أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - سعد بن علال - العيطة وآسفي: حين تتكلم المدينة بصوتها الأصيل














المزيد.....

العيطة وآسفي: حين تتكلم المدينة بصوتها الأصيل


سعد بن علال

الحوار المتمدن-العدد: 8592 - 2026 / 1 / 19 - 00:35
المحور: قضايا ثقافية
    


في زمن تتكاثر فيه محاولات تنميط المدن، واقتلاعها من ذاكرتها الفنية الشعبية، يُقال أحياناً إن مدينة آسفي "لا علاقة لها بالعيطة". يُقال ذلك بخفة مؤلمة، كأنما تُنتزع الذاكرة من لسان الأرض، وتُمحى أصواتٌ نسجت جزءاً من الهوية الجماعية. والحال أن العيطة ليست غريبة عن آسفي، وليست وافدة على جغرافيتها، بل هي جزء لا يتجزأ من نسيجها الثقافي، صوتها الداخلي، ورنينها العاطفي.
العيطة، بهذا المعنى، ليست مجرد فن غنائي شَعبي، بل هي وثيقة شفوية كتبتها الألسن حين صمتت الأقلام. هي طريقة شعبية لحفظ التاريخ، رواية مُوازية لما سكتت عنه السجلات الرسمية، ولما همّشته اللغة الأكاديمية. إنها خطاب عن الحب والفقد، عن الفقر والكرامة، عن الحياة كما عاشها الناس في هوامش المدن والقرى والجبال.
وآسفي، المدينة الواقعة بين الطين والملح، بين البحر والجبل، ليست بعيدة عن هذا الوجدان. فهي لم تكن فقط مدينة الخزف والشعر والمسرح، بل أيضاً مدينة الصوت الشعبي، مدينة العيطة بألوانها المختلفة، وخصوصاً العيطة المرساوية، التي لا يمكن فصلها عن "المرسى" الذي احتضنها، وهو مرسى آسفي دون منازع.
ومن بين ألوان العيطة التي تنتمي بدورها لروح المدينة، تحضر العيطة الحصباوية التي عُرفت بمقاومتها واستحضارها لرموز التمرد، من خلال أسماء مثل الشيخة حادة، التي دخلت في صراعٍ غنائي ملحمي مع القائد عيسى بن عمر، فحوّلت صوتها إلى سلاحٍ رمزي في وجه التسلط، وجعلت من العيطة أداة للاحتجاج قبل أن تفعل ذلك الشعارات.
ومن اللافت أن آسفي لم تُخرّج فقط فنانين ذكوراً في هذا المجال، بل كانت أحد معاقل الأصوات النسائية التي شكّلت الوجدان الغنائي الشعبي. الباليزة، بصوتها الجارح، كانت تُغني وكأنها تحفر في جدار الصمت الاجتماعي، وعيدة، بصراحتها القروية وعنفوانها، شكّلت حضوراً استثنائياً في حفلات وسهرات المدينة، من الدواوير إلى الأعراس الكبرى، ومن الحزن إلى الفرح، حملت العيطة كما تُحمل قضية.
من الأزقة القديمة إلى المواسم والليالي الحميمية، عبر النساء اللواتي حملن القصيدة في الحلوق، والرجال الذين عزفوا على لوثار كما لو أنهم يوقّعون على وثيقة احتجاج صامتة، حضرت العيطة كأفق تعبيري. لم تكن زينة، بل بوصلة. لم تكن فولكلوراً مناسباتياً، بل شكلاً من أشكال الفهم العميق للحياة.
صحيح أن مدناً أخرى ساهمت بقوة في تطوير هذا الفن، كمنطقة عبدة، ودكالة، والشاوية، والغرب، لكن آسفي أيضاً، بما هي ملتقى البادية بالبحر، جمعت بين أصول متعددة وصاغت نكهتها الخاصة. هنا اختلطت أصوات البحارة بأهازيج الرحل، وهموم الحرفيين بآهات النساء. نشأت العيطة في آسفي لا كاستيراد، بل كتركيب اجتماعي وجمالي واقعي.
ثم كيف لنا أن ننسى أسماء طبعت هذا الفن بطابعها، من فاطنة بنت الحسين التي غنّت آسفي كما لم يفعل أحد، إلى خربوشة التي غنّت الثورة قبل أن تفهمها السياسة، إلى الجيلالي بناني، وحادة بنت لكَوش، والباليزة، وعيدة، وآخرين من نسيهم التاريخ الرسمي، لكن حفظتهم ذاكرة الناس.
اليوم، في زمن التهميش الثقافي، تتعرض العيطة لمحاولة "تنقية" تُقصيها من المدن الكبرى، بدعوى أنها "فن بدوي"، وهي في الواقع فن شعبي، أي فن الناس، صوتهم حين لا يجدون من يمثّلهم. ولذلك فإن نزع العيطة عن آسفي لا يعني فقط محو جزء من الذاكرة، بل يعني تجريد المدينة من بعدها الشعبي، وحرمانها من إحدى أهم روافدها الثقافية.
العيطة، كما نعرفها في آسفي، ليست صوتاً قديماً نغلق عليه أبواب الأرشيف، بل هي خطاب حي، فلسفة بالمغربية، ومقاومة من نوع خاص. من يفهمها، يدرك أن الفن الشعبي ليس شكلاً دون مضمون، بل هو كثافة في التجربة، وذكاء في التعبير، وكرامة في اللحن.
وآسفي، بذاكرتها، بتنوعها، بتناقضاتها، لا يمكن إلا أن تكون مدينة للعيطة... شاء من شاء وكره.



