أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مقداد مسعود - مصطفى جواد















المزيد.....



مصطفى جواد


مقداد مسعود

الحوار المتمدن-العدد: 8651 - 2026 / 3 / 19 - 13:39
المحور: الادب والفن
    


مصطفى جواد... (سيدات البلاط العباسي)
1-2
حكايات المؤرخ
مقداد مسعود
(*)
(قل ولا تقل) أول كتاب سمعي في العالم العربي، أنطلق من إذاعة بغداد في 1958..
(*)
لا يحتاج تعريفا ولا شهادة: يكفي أن نقول أنه الجهبذ العلاّمة الدكتور مصطفى جواد (1904- 1969) – طيّب الله ثراه- عضو في المجمع اللغوي العراقي والمصري والسوري.
(*)
1970 مكتبة في الهواء الطلق، تبيع الكتب، المكتبة قبالة سينما الرشيد في مدينتي البصرة، لمست عيناي غلاف كتابٍ عنوانه (الحريم في البلاط العباسي) يدي قلّبت الكتاب كما يقلب عالم آثار لقيةً نادرة ً.. أيلول 2024 بين يديّ الكتاب نفسه طبعة 1950 بعنوان(سيدات البلاط العباسي).. المسافة شاسعة بين التاريخين وبين طالب الثاني متوسط وبين الشيخ الذي هو الآن أنا وبين ومتغيرات شرسة لا تعد ولا تحصى على كافة المستويات، لا سينما الرشيد ولا بائع الكتب كريم الأحدب، ولا تلك الكتب الفوّاحة برائحة الورق.. لحد هذه اللحظة لم أعثر على البصرة في البصرة وأنا راسخ فيها لا غادرتها ولا غدرتها.. ولم أتقدم بأي شيء سوى المعرفيات والعرفانيات
(*)
بدأتُ عملي هذا منذ كانون الثاني 2024 واليوم 19/ 3/ 2026قررتُ إطلاق الجزء الأول منهُ.
(*)
في كتابه ( سيدات البلاط العباسي) مصطفى جواد، يزيح شهرزاد، ويتموضع في حيز ٍ مرفهٍ من تاريخ الخلافة العباسية، يدخل قصورها وثراءها وبذخها وقبورها.. وتتكشف أمامه الستور والستائر
(*)
هل كتابه (سيدات البلاط العباسي) من ثمرات حفرياته المعرفية وهو منشغل في رسالة الدكتورا في باريس والتي عنوانها(سياسة الدولة العباسية في أواخر عصورها) ؟! يمكن الإجابة التامة لو كانت رسالة الدكتوراه، بين أيدينا
(*)
في ص82 يتحدث الدكتور مصطفى جواد عن الجارية والمغنية فضل صاحبة الخليفة المتوكل، ويعتبرها، من النسوة الخوالد، ذوات الآثار الكريمة والآداب البارعة، ولئن جاز التاريخ أن يتغاضى عنها من حيث هي سيدة من سيدات البلاط العباسي... وهنا يستدرك الدكتور جواد قائلاً (لئن تاريخنا تاريخ الرجال، لم يجز له أن يتغاضى عنها من حيث أدبها الرفيع وروحها الخفيفة وفصاحتها المحكمة، وبديهيتها الحاضرة في النظم والنثر) المرأة يومها ضمن اقتصاد السوق بضاعة تشترى وتباع وتهدى وتسبى، فالجارية فضل أشتراها بالعراق محمد بن الفرج الرُجّخي، وهذا الرجل عينٌ من أعيان الدولة العباسية، أهداها إلى الخليفة المتوكل، ومراحل حياة فضل : بضاعة في اليمامة – تُنقل، ولا أقول تنتقل- البضاعة إلى العراق، يرتفع سعرها بسبب ثقافتها- ثم تتحول البضاعة إلى هدية ثمينة، مِن رجل الدولة، إلى رأس الدولة/ الخليفة.
(*)
يختتم الدكتور مصطفى جواد في الفصل المكرّس للسيدة إرسلان السلجوقية بتوكيده على أهمية حضور النسوية في قوله عن إرسلان (لم يكن لها من المآثر ما تكون به قدوة للنساء) ثم يستدرك..(إلا أن اسمها مقرون بأعظم الأحداث في الدولة العباسية) ثم يعود على أهمية نسوية التاريخ في قوله(التاريخ الصحيح لم يخل من المرأة قط ولن يخلو منها أبداً 107)
(*)
حين نتجول في كتابه (سيدات البلاط العباسي) يكون تاريخ الخلافة العباسية هو الخيط الذي تنتظم فيه حبات مسبحة الخلافة بدءاً من أبي العباس السفاح صعودا إلى شمس الضحى أبي العباس..
(*)
عناوين الفصول مزدوجة، العنوان الرئيس مؤنث وتحته العنوان الفرعي مذكرّ والتأويل متروك لفطنة القارئ.
(*)
يعلل المؤلف أسباب صناعته لهذا الكتاب كالتالي :
(1) تصغي الأفئدة لسماع أخبارهن
(2) ترتاح النفوس إلى معرفة آثارهن
(3) وتنصت الآذان لقاص مآثرهن
(4) يبتهج محبو التاريخ بقراءة سيرهن
تلاحظ قراءتي هذا النسق الرباعي الموجب: تُصغي/ ترتاح/ تنصت/ يبتهج.. لكن هذا رد الفعل الموجب، لدى القارئ، هو نتاج الفعل الأنثوي المتحكم بالسلطة إلى حد تأنيثها وما الخلفاء سوى ظلال سلطة حريتها بسعة السرير والتسري
(1)
أم سلمة المخزومية : أولى سيدات البلاط العباسي
زوجة أبو العباس السفاح، أولى سيدات البلاط العباسي، السفاح هو زوجها الثالث بسلطة مالها، هي تزوجتهُ، رأتهُ مصادفة حين قصدت فلسطين، كان السفاح شابا جميلاً (فحلي في عينها..) أرسلت إليه مولاتها تعرض عليه أن يتزوجها، وكان السفاح فقيرا، فسلمته الجارية سبعمائة دينار، هدية ً من أم سلمة ليصلح بها شأنه.. ليلة الزفاف شرطت أم سلمة على السفاح (لا يتزوج عليها ولا يتسرى).. وصار الخليفة الأول في 132 وعمره سبع وعشرون، مع أن المنصور أكبر منه سناً.. الخليفة الأول ملكت أمره وقلبه أم سلمة، يستهدي بمشورتها.. بعد أربعة أعوام توفي السفاح .. وتزوجت أم سلمة زوجا رابعاً ..(ثم إنها أتهمته بجارية لها فاحتجبت عنه، ولم تعد إليه حتى مات.. ) ويبدو أن أم سلمة الثرية الطرية كانت طويلة العمر كثيرة الأزواج..
