|
|
الذاكرة والصراع النسويّ في الأدب الفلسطينيّ: قراءة نقديّة في رواية -حكايات الليدي ندى- لكلارا شجراوي–سروجي
أحمد كامل ناصر
الحوار المتمدن-العدد: 8542 - 2025 / 11 / 30 - 12:01
المحور:
الادب والفن
يمثّل الأدب الفلسطينيّ المعاصر مساحة حيويّة لفهم التجربة الإنسانيّة في ظلّ ظروف اجتماعيّة وسياسيّة معقّدة، حيث يعكس صراع الهويّة والوجود في مجتمع يواجه الاحتلال والعنف اليوميّ والقيود التقليديّة. وقد شكّلت الكتابة الفلسطينيّة، عبر العقود، مرآةً لتجارب الناس اليوميّة، مستندةً إلى الذاكرة الجمعيّة والفرديّة، ومعتمدةً على صور الصمود والألم والحلم بالحريّة. وفي هذا الإطار، يبرز الأدب النسويّ الفلسطينيّ بوصفه صوتًا قويًّا يسعى إلى تقديم رؤية مختلفة، إذ لا يكتفي بسرد التجربة الإنسانيّة، بل يركّز على تجربة المرأة تحديدًا، مسلّطًا الضوء على العنف الأسريّ والاجتماعيّ، قمع الهويّة، والصراع بين التقاليد والحداثة. وتمثّل الأعمال النسويّة الفلسطينيّة المحليّة – كأعمال دعاء زعبي وكلارا شجراوي - سروجي رحلةً لقراءة كيفيّة استخدام المرأة للكتابة بوصفها أداة مقاومة وفضاءً للتعبير عن الذات والهويّة، وإعادة تشكيل الواقع عبر النصّ الأدبيّ. وتكشف هذه الأعمال أنّ الكتابة ليست نقلًا للواقع، بل صراع مستمرّ لإعادة إنتاجه وفهمه، ومجالًا لإطلاق صوت المرأة في مواجهة القمع الاجتماعيّ والثقافيّ. وتأتي رواية حكايات الليدي ندى لكلارا شجراوي- سروجي (2019) نموذجًا بارزًا لهذا النوع من الأدب، حيث تُقدّم تجربة المرأة الفلسطينيّة من خلال بناء سرديّ متشابك يعتمد على الرسائل، والأصوات المتعدّدة، والذاكرة الممتدّة، والحلم، والانقطاع، والمراسلة كفضاء للتعبير عن الذات ومقاومة القهر. يبدأ النصّ ببنية مراسلاتية بين ندى وإسراء، قبل أن يُكشف أنّ الرسائل ليست دائمًا بخط ندى أو بصيغتها، وأنّ هناك من تدخل في صياغتها وأعاد ترتيبها، وهو ما يعكس هشاشة الصوت الأنثويّ وإمكانيّة سرقته أو تحريفه (شجراوي–سروجي، 2019، ص 13–14). ويُبرز هذا التلاعب بالرسائل فلسفة ما بعد الحداثة التي تعتمدها الكاتبة، حيث تتفتّت الحدود بين المرسِل والمتلقّي، وتصبح الكتابة عمليّة إنتاجيّة مشتركة بين الشخصيّة والقراء، ما يُضيف طبقة من العمق التأويليّ للنصّ ويجعل القارئ شريكًا في إعادة بناء الحكاية. وتشكّل العلاقة بين ندى وإسراء قلب الرواية، حيث تُظهر المراسلات كيف يلتقي الحاضر بالماضي والذاكرة بالواقع، وكيف يمكن للكتابة أن تصبح مساحة لتبادل الدعم النفسيّ والتعبير عن الألم الداخليّ. ففي لحظة انقطاع المراسلة لأربع ليالٍ، يصف النصّ تأثير الغياب على إسراء: “شعرت بانقباض نفسيّ فظيع” (شجراوي–سروجي، 2019، ص 59). ويُظهر هذا المقطع أنّ الرسائل ليست مجرّد وسيلة للتواصل، بل هي فعل وجوديّ يعيد ترتيب الهويّة ويتيح للشخصيّات إعادة قراءة ذاتها في مواجهة الصدمات المتراكمة. ويعكس السرد التركيبة النفسيّة المعقدة لندى، والتي تتشكّل منذ طفولتها على وقع العنف الأسريّ، حيث يشهد القارئ مشاهد اعتداء الأب على الأمّ التي تترك أثرًا عميقًا على تكوين وعي الطفلة واستجاباتها العاطفيّة والسلوكيّة لاحقًا (شجراوي–سروجي، 2018، ص 61،62). وتتكرّر هذه الذكريات في النصّ بشكل مستمرّ، لتكون خلفيّة لتجاربها العاطفيّة، ولتوضيح مدى تأثير الصدمات المبكرة على تكوين الذات وكيفية مواجهتها للعالم من حولها. ويظهر العنف أيضًا في حياة الجارة ميساء، التي تمثّل نموذجًا للمرأة الفلسطينيّة المعرضة للعنف البنيويّ والاجتماعيّ. فزوج ميساء يمارس السلطة عليها جسديًّا ونفسيًّا، فيصفها ويهين جسدها: "لم تعد تثيره… جسدها سمين" (شجراوي–سروجي، 2019، ص 24). وتبلغ القسوة ذروتها في مشهد قتلها على يد زوجها: "انتشل السكين من يد ميساء وأخذ يغرسها في لحمها الكثير… امتلأت الساحة بدمائها" (شجراوي–سروجي، 2019، ص 24). وتقدّم الكاتبة هذا المشهد بواقعيّة صادمة، ما يجعل القارئ حاضرًا داخل الفعل، ويؤكّد أنّ العنف في الرواية ليس حدثًا فرديًا، بل نسقًا اجتماعيًّا مستمرًّا يعكس ديناميات القوّة والقهر في المجتمع الفلسطينيّ. وتكشف الرواية عن التناقض بين الاحتفاء بالمهارات النسويّة في المجتمع والتهميش المتواصل للمرأة كفرد. فميساء، رغم مهارتها في صناعة الفطائر، والتي تعتبر مصدر فخر للحيّ، لا تحصل على حماية اجتماعيّة أو احترام حياتها، بل تصبح ضحيّة للعنف (شجراوي–سروجي، 2019، ص 24). كما يطرح النصّ المشهد السياسيّ حيث خرج السكان للتظاهر بعد مقتلها، حاملين صورها ومندّدين بتقصير الشرطة، وهو احتجاج يكشف الغضب الجماعيّ أمام العنف لكنه لا يغير من واقع السلطة البنيويّة (شجراويّ–سروجيّ، 2019، ص 24). وينتقل النصّ لاحقًا إلى فضاء المنفى، حين تنتقل ندى إلى بوسطن، لتعيد بناء ذاتها بعيدًا عن الحيّ الذي يكتنفه العنف والرقابة الاجتماعيّة. ويظهر في مشهد الثلج الذي تلمسه ندى لأول مرة: "مثل طفلة صغيرة… تمرّره على شفتيها المكتنزتين" (شجراوي–سروجي، 2019، ص 83). ويشكّل هذا المشهد رمزيّة الذاكرة والنقاء المؤقت، لكنه لا يمحو صدمة الماضي، بل يتيح لها إعادة قراءة نفسها في سياق جديد. كما تكشف الرواية تجربة الحبّ الفاشلة لندى مع رجل متزوّج، وهو موقف يكشف عن امتداد الهيمنة الاجتماعيّة في العلاقات العاطفيّة: "لي زوجة وطفل… لا تناسبك بلادي" (شجراوي–سروجي، 2019، ص 26). ويعكس هذا المشهد الطّريقة التي يحدّد فيها المجتمع الفلسطينيّ الهويّة الأنثويّة ويضع حدودًا للعاطفة والاختيار الحرّ. وتستمرّ الرواية في تقديم البحر كثيمة رمزيّة مرتبطة بالذاكرة العاطفيّة، إذ تشير ندى إلى أنّها كانت ترى البحر في عيني الرجل الذي أحبّته، ليصبح البحر امتدادًا للحنين والماضي والألم" عندما أطلّ من شرفة منزلي ينكشِف لي البحر. كنتَ تبادلني الحبّ بزرقته الواسعة الدافئة فيعيدني إلى جمال عينيك" (شجراوي–سروجي، 2018، ص 26). كما يصبح الجسد محورًا للصراع المستمرّ، حيث يمثّل جسد ميساء موقعًا للقتل والعنف، وجسد الأمّ موقعًا للصمت والتحمّل، بينما جسد ندى يعكس تقاطع الرغبة والذاكرة والخوف، في حين تتحوّل الكتابة إلى أداة لاستعادة الصوت والجسد وإعادة