أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد بن علال - حين تتحوّل الماركسية إلى يقين مغلق مقال ماركسي نقدي في مساءلة الماركسية–اللينينية















المزيد.....

حين تتحوّل الماركسية إلى يقين مغلق مقال ماركسي نقدي في مساءلة الماركسية–اللينينية


سعد بن علال

الحوار المتمدن-العدد: 8591 - 2026 / 1 / 18 - 00:02
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تمهيد: الماركسية التي لا تُقلق ليست ماركسية
لم تُكتب الماركسية لتكون عقيدة طمأنينة، ولا قاموسًا مغلقًا يُستدعى لإثبات الانتماء، ولا جهازًا لغويًا لتبرير ما هو قائم. وُلدت بوصفها نقدًا جذريًا للعالم كما هو، لا وصفة جاهزة لعالم بديل. قوتها لم تكن يومًا في الأجوبة النهائية، بل في الأسئلة المقلقة؛ لم تكن في اليقين، بل في الشك المنهجي؛ لم تكن في الاكتمال، بل في الرفض الدائم لكل اكتمال زائف.
غير أن ما استقرّ تاريخيًا تحت اسم الماركسية–اللينينية، كما تَشكّل وتَكرّس في تجارب وأحزاب وخطابات، انزاح تدريجيًا عن هذا الجوهر. لم يكن الانزياح حدثًا مفاجئًا، بل مسارًا تراكميًا: تصلّب نظري باسم الحسم، وتكيّف سياسي باسم الواقعية، وبحث عن يقين في عالم مثقل بالهزائم. هكذا تحوّلت الماركسية، في كثير من تمظهراتها، من أداة نقد إلى منظومة تبرير، ومن تحليل للصراع إلى خطاب شرعنة، ومن أفق تحرّر إلى جهاز ضبط.
هذا النص لا يقف خارج الماركسية ولا يسعى إلى تصفيتها، بل ينطلق من داخلها، من تقاليدها النقدية ومن توتّرها الخلّاق. إنه مساءلة للماركسية–اللينينية باسم الماركسية نفسها، دفاعًا عن روحها ضد تحوّلها إلى لاهوت سياسي.
القسم الأول: من المنهج إلى العقيدة — لحظة الانكسار النظري
الميزة الحاسمة في الماركسية ليست في كونها “نظرية عن كل شيء”، بل في كونها منهجًا تاريخيًا ماديًا جدليًا، يفهم الواقع بوصفه عملية مفتوحة، محكومة بالصراع، ومشحونة بالاحتمال. هذا المنهج يفترض أن الواقع أسبق من النظرية، وأن النظرية تُختبر في الممارسة، وأن أي صيغة فكرية تفقد قيمتها حين تتحوّل إلى dogma.
غير أن الماركسية–اللينينية، كما استقرّت في صيغها المدرسية، قامت بعكس ذلك تمامًا: ثبّتت المنهج، قنّنته، وحوّلته إلى مجموعة قوانين جاهزة. لم يعد التحليل ينطلق من الواقع الملموس، بل من نصوص مُقدَّسة؛ ولم يعد الجدل أداة لفهم التناقض، بل تقنية لإخضاع الوقائع للقالب النظري.
بهذا التحوّل، جرى نزع التاريخ من تاريخه، وتحويله إلى مخطط مسبق: مراحل متتالية، مهام محددة، أدوار موزّعة سلفًا. وكل تجربة لا تنسجم مع هذا المخطط تُعتبر إما متأخرة، أو منحرفة، أو غير ناضجة. هنا تبدأ القطيعة الأولى مع الماركسية بوصفها فكرًا نقديًا.
العقيدة، بخلاف المنهج، لا تسأل: ماذا يحدث؟ بل تسأل: هل ما يحدث ينسجم معنا؟ وحين تصبح الماركسية عقيدة، تفقد قدرتها على رؤية ما لا تريد رؤيته.