(2)
الخيزران زوجة المهدي
نهج الكتابة لدى الدكتور مصطفى جواد في هذا الكتاب، لا يعتمد التسلسل التاريخي، أعني هو ينتقل من السفاح دون أن يتوقف عند الخليفة المنصور بل عند ولده المهدي، لأن نهج الكتابة بوصلته أنثوية، ونسوية الخيزران تستقوي بذكورية ولديها ( ولما تمكنت عند المهدي ورأت أن في أبنيها موسى وهرون ما يعصمها من كل تغير منه، وباحت بالحقيقة العائلية له (لي أختان.. ولي أم واخوان) فتزوج جعفر بن المنصور(سلسل) أخت الخيزران.

(3)
ريطة بنت السفاح زوجة الخليفة المهدي
بمؤثرية نسوية يعود المؤلف إلى الخليفة السفاح، أول خلفاء العباسيين والمؤثرية النسوية هي : ريطة بنت السفاح.. يقشر اللغوي الكبير العلاّمة الدكتور مصطفى جواد، المبهم في اسم (ريطة) وهو يصحبنا إلى المعنى
(اسمها مأخوذ من الريطة المنسوجة وهي الملاءة أي النفنوف بهيئة قطعة واحدة) ثم ينقلنا من الموديل إلى الصناعة..(وقيل هي كل نسيج من الملابس رقيق ليّن) وهناك المعنى الثالث الذي يكتنز بالصفات التالية
(ريطة اسم يدل على اللطافة والرقة والنعومة).. ثم ينتقل مصطفى جواد بين زمنين عباسيين، الجسر بينهما الاسم ذاته (اشتهرت من السيدات العباسيّات ريطتان: ريطة بنت السفاح هذه، وريطة بنت العباس بن عليّ زوجة المتوكل على الله العباسي/ 19) ثم يوجز لنا سيرة ريطة الثانية
(أراد المتوكل منها أن تطم شعرها وتجعله قصيراً على مودة الجواري المملوكات في ذلكم الزمان وامتنعت أن تغير شعرها، فأعلمها أنه يطلقها إن لم تفعل فاختارت الطلاق فطلقها).. أي كبرياء عظيم تستقوي به هذه المرأة العباسية؟ هزمت بصمودها جبروت المتوكل،ثم يسلّط مصطفى جواد، الضوء على ريطة الأولى، بنت الخليفة السفاح من خلال حكاية قصيرة .. ضحيتها (الحديد) المبتلى بين ريطة وأخيها محمد (قيل كان محمد يلوي العمود الحديد، ثم يلقيه إلى أخته ريطة، فتعدله كما كان) الريطتان : لقوتهما لا تستحقان هذا الاسم الليّن
(4)
عُليّة بنت المهدي
للمرة الثالثة نحن مع المهدي، هذه الأنثى بنت خليفة وأخت خليفتين. لكن شهرتها خارج مجال السلطة وأعلى من سلطة السلطة لأن عُلية تمتلك قوة سلطتين ناعمتين : صوتُها حين تغني وشعرها، حين تغنيه.. وهنا يدافع المؤلف مصطفى جواد عن الفن الأصيل (وما أدراك؟ قلما تجد روحاً مستغنية عنه، حتى الصوفية وأهل التكايا والزوايا، لا يستغنون عنه أبداً، وليس من السهل أن يكون الإنسان بارعاً فيه 25) ينتقل المؤلف إلى الجين الوراثي( كانت أم عُلية جارية مغنية أسمها مكنونة) وكما فعل مع اسم ريطة بنت السفاح، نسمعه يخبرنا (والمكنونة صفة للدرة العظيمة، واللؤلؤة الوسيمة) ثم ينتقل إلى وجيز تاريخ مكنونة وقد كانت مملوكة لزوجة أحد عباسيّ المدينة المنورة، ثم أشتراها المهدي بن أبي جعفر المنصور، وستر أمرها عن أبيه المنصور حتى مات وصار هو الخليفة وتقول الخيزران عنها( ما ملك المهدي امرأة أغلظ عليّ من مكنونة)،في 160 هجري ولدت المكنونة للمهدي طفلة ً، فسميت عُلية(تصغير عَلية) يخبرنا الدكتور مصطفى جواد أن سعة جبينها تذهب جمال وجهها، وعالجت الحال بعصابة مكللة بالجوهر لتستر جبينها، وأصبح هذه العصابة(من أحسن المودات التي ابتدعتها النساء لرؤوسهن/ 26).. وهنا يقفز المؤلف قفزة سردية ً وينتقل من فصل (عُليه) إلى فصل (العباسة) وهي بنت المهدي أيضا، ولا أعلم لماذا هذا الاستباق؟.. خصوصا وأن الفصل الذي يخص العباسة سنصل إليه مباشرة بعد انتهاء فصل (عُليه)!! (ولقد ذكرت في كلامي على سيرة العباسة بنت المهدي).. يبدو أن الخليفة المهدي يمتلك وعيا متفرداُ منحازاً لنسوية النخبة الحاكمة، بشهادة الدكتور مصطفى جواد وهو يخبرنا (أن المهدي كان من الخلفاء الذين حرروا المرأة من الحصر والقسر، وأن ابنته البانوفة كانت تسير راكبة بين يديه سافراً على هيئة الجند) ثم يعلل تحرر المهدي وراثيا ( وإنما قد مال إلى التحرير النسوي بسبب ما رآه بين أمه أم موسى بنت منصور الحميرية وأبيه أبي جعفر المنصور) ثم يخبرنا عن استبداد هذه النسوية المطلق ( فأن أمه اشترطت على أبيه أن لا يتزوج عليها ولا يتخذ سرية، وكتبت عليه بذلك كتاباً أكدته واشهدت عليه الشهود والثقات المعدلين/ 27) ما الذي يجبر خليفة المسلمين على ذلك؟ أين هيبة الخلافة؟ قد يكون أبو العباس السفاح معذوراُ، قبل أن يصير الخليفة الأول، فقد كان فقيراً فأوصلت إليه أم سلمة المخزومي سبعمائة دينارـ لتتزوجه، وبأمرٍ منها (حلف لها أن لا يتزوج عليها ولا يتخذ جارية مملوكة في محل مستور عنها كما هي عادة الرجال الأثرياء/6).. ويرى مصطفى جواد هناك فرق نسوي بين القحطانية والعدنانية (ثم أن في التاريخ ما يدل على أن المرأة القحطانية أكثر حرية واستقلالا من المرأة العدنانية) المؤلف هنا أوقف السرد عن عُلية بنت المهدي، وراحت يحدثنا عن شأن آخر سنصل إليه في حديثه عن العباسة بنت المهدي وأخت الرشيد.. يعود المؤلف إلى علية ليخبرنا عنها ( ومما أغرم عُلية أقبال أخيها لأبيها إبراهيم بن المهدي، وما اجتمع في العصور الإسلامية قط أخ وأخت، أحسن غناء ًمِن إبراهيم بن المهدي وأخته عليه) ثم يستدرك المؤلف (ولكنها سبقته في ذلك، فكانت إذا غنت تكاد تحرك الحجر والطير الوقور وتستخف أرباب العقول الراجحة..) هذه المرأة شخصيتها رهينة صوتها العذب (خلت كتب الفنون من ذكر العباسيات إلا ذكرها مما جعلها من الفنيين العالمين .. وهي هي بنت خليفة وأخت خليفة وعاشت مع خمسة خلفاء من أهلها: أبوها المهدي، وأخواها: الهادي والرشيد، وأبنا أخيها الأمين والمأمون