#سعد_بن_علال (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حقيقة على طاولة مقهى: قصة قصيرة
- حين تتحوّل الماركسية إلى يقين مغلق مقال ماركسي نقدي في مساءل ...
- كرة القدم: حين تتحوّل اللعبة إلى جهاز إيديولوجي ناعم
- دييغو ريفيرا: حين يصير الجدار سيرة ومسار
- سلفادور دالي: حين صار الحلم أكثر صدقًا من الواقع
- الزاباتيستيون: ثورة الهامش وبناء العالم الممكن
- عزيز بلال: الاقتصادي الذي رأى المستقبل قبل أن يقع
- تيودور ادورنو: المثقف الذي رأى القفص ورفض رؤية المفتاح
- فريدا كالو: أيقونة الألم والهوية
- تحية كاريوكا: حين يواجه الجسدُ السلطة
- رايا دوناييفسكايا: نقد الدولة، حدود الثورة، وقيمة الماركسية ...
- عزيز لمنبهي … الغائب الحاضر
- ويلهام رايش: سؤال الاستبداد من مدخل الجسد
- فلسطين: جوهر الصراع العالمي ضد الرأسمالية الإمبريالية
- نُدبةُ الوقتِ... وماءُ الأمل
- سعد الله ونوس: الكاتب الذي حوّل الخشبة إلى مرآة للجرح العربي
- حركة 20 فبراير: حين يتحوّل نقد الأوهام إلى أفق مسدود


المزيد.....




- بعد تهديد ترامب بشأن غرينلاند.. الدنمارك تعتبر أن مستقبل الن ...
- تظاهرات في فرنسا وألمانيا تنديدا بقمع الاحتجاجات في إيران
- الدويري: لهذه الأسباب انتصر الجيش السوري وخسرت قسد
- مسؤول بمجلس سوريا الديمقراطية: الاتفاق يمهد للحوار السياسي و ...
- التحالف: عملية إخراج المعسكرات من عدن ستحولها لمنشآت مدنية
- الاحتلال يحتجز فلسطينيين داخل مسجد غرب رام الله
- إسرائيل تعزز سلاح الجو بثلاث مقاتلات إف?35
- تركيا وقطر والأردن ترحب باتفاق وقف إطلاق النار بين دمشق وقسد ...
- الداخلية السورية تدخل الرقة وتعزيزات أمنية تصل دير الزور
- -شبكات-.. تطورات سوريا ووساطة ترامب بشأن سد النهضة


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - سعد بن علال - العيطة وآسفي: حين تتكلم المدينة بصوتها الأصيل