القسم الثاني: التاريخ كقدر — حين يُقتل الاحتمال
من أخطر ما أنتجته الماركسية–اللينينية هو تحويل التاريخ إلى مسار حتمي. التاريخ، في هذا التصور، يتقدّم كما لو كان آلة صمّاء، لا تعرف التراجع، ولا الانكسار، ولا القفزات غير المتوقعة. كل مجتمع، وفق هذا المنطق، يجب أن يمرّ بالمراحل نفسها، وبالترتيب نفسه، وبالشروط نفسها تقريبًا.
بهذا الفهم، تُلغى السياسة بوصفها مجالًا للصراع والاختيار، وتتحوّل إلى إدارة تقنية لمراحل “موضوعية”. الفاعلون لا يصنعون التاريخ، بل ينفّذون ما يفرضه “قانون التطور”. وحين تُختزل الثورة في نتيجة حتمية، تفقد معناها كفعل مخاطرة.
لكن التاريخ الحقيقي لا يعمل بهذه الطريقة. التاريخ مليء بالانقطاعات، بالهزائم غير المتوقعة، بالثورات التي تنفجر في “الوقت الخطأ”، وبالارتدادات التي تقطع المسار. تحويله إلى خط مستقيم ليس تحليلًا، بل تبسيط مريح، غالبًا ما يُستخدم لتبرير العجز السياسي: إذا لم تنجح الثورة، فليس لأن الخط خاطئ، بل لأن “الشروط لم تنضج بعد”.
هذا المنطق لا ينتج ثوريين، بل إداريين للانتظار.
القسم الثالث: الحزب بوصفه عقلًا كليًا — من التنظيم إلى الوصاية.
في الماركسية–اللينينية، يحتل الحزب موقعًا مركزيًا لا بوصفه أداة تنظيمية، بل بوصفه حاملًا للحقيقة. هنا يقع الخلط الجذري بين الوعي الطبقي والتنظيم الحزبي. تُختزل الطبقة في تمثيلها التنظيمي، ويُختزل وعيها في برنامج مكتوب، وتُختزل حركتها في قرارات مركزية.
بهذا التحوّل، لا يعود الحزب نتاجًا للصراع الطبقي، بل يصبح وصيًا عليه. الجماهير تُستدعى للتنفيذ، لا للمبادرة؛ للتأييد، لا للاختلاف؛ للانضباط، لا للخلق. كل خروج عن الخط يُقرأ كتهديد للوحدة، وكل سؤال يُصنَّف كتشكيك، وكل نقد يُؤوَّل كعداء.
هذا التصور لا يحرّر الطبقة العاملة، بل يعيد إنتاج الهيمنة داخلها. فالتحرّر، إذا كان فعلًا جماعيًا، لا يمكن أن يُدار من فوق، ولا أن يُختزل في جهاز، مهما كانت نواياه. التنظيم ضرورة، لكن تحويله إلى عقل كلي يقتل ما يفترض أن يحميه.
القسم الرابع: الدولة — من موضوع للنقد إلى أفق للخلاص.
في قلب الماركسية–اللينينية، تقع مفارقة كبرى: التصالح النظري مع الدولة. بدل التعامل معها بوصفها تعبيرًا عن انقسام المجتمع، وعن تَركّز العنف، وعن جهاز السيطرة، يجري تقديمها كأداة يمكن الاستيلاء عليها واستخدامها لبناء الاشتراكية.
لكن الدولة ليست وعاءً محايدًا. إنها بنية تاريخية مشبعة بالهيمنة، وبمنطق الفصل بين الحاكم والمحكوم. حين تُستخدم الدولة لبناء الاشتراكية، غالبًا ما يحدث العكس: تُعاد إنتاج علاقات السيطرة باسم التحرّر.
الاشتراكية، إذا كانت قطيعة مع الرأسمالية، لا يمكن أن تقوم على توسيع جهاز الدولة، ولا على استبدال طبقة مسيطرة بأخرى. حين تُختزل في التأميم، وفي التخطيط الفوقي، وفي السيطرة الإدارية، تتحوّل إلى شكل آخر من السيطرة، مهما تغيّر الخطاب.