ترتيب الذاكرة. وتبرز اللغة في الرواية ازدواجيّة بين الواقعيّة الصارمة في مشاهد العنف والبلاغة الشعريّة في تصوير الانكسارات الداخليّة، مثل: " يا حبّي صرت بآخر أرض عم أمشي وتمشي فيّ الأرض" (شجراوي–سروجي، 2019، ص 133). ويظهر هذا التناوب بين الأساليب كيف يخلق النصّ توترًا نفسيًّا داخليًّا للشخصيات، ويتيح للقارئ فهم التعقيدات العاطفيّة والنفسيّة التي تعيشها المرأة الفلسطينيّة في سياق اجتماعي مضطرب. ويؤكّد هذا الجزء من الدراسة أنّ الرواية ليست مجرّد سرد لأحداث، بل هي تحليل نفسيّ واجتماعيّ وثقافيّ، حيث تستخدم الكاتبة عناصر السرد واللغة والرمزيّة لتقديم نقد شامل للعنف والهشاشة النسويّة والصراع مع الذاكرة والجسد. وتشير الرواية بوضوح إلى أنّ الكتابة في حدّ ذاتها فعل مقاومة، وأنّ الصوت المفقود يمكن استعادته عبر إعادة سرد الحكاية. تستمرّ الرواية في العمل على البنية الزمنيّة غير الخطّيّة، حيث تتداخل طبقات الماضي بالحاضر، ويصبح الماضي حاضرًا حيًّا داخل تجربة ندى، مهيمنًا على وعيها واستجاباتها العاطفيّة. فالطفولة، كما تتكشف من الرواية، تمثّل قاعدة الصدمات الأولى التي تُعيد إنتاج نفسها في كلّ حدث لاحق، سواء في العلاقات العاطفيّة أو الاجتماعيّة. يظهر ذلك بوضوح في تكرار مشهد العنف الأسريّ، حيث تعاد ذكريات الأب وهو يعتدي على الأمّ، لتصبح كلّ تجربة لاحقة مرهونة بصدى هذه الصدمة (شجراوي–سروجي، 2019، ص 71). وتتيح هذه البنية للكاتبة توظيف الحلم والذاكرة كمساحة رمزيّة لتصوير النفس البشريّة، حيث يُسمح للذاكرة بالامتداد إلى المستقبل، وللخطر النفسيّ بالبقاء حاضرًا رغم التغيرات المكانية. ويمتدّ تحليل الزمن ليشمل الأحلام والمخيّلة التي تلجأ إليها ندى، مثل الحلم المتكرّر بالبحر، الذي يصبح في الرواية رمزًا للحنين والحبّ المفقود والأمل المعلّق" كنت أحلم بالبحر في كل ليلة، وكأنّه يفتح لي نافذة على الماضي، على الحبّ الذي فقدته، على الأمل المعلق الذي لم أتمكّن من الإمساك به… البحر أصبح مرآة كلّ شيء جميل وغائب عنّي، امتدادًا للحنين والصّمت الداخلي" يتأمّل مثلي وجه البحر" (شجراوي–سروجي، 2019، ص 26، 89). وفي الحلم، يمتزج الحاضر بالماضي، حيث تصبح الذكريات مؤثّرة على كيفيّة تعامل الشخصيّات مع الواقع الحاليّ، وهو ما يعكس فهم الرواية العميق لتأثير الصدمات على تكوين الذات. ويؤكّد هذا الامتزاج بين الحلم والذاكرة أنّ الرواية لا تقدّم الأحداث كما وقعت، بل كما تُعاش من داخل وعي المرأة، وتكشف عن العمق النفسيّ لتجربتها. ويكشف البعد الاجتماعيّ والثقافيّ في الرواية عن شبكة معقدة من العلاقات الاجتماعيّة داخل الحيّ، حيث تبرز الحارة الفلسطينيّة كمكان يتشابك فيه الضبط الاجتماعيّ مع العنف اليوميّ. ويظهر ذلك في مشاهد حياة الجارة ميساء، التي تتعرض للعنف الأسريّ والجسديّ، وفي الوقت نفسه تُشاد بمهاراتها في الطهي والحرف اليدويّة التي تشكل قيمتها الاجتماعيّة الظاهريّة (شجراوي–سروجي، 2019، ص 19- 20). وهذه التناقضات تعكس ازدواجيّة المجتمع الفلسطينيّ، الذي يقدّر المرأة