارد بدر سالم "

-1-
تتمفصل رواية " مولد غراب " في اربعة مفاصل استعاض المؤلف وارد بدر السالم عن كلمة فصول بكلمة مفاتيح وسنلاحظ ان المعلن عنه في العنوانات الفرعية هي المفاتيح اما المسكوت عنه فهي الاقفال فالمفاتيح عاطلة اذا لم تدر في الاقفال وهذا يعني ان لدينا مجموعات من الاقفال ، تدور فيها مجموعات من المفاتيح ومن هنا يأخذ السرد الروائي وظيفة تفكيكية وهي كالتالي : مفاتيح الكلام تفك اقفال الصمت .. مفاتيح السؤال تفكك اقفال الاجابة/ مفاتيح السيد اقفال القرية .. مفاتيح الخطا والخطيئة هي اقفال الماضي .. القرية بحد ذاتها قفل عصي لم يعثروا له على مفتاح عند الشيخ ولا عند اجاويد القرية كما رفضت الجدة " زهرة " ان تكون مفتاحا لقفل اللعنة على حد قولها . القرية : قفل ولا مفتاح سوى " السيد " الذي تفصله عنها فاصلة مائية " جئناك يا سيد وفينا امل ان تمنحنا بركاتك وتفك عن رقابنا قيد العار / ص34" ...
القرية قفل والسيد وحده من يملك نسخة ثانية لا من المفتاح حسب بل القفل ايضا " هناك من سياتي معي الى القرية وسيجلب معه مفتاح مصيبتكم سياتي بالقفل والمفتاح ص45 " ..
غراب بحد ذاته " قفل ومفتاح " لايحسن تشغيله سوى السيد وغراب مولود من مفتاح الشيخ حسن وقفل المراة المحجوبة التي جلبها السيد معه .. وغراب خاصة وعام انه سواد الخطيئة المتكرر " ولاتظنوا ان غراب ولد مرة واحدة بل ولد عدة مرات وسكن ارحاما لا تحصى وهو دائما يولد في كل يوم من ايامكم الفانية / ص59 ".. القرية لا تجيد سوى استنساخ الاقفال كما يزعم الشيخ حسن " وانتم لا تحلون المشكلة الا بمشكلة " الشيخ يرجع القفل لاسباب سماوية لا رالد لها " يا رجل .. اتقوا الله .. هذا قضاء وقدر ... لا تكفروا بمقدرة الله / ص18 " لكن القرية تعرف كيف تفند هذه المزاعم " لاراد لارادة الله تعالى يا شيخ حسن ولكننا لسنا بهائم / ص18 "
وهناك من يفصح مباشرة " لا نحصد ما زرعه الشيخ حسن .. البلية بسببه " هذا الافصاح يعني ان القفل من صناعة الشيخ نفسه .. نرى ان سيرورة القص تعتمد في حركيتها على فاعلية الحافز المتمثلة في السعي لتخليص القرية مما حل بها فالحافز الذي يحرك الشخصيات ويحاول تخليصها من الحالة القارة التي يريدها الشيخ والحافز باختصار " حالة من الفعل والتوتر فهو يدفع بعضو من الاعضاء الى التحرك لكي يزيل التوتر "- بهذا الخصوص استفدنا من الرواية كائن لغوي ، منذر عياشي ، مجلة العلوم الانسانية العدد الثالث ، 2000 البحرين – وضمن مفهوم دوائر اشتغال العامل فان اواليات الرواية تشتغل على ثنائية الوضع فهناك الوضع الثابت :الحالة القارة للقرية منذ ثلاثين سنة وهناك ايضا بدايات الوضع الدينامي او الوضع الفعال الذي يذر قرنه في الصفحات الاخيرة من الرواية .
-2-
- كعلاقة تتسم رواية "مولد غراب " بتشغيل الوظيفة الاتصالية الدلالية فحمل غراب علامة " ومن خصائص العلامة احالتها دائما الى علامة اخرى " (ص15فرانسوا ازميكو ، المقاربة التداولية ، ت ك سعيد علوش ، مركز الانماء القومي ) وهذا يعني ان حمل غراب ضرورة يراد من خلالها الاتصال بشخص او اكثر لتفكيك شفرتها ولولاها لما حدثت الاتصاليات التالية :
- اتصال القرية بالسيد من خلال المبعوثين اللذين بعثتهما الى السيد " انغمر بشعور من انهما اوصلا رسالة العشيرة والقرية الى هذا الولي الصالح / ص38"
- اتصال السيد بالقرية : كان رده على المبعوثين كالتالي " انا ساتي معكما الى القرية لاقابل الشيخ حسن ورجال القرية وارى غراب / ص44 " ثم يضيف السيد " هناك من سياتي معي الى القرية وسيجلب معه مفتاح مصيبتكم سياتي بالقفل والمفتاح / ص45 "
- اتصال السيد بـ( غراب) وتوليده " خرج السيد الينا حاملا بين يديه كتلة لحمية وثمة صراخ وليد بعث فينا الدهشة والعجب /ص80 "
- اتصال الشيخ بالمراة المحجوبة : يحدث ذلك تحت تاثير توليد السيد لغراب حيث " الشيخ يلوذ بالمراة المرتعشة / ص83 .." وحين يقول السيد " ما عاد غراب بينكم لانه اساسا توهمتم به وبعضكم اوهم بعضكم الاخر فصار الذي صار .. لقد خدعتم انفسكم ثلاثين سنة / ص83 "
اذن لغراب ولحمله وظيفة اتصالية كما نحاول في قراءتنا الخاصة لا وظيفة دلالية لتجلي القصدية في الاتصالية فالقصد هو شرعنة الاتصال بين المراة المحجوبة والشيخ حسن " وقصد من هذا النوع يعتبر قصدا من الدرجة الاولى ومن اجل ان تكون بصدد علامة ينبغي ان يكون ذلك الذي ترسل اليه الاشارة قادرا على التعرف على الهدف الذي من اجله انتجت الواقعة المقابلة للادراك وذلك شريطة الا يكون نجاح العملية موضوع نقاش ( حسب مارسيلو داسكال ، مجلة علم الفكر ، العدد الرابع ، 1980 ، الكويت ) كما ينبغي ان ندرج قصدا من الدرجة الثانية أي القصد القاضي ان شيئا ما يتعرف عليه باعتباره قد انتج بالقصد الاول وحسب مارسيلو داسكال فان :