القسم الخامس: الاقتصاد وحده لا يكفي — نقد الاختزال الطبقي.
الميزة الكبرى للماركسية هي تحليلها العميق للاستغلال الاقتصادي، لكن الماركسية–اللينينية حوّلت هذه الميزة إلى اختزال. جرى التعامل مع كل أشكال الاضطهاد الأخرى باعتبارها ثانوية، أو مشتقة، أو مؤجلة إلى ما بعد “حل التناقض الرئيسي”.
بهذا المنطق، جرى تهميش قضايا الجندر، والعمل غير المأجور، والجسد، والحياة اليومية، والعنصرية، والهيمنة الثقافية. وكأن التحرّر الاقتصادي وحده كفيل بتحرير الإنسان تلقائيًا. التجربة التاريخية أثبتت العكس: يمكن لمجتمع أن يُعلن نفسه اشتراكيًا، وأن يستمرّ فيه القمع داخل الأسرة، والتمييز ضد النساء، وضبط الأجساد، وإعادة إنتاج علاقات السلطة في أدق تفاصيل الحياة.
التحرّر الذي لا يطال الحياة اليومية ليس تحرّرًا، بل تغيير في شكل السيطرة.
القسم السادس: الأخلاق الثورية المقلوبة.
في الماركسية–اللينينية، غالبًا ما تُعلَّق الأخلاق باسم الضرورة التاريخية. ما يخدم الخط يُعتبر مشروعًا، وما يهدّده يُدان، بغضّ النظر عن مضمونه. هكذا تُبرَّر القمعيات باسم الدفاع عن الثورة، ويُسوَّغ العنف باسم المرحلة الانتقالية، ويُطلب الصمت باسم الوحدة.
لكن ثورة بلا بُعد أخلاقي ليست تحرّرًا، بل استبدالًا لجلاد بآخر. الأخلاق هنا ليست وعظًا، بل جزء من السياسة نفسها: طريقة التنظيم، أسلوب النقاش، العلاقة بالجماهير، احترام الاختلاف. حين تُفصل السياسة عن الأخلاق، تتحوّل إلى تقنية سلطة.
القسم السابع: الماركسية ضد الاكتمال.
الماركسية الحيّة هي تلك التي ترفض الاكتمال. التي تعتبر نفسها أداة مؤقتة، قابلة للمراجعة، ومفتوحة على النقد. أما الماركسية–اللينينية، في صيغتها المغلقة، فقد قدّمت نفسها كنظام مكتمل، لا يحتاج إلا إلى التطبيق الصحيح.
لكن الفكر المكتمل فكر ميت. كل نظرية لا تراجع نفسها تتحوّل إلى أيديولوجيا. وكل أيديولوجيا، مهما كانت لغتها ثورية، تنتهي بخدمة النظام القائم.
خاتمة مفتوحة: استعادة الماركسية من يقينها.
نقد الماركسية–اللينينية ليس تمرينًا نظريًا، بل ضرورة سياسية. ليس الهدف تصفية التراث الثوري، بل تحريره من صيغته الدولتية، والبيروقراطية، والدوغمائية. الرهان ليس في الدفاع عن اسم، بل في استعادة المنهج: نقد بلا قداسة، تنظيم بلا وصاية، وثورة بلا دولة تُنصّب نفسها باسم المجتمع.
الماركسية التي لا تُقلق أصحابها، ولا تُربك يقينهم، ولا تدفعهم إلى مساءلة مواقعهم، ليست ماركسية. إنها مجرد لغة أخرى للسلطة.
القسم الثامن: الهزيمة حين تتحوّل إلى نظرية.