باعتبارها منتجة، ولكنّه لا يوفر لها حماية أو اعترافًا بوجودها الإنسانيّ. وتستعرض الرواية أيضًا المشهد السياسيّ من خلال احتجاجات أهالي الناصرة وعكّا وأمّ الفحم بعد قتل ميساء (شجراوي–سروجي، 2018، ص 24). فالتظاهرات، رغم أهميّتها الرمزيّة، لا توفر حماية حقيقيّة، بل تكشف عن هشاشة البنية الاجتماعيّة والمؤسّساتيّة التي تُعيد إنتاج العنف. وهكذا تتحوّل الرواية إلى نصّ نقديّ اجتماعيّ، يربط بين الفرد والمجتمع، وبين العنف الرمزيّ والجسديّ، ويظهر كيف تصبح المرأة الفلسطينيّة ضحيّة لمؤسّسات المجتمع والسلطة الأسريّة والسياسيّة معًا. كما تلعب الشخصيّات الثانويّة دورًا مهمًّا في إظهار البنية الاجتماعيّة والثقافيّة، مثل الأصدقاء والجيران، الذين يساهمون في إعادة إنتاج الأنماط الاجتماعيّة والتقاليد التي تحدّد أدوار النساء والرجال. فوجود هذه الشخصيات لا يقتصر على كونها خلفيّة، بل يعكس شبكة معقدة من العلاقات التي تساهم في فرض قواعد الضبط الاجتماعيّ، ومراقبة السلوك، وترسيخ القيم التقليديّة، وهي القيم التي تتحدّاها الرواية من خلال صوت ندى ورسائلها (شجراوي–سروجي، 2019، ص 18-19). ويعكس العنف في الرواية أبعادًا متعدّدة؛ فهو جسديّ، رمزيّ، نفسيّ واجتماعيّ. ومشاهده المتكرّرة تجاه ندى، وأمّها، وميساء توضح التوتّر بين القوّة والضعف، بين السيطرة والتمرّد، بين الذكور والإناث (شجراوي–سروجي، 2019، ص 24، 72). كما أنّ الرواية تُظهر كيف يتمّ تمرير أنماط القهر الاجتماعيّ عبر الأجيال، وكيف تُعيد الصدمات الأولى إنتاج نفسها في الأحلام والخيالات. ومن هذا المنظور، تصبح الرواية فضاءً نقديًّا يسمح بفهم ديناميات السلطة والقهر الاجتماعيّ وتأثيرها النفسيّ العميق. ويبرز البعد النسويّ في الرواية بقوّة، حيث تمثّل الشخصيّات النسائيّة القدرة على استعادة الذات والهويّة من خلال الكتابة والتأمّل النقديّ. فالكتابة تصبح وسيلة لإطلاق الصوت المقهور وإعادة تشكيل الهويّة، كما يتضح من رغبة ندى في كشف صمت الأمّ الطويل، ومن أحلامها التي تمنحها فرصة للمقاومة الداخليّة (شجراوي–سروجي، 2019، ص 77-78). وفي هذا الإطار، تتحوّل الكتابة إلى فعل مقاومة نفسيّ واجتماعيّ، يُمكن المرأة من إعادة بناء نفسها ومواجهة القيود المفروضة عليها. وتدمج الرواية بين الواقعيّة الصارخة واللغة الشعريّة، حيث تُعرض مشاهد العنف بأسلوب مباشر، بينما تتحوّل اللغة إلى غنائيّة عند تصوير الانكسارات النفسيّة لشخصياتها: "أمشي على الأرض وتمشي فيّ الأرض" (شجراوي–سروجي، 2019، ص 133). ويخلق هذا التناوب بين الأسلوب الواقعيّ واللغة الشعريّة شعورًا بالغمر في التجربة الإنسانيّة، كما يعكس التوتّر النفسيّ للشخصيّات وتأثير العنف المستمرّ على وعيها وحركتها العاطفيّة. ويصبح الجسد في الرواية محورًا للرمزيّة والنقد، فالجسد الأنثويّ يمثل ساحة للصراع بين السلطة والرغبة والذاكرة. جسد ميساء يُقتل ويتعرّض للعنف الجسديّ، جسد الأمّ يتحمّل الصمت والقهر، وجسد ندى يظلّ متأثّرًا بالطفولة والعلاقات العاطفيّة، لكنّه يتحوّل أيضًا إلى