سعد بن علال
الحوار المتمدن-العدد: 8626 - 2026 / 2 / 22 - 23:56
المحور:
الادب والفن
قالت له، وهي تنظر في عينيه كمن يفتّش عن بقايا وعد:
ـ ماذا عن هدفك النبيل، وأحلامك الجميلة؟
ابتسم ابتسامة لا تصل إلى قلبه، وقال:
ـ نبيل انتحر… وجميلة أصبحت رقّاصة.
ظنّت أنه يسخر، لكنه كان يلخّص عمرًا كاملًا في جملة واحدة.
كان نبيل أكثرهم إيمانًا بأن العالم يمكن إصلاحه. يمشي وكتبه تحت ذراعه كأنها درع. كان يتحدث عن العدالة كما يتحدث الناس عن الطقس: بثقة أن الغد أفضل، لم يكن ثريًا، لكنه كان غنيًّا بالفكرة، يرى في كل ظلم فرصة للمواجهة، وفي كل انكسار درسًا للصمود، لكن الفكرة حين تجوع، تتعب. وحين تطول البطالة، يتآكل اليقين. وحين يصبح الحلم أطول من قدرة الصبر، يبدأ الشك. لم يمت نبيل في لحظة، مات حين صار يسأل نفسه: ماذا تغيّر؟ مات حين صار يشرح للآخرين ما لم يعد مقتنعًا به تمامًا. مات حين اكتشف أن العالم لا يُكافئ النبل… بل يستغله.
وفي صباحٍ ثقيل، سبق اسمهُ خبرٌ بارد.
قالوا: انتهى كل شيء.
لكن الحقيقة أن كل شيء كان ينتهي منذ زمن… بالتقسيط.
أما جميلة، فكانت تحفظ القصائد وتخجل من التصفيق، تؤمن أن الجمال رسالة، وأن الجسد ليس سلعة بل لغة، حلمت بمسرحٍ يحترمها، بضوءٍ يرفعها لا يكشفها، لكن الضوء يحتاج مالًا، والفنّ يحتاج بابًا يُفتح، والحياة لا تنتظر اكتمال الأحلام.
بدأت بخطوة اضطرار.
ثم قالت: مؤقتًا.
ثم صارت تقول: على الأقل أعيش.
لم تكن ترقص حبًّا في العيون المحدّقة، بل حبًّا في البيت الذي ينتظرها آخر الليل، في أمٍّ تحتاج دواءً، في واقعٍ لا يقبل القصائد عملةً للتداول، ومع كل رقصة، كانت تحفظ في داخلها بيت شعرٍ قديم… كأنها تذكّر نفسها بأنها لم تُخلق لهذا فقط.
لم تخن جميلة حلمها، الحلم هو من غيّر ثيابه كي يبقى حيًّا.
قالت له بعد صمتٍ طويل:
ـ وأنت؟ ماذا فعلت بأحلامك؟
تنهد وقال:
ـ أنا لم أمت بعد… لكنني أتعلم كيف أموت بالتقسيط.
كل يوم أدفن شيئًا صغيرًا: غضبًا، موقفًا، اعتراضًا.
كل يوم أساوم قليلًا كي أواصل. أبتسم حين يجب أن أصرخ.
وأصمت حين يجب أن أتكلم.
نظر بعيدًا وأضاف:
ـ المشكلة ليست في نبيل ولا في جميلة… المشكلة في عالم يطلب منك أن تبقى نقيًّا، وهو يوسّخك كل صباح.
اقتربت منه وهمست:
ـ وهل بقي شيء حيّ؟
فكر قليلًا، ثم قال:
ـ ربما… بقايا.
بقايا نبيل حين أرفض ظلمًا صغيرًا.
وبقايا جميلة حين أحتفظ ببيت شعرٍ في قلبي.
ما دام فينا شيء يرفض تمامًا… فنحن لم نمت كليًّا.
لم تكن القصة عن شخصين. كانت عن حلمٍ يُقَسَّط عليه الألم.
عن جيلٍ لا يسقط دفعة واحدة، بل يتآكل ببطء… كي ينجو، أو ليقنع نفسه أنه نجا.
هذا هو الموت الذي لا يُعلن في الأخبار.
موتٌ بلا ضجيج، موتٌ بلا عزاء، موتٌ بالتقسيط.
#سعد_بن_علال (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