ليست المعضلة الأساسية في الماركسية–اللينينية أنها وُلدت في سياق صراع حاد، بل في أنها حوّلت الهزيمة التاريخية إلى مبدأ نظري. حين تتراكم الانكسارات، بدل أن تُقرأ بوصفها دعوة إلى المراجعة، يجري استيعابها داخل خطاب تبريري: الهزيمة ليست نتيجة خطأ في التحليل أو في الممارسة، بل نتيجة مؤامرة خارجية، أو خيانة داخلية، أو «عدم نضج الشروط».
بهذا المنطق، تُعفى النظرية من المساءلة، ويُعاد تحميل الواقع مسؤولية فشلها. كل ما يحدث يُقرأ بأثر رجعي لإثبات صحة الخط، لا لاختباره. وهكذا تتحوّل الماركسية من أداة لفهم العالم إلى درع نفسي يحمي التنظيم من الاعتراف بأخطائه.
الهزيمة، في الماركسية النقدية، ليست فضيحة، بل مادة تحليل. هي لحظة حقيقة، لا لحظة إنكار. أما حين تُحوَّل إلى عقيدة، فإنها تنتج عقلية حصارية، ترى في كل نقد تهديدًا، وفي كل سؤال اختراقًا، وفي كل اختلاف انقسامًا يجب إخماده.
القسم التاسع: المركزية بوصفها ثقافة، لا مجرد آلية.
غالبًا ما يُقدَّم النقاش حول المركزية باعتباره نقاشًا تقنيًا: كيف نُنظّم؟ كيف نقرّر؟ كيف نضمن الفعالية؟ لكن المشكلة أعمق من ذلك. فالمركزية في الماركسية–اللينينية ليست مجرد آلية تنظيمية، بل ثقافة سياسية كاملة، تقوم على هرمية المعرفة، واحتكار القرار، والخوف من التعدّد.
في هذه الثقافة، يُنظر إلى الاختلاف باعتباره خطرًا، لا مصدر غنى. يُفضَّل الانضباط على الإبداع، والامتثال على المبادرة. الزمن التنظيمي يصبح زمنًا مغلقًا: ما قُرّر بالأمس لا يُراجع اليوم، لأن المراجعة تُفهم كضعف.
هذا النمط لا ينتج تنظيمًا قويًا، بل تنظيمًا هشًّا، يعتمد على الطاعة أكثر مما يعتمد على الاقتناع. وحين تتغيّر الشروط، يعجز عن التكيّف، لأن ثقافته لم تتدرّب على التفكير، بل على التنفيذ.
القسم العاشر: الديمقراطية المؤجَّلة
في الخطاب الماركسي–اللينيني، تُقدَّم الديمقراطية غالبًا بوصفها مسألة ثانوية، أو مؤجَّلة إلى «ما بعد الثورة». تُعتبر ترفًا برجوازيًا، أو أداة ليبرالية، أو خطرًا على وحدة الصف. هكذا يجري فصل التحرّر الاجتماعي عن التحرّر السياسي.
لكن التحرّر الذي لا يمرّ عبر مشاركة فعلية في القرار، وعبر حرية التعبير، وعبر حق الاختلاف، ليس تحرّرًا، بل وصاية. تأجيل الديمقراطية باسم الضرورة الثورية لا يؤدي إلا إلى تثبيت سلطات جديدة، يصعب لاحقًا مساءلتها.
الديمقراطية ليست تقنية اقتراع، بل علاقة اجتماعية. هي كيفية اتخاذ القرار، توزيع السلطة، الاعتراف بالتعدّد. حين تُلغى هذه العلاقة داخل التنظيم الثوري، لا يمكن استعادتها تلقائيًا في المجتمع.
القسم الحادي عشر: اللغة الثورية حين تتحوّل إلى قناع.
أحد أخطر مظاهر تصلّب الماركسية–اللينينية هو لغتها. لغة مشحونة بالمصطلحات، لكنها فقيرة في المعنى. لغة تكرّر نفسها، وتعيد إنتاج الشعارات ذاتها، حتى تفقد قدرتها على التأثير.
