|
|
شاعر الوجود والظل
مقداد مسعود
الحوار المتمدن-العدد: 8665 - 2026 / 4 / 2 - 11:40
المحور:
الادب والفن
مقداد مسعود: شاعر الوجود والظل أ. د علاء العبادي
في زمن باتت فيه القصيدة أشبه بسلعة تتبادل في أسواق اللغة الرتيبة، يأتي شعر مقداد مسعود ليذكّرنا بأن الكلمة يمكن أن تكون طقساً وجودياً، ونافذة على ما وراء المرئي، ومطاردة للظل الذي يتفلت من قبضتنا كلما مددنا إليها أيدينا. إنه شاعر يحول المألوف إلى دهشة، واليومي إلى عتبة صوفية، واللغة إلى مادة شفافة تتلألأ فيها معاني لا تدركها القراءة العجلى. يمتلك هذا الشاعر قدرة فريدة على نسج عالمه الخاص، عالم تتحرك فيه الظلال والأشباح والأحلام والأشياء، في مشهدية شعرية تذكّرنا بأحلام السرياليين، لكنها لا تقع في فخ التقليد، لأنها تنبع من رؤية وجودية أصيلة تتشكل في بوتقة تجربة إنسانية عميقة. ما يميز شعر مقداد مسعود أولاً هو تلك المفردات التي يختارها بعناية فائقة، فهي تتأرجح بين البساطة اليومية والعمق الفلسفي، بين المحسوس والمجرّد. نراه يوظف كلمات كالظل والحصان والمرايا والقبور والضجر والغيم، لكنه لا يتركها على سجيتها، بل يعيد تشكيلها في سياقات تخلخل دلالاتها المستقرة. الظل عنده ليس مجرد انعكاس ضوئي، بل ذات أخرى تلاحق صاحبها أو تهرب منه، يتحول أحياناً إلى صقر في السماء، وأحياناً أخرى إلى كيان مستقل يقرر مصيره خارج إرادة صاحبه. هذه القدرة على تحويل المألوف إلى كائن شعري حي هي ما يمنح نصوصه تلك الهالة السحرية التي تجعل القارئ يعيد النظر في كل شيء حوله. أما البنية الصوتية في شعر مقداد مسعود، فهي أقرب إلى موسيقى داخلية خافتة تتولد من تناغم الحروف وتراكيب الجمل، لا من أوزان وقوافٍ جاهزة. إنه يبني إيقاعه الخاص من خلال التكرارات المدروسة، والجمل الاعتراضية، والتوقفات المفاجئة التي تشبه انقطاع النفس عند دهشة مفاجئة. نلمس ذلك في تدفق نصوصه التي تشبه تيار الوعي، حيث تتداخل الأفكار والصور في سيولة تحافظ على تماسكها من خلال خيط خفي من المعنى أو الإحساس. هذه الموسيقى الداخلية تجعل من قراءة شعره تجربة شبيهة بالاستماع إلى لحن متواصل، رغم غياب الوزن التقليدي. لكن اللافت حقاً في هذا الشعر هو تلك الانزياحات الدلالية التي تقلب العلاقات المتوقعة بين الأشياء. فنراه يقول ما يشبه أن الحصان يتوسد صخرة، والصخرة تخنق أنفاس الورد، وفي جوف الصخرة طفل يتطلع في بئر بكماء. هذه الصور المتوالية لا تهدف فقط إلى مفاجأة القارئ، بل إلى بناء عوالم موازية تعيد ترتيب الوجود وفق منطق داخلي خاص. إنه منطق الحلم الذي لا يخضع لقوانين الواقع، لكنه في الوقت نفسه أكثر صدقاً في التعبير عن مكامن النفس البشرية وتموجاتها. هذا الميل إلى الحلم والرؤيا يجعل من الشعر عند مقداد مسعود وسيلة لاختراق حجب الواقع المبتذل، والوصول إلى جوهر الأشياء المخبوء. واللافت أيضاً ذلك الحضور المكثف للصوفية والتأمل الروحي، وإن كان بصيغة معاصرة غير تقليدية. تتردد في نصوصه إشارات إلى طقوس يومية كحلق اللحية وتلميع الحذاء، لكنها تتحول إلى لحظات قداسة، حيث "يرمم يومي