القصد الاول : ظاهراتيا هو حمل غراب
القصد الثاني : اشهار العلاقة وشرعنتها بين الشيخ حسن والمراة المحجوبة غير المسماة ، واذا واصلنا الحفر فسوف نقول ان حمل غراب ينضد ضمن الية الاتصال غير اللغوية مثل الاعلان / اشارات المرور . اما الاتصالية اللسانية فهي التي فعلها السيد مرة مع المبعوثين ( انظر مفاتيح السؤال ) واخرى مع القرية في مفاتيح الخطأ والخطيئة اما الية الاتصال غير اللغوية الاخرى فهي التي اصطحبها السيد والتي تمتلك المفاتيح والقفل على حد قوله (ص45 ) ان كلام السيد في اهالي القرية يمكن تصنيفه ضمن معيار للاشارية المباشرة والاتصال اللساني عند سوسير ( حدث اجتماعي يلاحظ في الفعل الكلامي ، فلكي يتحقق ما يسميه الحدث بدائرة الكلام لابد من وجود جماعة او شخصين في الاقل اما حمل غراب فيصنف ضمن الاتصال غير اللساني اذن من اجل الوصول الى ما بين الشيخ والمراة المحجوبة التي جلبها الشيخ ومن معرفة المسكوت عنه كان حمل غراب ولولا ذلك لما استقرت العلاقة بين الشيخ والمراة ولولا السيد لما كان ذلك ، فهو الذي فكك الشفرة عبر الاتصال اللساني وغير اللساني ذلك لان حمل غراب لا يخص الشيخ والمراة فقط بل هو شغل القرية الشاغل " وهي لعنة غريبة اشعرتنا بالخزي والعار .. حتى اخذ رجالنا يهر بون اياما وليالى خوفا من الفتنة ص33" على حد قول المبعوثين ومن هنا يأخذ حمل غراب سمة العلامة المشتركة
علاماتيا : نرى ان حمل غراب مرتبط بفعل اجتماعي وهذا يعني ان ثمة اشارية مشتركة للمنخرطين في الفعل : الشيخ / المراة المحجوبة / اهالي القرية " وحين تكون هذه العلامات مرتبطة بافعال اجتماعية نجد اشارية مشتركة للمنخرطين في الفعل " ( ص31- فرانسوا ازميكو ) .
ان وظيفة الحمل في الرواية هي وظيفة اقتصادية فالحمل غيره من ورائه والغير المعني هنا هو العلاقة بين الشيخ حسن والمراة المحجوبة التي اصطحبها السيد " عنبر " معه اما وظيفة السيد هنا " الذي هو اكبر من فريضة واقل من ملاك / ص16 " فهي باختصار " التدخل لرفع الايهام النسقي الاشاري " ( ص51- فرانسوا ازميكو ) .
ان غراب مؤول واستثناؤه بالحمل هو التاويل وحمله نتاج فشل الوجه الاول للفعل الاجتماعي اعني العلامة السيارة / العلامة اللسانية عند المراة المحجوبة اثناء علاقتها بالشيخ حسن .. ان غياب الشرعنة بين فعل الجنس وعطل اللسان فـ( العلامة اللسانية يتوجب عليها الاستعمال اراديا وفي غايات الاتصال " (ص31/ ازميكو ) ان فشل المستوى الاول للعلامة أي فاعليتها اللسانية جعل سيرورة السرد الحكائية تشغل المستوى الثاني اعني التواصل غير اللساني / التواصل العلاماتي .. غراب نفسه ليس واعيا لنفسه وهو ينتج والاصح وهي تنتج من خلاله فهو " ليس سويا ولكنه غير مخبول – الرواية" وغراب وهو البراءة التي انتجتها الرذيلة الفاعلة بين الشيخ والمراة .. ليس له اب او ام .. وجده الشيخ على جرف الشط .." وغراب هذا من سواد الخطيئة اشتق اسمه وان مفردة غراب كعلامة تتكون من وحدة ثلاثية المبنى : الدال والمدلول والقصد . واسمه يقترن بالحدث اللاشرعي بين الشيخ والمراة واذا كان الانسان بالشرعية يعمر البيوت فانه بالضد يخربها . وحين يحل الخراب يتفقس منه الغراب .. لاحظ المجاورة الصوتية بين المفردتين : غراب / خراب ... ان التسمية متأتية من المعرفة ولم لا يكون الشيخ ذاته هو الذي اطلق عليه التسمية ؟؟
لقد ترحل حمل غراب عبر :
اولا: علامة سيارة انتاجها هو وجه اول لفعل اجتماعي محرم هذه المرحلة تتسم بالتستر ..
ثانيا :علامة اشارية تعد فعلا لاحقا وهي ليست علامة لمنتجها الشيخ بنفس ما هي عليه بالنسبة للمتلقي المؤول ..






الباب الرابع

اتصالية المكان بالمكين
العودة الى الكاردينيا
للشاعر فـوزي كريم

قراءتنا الاتصالية هذه لا تقلل من اهمية "العودة الى الكاردينيا " ،بوصفها محاولة متميزة لتأسيس الحضور الانساني الاصيل في المكان "الكاردينيا " وبالمكان ، بوصفه شخصية رئيسة اضطهدت كما اضطهد الانسان الذي عليها ،وتعرضت للتدمير كما تعرض الانسان الذي يقطنها، حين امتلك "الديكتاتور " الارض العراقية وما عليها .