(5)
العباسة بنت المهدي
1983كنت في جحيم الحرب، حين أطلق أحد الجنود على بنته اسم (عباسة) ولما لا حظ استغرابي، أجابني : أنا مدرّس تاريخ. فقلت له هذا الاسم عقدة من عقد التاريخ العباسي ومشكلة من مشكلات الأخبار. وقد جعل القدر اسمها دريئة لأسماء العباسيات .. ومنذ سنوات كلما شاهدت فيلم أم كلثوم، وسليمان نجيب.. تذكرتُ ذلك الجندي المدرّس رغم افتراقنا في بداية 1984.. ارتبط اسم العباسة مع ما يُعرف ب(نكبة البرامكة) وهنا يدحض الدكتور مصطفى جواد الأقاويل حول العباسة بنت المهدي وأخت هارون الرشيد لأن هذه الأقاويل، أثر الاختلاق والتوليد ظاهر عليها ويضيف مصطفى جواد( وأول مَن نبه على كذب قصة العباسة، القاضي عبد الرحمن بن خلدون في فصل( فضل علم التاريخ وتحقيق مذاهبه، والالماع لما يعرض للمؤرخين من المغالط والأوهام)43) ويرى مصطفى جواد أن نكبة البرامكة سببها(زندقة البرامكة وتحريضهم الرشيد على العلويين أبناء عمه وسعيهم في قتل عظمائهم كالإمام موسى بن جعفر، وعبدالله بن الحسن الأفطس المعروف بقتيل البرامكة ..)
(6)
السيدة زبيدة زوجة الرشيد وأم الأمين
الصفة تغلبت على الاسم : اسمها (سكينة) كنيتها (أم جعفر).. لكن (جدها أبو جعفر المنصور كان يرقّصها وهي صغيرة فيقول لها(أنت زبدة وأنت زبيدة) فتغلبت الصفة على اسمها الأصلي، وإنما لقبها أبو جعفر المنصور بذلك لبضاضتها ونضارتها وحسن بدنها/ 44) .. السيدة زبيدة : يراها مصطفى جواد الضلع الثالث لمثلث السلطة العباسية: هرون الرشيد علما لكل خليفة عباسي عظيم، جعفر البرمكي علماً لكل وزير خطير من وزراء الدولة العباسية وأصبحت السيدة زبيدة علماً لكل سيدة كبيرة عباسية من سيدات البلاط، ويحصي لنا الدكتور جواد منجزات السيدة زبيدة :
(1) أجرت الماء إلى مكة المكرمة عشرة أميال، بحفر الجبال ونحت الصخور حتى وصل الماء إلى الحرم وأسقي أهل مكة.
(2) البرك والآبار والمنازل التي من بغداد إلى مكة: من آثار السيدة زبيدة
(3) معروفة بالخير والافضال على أهل العلم والبر للفقراء والمساكين.
وبعد وفاة الخليفة الرشيد، تكون زبيدة من أسباب الفتنة بين ولدها الأمين والمأمون ولد الرشيد من الجارية مراجل.. ثم يخبرنا الدكتور مصطفى جواد، نقلا عن كتاب الأغاني لأبي فرج الأصفهاني، بهذا الكلام(ولها أخبار تدل على لهوها ولهو زوجها الرشيد، مما كان أثر قبيح في الدولة الإسلامية كشرب الخمر باسم النبيذ والاقبال على الملاهي التي حرمتها الشريعة الإسلامية، ولو بقي الرشيد أكثر مما بقي في الخلافة لانحطت الدولة العباسية أقبح الانحطاط فأنه كان ضعيف التدبير/ 48) بعد الفترة الراشدية كل الخلفاء على شاكلة الرشيد، إلاّ الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز. أما انحطاط الخلافة العباسية فظهرت تباشير في خلافة المعتصم بالله حين انتشر المرتزقة الاتراك جسوا بأمن البلاد والعباد.. ثم ستتحول البلاد مستعمرة بويهية ثم للسلاجقة..

(7)
السيدة بوران زوجة المأمون
هنا أيضا اللقب محو الاسم اسمها خديجة، ولقبوها باسم ملكة الفرس(بوران دخت بنت أبرويز) رأت الدنيا بعد سنتين من إسلام أهلها 192، فقد اسلم عمها على يد المأمون في 190 هجرية ويضيف الدكتور مصطفى جواد : فأن أمر المأمون ومملكته وسياستها كانت موكولة إلى عملها وأبيها. وحين يقتل عمها في 202 يسند المأمون وزارته إلى أبيها الحسن بن سهل ويعقد زواجه بها، وعمرها عشر سنوات، تألفا لقلب والدها وتسكينا له!! فهكذا السلطة تقتل من تريد وتسعد من تشاء وتأخر زواجها لأسباب عدة. ثمة محذوف لا يمكن السكوت عنه، تجاوزه الدكتور مصطفى جواد وهو أن المأمون متورط بقتل الإمام على بن موسى الرضا – عليهما السلام.. نتوقف عن الإسراف الفاحش في عرس المأمون فالوزير بن سهل أعد للخليفة العريس من الرياش والآلات والأثاث والزينة والهدايا ما يعد من الخرافات، لعظمهُ وفخامتهُ ونفائسهُ وطرافتهُ وكثرتهُ فقد (فرش للمأمون حصيراً منسوجاً بالذهب، ولما وقف عليه نثرت عليه للآلىء كثيرة، فلما رأى تساقط اللالئ.. أمر المأمون أن تجمع اللالئ المنثورة وسأل عن عددها فقالت جدة العروس : ألف درة...) والأدهى والأمّر عشوائية السلطة المتهتكة في تلك الليلة حين ينثر أبو العروس( على الهاشميين والقواد والكتّاب والأعيان بنادق مسك، في كل بندق اسم ضيعة، أو اسم جارية أو اسم دابة بصفاتها أو غير ذلك، فكانت البندقة إذا وقعت في يد الرجل اللاقط لها، فتحها، فقرأ اسم ما في الرقعة التي في البندقة، ذهب إلى وكيل مرصد لذلك إليه، ويتسلم ما كتب اسمه فيها 54)هذا الاسراف الخاص وهناك الإسراف العام الذي انفق خمسين مليون درهم والد العروس على المأمون وقواده وأصحابه وسائر جنده واتباعه وحتى الحمالين والمكارين والملاحين وكانوا خلقا لا يحصون من الكثرة..
