أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد كامل ناصر - القصيدة المحلية وإشكالية شعر المناسبات














المزيد.....

القصيدة المحلية وإشكالية شعر المناسبات


أحمد كامل ناصر

الحوار المتمدن-العدد: 8628 - 2026 / 2 / 24 - 00:10
المحور: الادب والفن
    


يلاحظ في المشهد الشعري العربي عمومًا، والمحلي في الداخل الفلسطيني خصوصًا، هيمنة نمط كتابي يصطلح عليه بـ"شعر المناسبات"، ونقصد به ذلك النص الذي تحدَّد المناسبة بنيته الدلالية مسبقًا، فيغدو تابعًا لها لا منتجًا لمعناها. ورغم ما يحمله هذا اللون من مشروعية تاريخية بوصفه تعبيرًا جماعيًا عن موقف أو حدث، فإن تحوّله إلى النمط الغالب يثير إشكالية نقدية تتصل بوظيفة الشعر وحدود أثره الجمالي والمعرفي، إذ تصبح القصيدة استجابة ظرفية بدل أن تكون فعل كشف ورؤيا.
لقد ارتبط الشعر العربي منذ نشأته بوظائف متعددة، منها التوثيق والمدح والرثاء والتحريض، غير أن التحولات الحديثة في نظريات الأدب والجماليات أعادت تعريف القصيدة بوصفها بنية لغوية رمزية تسعى إلى كشف التجربة الإنسانية في مستوياتها العميقة، لا مجرد خطاب احتفالي أو ردّ فعل آني. ومن هنا تبرز الحاجة إلى التمييز بين الشعر الذي يكتفي بأداء وظيفة ظرفية، والشعر الذي ينخرط في مساءلة الوجود الإنساني ذاته.
إن الشعر الإنساني والوجودي لا ينشغل بالحدث بقدر ما ينشغل بدلالته، ولا يكتفي بوصف الواقع بل يسعى إلى تفكيكه وتأويله. إنه شعر الأسئلة لا الأجوبة، وشعر القلق المعرفي لا الاطمئنان الخطابي. فالقصيدة التي تطرح سؤال المعنى، أو تستنطق العزلة، أو تتأمل الزمن والموت والحرية، هي قصيدة تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة لتدخل في أفق التجربة الكونية المشتركة. ولذلك فإن أثرها لا ينتهي بانتهاء المناسبة، بل يتجدد مع كل قراءة.
ولعل تجربة عدد من شعراء الداخل الفلسطيني أنفسهم تقدّم دليلًا واضحًا على هذه الحقيقة؛ فقصائد محمود درويش لم تخل من البعد الوطني، لكنها بلغت عالميتها حين تحولت من خطاب القضية إلى خطاب الإنسان، وكذلك فعل سميح القاسم الذي مزج بين صوت الجماعة وقلق الذات، بينما قدّم توفيق زياد نموذجًا للشاعر الذي ينطلق من المحلي ليصل إلى الإنساني. أما راشد حسين فقد جسّد في نصوصه توتر الهوية والمنفى الداخلي، في حين أسهم حنا أبو حنا في ترسيخ رؤية شعرية تنظر إلى القصيدة بوصفها فعل معرفة لا مجرد استجابة آنية.
إن استحضار هذه النماذج لا يراد به الاحتفاء التاريخي فحسب، بل التنبيه إلى أن القيمة الحقيقية للشعر تتجلى حين يتحرر من أسر اللحظة العارضة ليصير أفقًا تأمليًا. فالشاعر، في جوهر مهمته، ليس مؤرخ مناسبة، بل شاهد وجود؛ وليس صانع شعار، بل صانع رؤية. ومن هنا فإن الاقتصار على شعر المناسبات يهدد بتحويل القصيدة إلى نص استهلاكي سريع الذبول، بينما يمنحها الانفتاح على الأسئلة الكونية قدرة على البقاء والتجدد.
كما أن التحولات الثقافية المعاصرة، في ظل تسارع الوسائط الرقمية وهيمنة الخطاب السريع، تجعل الحاجة أكثر إلحاحًا إلى شعر يعيد الاعتبار للبطء التأملي والعمق الرمزي. فالنص الشعري القادر على الصمود ليس ذلك الذي يساير الضجيج، بل الذي يخلق مسافته الخاصة للتفكير. والقصيدة التي تكتب لتلقى في احتفال قد تؤدي غرضها اللحظي، لكنها نادرًا ما تتحول إلى أثر جمالي دائم، في حين أن القصيدة التي تكتب لتقرأ عبر الزمن هي التي تؤسس حضورها في الذاكرة الثقافية.
وعليه، فإن مستقبل القصيدة المحلية مرهون بقدرتها على تجاوز الاستجابة اللحظية إلى أفق الرؤيا، وعلى الانتقال من تعليق على الحدث إلى مساءلة لمعناه. فالشعر لا يقاس بمدى مطابقته للمناسبة، إنما بقدرته على خلخلة اليقين وفتح أفق السؤال؛ وحين تفقد القصيدة قدرتها على طرح السؤال، تتحول من فعل إبداعي إلى أداء لغوي، ومن تجربة وجودية إلى نصٍّ عابر ينتهي بانتهاء ظرفه.
الطيرة - 23.2.2026