مساحة للمقاومة والكتابة. وهكذا تصبح الكتابة وسيلة لإعادة امتلاك الجسد المفقود، ولإعادة صياغة الصوت والهويّة. ويبرز النصّ أيضًا أهميّة المكان في تكوين التجربة النسويّة، حيث يمثل الحيّ الفلسطينيّ، والمدرسة، والمنزل، والمساحة الخارجيّة، فضاءات مختلفة للضبط الاجتماعيّ والمقاومة الفرديّة. فالحيّ يمارس ضغطًا مستمرًّا على النساء وفق قواعد ثقافيّة واجتماعيّة، بينما توفّر المدرسة أو المكان الخارجيّ فرصًا نسبيّة للتحرّر الذهنيّ والنفسيّ، مع استمرار تأثير الذكريات الماضية. ويصبح المكان جزءًا من شبكة العلاقات التي تشكّل وعي المرأة وتجربتها. في هذه المرحلة، يمكن القول: إنّ الرواية تقدّم قراءة متعمّقة للصراع بين الفرد والمجتمع، بين العنف والذاكرة، بين الصوت والغياب. فالكاتبة توظّف الزمن، واللغة، والخيال، والرسائل، والجسد، والمكان، لإظهار تعقيدات التجربة النسويّة الفلسطينيّة في ظلّ واقع مضطرب. وتجمع الرواية بين التحليل النفسيّ والاجتماعيّ والثقافيّ، ما يجعلها نصًّا غنيًّا بالمعاني متعدّدة المستويات، ويمنح القارئ فرصة لإعادة التفكير في تجربة الشخصيات وفهم أبعادها النفسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة. تتواصل الرواية في استكشاف البعد النسويّ عبر الشخصيات النسائيّة، وتوضّح أنّ مقاومة المرأة الفلسطينيّة ليست بالضرورة فعلًا علنيًّا، بل قد تتّخذ شكل الكتابة أو التأمّل أو التماهي مع الحلم. فندى، على سبيل المثال، تستثمر الرسائل لإعادة بناء ذاتها وفهم ذكرياتها، ولخلق مساحة فرديّة لإطلاق صوتها المسلوب (شجراوي–سروجي، 2019، ص 54). وهنا تتحوّل الكتابة إلى فعل مقاومة نفسيّ واجتماعيّ، إذ تسمح للمرأة بإعادة امتلاك صوتها، وتعيد ترتيب أحداث حياتها لتكون أكثر وعيًا بتحوّلاتها الداخليّة، وأقلّ استسلامًا للقيود الاجتماعيّة. وتستمر الرواية في الازدواجيّة اللغويّة بين الواقعيّة واللغة الشعريّة. ففي مشاهد العنف، تستخدم الكاتبة أسلوبًا مباشرًا لا يحابي القارئ، لتوضيح فظاعة العنف الأسريّ والاجتماعيّ. أمّا في لحظات التأمّل والتجربة الداخليّة، تتحوّل اللغة إلى شعريّة غنائيّة، كما في عبارة ندى: "أمشي على الأرض وتمشي فيّ الأرض" (شجراوي–سروجي، 2019، ص 133). هذا التناوب يخلق إحساسًا بالتوتّر النفسيّ العميق للشخصيّات ويجعل القارئ يعيش التقلّبات العاطفيّة والوجوديّة للمرأة الفلسطينيّة. فاللغة هنا ليست مجرّد أداة للتعبير، بل وسيلة لخلق واقع داخليّ يمكن للمرأة أن تتحرّك فيه بحرّيّة نسبيّة رغم القيود الخارجيّة. ويُعتبر الجسد والبيئة الطبيعيّة من أبرز الرموز التي تعكس الصراع النسويّ الداخليّ. فالجسد الأنثويّ في الرواية يتحوّل إلى موقع للصراع بين السلطة والرغبة، بين الماضي والحاضر، وبين القهر والمقاومة. جسد ميساء يُستباح ويُقتل، جسد الأمّ يُستباح بالصمت والتحمّل، وجسد ندى يظلّ حاضرًا في ذاكرة كلّ الأحداث، لكنّه يتحوّل أيضًا إلى أداة للمقاومة عبر الكتابة. ويضاف إلى ذلك دور الطبيعة، مثل البحر والثلج، اللذين يمثّلان امتدادًا للذاكرة العاطفيّة