أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد بن علال - الثورة المؤجلة: ويلهام رايش وسؤال الجسد في مشروع التحرر














المزيد.....

الثورة المؤجلة: ويلهام رايش وسؤال الجسد في مشروع التحرر


سعد بن علال

الحوار المتمدن-العدد: 8594 - 2026 / 1 / 21 - 09:17
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليست كل الثورات مهزومة في الشارع أو في صناديق الاقتراع. بعضُها يُهزم قبل ذلك، في مكان أقل صخبًا وأكثر عمقًا: داخل الجسد نفسه. من هذه الفكرة الصادمة ينطلق ويلهام رايش في كتابه «الثورة والثورة الجنسية»، واضعًا يده على جرح طالما تجاهلته النظريات السياسية الكلاسيكية: العلاقة الخفية بين القمع الجنسي والخضوع السياسي.
رايش، القادم من رحم التحليل النفسي والماركسيّة معًا، لم يكن معنيًا بإعادة تعريف الجنس بوصفه شأنًا أخلاقيًا أو سلوكيًا، بل باعتباره مسألة سياسية بامتياز. فالجسد، في تصوره، ليس حيّزًا خاصًا محايدًا، بل ساحة يُعاد فيها إنتاج الطاعة، والخوف، والاستعداد للانقياد.
القمع الذي لا يُرى: كيف تُصنع الطاعة؟
يرى رايش أن الأنظمة السلطوية لا تعيش فقط على القمع المباشر، بل على قمع أعمق وأكثر فعالية: قمع يُمارَس منذ الطفولة، عبر الأسرة الأبوية، التربية الصارمة، وأخلاق الخوف من الرغبة. هكذا يتكوّن الفرد وهو يحمل في داخله رقيبًا دائمًا، يجعل السلطة الخارجية أقل حاجة إلى العنف.
في هذا السياق، تتحول الأخلاق الجنسية المحافظة من مجرد منظومة قيم إلى جهاز أيديولوجي لإنتاج الذوات الخاضعة. فالفرد الذي يتعلم كراهية جسده، والخوف من لذته، سيكون أكثر قابلية لقبول التراتبية، والطاعة، والتضحية الصامتة.
ليس من قبيل الصدفة، إذن، أن تجد رايش يربط بين العصاب النفسي والبنية الاجتماعية. العصاب، هنا، ليس خللًا فرديًا، بل نتيجة مباشرة لتراكم الكبت، ولانفصال الإنسان عن جسده بوصفه مصدرًا للحياة والحرية.
الثورة الجنسية: وعد تحرري أم اختزال جديد؟
لا يطرح رايش الثورة الجنسية بوصفها تحررًا أخلاقيًا منفصلًا، بل كجزء من مشروع تحرر شامل. فبالنسبة له، لا يمكن لمجتمع مقموع جنسيًا أن يكون حرًا سياسيًا. القمع الجنسي يُضعف القدرة على التمرّد، ويغذّي الحاجة اللاواعية إلى سلطة تضبط الفوضى الداخلية.
غير أن قوة هذا الطرح تحمل في طياتها خطرًا واضحًا: تحويل التحرر الجنسي إلى شرط حتمي للثورة، أو إلى وصفة جاهزة. هنا يبالغ رايش أحيانًا، حين يُسقِط التعقيد التاريخي والاجتماعي لصالح تفسير نفسي شبه شمولي.
التجربة التاريخية أثبتت أن تحرر الرغبة وحده لا ينتج وعيًا طبقيًا، وأن الرأسمالية قادرة على استيعاب “التحرر الجنسي” وتحويله إلى سلعة، دون أن تمسّ جوهر علاقات الاستغلال.
راهنية رايش في مجتمعات القمع المزدوج
رغم ذلك، تبقى أطروحة رايش ذات راهنية خاصة في مجتمعات تعيش قمعًا سياسيًا وجنسيًا مزدوجًا. في هذه السياقات، لا يُقمع الجسد فقط، بل يُجرَّم، ويُحمَّل بالذنب، ويُختزل إلى مصدر للخطيئة. النتيجة هي فرد ممزق، غاضب، لكنه عاجز عن تحويل غضبه إلى فعل واعٍ ومستدام.
من هنا يمكن فهم هشاشة الوعي الديمقراطي، وسرعة ارتداد الحركات الاحتجاجية، واستعادة السلطوية بأشكال جديدة. فالثورة التي لا تمسّ البنية النفسية العميقة للمجتمع، ولا تطرح سؤال الجسد، غالبًا ما تبقى ثورة سطحية، قابلة للاحتواء أو التفكيك.
لكن استدعاء رايش في هذا السياق لا يعني تبنّي أطروحته حرفيًا. فالثورة الجنسية، إذا فُصلت عن العدالة الاجتماعية، وعن نقد البنية الاقتصادية، تتحول إلى ليبرالية جسدية، لا تهدد النظام بقدر ما تُنعشه.
الجسد كمسألة سياسية
القيمة الحقيقية لويلهام رايش لا تكمن في أجوبته، بل في أسئلته المقلقة. لقد أجبر الفكر النقدي على الاعتراف بأن الاستبداد لا يسكن الدولة فقط، بل يسكن الأفراد، وأن التحرر السياسي يظل ناقصًا ما لم يرافقه تحرر من الخوف المزروع في الجسد.
ليس المطلوب اليوم ثورة جنسية معزولة، ولا أخلاقًا جديدة جاهزة، بل مشروع تحرري يعيد وصل الجسد بالحرية، دون فصله عن الصراع الاجتماعي. مشروع يفهم أن الإنسان لا يُستعبد فقط حين يُستغَل اقتصاديًا، بل حين يُدرَّب على كراهية ذاته، وقمع رغبته، والخوف من حريته.
في هذا المعنى، يظل رايش مفكّرًا ضروريًا، لا لأننا نوافقه، بل لأننا لا نستطيع تجاهله.



