أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - مذكرات الست سعيدة ( 11 )














المزيد.....

مذكرات الست سعيدة ( 11 )


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8662 - 2026 / 3 / 30 - 10:17
المحور: الادب والفن
    


​فخّ المقاعد.. وعقدة الرقم "اثنين"

​لم أتعلم في حياتي الخوف من الخصوم الواضحين، أولئك الذين يبارزونك بوجوه مكشوفة.. بل تعلمتُ أن أخشى الجروح حين تتنكر في هيئة طموحٍ محموم.

​كانت "سوسن" مدرسة رياضيات بارعة، امرأة لا تخطئ في لغة الأرقام الصارمة، لكنها كانت تائهة في حساب المسافات الإنسانية بينها وبين الآخرين. كانت تبتسم لي بـ "مساطر" هندسية؛ ابتسامة تضع "فاصلة" دائماً ولا تضع "نقطة" أبداً، كأنها جملة اعتراضية مؤجلة.

​لم تكن تهاجمني جهاراً، بل كانت تمارس الفن الأصعب: تزرع الشك حولي كبذورٍ خفية، ثم تنسحب تاركةً للريح أن تقوم بمهمة النميمة. سمعتُ همساً في أروقة المدرسة، وتذمراً مبطناً يلوك جملة واحدة: "الإدارة تحتاج دماً جديداً".

​ابتسمتُ حينها.. ليس لأنني أجهل مرادها، بل لأنني فهمتُ الوجع الكامن خلف طموحها. سوسن لم تكن تريد إسقاطي لذاتي، كانت تريد أن "تصعد" فوق أنقاض أي شيء لتعوض انكساراً قديماً.

​دخلتُ عليها الصف ذات يوم دون موعد مسبق. كانت تشرح مسألة معقدة بصوت ثابت، لكن عينيها كانتا تشيان بتوترٍ مكتوم. وحين رأتني عند الباب، ارتبك الرقم في يدها، وانكسر إيقاع الطباشير على السبورة.

​جلستُ في المقعد الأخير، لا كمديرة تراقب أداءً وظيفياً، بل كإنسانة تفتش عن "الإنسان" خلف الأرقام. كان في صوتها شرخٌ غريب لا تُصلحه معادلات الجبر. وبعد أن غادر الطالبات، طلبتُ منها البقاء. وقفت أمامي متحفزة، كأنها جندي في خندق ينتظر رصاصة البدء.

​قلتُ لها بهدوء غسل كل تشنجها:

— "سوسن.. هل أنتِ متعبة؟"

​باغتها السؤال؛ لم يكن ضمن "حسابات الاحتمالات" التي وضعتها. قالت بنبرة دفاعية:

— "لا.. ولماذا أتعب؟"

​نظرتُ في عينيها طويلاً وقلت:

— "لأن الإنسان حين يتعب من الركض خلف سراب، يبدأ بمنافسة الجميع، حتى نفسه.. الطموح يا سوسن ليس عيباً، لكن حين يتحول إلى مرارة، يبدأ الخلل في الروح لا في المنصب."

​هنا، انهار السد. ضحكت ضحكة جافة كأرض بوار، وقالت بحدة:

— "أنا تعبتُ من أن أكون (الثانية) دائماً.. في البيت، في العمل، وفي كل منعطف. دائمًا هناك من يسبقني بخطوة، حتى وأنا أبذل ضعف الجهد. حتى في زواجي، كنتُ أشعر أنني مجرد خيار احتياطي لسد فراغ ما."

​ساد الصمت. كان صمتاً أصدق من ألف موعظة. اقتربتُ منها خطوة واحدة، وقلتُ بصوتٍ حازمٍ ورحيم:

— "المشكلة ليست في الكرسي يا ابنتي.. المشكلة أنكِ تظنين أن المقعد الخشبي سيمنحكِ الطمأنينة التي تفتقدينها في الداخل. الكرسي لا يعالج الشعور بالنقص، هو فقط يرفعه إلى منصة أعلى ليراه الجميع بوضوح أكبر."

​ارتجفت عيناها، ولأول مرة لم أرَ فيها "خصماً" ينافسني على إدارة مدرسة، بل رأيتُ امرأةً أضناها الانتظار على رصيف التقدير.

​في الأيام التالية، ساد الهدوء في كيان سوسن. لم تتحول إلى ملاك، لكنها توقفت عن الحرب. كانت تمشي في الممرات بخفةٍ لم أعهدها، وكأنها ألقيت عن كاهلها حملاً ثقيلاً من الرغبة في "إثبات الذات" بالهدم.

​ذات صباح، مرّت بمكتبي، وقالت بصوتٍ خافت ونقي:

— "شكراً.. ست سعيدة."

​لم أسألها على ماذا تشكرني، فبعض الكلمات لا تُفسّر لأنها تخرج من جرحٍ بدأ يلتئم. تعلمتُ منها ذلك اليوم درساً بليغاً:

​ليس كل من ينافسك يريد هزيمتك، بعضهم يصارع ليثبت لنفسه أنه لا يزال حياً. وأخطر الخصوم هم أولئك الذين لم يجدوا قلباً يربّت على أوجاعهم في اللحظة المناسبة.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مذكرات ست سعيدة ( 10 )
- مذكرات الست سعيدة ( 9 )
- ​مذكرات ست سعيدة (8)
- مذكرات الست سعيدة ​( 7 )
- مذكرات الست سعيدة ( 6 )
- مذكرات الست سعيدة ( 5 )
- مذكرات الست سعيدة (4)
- مذكرات الست سعيدة ( 3 )
- مذكرات الست سعيدة (2)
- مذكرات الست سعيدة (1) ​
- البابُ الذي لم يُغلق
- قيود من رمل وصدى
- الضحية / 3 والاخيرة
- الضحية / 2
- الضحية / 1
- خربشات قلم / 5 والاخيرة
- خربشات قلم / 4
- خربشات قلم / 3
- خربشات قلم / 2
- خربشات قلم


المزيد.....




- فنان مصري شهير يتعرض لحادث مروع
- لا حفلات قريبة لجورج وسوف في سوريا.. ومصادر تنفي ما يتداول ب ...
- -طائرة الجدة وأحلام النزع الأخير-.. قصص إنسانية خلف التوابيت ...
- سفارة موسكو بالجزائر تحيي يوم السينما
- تونس: السلطات توقف الصحافي البارز محمد اليوسفي الصوت الناقد ...
- اشتباك فكري حول -مستقبل صناعة النشر في عصر الذكاء الاصطناعي- ...
- كوميدي تركي يواجه السجن لأكثر من 9 سنوات بتهمة -إهانة- أردوغ ...
- مناقشة رسالة ماجستير عن -مذكرات رضيعة- لسناء الشّعلان في جا ...
- استعمار الخرائط.. أفريقيا تطالب العالم برؤية حجمها الحقيقي
- بحّار الرواية العربية.. كيف حوّل حنا مينه زرقة المتوسط إلى م ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - مذكرات الست سعيدة ( 11 )