اختلافنا مع الشاعر المتميز "فوزي كريم " لايقلل من محبتنا لشخصه واستفادتنا الشخصية منذ البدايات من دراسته القيمة حول القصة القصيرة العراقية في" من الغربة حتى وعي الغربة " فهي ودراسة " "انور الغساني" امراض القصة العراقية / مجلة الاقلام / 1971 " استفزتنا البداية الشخصية لنا ، كما ان "ثياب الامبراطور " جهدا استثنائيا في الكشف النقدي عن مواطن الخداع في مرايا الحداثة .
لكن للاستجابة سطوتها وسلطتها علينا ، وقد استفزها جانبا معينا من النص الممتع والضروري " العودة الى الكاردينيا " وجعلتنا نركز عليه دون سواه .*العودة الى الكاردينيا / فوزي كريم / ط1 / المدى / 2004
(3) اتصالية النص بمكملات النص
بين مقدمة النص "العودة الى الكاردينيا / فوزي كريم "، والنص فاصلة زمنية . قبل نهاية الصفحة "225" وهي نهاية الكتاب ، وبحروف اشد سوادا نقرأ "اكتمل النص في عام الفين " .
في الصفحة الثانية من المقدمة ، وهي الصفحة السادسة ضمن التنضيد الطباعي ، نقرأ مايلي " بعد التحرير الذي يشبه معجزة " وهذا يعني انها "المقدمة " كتبت بعد مضي ثلاث سنوات او اكثر " ومن المقدمة يعرف القارئ ان المؤلف الشاعر "فوزي كريم " وبسبب المعجزة / التحرير لا المعجزة الاحتلال كما اعترف بذلك المحتلون انفسهم "تولدت فكرة مواصلة هذا النص ، فرحت اسعى لكتابة جزء اخر عن مرحلة المنفى .. وفي الرأس ملامح جزء ثالث عن العودة / ص6 " سيلاحظ القارئ الوظيفة الذرائعية للمقدمة وسيتضح الامر الاكثر ، حين يؤكد الشاعر "فوزي كريم " ان الاهمية التاريخية للنص لاتأتي من تاريخيته المحض ، بل من منضوره الذاتي للتأريخ ، ويقع ذلك في صميم حرية التناول ، فالمؤلف لا رغبة له في كتابة سيرته الذاتية ،والتي سبق وان اختزلها في الاوراق الاولى من كتابه الممتع "من الغربة حتى وعي الغربة " الصادر ضمن سلسلة كتاب الجماهير / من وزارة الاعلام العراقية في اوائل السبعينات فـ"هذه الاوراق لا تنطوي على رغبة استعادة لسنوات التاريخ الشخصي / ص5/ .. الكاردينيا " اذن الكتاب ليس سيرة ذاتية كما هو الحال مع "سيرتي الذاتية / عبد الوهاب " "حياتي / الجواهري الكبير " "حياتي في الشعر / عبد الصبور " "المسرح حياتي : نعمان عاشور " والشاعر فوزي كريم سنلاحظ انه يستعمل الحاضر مفتاحا ليعالج به قفل الماضي الصدى "محاولة لادراك الماضي على ضوء مشاعر الحاضر وراؤه وافكاره / ص6 " ،وهو يفعل التاريخ لا عبر منهجية معينة ، بل عبر استرجاعات ذاكرته الشخصية وبهذه الطريقة ، ينفخ في روح الكتابة "فاعلية شخصية مستقلة وعلى قدر من الحرية / ص5 " .. ما سوف نقرأه في " العودة الى الكاردينيا " هو جزء من تاريخ الابادة للانسان والمكان في زمن "زمرة البعث والعائلة الصدامية / ص6 " وهو بهذا التركيز يتصل موضوعه مع "البصرة جنة البستان / مهدي محمد علي " من ناحية التركيز على المتغير الجغرافي / القسري ، لكن " العودة الى الكاردينيا "اكثر جرأة في التشهير، بالمتسبب الحقيقي " العائلة الصدامية " ، هل تعود الجرأة لـ"معجزة التحرير " التي منها "تولدت مواصلة هذا النص / ص6 "
(2)التكاملية / الاتصالية :الكاردينيا / العباسية :
يدخل الشاعر الى الوطن ، من بوابة اللحظة المنتشية ، ليستروح الجمال المحض ،أليس الكاردينيا من اجمل الورود ؟ انها ليست مجرد خمارة ، كما هو الحال مع خمارة "البحرين / ص98 " ان للكاردينيا سمات متفردة ، فهي ترتبط بمنطقة "العباسية " حيث كان يسكن الشاعر فوزي كريم ، بعلاقة مراوية " لو وقفت على بوابة الكاردينيا ، لرأيت العباسية او شبحها الذي لايزول امام ناظريك في جهة الكرخ / ص6 " اذن للكاردينيا : وظيفة الدليل الذي هو شيء ما ،تسمح معرفته بمعرفة شيء اخر/ بحسب "بيرس "
ولهذه الثنائية "الكاردينيا / العباسية "سطوة سحرية لانفاد لها في الزمن النفسي للشاعر وكتابة الثنائية ، محاولة اعادة تشييد ،لما خرجته "وحوش العوجة " " زمر البعث والعائلة الصدامية / منذ منتصف 1974 ،بدأ الاجلاف يلتقطون على هواهم ،شبانا صغارا ، يدخلونهم بيت الاسرار هناك ينهالون عليهم ضربا ... ثم يخرجونهم بعد وجبة تحذيرات من افشاء السر ، ما حدث كبار السر بدوأ بأستلام الرسالة وفهم المغزى . فهذه اولى الدعوات غير المباشرة بمغادرة المحلة / ص166 " ... ان اتصالية "الكاردينيا " بـ"العباسية " جد متداخلة " انهما معا يشكلان لحنين متداخلين في اغنية رقيقة باكية / ص6 " وجد حزينة والكاردينيا هي اتصالية اللا