حين تنفصل اللغة عن التجربة الحيّة، تتحوّل إلى قناع. تُستخدم الكلمات الثورية لتغطية ممارسات محافظة، أو سلطوية، أو معزولة عن المجتمع. الخطاب يصبح هدفًا في ذاته، لا وسيلة للتواصل أو للفهم.
الماركسية النقدية ترى في اللغة ساحة صراع. الكلمات ليست بريئة. حين تتكلّس اللغة، يتكلّس الفكر. وحين تُستعاد اللغة من التجربة، تُستعاد السياسة من الخطاب.
القسم الثاني عشر: التنظيم والمجتمع — القطيعة الصامتة.
من نتائج التحوّل العقائدي للماركسية–اللينينية، نشوء قطيعة صامتة بين التنظيم والمجتمع. التنظيم يعيش في زمنه الخاص، بلغته الخاصة، وأسئلته الخاصة، بينما يتحرّك المجتمع في اتجاهات أخرى.
بدل الإصغاء، يسود التلقين. بدل التحليل الملموس، يسود إسقاط الشعارات. المجتمع يُرى ككتلة ناقصة الوعي، يجب «تأطيرها»، لا كمجال حيّ للتعلّم المتبادل.
هذه القطيعة لا تُنتج ثورة، بل عزلة. وحين تشتدّ العزلة، يُعاد تفسيرها باعتبارها دليل طهارة: نحن أقلية لأننا على حق. هكذا تتحوّل الهامشية إلى فضيلة، بدل أن تكون سؤالًا.
القسم الثالث عشر: النسوية، الجسد، والحياة اليومية.
في الماركسية–اللينينية، غالبًا ما يُنظر إلى قضايا الجسد، والنوع الاجتماعي، والعمل المنزلي، باعتبارها ثانوية. تُؤجَّل إلى ما بعد «الحل الشامل». لكن هذا التأجيل هو في حد ذاته موقف سياسي.
التحرّر لا يحدث في المصانع فقط، بل في البيوت، وفي العلاقات، وفي تقسيم العمل اليومي، وفي السيطرة على الجسد. تجاهل هذه المستويات يعني إعادة إنتاج القمع داخل مشروع يدّعي التحرّر.
الماركسية النقدية لا تفصل بين الاقتصاد والحياة. ترى أن الرأسمالية ليست فقط نظام إنتاج، بل نظام حياة. ومواجهتها تتطلّب تفكيك كل أشكال الهيمنة، لا فقط تلك التي تظهر في الحسابات الاقتصادية.
القسم الرابع عشر: ضد الحنين الثوري.
أحد مظاهر الانسداد النظري هو الحنين. الحنين إلى لحظة ثورية سابقة، إلى نموذج جاهز، إلى زمن كان فيه كل شيء يبدو واضحًا. هذا الحنين يعوّض العجز عن فهم الحاضر.
لكن السياسة لا تُبنى على الذاكرة وحدها. كل زمن يطرح أسئلته الخاصة. استدعاء أجوبة قديمة لا يحلّ مشكلات جديدة. بل قد يعمّق القطيعة بين النظرية والواقع.
الماركسية النقدية ليست وفية للماضي، بل للمستقبل. وفاؤها للتجربة الحيّة، لا للنماذج المكتملة.
القسم الخامس عشر: الماركسية كأفق مفتوح
في مقابل الماركسية–اللينينية المغلقة، تطرح الماركسية النقدية نفسها كأفق، لا كنظام. أفق يتغذّى من الصراع الطبقي، لكنه لا يختزل العالم فيه. أفق ينفتح على الأسئلة البيئية، والاستعمارية، والنسوية، دون فقدان جوهره.
هذه الماركسية لا تعد بالخلاص، بل بالفعل. لا تمنح اليقين، بل الأدوات. لا تبحث عن الطمأنينة، بل عن الحقيقة، حتى لو كانت مزعجة.
