أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد بن علال - دييغو ريفيرا: حين يصير الجدار سيرة ومسار














المزيد.....

دييغو ريفيرا: حين يصير الجدار سيرة ومسار


سعد بن علال

الحوار المتمدن-العدد: 8590 - 2026 / 1 / 17 - 09:05
المحور: الادب والفن
    


دييغو ريفيرا لم يكن مجرد رسام، بل كان رجلًا يضع جسد أمة على الجدران. حين نقرأ سيرته، نشعر كأننا أمام جدارية متشابكة: ألوانها فوضى، لكن هذه الفوضى تنسج المعنى. فكل مساره الفني والسياسي كان بحثًا عن طريقة ليقول: الفن ليس زينة، الفن حياة.
وُلد ريفيرا سنة 1886 في غواناخواتو بالمكسيك، في زمن يختلط فيه إرث الأزتيك بظلال الاستعمار الإسباني. حمل منذ طفولته حدة السؤال، وانجذب مبكرًا إلى الرسم كمن يبحث عن وطن آخر في الألوان. سافر إلى أوروبا، وتتلمذ على أيدي الكلاسيكيين، ثم انغمس في مغامرات الطليعة الباريسية حيث تعرّف على التكعيبية. لكنه سرعان ما أدرك أن مصيره لا يمكن أن يظل غريبًا في صالونات باريس، بل هو مشدود إلى بلاده التي كانت تعيش حمى الثورة.
عاد إلى المكسيك في العشرينيات، ليجد أن السؤال قد كبر داخله: لمن يرسم الفنان؟ لم يتردد: للناس. لا للقصور ولا للمزادات، بل للفلاحين، للعمال، للطلاب الذين يمرون كل صباح أمام مبنى عمومي. هكذا صار رائد الجداريات المكسيكية. كان الجدار عنده دفترًا مفتوحًا يدوّن فيه التاريخ، يكتب فيه ما يخفيه المؤرخون وما تصادره السلطة.
في جدارياته، تمتزج وجوه الأزتيك القديمة بملامح العمال الجدد. المرأة الأم تتحول إلى رمز للوطن، واليد التي تحمل الفأس تصبح أيقونة أبدية. كان يرفع البسطاء إلى مقام البطولة، ويزرع الثورة في قلب الأسطورة.
لكن مساره لم يكن هادئًا. فقد كان رجلًا صاخبًا، شيوعيًا ملتزمًا بالفكر الثوري، وفي الوقت نفسه متورطًا أحيانًا في العمل مع مؤسسات رسمية ورأسمالية. كان يعرف أنه يعيش تناقضًا، لكنه اعتبر أن الصراع نفسه هو مادة الفن.
هذه التناقضات بلغت ذروتها في واحدة من أشهر معاركه: جدارية نيويورك. في أوائل الثلاثينيات، دُعي إلى رسم جدارية في مركز "روكفلر"، القلب النابض للرأسمال الأميركي. بدأ عمله على لوحة سماها الإنسان في مفترق الطرق. لكن ريفيرا، بعناده المعهود، أضاف تفصيلًا صغيرًا قلب الدنيا: بورتريه لفلاديمير لينين، محاطًا بعمال وفقراء. كان ذلك الوجه في قلب نيويورك أشبه بطلقة في جدار الرأسمال.
ثار آل روكفلر، وطالبوه بإزالة صورة لينين. رفض ريفيرا، فأمروا بهدم الجدارية. لم ينهزم: أعاد رسمها لاحقًا في المكسيك، بجرأة أكبر. لقد أثبت أن الجدار قد يُهدم ماديًا، لكن الرسالة لا تُمحى.
وعلى الصعيد الشخصي، كان مساره لا يقل عاصفة. علاقته مع فريدا كاهلو كانت جدارية بشرية أخرى: جسدان وروحان في صراع أبدي، بين الحب والخيانة، الرعاية والتحطيم. ومع ذلك، ظل كلاهما يعرف أن الآخر جزء من مصيره، وأن الألم المشترك يمكن أن يتحول إلى فن خالد.
هكذا تختلط سيرة ريفيرا بمساره. فالفنان عنده لم يكن سوى إنسان في مفترق طرق: بين أوروبا والمكسيك، بين الثورة والسلطة، بين الحب والخذلان، بين الجدار المهدوم والجدار القائم. لكنه أدرك أن العظمة لا تأتي من الطريق المستقيم، بل من المتاهة.
رحل سنة 1957، لكن جدارياته ما زالت تنبض بالحياة. تقف كوثائق بصرية للشعوب، كأصوات ملونة تقول: الفن ليس ترفًا، الفن سيرة ومسار، والجدار حين يُمسك به فنان صادق يتحول إلى ذاكرة لا تهدمها المعاول.



#سعد_بن_علال (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سلفادور دالي: حين صار الحلم أكثر صدقًا من الواقع
- الزاباتيستيون: ثورة الهامش وبناء العالم الممكن
- عزيز بلال: الاقتصادي الذي رأى المستقبل قبل أن يقع
- تيودور ادورنو: المثقف الذي رأى القفص ورفض رؤية المفتاح
- فريدا كالو: أيقونة الألم والهوية
- تحية كاريوكا: حين يواجه الجسدُ السلطة
- رايا دوناييفسكايا: نقد الدولة، حدود الثورة، وقيمة الماركسية ...
- عزيز لمنبهي … الغائب الحاضر
- ويلهام رايش: سؤال الاستبداد من مدخل الجسد
- فلسطين: جوهر الصراع العالمي ضد الرأسمالية الإمبريالية
- نُدبةُ الوقتِ... وماءُ الأمل
- سعد الله ونوس: الكاتب الذي حوّل الخشبة إلى مرآة للجرح العربي
- حركة 20 فبراير: حين يتحوّل نقد الأوهام إلى أفق مسدود


المزيد.....




- ظافر العابدين يعود إلى الإخراج بفيلم -صوفيا- في مهرجان سانتا ...
- جينيفر لورنس خسرت دورًا بفيلم لتارانتينو لسبب يبدو صادمًا
- اللغة والنوروز والجنسية.. سوريون يعلقون على مرسوم الشرع بشأن ...
- فيلم -الرئيسيات-.. وهم السيطرة البشرية في سينما الرعب المعاص ...
- -في رأيي لقد سقط النظام-.. المخرج جعفر بناهي عن الاحتجاجات ا ...
- ميلادينوف: لجنة التكنوقراط تمتلك مزيجا جيدا من الخبرات الفني ...
- الممثل السامي لغزة في مجلس السلام: تقليل الفترة الانتقالية ل ...
- من -الحرب- إلى -الأزمة الإنسانية-.. كيف تغير لغة المؤسسات ال ...
- فيلم -التمزق-.. المؤسسات الأميركية على حافة الانهيار
- سوريا: الشرع يرسم اللغة الكردية ويقر -النوروز- عطلة رسمية


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد بن علال - دييغو ريفيرا: حين يصير الجدار سيرة ومسار