بوران : فتاة عادية، بل هي ظل امرأة محظوظة، لاوجود لها خارج ذلك نفعها لقبها وليس اسمها وهي امرأة مطيعة، فحين استحسن الخليفة المعتمد، قصر الحسن بن سهل وطلب من بوران أن تنزل له عنه، وهو القصر الحسني الذي ورثته من أبيها إلى الخليفة المعتمد على الله العباسي ولم تسلمه للخليفة إلاّ بعد أن( رممته وجصصته وبيضته وفرشته بأحسن الفرش وعلقت أصناف الستور على أبوابه، وملأت خزائنه بكل ما يصلح لخلفاء ذلك الزمان/56)
(8)
السيدة شجاع أم المتوكل على الله
مرة أخرى يتوقف المؤلف عند الاسم ، ليقشر شفرته للقارئ(اسم هذه السيدة شجاع، وهو غريب عن الاسماع في أول وهلة، وأن من معاني الشجاع في العربية( الحية الشديدة الجريئة) وشجاع جارية مملوكة محظوظة مثل أكثر أمهات الخلفاء العباسيين، جلبها تجار الرقيق وباعوها في العراق، فصارت إلى المعتصم بالله بن هارون الرشيد، فأولدها المتوكل. ثم تتغير جهة السرد ويسهب المؤلف عن العلاقة التعيسة بين المتوكل وأخيه الخليفة الواثق، ثم ينتقل للحديث عن سلطة المتوكل حين صار خليفة عاقد النية على مخالفة أعمال أخيه كلها مؤكداً (والحقد والغضب أقبح العيوب في سياسة الممالك) والمحذوف من هذا الكلام هو نكبة المعتزلة على يديه وأطلاق يد الحنابلة ومحاربة المذهب الشيعي.. وهذا المحذوف سيعلن عنه بطريقة ملتويه
في (فضل صاحبة المتوكل) من خلال القول التالي (وإذا كان المتوكل نهى الرعايا عن الخوض في الجدال والمماراة في المذاهب الدينية والمناظرات في القرآن الكريم أمخلوق أم قديم ، كثر الانصراف إلى اللهو والأدب والشعر والغناء واتخاذ الجواري الأديبات والشاعرات، والمغنيات في البلاط العباسي نفسه خاصة/ 83). ثم يعود ليخبرنا عن ذهاب السيدة شجاع للحج وينتهي الفصل عند مقدار ثروتها الهائلة وينهي الفصل بهذا القول عنها ( ولاتعرف امرأة رأت أبنها وله ثلاثة أولاد ولاة عهود إلا هي..)
(9)
السيدة مخارق
جارية روسية الأصل، أمتلكها الأمير محمد بن المعتصم، ولدت له فيمن ولدت، أحمد، وهو الذي لُقب بالمستعين بالله، مع هذا الخليفة وهذه الأم، علينا أن نترحم على إسراف الرشيد والسيدة زبيدة. هنا لدينا فساد إداري خرافي
الخليفة العابث الفاسد (أطلق يد تامش الأمير التركي وشاهك الخادم ويد أمه مخارق وأباحهم أن يفعلوا ما يريدون ببيوت الأموال، ولم يمنع أمه من شيء تريده/ 61) الخليفة المستعين (ولدٍ بار)!! هذا الوضع المتردي يؤكد أن الفساد الإداري عراقي الهوية.. وأتوقف بالنسبة لي كقارئ عند هذا الحد.. لأن بقية الفصل يوجع القلب.. وكأنه نسخة مما يجري في العراق منذ 2003 لحد الآن 2026
(10)
السيدة فريدة صاحبة الواثق
الاسم يدل على النوع، كل من اسمها فريدة ليست من الحرائر، فهذا صناعة عربية على مقاس الجواري الحبشيات. (الفريدة هي الدرة الكبيرة، فإذا سميت بها السوداء، فذلك من تسمية الشيء بضده/ 64) وهناك رأي آخر في منطق عشائر جنوب العراق. كانوا يسمون عبيدهم: ياقوت. فيروز. مرجان. شذر. جوهر. ريحان.. من باب الاعتزاز بهم.. والواثق كان مولعا بالشعوذة( رواية الواثق/وليام بكيفورد)* وقد كتبتُ مقالة عن هذا الرواية ومنشورة في المواقع الثقافية.
أن صاحبة الواثق فريدة جارية بيضاء، جميلة، فطنة. توله بها الواثق وتولهت فريدة. الواثق هو الخليفة الفنان الذي (صنع في الغناء مائة لحن ما فيها لحن ساقط) وصار غناء فريدة هو من يترجم ألحان الواثق. فصوت فريدة : صحيح الصنعة والقسمة والتجزئة توفي الواثق فتزوج المتوكل فريدة وأمرها أن تغني فأبت وامتنعت حبا بسيدها الواثق. فأقام المتوكل على رأسها خادماً وأمره أن يضرب رأسها أبدا أو تغني..
