عماد الطيب
كاتب
الحوار المتمدن-العدد: 8630 - 2026 / 2 / 26 - 14:10
المحور:
الادب والفن
بين محمود درويش وريتا والبندقية لم تكن الحكاية امرأةً فحسب، بل كانت وطناً يتخفّى في ملامحها، وكان قلباً يجرّ خلفه بندقية. لم يكن العشق عنده ترفاً عاطفياً، بل امتحاناً أخلاقياً بين أن يحب وأن يبقى وفياً للجرح العام. قال إن بين ريتا وعيونه بندقية، وكأن الحب كلما اقترب خطوةً، تقدّمت المأساة خطوتين.
وأنا، بيني وبين حبيبتي، المسافة ذاتها وإن اختلفت البنادق. لم يكن بيننا احتلال، لكن كان هناك قدرٌ يتقن الاصطفاف ضد الرغبات. لم تكن تحمل اسماً عبرياً ولا ملامح غريبة، كانت تشبهني حدَّ التطابق، ومع ذلك كان بيننا شيءٌ أقسى من الحدود: هوسها بي، وهوسي بها، كأننا نحاول أن نمتلك ما خُلق ليكون حرّاً.
درويش أحب ريتا لأنها حلمٌ مستحيل، وأنا أحببتها لأنها كانت ممكنة أكثر مما ينبغي. هو كان يعرف أن الرصاصة أسرع من القبلة، وأنا عرفت متأخراً أن الشغف حين يتجاوز حدّه يتحوّل إلى رصاصةٍ صامتة. في قصته كانت البندقية واضحةً، تُرى وتُسمع. في قصتي كانت خفيةً، تطلق غيرةً، خوفاً، وتوقعاتٍ أثقل من القلب.
الحب حين يختلط بالقضية يصبح نشيداً حزيناً، وحين يختلط بالهوس يصبح مرآةً مكسورة؛ ترى فيها نفسك مشوّهةً وأنت تظن أنك في ذروة الجمال. درويش خسر ريتا ليكسب قصيدةً خالدة، وأنا خسرتها لأربح هذا الفراغ الذي يتقن كتابة اسمي بجانب اسمها على جدار الذاكرة.
ثمة قصة واحدة تتكرر بأسماء مختلفة: رجل يظن أن الحب خلاصه، فيكتشف أنه امتحانه. امرأة تظن أن العشق امتلاك، فتدرك متأخرة أن القلب لا يُحتجز. ومأساة واحدة تتقن إعادة تمثيل نفسها: كلما اقترب العاشقان من الضوء، استيقظت بندقية ما في العتمة.
بين ريتا ودرويش وطنٌ ينزف، وبيني وبينها قلبٌ ينزف. الفرق أن قصته كُتبت في كتاب، وقصتي تُكتب كل ليلة على وسادةٍ باردة، حيث لا بندقية تُرى، لكن الطلقة لا تخطئ.
#عماد_الطيب (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