#سعد_بن_علال (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كرة القدم: حين تتحوّل اللعبة إلى جهاز إيديولوجي ناعم
- دييغو ريفيرا: حين يصير الجدار سيرة ومسار
- أوروزكو: الرسام الذي جعل الجدار يصرخ
- سلفادور دالي: حين صار الحلم أكثر صدقًا من الواقع
- الزاباتيستيون: ثورة الهامش وبناء العالم الممكن
- عزيز بلال: الاقتصادي الذي رأى المستقبل قبل أن يقع
- تيودور ادورنو: المثقف الذي رأى القفص ورفض رؤية المفتاح
- فريدا كالو: أيقونة الألم والهوية
- تحية كاريوكا: حين يواجه الجسدُ السلطة
- رايا دوناييفسكايا: نقد الدولة، حدود الثورة، وقيمة الماركسية ...
- عزيز لمنبهي … الغائب الحاضر
- ويلهام رايش: سؤال الاستبداد من مدخل الجسد
- فلسطين: جوهر الصراع العالمي ضد الرأسمالية الإمبريالية
- نُدبةُ الوقتِ... وماءُ الأمل
- سعد الله ونوس: الكاتب الذي حوّل الخشبة إلى مرآة للجرح العربي
- حركة 20 فبراير: حين يتحوّل نقد الأوهام إلى أفق مسدود


المزيد.....




- ظهور لافت لماكرون بنظارات شمسية خلال مشاركته في دافوس.. ما س ...
- خريطة وسبب المخاوف من موقع سفارة الصين الضخمة في لندن بعد ال ...
- إعلان السيدة الثانية الأمريكية عن حملها بمولود يحقق سابقة تا ...
- تصميم سعودي وريش مضيء.. كيتي بيري تتألق في حفل -جوي أووردز- ...
- الأكراد يرون النصر يقترب بعد عقود من قتال النظام الإيراني
- بعد تلميحات ترامب.. الجيش الكندي يحاكي مواجهة غزو أميركي افت ...
- ترامب: أجريت -اتصالا جيدا للغاية- مع أردوغان
- ما أبرز المطارات اليمنية التي عادت للعمل بعد انسحاب الانتقال ...
- الاحتلال ينسف مباني سكنية في بيت لاهيا ويقصف خان يونس
- في ظل ما تشهده غرينلاند.. خيارات بريطانيا بين أوروبا وترامب ...


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد بن علال - الثورة المؤجلة: ويلهام رايش وسؤال الجسد في مشروع التحرر