(11)
(السيدة قبيحة صاحب المتوكل وأم المعتز بالله)
الاسم يدل على الضد، السيدة قبيحة : جارية رومية الأصل رائعة الجمال، فائقة الملاحة.(فسماها المتوكل(قبيحة) لحسن صوتها وكان شديد الميل والاقبال عليها/70)... الدكتور مصطفى جواد يصون سياق الحكي ولا يحيد عنه، لكنه يومض بخصوص ما هو خارج السياق كما في قوله عن فترة حكم المتوكل قائلا لنا (بعد وفاة الواثق بسامراء سنة 232 واختلفت أمور الدولة العباسية في زمانه، لأمور كثيرة ليس هذا موضع شرحها)، ثم يقتصر قوله على أكبرها( وكان من أشدها أخلالا بالأمور، كثرة نفقات المتوكل على القصور التي بناها بسامراء، ولم يكن بيت المال يتحمل ذلك فأفلست الدولة/ 71) ومن هذا المتوكل تعلّم المتوكل الثاني في نهايات القرن العشرين وراح يبني القصور في محافظات العراق. وكان المتوكل الأول لا يهمه سوى رضا قبيحة عنه التي كانت كثيرة التجني على الخليفة المتوكل، وتغضب عليه وتهجره، الوضع الاقتصادي في البلاد متدهور، لكن إذا غنى عبدالله بن العباس ثلاثة أبيات يعني فيها قبيحة (أمر له المتوكل بعشرين ألف درهم)!! وفي شوال سنة 247 هجرية يقتل المتوكل والقاتل هو ولده المنتصر!! سبب القتل لأن المتوكل(قدّم أبنه المعتز على أبنه المنتصر) وصار القاتل خليفة المسلمين لمدة ستة أشهر، وبويع بالخلافة بعده أحمد بن محمد بن المعتصم
ولُقب (المستعين بالله).. وتدخلت قبيحة في سياسة الدولة لتحوز الخلافة لابنها أبي عبدالله المعتز وبعد حروب وكروب اصابت سامراء عاصمة الدولة العباسية وبغداد حاضرة المجد الإسلامي، وبعد سنتين وتسع أشهر من استخلافه، صار المعتز بالله خليفة.. وهنا ستفعل قبيحة اسمها بالشكل الصحيح
يقطع رأس المستعين بالله ويرمى في حضن الجارية وهي تغني فتصرخ الجارية التي كانت مغرمة بالمستعين ( يا قوم أخذتموني غصبا، ثم تجيئوني برأس مولاي المستعين فتضعونه بين يدي) هنا ترفع قبيحة العود وتضرب به رأس المغنية، و كانت قبيحة بخيلة تحتجن الأموال، وتخفيها في المواضع المستورة مع احتياج دولة ابنها المعتز بالله إليها وحين اضطربت الاحوال وتجمهر الجند مطالبين بمعاشاتهم، فرضت قبيحة أن تعين ولدها وتسلفه من الاموال الطائلة التي سرقتها من أموال الدولة.. وبسبب قبح هذه الأم القبيحة اسماً وفعلا ، اجتمعوا الجند على خلع الخليفة المعتز، ثم لثلاث ليال ٍ بقين من رجب سنة 255 دخل إليه جماعة من صغار القواد فجروا برجله، بعد ما تناوله بالضرب بالدبابيس، خرج الخليفة وقميصه ممزق مخرق وآثار الدم على منكبيه.(حتى أجبروه على خلع نفسه، وأعطوه الأمان ولأمه قبيحة ولأخته ولأبنه، ولكنهم وكلوا بأمه نساء ً يحفظنها على نية يستخرجوا منها الأموال، وبايع الأتراك بالخلافة محمد بن الواثق وتلقب بالمهتدي بالله) سيلاقي المعتز البؤس التالي(يمنعونه الطعام والشراب ثلاثة أيام، ثم جصصوا سرداباً بالجص الثخين، وأدخلوه فيه وأطبقوا عليه بابه فأصبح ميتاً في الثاني من شعبان 255.). قبيحة في الدار التي تسكن فيها هربت هي والجارية قرب واخت المعتز من خلال نفق واختفين في سامراء. وخابت العيون في الوصول إليها ثم في شهر رمضان من السنة ظهرت كالهلال وسلمت نفسها إلى الأتراك ودلتهم على الأموال والجواهر والذخائر وخزائنها ببغداد... لا يسعنا إلا نتوقف عند ما قيل عنها (قبّح الله قبيحة عرّضت أبنها للقتل في مقدار خمسين ألف دينار وعندها مثل هذا في خزانة واحدة من زائنها80)
(12)
(فضل صاحبة المتوكل)
حين دخلت الجارية فضل على المتوكل سألها: أشاعرة ٌ أنت يا فضل ؟ أجابته: كذا يزعم مَن باعني ومَن أشتراني.. وهذا يعني أن فضل تعرف أنها بضاعة، تشترى وتباع، وسيكون شعر البضاعة يشبع نرجسية الخليفة، وهكذا فعلت وهي ترى الخليفة رؤيتها الأولى، ثم جعلها تزاحم الشاعر الفحل علي بن الجهم، وحين انتصرت، (طرب المتوكل- وحق له أن يطرب- وقال أحسنت وحياتي يا فضل. وأمر لها بألفيّ دينار جائزة لها/ 84 ) نجحت فضل وتفوقت على الفحولة الشعرية العربية. ومثلما فضل بضاعة فشعرها بضاعة بين عرض وطلب، فقد طلبت السيدة قبيحة من فضل ( أن تنظم أبياتاً على حسب هواها، لتكون وسيلة لها إلى ترّضي المتوكل بعد أعراضه عنها في حادثة جرت بينهما) هي منذ اليوم شاعرة تحت الطلب.. بعد مقتل الخليفة المتوكل (247 هجري) ينقطع خيط المسبحة، وينكشف المستور بين فضل وعاشقها سعيد بن حميد الكاتب، حب يتجاوز الحاجز الطائفي.. واصبحت كتابة سعيد الكاتب عيال على ما تكتبه فضل، وبشهادة الكاتب نفسه (أنني لآخذ كلامها ورسائلها، والله لو أخذ أفاضل الكتّاب عنها، ما استغنوا عن ذلك
(13)
(السيدة شغب أم المقتدر بالله)
من خلال هذا الكتاب الممتع، يتضح أن الحرائر لاوجود لهن وأن الجواري ساطعات في ليل الخلافة العباسية، وفي ومضة لحظة تتحول الجارية سيدة وتصبح السيدة سلطة ً شبه المطلقة ، ثم تسحق السيدة سحقا وينتهك شرفها!! مَن المتسبب في ذلك..؟ طيش النساء؟.. بطش الرجال؟
هذه المرأة(شغب) كانت جارية مثل ملايين الجواري في الخلافة العباسية، يبتسم لها الحظ ويرفعها من جارية لأحدى النساء الكبيرات ببغداد، إلى مخدع الخليفة المعتضد بالله وفي شهر رمضان سنة 283، تنجب له أبنا سماه (جعفرا)
