أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - عالم الرياضة - سعد بن علال - كرة القدم: حين تتحوّل اللعبة إلى جهاز إيديولوجي ناعم














المزيد.....

كرة القدم: حين تتحوّل اللعبة إلى جهاز إيديولوجي ناعم


سعد بن علال

الحوار المتمدن-العدد: 8590 - 2026 / 1 / 17 - 13:46
المحور: عالم الرياضة
    


ليست كرة القدم مجرّد لعبة. هذا التوصيف، رغم بساطته الظاهرة، يخفي أكثر مما يكشف. فاللعبة، حين تنتقل من الحيّ الشعبي إلى الاستاد، ومن المتعة العفوية إلى الصناعة الكونية، تكفّ عن كونها نشاطًا ترفيهيًا بريئًا، وتغدو إحدى أكثر الآليات الاجتماعية تعقيدًا في إنتاج الرضى، وضبط الانفعالات الجماعية، وإعادة تدوير الخيال الشعبي داخل حدود آمنة.
في المجتمعات الرأسمالية المتأخرة، لم تعد كرة القدم فضاءً للّعب، بل سوقًا مكتملة الأركان: حقوق بث، رعاة، إعلانات، مضاربات، أسهم، ومضخات مالية هائلة. اللاعب لم يعد لاعبًا بقدر ما صار «أصلًا» قابلًا للتداول، والجمهور لم يعد جمهورًا بقدر ما صار كتلة استهلاكية يُعاد تشكيل ذوقها، وانفعالاتها، وولاءاتها، بدقّة شبه علمية.
من المتعة إلى الوظيفة
لا تكمن خطورة كرة القدم في كونها تُفرح الناس، بل في الوظيفة التي تؤديها داخل بنية اجتماعية مأزومة. فهي تمنح الجماهير إحساسًا بالانتصار دون صراع، وبالانتماء دون تنظيم، وبالقوة دون ممارسة فعلية لها. انتصار الفريق يُعوّض، نفسيًا، عن هزائم اجتماعية متراكمة: بطالة، تهميش، غياب أفق، انسداد سياسي.
هنا، لا تعود المسألة مسألة «وعي زائف» بالمعنى التبسيطي، بل مسألة تدبير للغضب الاجتماعي. كرة القدم لا تُلهي فقط، بل تُعيد توجيه الانفعال: من الشارع إلى المدرجات، من السؤال السياسي إلى الجدال التحكيمي، من الصراع الطبقي إلى الكلاسيكو والديربي.
صناعة النجومية وتشييء الحلم
تنتج الرأسمالية الكروية نموذجًا خاصًا للنجاح: اللاعب الذي خرج من الفقر إلى الثراء الخارق. هذا النموذج يُقدَّم بوصفه أفقًا مفتوحًا للجميع، بينما هو، في الواقع، استثناء إحصائي يُستعمل لتبرير القاعدة. فكما في عالم ريادة الأعمال، تُستخدم قصص الصعود الفردي لإخفاء البنية التي تجعل هذا الصعود شبه مستحيل جماعيًا.
اللاعب النجم يتحوّل إلى سلعة رمزية: جسده، صورته، صوته، وحتى مواقفه (أو صمته) تُدار بعقود. وحين يتكلّم خارج النص، يُعاقَب باسم «الحياد الرياضي»، ذلك الحياد الذي لا يُطبَّق أبدًا على الإعلانات، ولا على الرعاة، ولا على الاستثمارات القادمة من أنظمة استبدادية.
الوطنية المؤقتة
في لحظات المونديال، تستدعى الوطنية بوصفها مشاعر صافية. غير أن هذه الوطنية، السائلة والمؤقتة، تُستعمل غالبًا كبديل عن السياسة. يُطلب من الجماهير أن تفرح، أن ترفع العلم، أن تنسى — ولو مؤقتًا — الأسئلة الثقيلة: من يحكم؟ من يملك؟ من يقرر؟
لا يعني هذا التقليل من الفرح الشعبي الصادق، بل مساءلة توظيفه. فالسلطة التي تفشل في ضمان الكرامة اليومية، لا تمانع في تشجيع نشوة عابرة، ما دامت لا تتحوّل إلى وعي أو مطلب.
هل من أفق آخر؟
النقد الماركسي لكرة القدم لا يدعو إلى مقاطعتها، ولا إلى ازدراء الجماهير، بل إلى استعادة معناها الإنساني. كرة القدم، في أصلها، لعبة جماعية، قائمة على التعاون، الذكاء المشترك، والفرح المتقاسم. لكن استعادتها مشروطة بفكّ الارتباط بينها وبين منطق السوق المتوحش، وبفهم موقعها داخل الصراع الاجتماعي الأوسع.
حين نفهم كرة القدم كما هي: مرآة للمجتمع، لا مهربًا منه، يمكن للفرح أن يصير وعيًا، وللشغف أن يصير سؤالًا، وللملعب أن يتوقّف عن كونه بديلًا عن الساحة.



#سعد_بن_علال (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دييغو ريفيرا: حين يصير الجدار سيرة ومسار
- سلفادور دالي: حين صار الحلم أكثر صدقًا من الواقع
- الزاباتيستيون: ثورة الهامش وبناء العالم الممكن
- عزيز بلال: الاقتصادي الذي رأى المستقبل قبل أن يقع
- تيودور ادورنو: المثقف الذي رأى القفص ورفض رؤية المفتاح
- فريدا كالو: أيقونة الألم والهوية
- تحية كاريوكا: حين يواجه الجسدُ السلطة
- رايا دوناييفسكايا: نقد الدولة، حدود الثورة، وقيمة الماركسية ...
- عزيز لمنبهي … الغائب الحاضر
- ويلهام رايش: سؤال الاستبداد من مدخل الجسد
- فلسطين: جوهر الصراع العالمي ضد الرأسمالية الإمبريالية
- نُدبةُ الوقتِ... وماءُ الأمل
- سعد الله ونوس: الكاتب الذي حوّل الخشبة إلى مرآة للجرح العربي
- حركة 20 فبراير: حين يتحوّل نقد الأوهام إلى أفق مسدود


المزيد.....




- فيدرر يوجه رسالة قوية إلى ميسي قبل مونديال 2026
- رحّلوا شخصًا يشبهني.. مستشار حملة ترامب السابق يبين لـCNN لم ...
- أوبتا يتوقع الفائز بلقب الدوري الإسباني
- الاتحاد السنغالي لكرة القدم يندد بـ -اختلالات- خلال استعدادا ...
- بعد تصريح جيسوس.. الهلال يعتزم رفع شكوى وأمير سعودي: -مسيء و ...
- -المصارع-.. مفاجأة أربيلوا لجماهير ريال مدريد
- هدف خيالي.. هل هو الأفضل في مسيرة ديمبيلي؟
- جديد مفاوضات زين الدين زيدان لتدريب منتخب فرنسا
- مع اقتراب كأس العالم.. أسعار إيجارات الشقق في أمريكا ترتفع ب ...
- جيفتي بيتانكور.. الكهربائي السابق الذي صعق ريال مدريد


المزيد.....

- مقدمة كتاب تاريخ شعبي لكرة القدم / ميكايل كوريا
- العربي بن مبارك أول من حمل لقب الجوهرة السوداء / إدريس ولد القابلة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - عالم الرياضة - سعد بن علال - كرة القدم: حين تتحوّل اللعبة إلى جهاز إيديولوجي ناعم