منتمي بالمكان الامن انها"ملاذ الغائب " في زمن بغيض مغلق " كان اصدقائي قلة تكتب القصة والشعر.. مثلي تغذ السير بلا هدف ولا يملكها ايمان العقيدة .. فأوقدهم الى خمارة الكاردينيا وهنال نطمح لمزيد من التساؤلات ونغفل عن رضا ، عن رغبة بأجابة / ص82 ".. ان هذه القلة البيضاء لاقدرة او لاتريد تفعيل قدرتها في التصدي لما يحدث من خراب هي اكثر وعيا له من سواها ، بل تنسحب ليتقدم الخراب بكل اسلحته المدمرة ، قلة لا ترى سوى الوحش في العقائدية اما الزهرة فلا تصدق بوجودها " ان الكلمة العقائدية لا تملك بحكم طبيعتها ان تتحول الى زهرة كما توحي بذلك ادبيات المنظرين ، بل هي بحكم طبيعتها الكامنة لا تملك الاان تتحول الى وحش كاسر بأنياب و مخالب / ص99 ".. في "الايدلوجية الالمانية " وهي من كتبه الهامة والمترجمة الى العربية ، اكد كارل ماركس ، ان الايدلوجية ضيقة مقارنة مع مجريات الحياة اليومية – نرى ان العقائدية سلاح ذو حدين ، والعيب ليس فيها بل في طريق خيانتها واستعمالها للصالح الضيق جدا . ان ليست العقائدية عاطلة عن انتاج الايجاب ، للانسان المغيب / المقموع / ، ان العقائديين من شيوعيين واسلاميين ، هم الذين تقاسموا المقابر الجماعية ، بعد وقوف عقائدي لا يلين ضد اشرس استبداد في الكون وهو استبداد وحوش العوجة اما غير العقائدي فانه اكتفى بالقول " هذا نذير شؤم ، هذا نذير شؤم / ص82 " ، وقبل ان تشتد الحملة الفاشية ، في مطاردة الخيرين في العراق ، وصل اللامنتمي / الشاعر " فوزي كريم " " قبل اعياد ميلاد 1978 ، من فرنسا الى لندن.. ص"7 ..
وصل بعد مضايقات لم يعد يحتملها في بغداد ، وكان يخشى من مستقبلها عليه " راجع 120 / 123 " ... وقد نلتمس له العذر فهو يريد ان يحافظ على ماء الوجه وبالفعل فقد حافظ الشاعر فوزي كريم على وطنيته التي لا تشوبها شائبة وبقي هناك بعيد عن كل ما يمت لسلطة البعث الفاشية ، والشاعر يبرر مغادرته للوطن في قوله " الشيوعي يولد من ذعره ، شجاعة المناضل من اجل المبدأ ص120 " والشاعر " لا مبدأ لي اناضل من اجله ولا رفاق احيطهم علما بما يحدث في طيات روحي التي ذهبت بعيدا فرديتها / ص 121 " لكن فرديته هذه حصنته ضد مخالب وحوش العوجة " ففردي عابث كهذا لا يشكل نواة خطر على السلطة / ص121 "

"3" الاتصالية/ الناقصة
في الفقرة المرقمة "34" والممتدة من ص185 الى صفحة 193 "، يقتطع الشاعر فوزي كريم هذه الصفحات من كتاب " مقتل العائلة المالكة / فاضل حنظل " ويستأنف الحديث عن الموضوع ذاته في الفقرة "35" المنتهية في " 199 ص" مركزا في تناوله على بشاعة الرعاع من العراقيين ، في التمثيل بجثث في رموز النظام الملكي ، لا نختلف مع الشاعر ان كان قصده رفض مثل هذه الممارسات ، في حين يبدأ " ص85 " كالتالي على جسر مود قتل في مظاهرة مناضلون ، سمي بعدهم بجسر الشهداء شارع الشهداء " من الذي قتل هؤلاء ؟ وفي عهد من قتلوا ؟ ولماذا ؟ وهل كان الاسر يستحق القتل ؟ اهكذا ايها الشاعر تختزل " وثبة كانون " 1948 ؟ ثم تعود لتركز على المكان الذي سيعلق عليه الوصي ؟ الا يستحق شهداء الوثبة مثلا اقتطاف من مصدر تاريخي ويالكثرة المصادر ؟ ام خشي ان تحسب فكريا على مؤلفي المصادر وهو الشاعر اللامنتمي.
للاسف ان الشاعر فوزي كريم بسبب كرهه للعقائدية لا يريد ان يرى الاسباب الحقيقية للعنف الذي هو رد فعل على عنف السلطة الملكية ... حيث " حل نوري السعيد في عام 1954 البرلمان وحكم البلاد بصيغة استثنائية ليست دستورية حاشية ص 185 / من حوار المفاهيم الى حوار الدم / على كريم سعيد / ط1 / 1999 / بيروت / دار الكنوز الادبية " وفي هذا الصدد يقول " زكي خيري " " في شتاء 1955 / دخل العراق حلف بغداد / وشكل الحلف " لجنة مكافحة النشاط الهدام " لمكافحة الحركة الوطنية الثورية وخصوصا الحركة الشيوعية واخذوا يشددون الخناق في السجون ايضا ومن بوادر ذلك اسقاط الجنسية عن الشيوعيين وابعادهم الى تركيا .. ص 175 / صدى السنين / في ذاكرة شيوعي عراقي مخضرم " وهذا بحد ذاته يؤكد ان الفترة الملكية ليست بالفترة الوردية التي كان يمر بها العراق وانها لا تستحق كل الاسهاب من المشاعر " فوزي كريم " ، وبالطبع لا وجه مقارنة بينها وبين الفترة البعثية " 1962 _ 2003 " ولكن علينا ان ننظر لكل فترة على وفق مفهوم التحقيب . لا بحسب نظرة رومانسية لا طبقية / انسانية بلا ضفاف لا تريد ان تميز بين الضحية والجلاد دامت ليست طرفا مباشرا في ذلك ....