#أحمد_كامل_ناصر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عدالة تقييم الطلاب في المدرسة الابتدائيّة: نحو رؤية تشاركيّة ...
- قراءة نقدية في مقال -مفاتيح الفن في صناعة الأدب- للكاتبة وال ...
- قراءة نقديّة في قصّة «هاتف بعد منتصف الليل» للكاتب نعمان عبد ...
- تعدّد الأصوات النسويّة في رواية -علَقَة- للدكتورة نيفين سمار ...
- جدليّة الغياب والحضور: قراءة نقديّة في رواية -الخليفة- سرديّ ...
- كلارا بوصفها محفّزًا سرديًّا: قراءة في التحوّل والانعكاس الذ ...
- الذاكرة والصراع النسويّ في الأدب الفلسطينيّ: قراءة نقديّة في ...
- قصيدة -سطعتْ- للشاعر أسامة مصاروة: جدليّة الضوء والهويّة في ...
- غياب المشروع الثقافي الجامع لدى اتحادات الكتّاب العرب في إسر ...
- حين يعود المكان قلبًا آخر: قراءة نقدية في قصة -وحلوة يا بلدي ...
- البحث عن المعنى في مرايا الوجود: قراءة نقديّة موسّعة في قصيد ...
- الإنسان بين الصورة والغياب في قصّة -الواتسآب في خدمة المتقاع ...
- قراءة في قصّة -الأستاذ وحصّة النهايات- للكاتب جمال أسدي
- سخرية الموت واللغة في قصَّة -الجنازة- للأديب الفلسطينيّ محمد ...
- قراءة نقديّة في قصيدة -أكل الولد التفاحة- للشاعر تركي عامر
- الذكاء الاصطناعيّ بين الرفض والقبول
- جماليّات اللهجة العاميّة في القصّة الفلسطينيّة المعاصرة: بين ...
- النقد في غرفة الإنعاش: أزمة العلاقات الاجتماعيّة تقتل الجدلي ...
- بين الصّمت والمقاومة: قراءة في رواية -لتكن مشيئتك-
- فاضل جمال علي: شاعر الطفولة وصوت الهويّة الفلسطينيّة في أدب ...


المزيد.....




- فنانو ميسان.. حضور لافت في دراما رمضان تمثيلا واخراجا وكتابة ...
- حكاية مسجد.. -حميدية- بتركيا بناه عبد الحميد الثاني وصممت دا ...
- معركة الرواية.. هكذا يحاصر الاحتلال القدس إعلاميا
- القصيدة المحلية وإشكالية شعر المناسبات
- معرض للمغربي عبد الإله الناصف عن -حيوية إفريقيا وصلابة تراثه ...
- محمد عبده يقنن مشاركاته الفنية مراعاة لظروفه الصحية
- علاء رشيد يقدم مسرحية ”كل شيء رائع” والجمهور جزء من الحكاية ...
- بنين: الاحتفاء بالضفائر الأفريقية.. نوع من المقاومة الثقافية ...
- في اليوم الدولي للغة الأم.. اليونيسكو تناقش معركة الهوية في ...
- المفكر الفرنسي جيروم هورتو: غزة تمثل لحظة إنكار تام لجوهر ال ...


المزيد.....

- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد كامل ناصر - القصيدة المحلية وإشكالية شعر المناسبات