أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد بن علال - تحية كاريوكا: حين يواجه الجسدُ السلطة














المزيد.....

تحية كاريوكا: حين يواجه الجسدُ السلطة


سعد بن علال

الحوار المتمدن-العدد: 8585 - 2026 / 1 / 12 - 03:39
المحور: الادب والفن
    


ليست تحية كاريوكا مجرد راقصة خرجت من الهامش إلى الضوء، بل حالة ثقافية وسياسية نادرة، تقاطعت فيها الفنون الشعبية مع السياسة، والجسد مع السلطة، والجرأة الفردية مع بنية الحكم. ما يجعلها استثناءً ليس فقط ما قالته، بل لمن قالته، وفي أي زمن، وبأي كلفة.
في كازينو الأوبرج، في قلب الهرم، حيث كانت ترقص، لمحت الملك فاروق. لم تركع، لم تتودد، لم تتجاهل. اقتربت منه وقالت جملة تختصر علاقتها بالسلطة:
«مكانك مش هنا يا جلالتك، مكانك في القصر».
لم يكن ذلك تمردًا مسرحيًا، بل فعل وعي حاد بمكانة السلطة وحدودها. انسحب الملك بهدوء، بلا عقاب. ليس لأن الملك متسامح، بل لأن اللحظة فضحته: سلطة بلا هيبة حين تُواجَه بصدق فجّ.
لاحقًا، في زمن الاغتيالات السياسية والارتباك الوطني، أخفت أنور السادات في منزل شقيقتها بعد مقتل أمين عثمان. فعلته لم تكن حسابًا سياسيًا، بل موقفًا إنسانيًا في لحظة خطر. لكن التاريخ لا يكافئ دائمًا الذاكرة القصيرة. حين انتقدت السادات بعد اتفاقية كامب ديفيد، لم يُستدعَ ذلك الجميل القديم. سُجنت. هنا تتكشّف بنية السلطة: لا تعرف الوفاء، تعرف فقط الطاعة.
ومع الضباط الأحرار، الذين بشّروا بقطيعة مع الملكية، قالت تحية جملتها الأشد قسوة:
«أنتم لا تختلفون عن الملك والملكية».
لم تقلها من موقع تنظير أيديولوجي، بل من حسّ شعبي يلتقط الاستمرارية حيث يدّعي الخطاب القطيعة. فجاء الرد سريعًا: السجن، بتهمة الانضمام إلى خلية شيوعية. التهمة الجاهزة لكل من يرى ما لا يجب أن يُرى.
أما مع حسني مبارك، فقد كان الجسد قد أنهكه الزمن، لكنها لم تفقد حدّة الكلام. على كرسي متحرك، قالت له:
«يا ريس، في ناس بتنام من غير عشاء».
جملة بسيطة، بلا استعارات، بلا لجان. حين ردّ بـ«كل حاجة ولها حل»، قاطعته بوعي الفقراء:
«أنا ما أفهمش الكلام الطخين ده… ما تسيبش حد من غير عشاء».
واقترحت حلًا مباشرًا، شبه ساذج في بساطته، لكنه فاضح في دلالته: اقتطعوا القليل من صناعة الترف، وأعطوه لمن لا يملكون الحد الأدنى.
تحية كاريوكا لم تكن معارضة منظمة، ولا مثقفة عضوية بالمعنى التقليدي. لكنها امتلكت ما تفتقده النخب أحيانًا: حدس العدالة. لم تطلب سلطة، ولم تسعَ إلى تمثيل أحد، لكنها واجهت الجميع: ملكًا وثلاثة رؤساء، من الموقع ذاته: موقع الإنسان الذي يرفض أن يصمت.
في زمنٍ يُطلب فيه من الفن أن يكون زينة، ومن الجسد أن يكون طيعًا، اختارت تحية كاريوكا أن يكون جسدها وكلامها خارج الطاعة. ولهذا، لم تغفر لها السلطة، أيّ سلطة، صدقها.
إنها ليست أسطورة، بل مرآة: كلما نظرنا إليها، رأينا كيف تتشابه الأنظمة حين تُختبر بكلمة صادقة.



#سعد_بن_علال (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رايا دوناييفسكايا: نقد الدولة، حدود الثورة، وقيمة الماركسية ...
- عزيز لمنبهي … الغائب الحاضر
- ويلهام رايش: سؤال الاستبداد من مدخل الجسد
- فلسطين: جوهر الصراع العالمي ضد الرأسمالية الإمبريالية
- نُدبةُ الوقتِ... وماءُ الأمل
- سعد الله ونوس: الكاتب الذي حوّل الخشبة إلى مرآة للجرح العربي
- حركة 20 فبراير: حين يتحوّل نقد الأوهام إلى أفق مسدود


المزيد.....




- وفاة ابن الجنوب الناقد د مالك المطلبي...
- ترامب يبكي ومقاطع من أفلام هوليوود.. حرب الصور الساخرة بين ا ...
- عرضان إضافيان لمسرحية -ما تصغروناش- في جدة
- كتاب توثيقي لعمالقة الغناء في السينما المصرية
- فيلم وثائقي ( مستر لا أحد ضد بوتين): من براءة الطفولة إلى ال ...
- عودة عرض فيلم -اعترافات سفاح التجمع- بعد انتهاء أزمته الرقاب ...
- مصطفى كامل يوضح أحدث تطورات الحالة الصحية للفنان هاني شاكر
- أصيلة تنظم الدورة الربيعية لموسمها الثقافي الـ47
- -الليلة الأخيرة في غزة-.. يسري الغول يكتب سيرة النجاة من قلب ...
- حصة الأفلام المصرية من شباك التذاكر السعودي في 2025


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد بن علال - تحية كاريوكا: حين يواجه الجسدُ السلطة