يلتقط الشاعر المشهد التالي بعد سقوط الملكية مركزا على ماتبقى من الجثة المحترقة لنوري السعيد " ان هذا الفخذ الذي عبر بيتنا جاء ليطمر رائحة الثورة التي فتحت بوابة الخراب القادم / ص199"ان اللا منتمي فوزي كريم الواقف ضد أي نوع من انواع العقائدية يبدو اكثر ملكية من الملك وهو دون علم منه يقف مع كل اولئك الذين ساهموا في ملفات مجلة " افاق عربية " في الدفاع عن الملكية ورسمها بالابيض الناصع ، وعلى حد قول " عزيز الحاج " اذا كانت كل هذه المحاسن للملكية فكيف قامت ثورة 14 تموز ؟؟ كما ان الخراب القادم لم تفتح بوابته ثورة 14 تموز " بل كل اولئك الذين مهدوا السكك الحديدية لقطار 8 شباط 1963 / الدموي
الاتصالية / الفنتازية
"4"من الذي رأى في "14"تموز هذه الرؤيا المتجنية ؟
حيث يستأنف الشاعر رؤيته قائلا ... كل حملة اعدامات قادمة هي ترداد لصدى هذا الفخذ في اقبية الرعب .... ص 199 " من الذي رأى ؟ وكم كان عمره حين رأى ؟ حين كتب فوزي كريم قصيدته عن " حسين مردان " كان ذلك في عام 1972 ويومها كان الشاعر فوزي كريم " في الثانية والعشرين / ص82 ... الكاردينيا " اذن فوزي من مواليد " 1950 " وعندما قامت الثورة كان في الثامنة ، يمكن ان تكون هذه رؤيا لشاعر مكابد متغرب في المنافى ولا يمكن ان تكون رؤيا لصبي في الثامنة ، ورؤيا الشاعر هي رؤيا من يريد ان يحتوي المشهد العراقي بعيدا عن عقائدية الضحية والجلاد بل عبر مفهوم انساني لا ضفاف له يتماهى الشاعر فيه مع التاريخ / المشاعر الذي نفذ بجلده قبل ان يسلخه البعثيون الذين كانوا يوصلون اخباره الى كل من يهمهم الامر " راجع ايها القارئ من ص 119 _123 " ، لنسمعه وهو يقول " التاريخ يغفر عادة ، والتاريخ في المدى البعيد ينسى ويغفر .
اما الناس ، ابناء المدى القريب فلا يغفرون ، وانا شاعر كالتاريخ لا كالناس ، شاعر لا تأخذني مشاغل الايام وردود افعالها فتنسيني الغفران / ص166 " ان تماهيا فنتازيا / متعاليا عن الامنا نحن الذين فقدنا اعز مانملك في مقابر جماعية لم يعثر عليها حتى الان تجعلنا نعيد النظر في اطروحات الشاعر المتعالى على الامنا والمتضامن مع الام من نصبوا المشانق لقادة الفكر اليساري في العهد الملكي كما ان تماهيا من هذا الطراز بين ذات "شاعر" وبين موضوع " التاريخ " يرفض الشاعر نفسه " على يدهم تمت اقتلاع شجرتي وحرق جذوري ... 162ص " وهو في تماهيه التعجيزي يناقض ما قاله في المقدمة "محاولة لادراك الماضي على ضوء مشاعر الحاضر ورؤاه وافكاره ، حتى لتبدو غير وفية بالضرورة للتاريخ قدر وفائها للذاكرة والذاكرة ليست التاريخ ولا تتطابق معه بل هي فاعلية شخصية مستقلة وعلى قدر من الحرية / ص6 اذن لا تطابق بين ذاكرة وتاريخ ولا تماهي بين تاريخ وذات شاعر: ممكن الحدوث خصوصا وان " التاريخ ينام بفعل الاجهاد فيخرجون من ظلمته / ص 166 " اولاد العوجة على حد قوله الشاعر فوزي كريم .

بصرياثا : جنة البستان
قراءة اتصالية في كتابين
البصرة جنة البستان للشاعر مهدي محمد علي
بصرياثا صورة مدينة للقاص محمد خضير
((1))
في البصرة جنة البستان الشاعر مهدي محمد علي يحاول ان يستعيد ما اخذه الزمان من الامكنة من جراء التغيير العمراني الذي لايخلو في الكثير من الاحيان من قسوة وقلة دراية بطبيعة المكان ذاته فـ( ان مايسمى تخطيطا عمرانيا لمدينة عصرية تعكس فوضى كونية مصغرة لااجد تفسيرا لمجاورة مستشفى ولادة لمقبرة او ملهىة لدار عبادة او سجن لمدرسة فعل الاستعادة عند الشاعر على ذاكرة فردية بشكل رئيسي يعتمد على الذاكرة الواعية / الثقافية / المعززة بالمراجع كما هو الحال عند القاص في بصرياثا .