بتوقيت هذا المولد الذكر، يتحول اسم الوالدة من (ناعم) إلى (شغب) والاسم الجديد يكتنز شحنة استفزازية نسويا (وكانت ولادتها ولداً ذكراً شغباً وتحريشاً، إلى نساء الخليفة المعتضد.. يتوفي المعتضد في 289 ثم يتوفي ولده الخليفة المكتفي بالله في 295. وهنا يبتسم الحظ للسيدة فهي أم الخليفة جعفرا الملقب (المقتدر بالله) أصغر من تولى الخلافة العباسية، فهو أبن ثلاث عشرة سنة وشهر واحد وأيام. هنا تنكسر هيبة الخلافة، وهنا تتسنم السلطة السيدة شغب، أنه الحظ الوافر وهكذا تسطع فاعلية النسوية في الخلافة العباسية، ودارت أمور الدولة على تدبيرها، وتدبير القهرمانات وغيرهن من النساء) وهنا فاعلية الصفة على الاسم(وصارت السيدة شغب في عهد ابنها المقتدر لا تعرف إلا بالسيدة، فكان القائل إذا قال(أمرت السيدة) عُلم أنها شغب أم المقتدر89).. والخطوة النسوية الثانية التي أقدمّت عليها السيدة شغب، هي خطوة مؤسساتية جريئة (اتخذت لنفسها ديواناً يقوم بأموره كاتب يجري مجرى الوزير، وأول كاتب ولته ديوانها أحمد بن العباس، وجعلت لنفسها قهرمانة أي حاكمة..).. والخطوة النسوية الثالثة الجريئة في العام 306 حين (أمرت السيدة شغب قهرمانتها واسمها (ثمل) أن تجلس بالرصافة قرب مدفن الأمام أبي حنيفة، وتنظر في مظالم الناس وشكاياتهم من الحكام والمتولين، وجعلت ذلك في كل يوم جمعة).. هنا، سيظهر من سيحرك الغوغاء لإشعال الفوضى..(فأنكر الناس أن تحكم بينهم امرأة، واسبشعوا فعل السيدة وعابوا عليها/ 90) لكن العقل النسوي هو الأمهر دائما في هذه الظروف، فبادرت القهرمانة (ثمل وأحضرت معها القاضي، فكانت تستشيره في الاحكام، فسار أمرها على سداد واستقامة، وانتفع بذلك المظلمون، وترك الناس استنكارهم وطعنهم..) وتعليل ذلك كما جاء في قول العلاّمة مصطفى جواد ( وأيقنوا أن العدل هو المنشود لا الذي يقيمه من ذكر وأنثى وأبيض وأسود).. وتواصل السيدة شغب إصلاحاتها الميدانية، في 306 في شهر محرم أنشأت مستشفى بسوق يحيى في المحلة المعرفة اليوم بمحلة السفينة في الاعظمية، والمسؤول عنه الحكيم سنان بن ثابت الصابي ، فجلس فيه ورتب الأطباء الذين يعالجون فيه مرضى الناس / 90) وهناك مستشفى آخر باسم(المارستان المقتدري) ولم يقتصر إحسانها في هذا المجال (كانت تتصدق كثيراً وتحبس الأوقاف على المصالح الخيرية، وتواظب على مصالح الحجاج، وتبعث مع قافلتهم بخزانة شراب للمرضى، وترسل الأطباء لمعالجتهم، وتأمر بإصلاح الاحواض في الطريق90) ثم يربط الدكتور مصطفى جواد بين الثراء والإحسان في قوله..(وكان يرد خزانتها من أملاكها مليون دينار، في كل سنة) ثم يضيف (والإحسان وإن كان من السياسة فأنه جزء ضئيل منها) يعني بذلك أن سيدة شغب، إحسانها ليس دعاية انتخابية للمرشح، كما يجري الآن
(14)
(السيدة قطر الندى )
يوصل المؤلف في سرده تكتيف النص، وأعني بذلك أن نصه يتمحور على الشخصية النسوية بنسبة 95% والخمسة الباقية هي السرد الوامض للحقبة واشتباكاتها. والنقطة الأخرى يتوقف المؤلف عند اسم السيدة يبين معناه وفاعليته عليها. كما في (قبيحة) و(شغب) و(فريدة).. وإلخ.. في هذا الفصل من النسوية العباسية يخبرنا عن قطرتين من قطرات الندى ( اشتهرت من سيدات البلاط العباسي، باسم قطر الندى سيدتان، أحداهما قطر الندى بنت خمارويه أمير مصر، وقيل اسمها(أسماء) والأخرى قطر الندى أم الخليفة القائم بأمر الله واسمها(علم).. ثم نعلم منه أن المعنية هنا هي(قطر الندى بنت خماروية).. ويبث لنا المؤلف معلومة تجنيسية عن نوعية سرده في قوله(كما ذكرنا في عنوان الحديث ) ونعرف من المؤلف أن قطر الندى حفيدة أحمد بن طولون القائد التركي مؤسس الدولة الطولونية بمصر، ومصر ضمن مملكة العباسيين، لكن التركي تمرد وانسلخ عن بني العباس، علما أن (أحمد بن طولون ولِد بالعراق سنة 250، وأخذه أبوه معه إلى ونشأ هناك وتزوج فولدت له قطر الندى 94) وأنا نقل هذا الكلام من كتاب الدكتور مصطفى تداعت في ذاكرتي، هذه الحكاية التي أتمنى أن لا تكون خارج سياق ما أكتب وبطلة الحكاية السيدة نفيسة بنت الحسن بن الحسن بن علي – عليهم السلام هذه المرأة استجار بها أهل مصر لتنقذهم من جور الظالم أحمد بن طولون فسألتهم السيدة نفيسة : متى يركب؟ فأجابوها: في غد، فكتبت رقعة وقفت في طريقه وقالت : يا أحمد يا بن طولون، فلما رآها عرفها، فترجل عن فرسه، وأخذ الرقعة وقرأها فإذا فيها هذا الكلام الجريء جرأة ً لا مثيل لها، كأن في روح هذه السيدة التقيّة النقيّة جذوة من السيدة الكبرى جدتها زينب – عليها السلام – وهي تخاطب يزيد.. ها هو الآن الجائر يقرأ ما خطته السيدة نفيسة :
(ملكتم فأسرتم، وقدتم فقهرتم، وخولتم فعسفتم، وردت إليكم الأرزاق فقطعتم، هذا وقد علمتم أن سهام الأسحار نافذة غير مخطئة لا سيما من قلوب أوجعتموها وأكباد جوعتموها، وأجساد عريتموها، فمحال أن يموت المظلوم ويبقى الظالم، أعملوا ما شئتم فإنا صابرون، وجوروا فإنا إلى الله مستجيرون، وأظلموا فإنا بالله متظلمون ،، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون،، ) نلاحظ أن الرعية استجارت بفرد هي أمُة ٌ بحالها لا تخشى في الحق لومة لائم
