بوتان زيباري
الحوار المتمدن-العدد: 8629 - 2026 / 2 / 25 - 18:50
المحور:
القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير
في ملكوت الوعي، حيث تُصان الهوية بمداد الكرامة، لا تبدأ الهزائم بطلقة مدفع، بل بدمعة مُغيبة خلف حجاب التزييف. إن النباهة في ميزان الروح الكوردية ليست ترفاً ذهنياً أو ذكاءً مجرداً، بل هي يقظة المقام، وإدراك المرام، وحضور شامخ حين تزدحم المهام؛ هي البوصلة التي لا تُخطئ القبلة في ليل العواصف، والدرع الذي يفرق بين الحق الواضح والزيف الخاطف. أما الاستحمار، فهو الداء العضال والاستعباد المقنع بجلال الخصال، هو فن "الصرف الممنهج" حيث تُسرق العقول بدعوات الحق لباطل الصمت، ويُشغل المرء بالفضائل الصغرى عن القضايا الكبرى، فتصير الطقوس تخديراً، والمواقف تزوِيراً، بينما تحترق الديار وتُهدر الأقدار.
إن المشهد المعاصر، المتمثل في مناورات السلطة وتوظيف الرموز في زنزانات الصمت، ليس إلا فصلاً من فصول "حق الأمل" المفخخ بأسلاك التحييد. هنا يتجلى الاستحمار السياسي في أبهى صوره؛ إذ تُقدم "الجزرة" القانونية لتكون حجاباً عن "نار" التغيير الدستوري، ويُستدعى الزعيم المحاصر لا كصانع قرار، بل كواجهة لتمرير أجندة الاحتواء والاندماج القسري. النباهة هنا توجب التساؤل بمرارة: هل هذا السلام بناء لبيت آمن، أم هو مجرد تخدير ريثما تُهدم بقايا الجدران؟ فالسلطة لا تأتيك دوماً بوجه كالح، بل قد تلبس ثوب الواعظ وتهمس بلغة "أخوة الشعوب" لتنزع منك مخالب الدفاع وتتركك أعزلاً أمام ريح المصالح الإقليمية والمقايضات الدولية.
لقد وجدت "الإدارة الذاتية" في شمال وشرق سوريا نفسها أمام كماشة سياسية وعسكرية، حيث يُراد تحويل "الفعل المقدس" في طلب السلم إلى أداة لشرعنة التفكيك وتفتيت الولاءات. حين يخرج النداء من خلف القضبان، يختبر المعدن الإنساني في صراع بين قدسية الرمز وواقعية الأرض؛ فالحياد في لحظة الواجب ليس إلا خيانة صامتة، والتمسك بالقشور عند استهداف اللباب هو التواطؤ الأكبر. إن القداسة الحقة لا تُقاس بهيئة الفعل، بل بموقعه من معركة الوجود؛ فكل صلاة لا تطفئ حريق الواقع، وكل خطاب أخلاقي يكرس الهوان، ليس إلا مسماراً في نعش الحرية.
يا سليل الجبال، إن الوعي باللحظة التاريخية هو سلاحك الأعتى، فالمستعمر لا يدعوك دوماً لما تكره، بل قد يغويك بما تحب ليصرفك عن الواجب الأشد إلحاحاً. إن تحرير القيم من التوظيف الخادع هو جوهر النضال الإنساني، فكن نبيهاً لئلا تصير "صلاتك" حجاباً عن "حريق بيتك"، وكن حراً لئلا يتحول حلمك بالسلام إلى قيد جديد يُصاغ بيد من كنت تظنه المنقذ، فالمعركة الكبرى لا تُحسم في الميادين، بل في زوايا الإدراك الصافي.
#بوتان_زيباري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