((2))
ان الشاعر يستعيد المدينة بذاكرة الطفل الذي كان ( غايتي الاساسية هي رسم المدينة بريشة المذاكرة الاولى وبحدود امكانيتي المؤرخة وخلاف ذلك يعني التخلي عن المخزون الطفولي التلقائي ) من هذه الغاية المعلنة يتشقق السؤال التالي : من الذي يقوم بالتوصيف لفترة الخمسينات الطفل مهدي محمد علي ام الشاعر المنفي مهدي ؟) ان الاستعادة مزدوجة القيمة فهي استعادة ما ياخذه الزمان عبر حركيته الطبيعية من الكائنات الحية وغير الحية كما انه استعادة ما استلبته المنافي من العراقي الشاعر وعلى حد قول قاص وروائي عراقي ( ان الذكريات والاصالة عند المنفيين هي كالنواة في الخلية اذا تشوهت واضطربت فأنها تصيبهم بسرطان روحي قاتل ) والشاعر مهدي محمد علي لصيق بالمكان لائذ به لانه منتزع منه ،لقد انتزعته مخلب لامثيل لشراستها في العالم هنا تأتي كتابة المدينه تذكرها كرد فعل متألق على هيئة استعادة ذهنية ..رد فعل هذا هو المسكوت عنه والمعلن عنه بأختزال شديد فعلى الغلاف الداخلي السطر الاخير هو التالي( كتب خلال 1982 -1990 ) ويتكرر الامر في التقديم / ص5 .
((3))
وقائعية الخطاب مقصودة لكنها واقعية تلقائية لاتمد جذورها في الكتب والمراجع،انها توثيق ذاكرة اولى تكون فيه(الصور ضمن الوانها في الذاكرة وحتى ضمن غموضها الاثير او اختلاطاتها الغريبه) ذلك لان فعل الكتابة هنا يتم من خلاله( رسم المدينة بريشة الذاكرةالاولى والذاكرة الاولى احيانا لاتسعفها ذاكرتها على التذكر،فتستعين بذاكرة اخرى مجاورة لها ويمكن اعتبار الذاكرة الثاتية مرجع شفاهي(ام الشاعر 9 كما هو الحال في فصل (ذكريات/ ص45 ) :( وتحدثنا امس عن سنوات لم نكن قد ولدنا الا بعد مرورها عاما/54)وهناك ذاكرة ثالثة(ويحدثنا اخي الاكبر عن تلك الايام حين كنا في الابتدائية /ص61 )..المؤلف/الشاعر غير معني بالبصرة كلها،وله الحق في ذلك انه يتجول في ازقتها /مقاهيها/ دور السينما/ الخان/ اغاني الخميس/ طقوس العبادة / الاعياد/ علامات البصرة البشرية.. الخ لكنه يتوضع في (جنة البستان)ولا اعني البصرة كلها بل تلك البقعة المباركة العزيزة على قلب الشاعر وروحه وذاكرته الكائنة خلف المقصف/ في منطقة الساعي (وخرجنا من المقصف .. قطعنا طريقنا في العودة عبر دروب نعرفها من( ايام البستان) ولكننا مررنا بها هذه المرة تحت جنح الظلام/ 1994 /1995 والبستان كما تصفه الام ( جنة من الاعناب امام الكوارث الطبيعية التي تهدد جمال البستان )( اقول : ياامي ان البستان جميل ) فتقول (لو رايته قبل الفيضانين / 58 ) والشاعر جاء الى الوجود بعد ان تحول جنة البستان من واقع معيش الى ذكرى ( جئت الى الدنيا / بعد الطوفان الثاني / الذي ذهب بما تبقى من جنة البستان / على حد قوله في ( مدخل ) يلي الـ( تقديم ) . والشاعر لايرى المدينة الا من خلال تموضعه البيتي ( استؤنفت الاعمال في الطريق الجديد الموازي للنهر والمتاخم للبستان ) انبسط الامتداد الواسع الذي سيستقل السيارات والحافلات والشاحنات .. فيصبح الطريق الجديد طريقا للعودة من العشار الى البصرة القديمة .. كنا دائمي النظر الى ذلك الطريق عبر النهر .. نتـأمل انواعا من عمال الطرق ومكافحة الامراض المتوطنة والحشرات / 45 ) وكذلك في قوله ( لم تكتف السفن النهرية ( المهيلات ) عن القدوم الى هنا في موسم جني التمور / ص48 نرى ان المشاهد كلها ( مبارة ) أي ان المتغيرات الفاعلة في البنية الاجتماعية يراها المتذكر من خلال تموضعه البيتي الثابت .
((4))
لنفكك العنوان كالتالي من تموضع الشاعر الثابت يمكن ان نشتق هذا العنوان ( طفولتي :جنة البستان ) والعنوان معبر بحق عن الهوية الذاتية لخطاب التذكر لكن قراءتنا ترى ان هذا الجزء ينتمي الى كلية مكانية هي الاكثر جمالا في عيني الشاعر وفي عيون البصريين فيكون العنوان هو ( البصرة : جنة البستان ) ان البصرة كلها جميلة والبستان في عيني الشاعر : هو البصرة كلها : اذن البستان هو الجمال كله..ألم يقل ذلك الصحابي (الدنيا: بصرة).


((5))
خطاب التذكر في( جنة االبستان) عبر ثنائية نصية يتحرك:
شعري يميل الى القصر.
تسبق النصين عتبة نصية تتكون من(1) تقديم (2) مدخل شعري قصير محدد فترة مجي الشاعر اللى الوجود ، والنص الشعري اشبه ما يكون تتمة شعرية تاليته لنص نثري كما هو الحال مع قصيدة (عيسى عمران) فهويحدثنا عن الشخص ذاته في الفصل الحادي عشر ( اطياف اولى/ ص228 )او يكون النص النثري اشبه بتفكيك سردي للنص الشعري الذي يسبقه كما هو الحال في الفصل ذاته الذي يبدأ بقصيدة (البيت الاول ) (225 – 226 ) يلي ذلك النص النثري حول البيت نفسه (227 – 228 – 229 ) وبهذه الثنائية النصية يتصل (جنة البستان ) بكتاب ( مطالع السعود ) لعثمان بن سند ، حيث يترافقان الشعري/ النثري في مسيرة الكتاب .. في مطلع فصل (ولاية سليمان باشا الكبير ) يعمد ابن سند الى الوحدة اليردية الصغيرة التالية ( جاءه البشير بآلياتها والبسه حلة زعامتها وكفالتها ) ثم يفكك هذه الوحدة شعريا مستعملا مجزوء المتقارب بأربعة ابيات ،وكذلك يفعل مهدي محمد علي فهو يبدأ الفصل الثاني بقصيدة (تلك الجنة /ص25)وهي وجيز شعري لما سوف يسرده علينا بعد ذلك في /ص58.