(*)
توصيفات نساء البلاط العباسي متشابهة ، أغلبهن في مرتبة المثال الأعلى، قطر الندى :(موصوفة بفرط جمالها ووفرة العقل وحسن الأدب وكمال الخلق)،والمؤلف ينقلها من المراجع والمصادر. ثم ينتقل المؤلف إلى تلك اللحظة التاريخ أعني الانقضاض على ثورة الزنج (ولما فرغ بنو العباس من أمر صاحب الزنج الثائر – كان- في البصرة ونواحيها94) وحين وصلت الأخبار إلى مصر، أن العباسيين جهزوا جيوشهم نحو الأطراف العاصية كمصر .. هنا خشي خمارويه على ملكه من الزوال على يد بني العباس
فبادر(إلى المعتضد بالله أبي العباس أحمد الخليفة الجديد بالهدايا والتحف العظيمة، وأرسل بها مع تاجر من تجار بغداد الكبار وهو الحسين بن عبدالله المعروف بالجصاص، ووصل هذا إلى بغداد سنة 279 95)..التزام المؤلف بالمنهج الموسوعي، جعله يتوقف عن (قطر الندى) المرأة البضاعة التي باعها والد بثمن بخس للحفاظ على ملكه، وفشل بعد ذلك حيث وجد خمارويه مقتولا في فراشه !! ولم يدافع عنه السبع (زريق) الذي كان يستعيض به عن حراسه، كما أن زواج قطر الندى الأسطوري، تسبب في إفلاس خزانة مصر!! كما يخبرنا عن ذلك محمد سعيد العريان في كتابه (قطر الندى) قطر الندى جمالها جعلها بضاعة سياسية بين أبيها والخليفة المعتضد الذي لم يزوجها لولده، بل أستأثر بها.(لم تفرح الفتاة الصغيرة بكونها الورقة الرابحة في ملك أبيها، وأن رحيلها إلى بغداد سيمنحها لقب الإمارة على عموم المؤمنين.. كرهت أن تكون عروساً لرجل عجوز بدلا عن ولده الشاب الذي منّت نفسها به محمد سعيد الفرحان).. توفيت قطر الندى وهي في العشرين،ولم يبق منها لحد الآن سوى تلك الأغنية المصرية ( يا حنة يا حنه يا قطر الندى)
(15)
(خديجة خاتون السلجوقية)
كان اسم هذه السيدة (أرسلان خاتون) ثم أضافت إليه اسم (خديجة) تيمناً وتبركاً بهذا الاسم الكريم/ 100) بالنسبة لي كقارئ أرى أن إضافة اسم خديجة لاسمها، محاولة للتقرب من العرب المسلمين. وسنرى تحقيق ذلك من خلال زواج البضاعة أرسلان بالخليفة القائم بأمر الله، فهذا الزواج لدواعي سياسية :( رغبة عمها طغرل بك في توثيق الصلة بين البيت السلجوقي والبيت العباسي) ورغبة هذا العم السلجوقي من باب القوة وليس من باب التزلف للعباسيين (بعد أن أستولى على العراق وأزال الدولة البويهية)وأصبح هذا السلجوقي مسيطراً على شؤون الخلافة العباسية وباشرها نيابة عن الخليفة !! وهكذا اصبح العراق منتهكاً مستباحاً بالعصر العباسي الثاني خلافا للعصر العباسي الأول. وكما أسرف خمارويه في زواج ابنته للخليفة المعتضد
أسرف الخليفة القائم بأمر الله في زواجه من السلجوقية إرسلان فقد كان صداقها (مائة ألف دينار) ويخبرنا الدكتور مصطفى جواد (ظل هذا الصداق مضرب الأمثال، وبدعة للجهال من أرباب الأموال وهو أعظم صداق في تاريخ الدولة الإسلامية101).. في هذا الفصل تكون مساحة السرد ضئيلة بخصوص إرسلان السلجوقية، فالمؤلف الدكتور مصطفى جواد يمنح سعة السرد لأحوال البلاد والعباد والتي تكاد تشبه أحوال العراق في عهد الملكية، حيث الحكومة مع كل اضطراب سياسي تفر من العراق حتى تهدأ الأوضاع، ويعلل المؤلف ذلك في قوله (ولم يكن لها من المآثر ما تكون به قدوة للنساء، إلا أن اسمها مقرون بأعظم الأحداث في الدولة العباسية 107) .. كقارئ أرى أن قطر الندى لا مأثرة،إلاّ إذا اعتبرنا الجمال من المآثر .. أصبحت أرسلان زوجة الخليفة القائم بأمر سنة 448 وبعد سنتين من زواجها (حدثت بالخلافة العباسية الحادثة الكبيرة والرزية العظيمة 107) فقد أستولى القائد التركي أبو الحارث أرسلان البساسيري سنة 450 على بغداد وأكثر العراق، ولم يكتف ِ بذلك إذ قام بقطعهِ لخطبة بني العباس، وأعلن خطبته للمستنصر بالله الخليفة العلو ي الفاطمي على منابر بغداد ونواحيها.. وكان للقائد التركي موقفا مع السيدة إرسلان التي نهبوا أموالها، فقد احترمها (وسلمها إلى أبي عبد الله بن جردة، من أثرياء بغداد الكبار، ليقوم بخدمتها 103).. وهكذا تم تسقيط الخلافة العباسية ونفي الخليفة القائم بأمر الله إلى حديثة!! يشخص الدكتور مصطفى جواد حال الخليفة ويضع بين يدينا هذين الاحتمالين : (والظاهر أن الخليفة القائم بأمر الله لم يكن هّم بالنساء ، أما لكثرة المصائب التي قاساها وأما لأمر آخر كالزهد بالنساء 106).. ثم يخبرنا عن معاناة السيدة إرسلان (كانت تشكو من أ ّطراحه لها وأنه لم يقربها منذ أتصل بها، فحمل ذلك عمها طغرل بك على أن يستأذن لها الخليفة في أن تسير معه وتبقى مدة ستة أشهر، فأبى الخليفة ذلك، وأصرّ عمها على ذلك محتجاً بأنها مطرحة معزوف عنها، فسافرت معه..).. ثم ستعود بعد وفاة عمها ويستقبلها أهل بغداد يتقدمهم الوزير فخر الدولة محمد بن محمد بن جهير.. ستبقى إرسلان في دار الخلافة العباسية حتى سنة 465 بعدها تخرج من بغداد إلى الريّ، وتنقطع أخبارها.. وتميزت بأولوية تاريخية (..أول الخواتين بدار الخلافة العباسية 107).. لا الخاتون الأولى تركت أثراُ ولا زوجها الخليفة بأمر الله، كلاهما لحظة باهتة في تاريخ بني العباس
(16)
(السيدة بنت القائم بأمر الله)