خاتمة كبرى: استعادة القلق
نقد الماركسية–اللينينية، كما قُدِّم هنا، ليس تمرينًا في الخصومة النظرية، ولا محاولة لاستبدال يقين بيقين آخر. إنه دفاع عن الماركسية بوصفها فكرًا للقلق، لا للراحة؛ للمساءلة، لا للتبرير؛ للانفتاح، لا للإغلاق.
حين تتحوّل الماركسية إلى منظومة يقين، تفقد قدرتها على التغيير. وحين تُستعاد بوصفها منهجًا نقديًا مفتوحًا، تستعيد معناها كأداة تحرّر. المعركة، في العمق، ليست حول اسم أو تراث أو نموذج، بل حول طريقة التفكير والممارسة: هل نستخدم الماركسية لفهم العالم وتغييره، أم لحمايتنا من الاعتراف بتغيّره؟
استعادة القلق ليست ضعفًا، بل شرطًا للقوة. فالفكر الذي لا يقلق لا يرى، والسياسة التي لا تُراجع نفسها تعيد إنتاج ما تدّعي محاربته. الماركسية التي نحتاجها اليوم ليست تلك التي تمنح الطمأنينة، بل تلك التي تضعنا أمام أسئلة الحاضر بلا ضمانات، وتدفعنا إلى الفعل دون أوهام اكتمال.
هذا النص دعوة إلى كسر منطق العقيدة، وإلى إعادة السياسة إلى الصراع الحيّ، والتنظيم إلى المجتمع، والنظرية إلى الحياة اليومية. فهناك فقط، حيث لا يقين نهائي، يمكن للماركسية أن تكون حيّة.



#سعد_بن_علال (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كرة القدم: حين تتحوّل اللعبة إلى جهاز إيديولوجي ناعم
- دييغو ريفيرا: حين يصير الجدار سيرة ومسار
- سلفادور دالي: حين صار الحلم أكثر صدقًا من الواقع
- الزاباتيستيون: ثورة الهامش وبناء العالم الممكن
- عزيز بلال: الاقتصادي الذي رأى المستقبل قبل أن يقع
- تيودور ادورنو: المثقف الذي رأى القفص ورفض رؤية المفتاح
- فريدا كالو: أيقونة الألم والهوية
- تحية كاريوكا: حين يواجه الجسدُ السلطة
- رايا دوناييفسكايا: نقد الدولة، حدود الثورة، وقيمة الماركسية ...
- عزيز لمنبهي … الغائب الحاضر
- ويلهام رايش: سؤال الاستبداد من مدخل الجسد
- فلسطين: جوهر الصراع العالمي ضد الرأسمالية الإمبريالية
- نُدبةُ الوقتِ... وماءُ الأمل
- سعد الله ونوس: الكاتب الذي حوّل الخشبة إلى مرآة للجرح العربي
- حركة 20 فبراير: حين يتحوّل نقد الأوهام إلى أفق مسدود


المزيد.....




- السعودية.. كيتي بيري تفتتح حفل Joy Awards 2026 بموسم الرياض ...
- وسط جدل غرينلاند.. ترامب يعلن فرض تعريفات جمركية جديدة على د ...
- فيديو متداول لـ-تحليق طائرات أمريكية فوق الكويت والبصرة-.. م ...
- أمريكا -تستهدف قياديًا في القاعدة على صلة بكمين داعش في تدمر ...
- ما دلالات توقيت مرسوم الشرع بشأن الأكراد؟
- أميركا تنسحب من -عين الأسد- وتسلمها للجيش العراقي
- السودان يرحب بمبادرة ترامب بشأن مياه النيل
- إسرائيل تعترض على تشكيل اللجنة التنفيذية لمجلس السلام في غزة ...
- محافظ عدن يناقش مع التحالف إعادة تموضع المعسكرات بالمدينة
- وفاة علي سالم البيض نائب الرئيس اليمني الأسبق


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد بن علال - حين تتحوّل الماركسية إلى يقين مغلق مقال ماركسي نقدي في مساءلة الماركسية–اللينينية