(6)
بصريانثا :تتكون من جنسين أدبيين (1) نصوص سردية على هيئة فصول هي محتويات الكتاب (2) نصوص فوتوغرافية تتصدر الفصول كافة بأستثناء (حلم نهر) النصوص الفوتو غرافية تشكل من جانب اخر /اغلفة داخلية للفصول ويمكن ان نطلق عليها اغلفة فرعية / مسبوقة بالغلاف الرئيس للكتاب . على حد العنوان التفسيري بصرياثا /صورة مدينة .. هذه الصورة المتكونة من صور الاغلفة الداخلية / الفرعية .
وصورة المدينة : سيرتها فوتوغرافيا وثمة تجاور في الصوت بين صورة / سيرة ومن الممكن للقاص الماهر ان تتحول على يديه الصورة الى سيرة حين ينظر الى الصورة بعين المخيلة القصصية وعين التذكر الوقائعي كما فعل الروائي الجزائري رشيد بوجدرة في روايته ( التفكك ) التي تدور حول خمسة من قياديي الحزب الشيوعي الجزائري تجمعهم صورة فوتوغرافية واحدة .. والقاص العراقي محمود عبد الوهاب في رائعته ( سيرة / احدى قصص مجموعته " رائحة الشتاء " )




((7))
كتاب الشاعر مفتوح ، نهايته نسبية وهو كتاب تذكر . والذاكرة بين (1982 – 1990 ) قالت (بعض ) : الاكل مالديها .. خشية على الذين في داخل الوطن ..الان وتحديدا 2003 هل بمقدورها ان تستقبل الماضي ؟ هل التذكر هو الاجراء الوقائي الذي يوقف عن البصرة : الخراب ( هذا الكتاب بحاجة دائما الى طبعه مزيدة مادامت البصرة تعاني الخراب تلو الخراب / ص7 ) .. القارئ يقرا الذكريات لتستفز ذاكرته على المقارنة بين بصرتين : بصرة الخمسينات ( اعوام البهجة ) وبصرة الثمانينات : القمع / اعدامات الجملة في السجون / القتل في الحرب التي استأجرونا فيها لنقاتل الجارة ايران نيابة عنهم والموت جماعيا في حفرة يطلق عليها مجاز مقابر جماعية او المرقنة قيودهم لانهم ليس من العرب الاقحاح كما يريد لهم النظام . . ان ( الكتاب يشيخ ايضا )هل هناك من ينوب عن المؤلف لتجديد شباب الكتاب وانقاذه من حتمية الشيخوخة ؟ ذلك ما يخبرنا به مؤلف بصرياثا وهو يتركنا متاهة ميتافيزيقية توصلنا الى حافات رؤى بورخس او على عتبة من عتبات مدن كالفينو اللامرئية ( لان الطريق الصاعد هو الطريق النازل فقد تصورت بصرياثا مدينتين كنت موجودا فيهما في آن واحد / ص15 بصرياثا ) ان الفهم الميتافيزيقي للوجود الذي يؤكد على اولوية الوعي على المادة نلمسه واضحا في (ص12- 13 ) ان شعرية التضاد في السرد لذيذة جدا كاسلوب ولكن كفكر يجعلنا نتمهل متفكرين به.. كيف يحدث ذلك ( قبل طروادة كانت الالياذة ) اين كانت طروادة ؟ او في قوله ( فوجودنا الاول في مكان هو بداية الخلق اما انتقالنا الى مكان اخر فهو استمرار خلق لا اعادة خلق / ص14 ) .
هل اصبح القاص مؤلفا للكتاب عبر بريد تناسخ الارواح ( هناك من كان يشبهني بين الخلطاء زاحم الجاحظ وصنف كتاب بصرياثا عاش الكتاب قبلي وكان سيؤلفه واحد غيري لااعرفه لولا انه ارسله الى عنواني الذي لم يكن ليوجد لولا المدينة ) كما تستوقفنا هذه التخريجات الميتافيزيقية التالية : ما كانت بصرياثا لو لم استولدها ، لولا لم استولد خططها في هذا الكتاب ) ( نطفت هذا الكتاب قدمت من العدم ) ( لتمنح اسما لوليد عليم بولادته ) ( لان ولادته تكررت مرات ومرات ) .. يمكن لاستجابة القارئ التقدمية المنحى ان تستقبل المقوسات الانفة الذكر عندما توظف في نص شعري ، لكن تواجدها كوحدات سردية صغرى تجعلها عصية على مثل هذه الاستجابة .