لا أدري ما الذي يجعل الدكتور مصطفى جواد يتوقف عند هذه السيدة أطول الوقفات قياسا بالأخريات فهذا الفصل من ص108 إلى نهاية ص130، ثم هناك تكرار لما جرى في الفصل السابق (خديجة أرسلان السلجوقية) !! ولم يبدأ سرده حول اسم السيدة بل اكتفى بقوله (السيدة بنت القائم بأمر الله) وهكذا عرفناها من خلال اسم ابيها وبقيت مجهولة الاسم لدينا، وربما لدى المؤلف الدكتور مصطفى جواد . يبدأ المؤلف كلامه بغير المألوف منه فهو في الغالب يبدأ بالجارية التي ستصبح سيدة. لكن هنا يكون الكلام مستغرباً : (حديث هذه السيدة الكريمة يأكل الأحاديث) (ويبعث على العجب). (ويحدو على الاستغراب).. (فهي العذراء المتزوجة والمتزوجة العذراء).. هذه التوصيفات تجعل القارئ متشوقا لقراءة الفصل على سعته التي تبعث على الملل .يواصل المؤلف ما انقطع في الفصل السابق قائلا..(ذكرنا فيما سلف من سير سيدات البلاط العباسي، أن التونخان زوجة السلطان طغرل بك ، في ساعة احتضارها وانتقالها إلى دار قرارها، قالت لزوجها (اجتهد في أن تتزوج بابنة الخليفة القائم بأمر الله) وسبب هكذا توصية ليحصل زوجها على نعمتين(فتحصل لك الوصلة بينك وبين بني العباس، لتنال شرف الآخرة بعد نلت شرف الدنيا) وليس هذا فقط بل(أوصت بجميع مالها لبنت القائم المحضوض على زواجها 108) سؤالي كقارئ من كان مع الزوجة المحتضرة وزوجها في تلك اللحظة؟ لكن المعقول يتجسد في مكيدة منسوجة من قبل طرفين وهما اللذان خططا لذلك ( عميد الملك منصور بن محمد الكندري) وهو وزير طغرل بك، ومن الجهة الثانية (قهرمانة الخليفة صلف).. إذن الأثنان (أطمعا طغرل بك في إمكان الزواج/ 109)..
وهنا المعضلة كيف يتم الزواج بين (عربية قرشية هاشمية عباسية، من بيت الخلافة 110) هي السيدة بنت الخليفة القائم بأمر الله، وبين (تركي سلجوقي سلطان بني سلجوق، فلم يكن كفؤا لها) إذاً المانع الأصلي الذي يقف بوجه هذا الزواج هو موانع الكفاءة، هنا يضطر الخليفة إلى ندب القاضي أبا محمد رزق الله بن عبد الوهاب التميمي الحنبلي المشهور في تاريخ الدولة العباسية (إلى الخروج إلى الريّ ولقاء السلطان طغرل بك، والاستقصاء في الاستعفاء من هذا الزواج المطلوب) والمرحلة الثانية ستكون كالتالي (واصحبه تذكرة، والتذكرة عندهم آخر الشروط وغاية الكلام المحرر، وقال له : أن تم الأمر فهو المراد، وإلا فأعرض التذكرة على السلطان على مضض مني وكره لذلك..) وكان مع القاضي الحنبلي قد أرسل الخليفة، نقيب الهاشميين.، وبعث معهما بخلع وهدايا للسلطان.. نلاحظ إلى أي درك نزلت هيبة الخلافة العباسية؟ الخليفة يتذلل للسلطان.. وفي تلك السنوات العجاف هناك من اختزل الحال في قول شعري ساخر مثل رسمة الكاريكتير
(خليفة ٌ في قفص بين وصيف وبغا - يقول ما قالا له كما يقول الببغا) وبغا الشرابي : أكثر الناس فتكاً من وصيف، كان ينهب الأموال ويخالف أمر الخليفة ويستبد في أموال الدولة، وكان الخليفة المعتز يقول : والله إني لا أحبُ حياتي ما دام بغا موجود في هذه الدنيا.. وقد فرض الغلمان الأتراك على الخلفاء منصب (أمير الأمراء) وتكون له اليد العليا. والأتراك بيضة فقست وتكاثرت بفضل الخليفة المعتصم وظل تأثيرهم إلى نهاية السلاجقة في فترة حكم الناصر بالله.. وأول خليقة يتم اغتياله كان من خلالهم حيث تم قتل الخليفة المتوكل بالله.



#مقداد_مسعود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رسالة الأستاذ الدكتور علاء العبادي إلى مقدادمسعود
- ذاكرة مستلقية وتهرول
- ليل هذا النهار
- الحداثة المأزومة
- مناجاة الشاكرين
- حسب الشيخ جعفر/ تركي الحميري
- هما
- تعليق نبيل الربيعي على(طواف حول نهج البلاغة) مقداد مسعود
- طواف حول (نهج البلاغة)
- أ.د علاء العبادي قراءة في (أرباض) مقداد مسعود
- أ.د علاء العبادي/ الثنائية الكونية في قصيدة مقداد مسعود
- أبو داود
- مناجاة الإمام زين العابدين (عليه السلام)
- أ. د علاء العبادي/ قراءة في قصيدة (عربة) لمقداد مسعود
- الكاتب والباحث نبيل عبد الأمير الربيعي/ رأي في(عربة) نص مقدا ...
- عربة
- كينونة مشطورة (غيبة مي) للروائية نجوى بركات
- نجوى بركات في روايتها (غيبة مي)
- قراءة بقلم أ.د علاء العبادي في قصيدة (أفول) للشاعر مقداد مسع ...
- رؤية مهيار


المزيد.....




- 30 رمضان.. ذكرى رحيل داهية العرب وحارس السنة وغدر بونابرت
- سينما ضد الموت والدمار.. 10 أفلام صورت بشاعة الحرب
- أسماء المدير تتصدر الفائزين بدعم صندوق مهرجان روتردام السينم ...
- التشيع العربي والفارسي: كتاب يشعل الجدل ويكسر المحرّمات
- وفاة الكاتب والمترجم المغربي عبد الغني أبو العزم
- -فاميلي بيزنس- و-برشامة- و-إيجي بيست-.. أفلام عيد الفطر في م ...
- يعرض في صالات السينما السعودية بعيد الفطر.. -شباب البومب 3- ...
- لودريان: التفاوض هو المخرج الوحيد للحرب في لبنان وإسرائيل فش ...
- نازحون على خشبة مسرح صور.. قصة ملجأ ثقافي في زمن الحرب
- -لا للحرب-... -الحرية لفلسطين-. كيف تحول حفل الأوسكار الـ98 ...


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مقداد مسعود - مصطفى جواد