أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد بن علال - بين صمت مهيب وحقيقة مرة: في مساءلة إرث يورغن هابرماس














المزيد.....

بين صمت مهيب وحقيقة مرة: في مساءلة إرث يورغن هابرماس


سعد بن علال

الحوار المتمدن-العدد: 8649 - 2026 / 3 / 17 - 19:51
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


رحيل يورغن هابرماس لا يفرض بالضرورة واجب الرثاء، بقدر ما يفرض واجب التفكير. فالموت ليس مناسبة لتعليق النقد أو لتجميل السيرة، بل لحظة اختبار صارمة للدلالة الاجتماعية والأخلاقية لمسار كامل. بين الصمت المهيب أو المديح الفارغ، يظل الخيار الأصدق هو قول الحقيقة، حتى لو جاءت قاسية.
في هذا الأفق، لا يمكن التعامل مع هابرماس بوصفه مجرد اسم كبير في الفلسفة المعاصرة، أو كصاحب مشروع نظري حول “أخلاقيات المناقشة” و”العقل التواصلي” بمعزل عن مواقفه السياسية الملموسة. لقد قدم نفسه، لعقود، كمدافع عن العقلانية الحوارية، وعن إمكانية تأسيس الشرعية على النقاش الحر والمتكافئ، حيث لا سلطة تعلو على قوة الحجة. غير أن لحظات التاريخ الحاسمة لا تختبر الأفكار في الكتب، بل في المواقف.
هنا تحديدا، تكشف المأساة الجارية في غزة – بما تحمله من عنف مادي ورمزي، ومن اختلال فادح في ميزان القوة – عن حدود هذا المشروع. فحين يتحول “النقاش” إلى غطاء لتبرير القوة، وحين يستدعى الخطاب الأخلاقي لتخفيف وقع واقع غير أخلاقي في جوهره، فإننا لا نكون أمام تطبيق لأخلاقيات المناقشة، بل أمام نفيها العملي.
إن التناقض لا يكمن فقط في موقف سياسي عابر، بل في اهتزاز العلاقة بين النظرية ومجالها التطبيقي. فالفيلسوف الذي نظر لفضاء عمومي عقلاني، قائم على المساواة والاعتراف المتبادل، وجد نفسه – في لحظة اختبار قصوى – أقرب إلى تبرير نظام غير متكافئ، حيث تقصى أصوات الضحايا أو تختزل في لغة أمنية أو تقنية. وهنا، لا يعود السؤال: هل أخطأ هابرماس؟ بل: ماذا يكشف هذا الخطأ عن حدود الإطار النظري ذاته؟
من منظور نقدي، يمكن القول إن مشروع هابرماس ظل، رغم طموحه الكوني، مشروطا بأفق ليبرالي غربي، يفترض ضمنا شروطًا مثالية للنقاش لا تتحقق في واقع الهيمنة والصراع. فـ”المناقشة الحرة” تفترض أطرافا متكافئة، لكن ماذا يحدث عندما يكون أحد الأطراف تحت القصف، محاصرا، منزوع القدرة على التعبير أو الفعل؟ هل يظل النداء إلى الحوار في هذه الحالة موقفا أخلاقيا، أم يتحول إلى شكل من أشكال التجريد الذي يخفي علاقات القوة بدل أن يكشفها؟
بهذا المعنى، لا يمكن فصل هابرماس المفكر عن هابرماس المواطن، ولا عن هابرماس الذي يتخذ موقفا حين يتعذر الحياد. فالفلسفة، إذا كانت تدعي لنفسها بعدا نقديا، لا تقاس فقط بقدرتها على بناء المفاهيم، بل أيضا بقدرتها على الصمود أمام اختبارات الواقع.
وأي محاولة لتحويل رحيله إلى مناسبة للاحتفاء الخالص، دون مساءلة، لن تكون سوى مديح متملق خال من المعنى، يحجب أكثر مما يكشف.
لذلك، فإن أفضل ما يمكن قوله اليوم ليس رثاء، ولا شجبا أخلاقيا مجردا، بل محاولة للفهم: كيف يمكن لمشروع فلسفي بني على مركزية الحوار أن يعجز عن مواجهة واقع تخنق فيه كل شروط الحوار؟ وكيف يمكن للعقلانية التواصلية أن تصمد، أو أن تنهار، حين توضع في مواجهة العنف العاري؟
في هذا التوتر، تحديدا، تكمن القيمة الحقيقية للحظة: ليس في تمجيد الراحل، ولا في إدانته، بل في إعادة فتح السؤال الذي ظن أنه أجاب عنه: ما الذي يجعل الحوار ممكنا حقا؟ ومن يملك شروطه؟ ومن يقصى باسمه؟



#سعد_بن_علال (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ليون تروتسكي: الكلمة التي ثارت — قراءة أدبية في كتاباته وأسل ...
- كلارا زتكين: المسألة النسوية في قلب الصراع الطبقي
- الحرب في الفكر الماركسي: البنية الاقتصادية، الخلفية السياسية ...
- موتٌ بالتقسيط (قصة قصيرة)
- من 20 فبراير إلى جيل زد: تحوّلات الفعل والوعي
- فلسطين بين زخم الشارع الغربي وصمت المنطقة: مفارقات التضامن ف ...
- من إبستين إلى العالم العربي: حين يصبح الإفلات من العقاب قاعد ...
- قصة قصيرة: مواطن نموذجي (نسخة مُحدَّثة)
- أحمد بن جلون… حين يصبح المناضل ذاكرةً تمشي بيننا
- هان فان ميغيرين: أكبر مزوّر لأعمال فيرمير في تاريخ الفن
- ميشيل بارنتي: عين ماركسية ترى ما تخفيه القوة
- جيل Z: التمرد في زمن ما بعد الحقيقة
- فلنتشبّث بالحياة… لأن لا حياة أخرى
- العيطة وآسفي: حين تتكلم المدينة بصوتها الأصيل
- حقيقة على طاولة مقهى: قصة قصيرة
- حين تتحوّل الماركسية إلى يقين مغلق مقال ماركسي نقدي في مساءل ...
- الثورة المؤجلة: ويلهام رايش وسؤال الجسد في مشروع التحرر
- كرة القدم: حين تتحوّل اللعبة إلى جهاز إيديولوجي ناعم
- دييغو ريفيرا: حين يصير الجدار سيرة ومسار
- أوروزكو: الرسام الذي جعل الجدار يصرخ


المزيد.....




- تتناول ضرب مدرسة البنات بإيران.. رقابة الصين تسمح لمقاطع بال ...
- ماتداعيات رفض حلفاء واشنطن تلبية دعوة ترامب لتأمين مضيق هرمز ...
- إلا بشروط.. دمشق تقيّد بيع المشروبات الكحولية
- ما هي أبعاد وتداعيات إدراج -إخوان السودان- على قائمة الإرهاب ...
- لماذا تعتبر إسرائيل اغتيال علي لاريجاني وغلام رضا سليماني إن ...
- إسرائيل تعلن مقتل أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني ع ...
- تصاعد الصراع في الشرق الأوسط يدفع شركات الطيران لإلغاء المزي ...
- لبنان: أكثر من مليون نازح بأقل من أسبوعين وأكثر من 900 قتيل ...
- إسرائيل تعلن اغتيال لاريجاني وطهران ترفض مقترحات لخفض التصعي ...
- إيران تطلق 3 رشقات صاروخية على إسرائيل خلال ساعتين.. ماذا اس ...


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد بن علال - بين صمت مهيب وحقيقة مرة: في مساءلة إرث يورغن هابرماس