بما يتيسر من قداسته" و"أرتقي إليه بمحبات حبات مسبحتي". ثم نراه في نصوص أخرى يخاطب "رجلاً منظوراً إليه" بلهجة تشبه المناجاة والابتهال، لغة تمتزج فيها الألفة بالرهبة، والحميمية بالتقديس. هذا البعد الروحي ليس دعوة إلى دين محدد، بل هو حالة من الوجد الإنساني الذي يتخذ من الكتابة معبداً له، ومن الكلمات مسبحة يسبح بها في فضاءات التأمل والدهشة. ثمة أيضاً لعبة ذكية مع التراث الأدبي والثقافي، تظهر في إشارات عابرة إلى كامو وكالفينو وآخرين غيرهم، لكنها ليست مجرد استشهادات مثقفة، بل تصير جزءاً من النسيج الشعري لتعبر عن موقف وجودي. فعندما يقول "لا كامو هنا ولا كالفينو"، إنما ينفي إمكانية استعارة أي نموذج أدبي لتفسير هذا الواقع المتفرد، واقع "عُرينا الذي تصدعت منه المرايا". هذه الإشارات تضفي على النص بعداً حوارياً مع الثقافة العالمية، لكنها لا تخرجه من محليته وجذوره، فهو يتحدث من مكان محدد، ومن تجربة إنسانية خاصة، لكن صوته يجد صداه في آفاق إنسانية أوسع. أما عن الثيمات المهيمنة على هذا الشعر، فالموت حاضر بقوة، لكن ليس بصفته نهاية مفزعة، بل كحقيقة وجودية تتخذ أشكالاً متعددة. "القبور أقفاص بلا طيور" تعبير يتكرر في أكثر من نص، محولاً صورة القبر من مكان للراحة أو الرهبة إلى قفص ينتظر طيراً لا يأتي، مما يخلخل دلالة الموت التقليدية. وهناك أيضاً الضجر، الذي يتحول في شعر مقداد مسعود إلى طاقة هائلة لا تعرف الكلل، يقفز عالياً ويركل الأقنعة ويمزق الكمالات، إنه ضجر وجودي يرفض الاستسلام، ويمثل روحاً متمردة على كل أشكال التخدير والتزييف. كما نلمس هاجس الزمن وتشظيه، فالماضي والحاضر والمستقبل تتداخل في لحظة شعرية واحدة، والأمكنة تتحول وتتغير، والشخصيات تتعدد وتتماهى في مشهد واحد. ولا يمكن إغفال البعد الإنساني والسياسي الخفي في هذا الشعر. فعلى الرغم من أن النصوص تبدو في ظاهرها تأملية ذاتية، إلا أن ثمّة همّاً جمعياً يتسرب من بين السطور. الحديث عن "هم كما هم أصابعهم في آذانهم، وفوهاتهم على الصيرفة"، أو وصف "الملوك والكهان والقتلة واللصوص" الذين يتدحرجون مع الضجر، أو مشهد الرجل الذي يقف بأسمال قيافته العسكرية "ينسى ما يجري، يتذكر ما سوف يكون"، كلها إشارات تفتح النص على قراءات متعددة، وتجعل منه مرآة لواقع عربي معقد، يعيش في زمن الانتظار والانكسار والتحول. ما يمنح شعر مقداد مسعود مكانته المتميزة في الأدب العربي الحديث هو هذه القدرة على الجمع بين الأصالة والمعاصرة، بين العمق الفلسفي والشفافية الشعرية، بين الغموض المشروع والوضوح الآسر. إنه يكتب قصيدة تأبى أن تكون سهلة ممتنعة، بل هي ممتنعة في سهولتها، لا تُفتح مفاتيحها إلا لمن يمنحها وقتها وصبرها وتأملها. وفي زمن تسارعت فيه وتيرة الإنتاج الشعري، وكثر فيه الهجين والمستعجل، يأتي هذا الشعر ليذكرنا بأن القصيدة الحقيقية تحتاج إلى زمنها كي تنضج، وإلى قارئها الحقيقي كي تتكشف له طبقاتها شيئاً فشيئاً. لعل ما يدهش أكثر في هذه التجربة هو تلك القدرة على الحوار مع الذات، والانشطار إلى آخَر يرى ما لا تراه الأنا. فالشاعر لا