((8))
القاص الذي في (محمد خضير ) هو الذي كتب (بصرياثا) بعد كتابته ( المملكة السوداء ) (و45 مئوي) أي القاص المسلح بخبرة قصصية متميزة والتي جعلته متفردا في حقل اختصاصه الابداعي ..والقاص في بصرياثا يتمرن على كتابة قصص قادمة اذن يمكن اعتبار( كتاب بصرياثا ) مشغلا قصصيا ( اريد لكتابي هذا ان يمهد للقصص التي تاتي بعده / 13 ) ان مقاطع قصيرة السيرة الذاتية للقاص محمد خضير موجودة في الكتاب ( مدينة متنقلة / القسم الثالث / ص112 / يوميات الحرب /135 ).. اسلوبيا يستمر القاص في تشغيل مخيلته القصصية في بصرياثا فنحن لانلاقي اليبوسة التي سنلاقيها في كتاب سيري / مديني كما هو الامر في كتاب الروائي عبد الرحمن منيف ( عمان / سيرة مدينة ) واذا كان مهدي معنيا اساسا بمكان معين ثم يسعى للابتعاد عن مرز الدائرة / البستان ) فان محمد يتنقل بين الامكنة كافة فمن مائيات ابي الخصيب الى رمال عين الجمل ومن حلم نهر الى مدينة متنقلة وهو يوزع علينا ( عطايا الجمعة ) ثم يدعونا الى وليمة تقام في مقبرة ام البروم وهو ايضا يتنقل في الازمنة ابتداءا من عام الطاعون الاكبر (1831-ص39) وانتهاء بالنار التش اشعلها الطاغية نيابة عن اسياده ضد ايران ( يوميات الحرب /135 ) في البصرة جنة البستان الشاعر يلتزم بما اعلنه في العنوان الذؤائعي للكتاب ( البصرة في خمسينات القرن العشرين ) حيث ينتهي مع بداية ثورة 14 تموز الخالدة / ص335
((9))
اذا كان الشاعر يعتمد على الذاكرة الاولى فان القاص يسلح بالمراجع والمصادر ليدخل مدينته ليتعرف من الداخل اليها انه يستعير ذاكرات مستشرقين / فلاسفة / حكماء ليعزز رؤيته هو انه يستعير عيونا اجنبية ليرى المحلي / الخاص / الحميم / منذ الفصل الاول ونحن نرى السقراطي / ص18 ونتصالح مع التناقض في المدينة على وفق حكمة الغرب / ص21 وندخل الى عين الجمل من خلال قيادة ثيسيغر لنا في رمال العرب واذا انحدرنا في شط العرب فبرفقة ( مدام ديلافوا / ص56 ) عام 1881 ثم تختفي المدام ليظهر اخرون (نيبور ) ( تافرينه) (باسنز ) ان الاخر هو الذي يحسسنا بجمالية المكان الخاص بنا ، واذا اردنا الدقة المعلوماتية فاننا نستعين بالمعلومة ذات الاصل التاريخي ( وكان البلاذري قد ذكر (120) الف نهر / 58 او ( البصرة ارض نخل قال عبد الرحمن بن ابي بكرة غارسا اول فسيلة في رمال المدينة البصرة / ص81 ) القديمة برفقة مؤرخ بصري حديث ( يوسف ناصر العلي /81 ) نصغي الى السياب / كاظم الحجاج / حسين عبد اللطيف / محمود عبد الوهاب وابي حاتم في كتاب ( النخل ) ومحمود احمد السيد وهو على ظهر السفينة (باجورا ) ونحن نتوغل في ( جنة البستان ) سنرى تومان احمد الوطن / الخياط حميد علوان / العم نجف ... الخ .
((10))
الكتابان لذيذان وكل منهما له منظوره الخاص يرصد من خلاله المدينة في تحولاتها .
((11))
انعدام المسافة بين القاص والمدينة جعلته يشتغل على النول / المخيلة القصصية او يستعين بعين كان بينهما وبين المدينة مسافة المراقب / الراصد لا العائش فيها حد التماهي .
((12))
انتباذ الشاعر عن المدينة : انتباذ قسري دفعته اليه اليات القمع السياسي حاول الشاعر العودة للمدينة انتقاما من قسرية الانتباذ فاستعان بريشة ذاكرته الاولى .
((13))
بصرياثا : المدينة مقروءة بمراجع محلية / عربية / استشراقية
جنة البستان : استعادة المدينة عبر الذاكرة الاولى .



#مقداد_مسعود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صفاصف
- أ.د علاء العبادي/ قراءة في (المغيّب المضيء) للشاعر مقداد مسع ...
- جملة ٌ معدنية
- أطبخُ أحلامي
- ميخائيل نعيمة / نجوى بركات
- لينين / تولستوي
- قصي الخفاجي : عرّاب القصة القصيرة
- 14 شباط 1949
- حاوية
- قراءة الكاتب ماجد قاسم في (رأيته ُ يغسل الماء) : مقداد مسعود
- كوخٌ على موجة
- الشاعر جلال عباس يتنزه في (رأيتهُ يغسل الماء) للشاعر مقداد م ...
- الكاتب شاكر شاهين/ قراءة في (رأيته يغسل الماء) للشاعر مقداد ...
- ثم...
- هشتن هربرت
- مقداد مسعود/ بقلم الكاتب محمد علي محي الدين
- بطنج
- مروان الحمار
- محمد عطوان (أصل الطيبة)
- زهور ما تيس


المزيد.....




- في اليوم الدولي للغة الأم.. اليونيسكو تناقش معركة الهوية في ...
- المفكر الفرنسي جيروم هورتو: غزة تمثل لحظة إنكار تام لجوهر ال ...
- -الدور السياسي للقبيلة في اليمن-.. قراءة جراحية في جدل الهوي ...
- كيف فككت السينما والدراما شيفرة العلاقة بين الدولة والكارتيل ...
- الحافظ خليل إسماعيل.. -بستان الأنغام- العراقي الذي طوّع 77 م ...
- -قافزو الزمن-.. رهان على الهوية الإسلامية في سينما الأطفال
- فيلم -معركة تلو الأخرى- يتصدر قائمة الفائزين بجوائز -بافتا- ...
- إمبراطورية الست.. تفكيك خمس مغالطات تاريخية في مسيرة أم كلثو ...
- الفنان محمد هاشم في حوار مع (المدى): الدراما في تطور ونمتلك ...
- حكاية مسجد.. مسجد الكهف أو -زاوية درنة- الليبية


المزيد.....

- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مقداد مسعود - أذن عصية لسان مقطوع