يكتب من موقع الواثق من كل شيء، بل من موقع الباحث عن نفسه في مرايا اللغة، والملاحق لظله الهارب، والمتحاور مع صوته المترجرج زئبقاً. هذا الصدق الوجودي يمنح نصوصه دفئاً إنسانياً يجعل القارئ يشعر أنه ليس أمام منتج جمالي فحسب، بل أمام كشف وجودي، وشهادة حية على تعقيدات هذه الحياة وهشاشتها وجمالها. في نهاية المطاف، يظل شعر مقداد مسعود تجربة فريدة تستحق القراءة والتأمل والدراسة. إنه شعر لا يمنح إجابات جاهزة، بل يطرح أسئلة عميقة حول الذات والوجود والزمن والموت. وهو بهذا يصير رفيقاً للقارئ الحقيقي، لا يتركه حتى بعد إغلاق الديوان، بل يظل يهمس في أذنه بتلك الأسئلة التي لا تنتهي، ويومض في ذهنه بتلك الصور التي لا تموت. وهذه هي ربما العلامة الأكيدة على الشعر العظيم: أن يظل حياً فينا، ينمو ويتفرع، كلما عدنا إليه
#مقداد_مسعود (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
قصيدة عند قبر الشاعر السيّاب
-
حفريات في غياب الصورة
-
ريح ٌ
-
فهدنا الفادي
-
قراءة في قصة( دمية في يد عملاق)
-
قصيدة مربي الأجيال الأستاذ يوسف التميمي
-
حسب الشيخ جعفر .. وروايتان
-
اليد والنسيان
-
موسى كريدي
-
مصطفى جواد
-
رسالة الأستاذ الدكتور علاء العبادي إلى مقدادمسعود
-
ذاكرة مستلقية وتهرول
-
ليل هذا النهار
-
الحداثة المأزومة
-
مناجاة الشاكرين
-
حسب الشيخ جعفر/ تركي الحميري
-
هما
-
تعليق نبيل الربيعي على(طواف حول نهج البلاغة) مقداد مسعود
-
طواف حول (نهج البلاغة)
-
أ.د علاء العبادي قراءة في (أرباض) مقداد مسعود
المزيد.....
-
معرض تشكيلي جماعي بمناسبة الدورة الربيعية لموسم أصيلة الثقاف
...
-
جمعية الرّواد تحتفي بالمسرحيين بيوم المسرح العالمي في بيت لح
...
-
عنابة تستعد لاستقبال البابا.. سياحة دينية على خطى أوغسطينوس
...
-
سينما عيد الأضحى في مصر 2026.. منافسة ساخنة تحت قيود الإغلاق
...
-
مهرجان كان السينمائي يكشف عن قائمة الأفلام المتنافسة على الس
...
-
الجمعية العلمية للفنون تطلق حملة لتشجير وتأهيل مدرسة الموسيق
...
-
-دبي للثقافة- تكشف عن منحوتة -جذور- للفنانة عزة القبيسي في ش
...
-
رواية -أغالب مجرى النهر- تقتنص الجائزة العالمية للرواية العر
...
-
الموسيقى كأداة للإصلاح.. كيف أعاد مارتن لوثر صياغة الإيمان ع
...
-
من التسريبات إلى الشاشات.. 5 أفلام تكشف أسرار عالم الاستخبار
...
المزيد.....
-
تمارين أرذل العمر
/ مروة مروان أبو سمعان
-
اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية
/ أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
-
رحلتي في ذاكرة الأدب
/ عائد ماجد
-
فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال
...
/ أقبال المؤمن
-
الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير
/ أقبال المؤمن
-
إمام العشاق
/ كمال التاغوتي
-
كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين
/ ياسر جابر الجمَّال
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو
...
/ السيد حافظ
-
أحافير شاب يحتضر
/ المستنير الحازمي
المزيد.....
|