والماضي المؤلم، ويوفّران مساحة رمزيّة لإعادة التفكير والتأمّل. ويظهر النصّ استخدام الرسائل كأداة فاعلة لإعادة بناء الذات ومقاومة القهر. فالرسائل ليست مجرّد وسيلة للتواصل، بل هي مساحة لتصحيح ما فُسِد في الماضي، وإعادة ترتيب الحكاية الشخصيّة، وإعادة صياغة الهويّة. من خلال هذه الرسائل، تصبح المرأة قادرة على مواجهة الصمت الطويل والقهر، وإعادة امتلاك تاريخها الخاصّ، وإنتاج معنى جديد للوجود (شجراوي- سروجي، 2019، ص 13–14، 50). ويكمل النصّ دوره النقديّ الاجتماعيّ من خلال تقديمه تحليلًا للبنية الثقافيّة الفلسطينيّة، بحيث يُظهر ازدواجيّة المعايير الاجتماعيّة تجاه النساء: بينما يُحتفى بمهراتهنّ وكفاءتهنّ، يتم التهميش عند مواجهة السلطة الأبويّة أو المجتمعيّة، ويُعاد إنتاج العنف كنسق متكرّر. هذا التناقض يبرز في مواقف ندى وميساء وأمّها، ويظهر كيف تتحرّك المرأة في فضاء يفرض عليها أدوارًا محدّدة، ويختبر قدرتها على المقاومة الداخليّة قبل المقاومة الخارجيّة. وتطرح الرواية أيضًا سؤال العلاقة بين الفرد والمجتمع، وبين الحرّيّة والضبط الاجتماعيّ، وكيف يمكن للمرأة أن تحقق تحرّرها الذاتيّ في ظلّ منظومة اجتماعيّة قاسية. فالكتابة، اللغة، الجسد، الرسائل، والخيال، كلّها أدوات تسمح للمرأة الفلسطينيّة بإعادة إنتاج واقعها النفسيّ والاجتماعيّ، وإن كان هذا التحوّل يتمّ بشكل تدريجيّ وبداخليّ أكثر من كونه علنيًّا. تتوزّع شخصيات رواية "حكايات الليدي ندى" بين حضور مباشر وظهور ظلاليّ، لكنّها جميعًا تدور في فلك ندى التي تُشكّل مركز الوعي والسرد. ندى هي الشخصيّة المحوريّة التي تعيد قراءة حياتها من خلال الذاكرة والحلم والرغبة، امرأة تحمل جروح الطفولة وندوب التجارب العاطفيّة المعقّدة، وتعيش دوامة من الخوف والحنين. تتقدّم شخصيتها عبر انكشاف طبقات الألم التي كوّنتها منذ مشهد الطفولة الأول الذي شهدت فيه اعتداء الأب على الأم، وهو المشهد الذي حطم صورتها الأولى عن العالم. الأم بدورها تظهر كصوت خافت، يمرّ عبر ذاكرة الابنة أكثر مما يحضر في الأحداث، إذ تمثّل نموذج المرأة المستسلمة للقمع، تلك التي “يُنهش جسدها” في لحظة تأسيسية ظلّت تتردّد في وعي ندى كلما واجهت جسدها ورغبتها. أمّا الأب، فحضوره ليس حضور شخصيّة كاملة بقدر ما هو حضور “الصدمة”. إنّه الرجل الذي أسّس الخوف في جسد ابنته، وفتح أول جرح في علاقتها بالعالم. ومن خلاله تتشكّل أنماط القراءة الأولى للحبّ، والقوة، والسلطة. وفي مقابل هذا النموذج الذكوريّ العنيف، تحضر شخصيّة الرجل الذي أحبّته ندى بوصفه النقيض: رجل متزوج، مستحيل الحضور، لكنّه يملك من الرقّة والعمق ما يجعل عينيه تُشبهان البحر الذي تعود إليه ندى كلما ضاقت بها الحياة. إنّه رجل يُحبّها بقدر ما يبتعد عنها، ويشعل رغبتها بقدر ما يتركها معلّقة بين الامتلاء والفراغ. وجوده لا يقوم على الفعل، بل على الظهور الرمزيّ الذي يلوّن حياة البطلة، وعلى ثنائيّة القرب والغياب التي تحكم علاقتها به. وتتسع دائرة الرواية لتضم شخصيات ثانويّة تحمل دلالاتها الخاصّة، مثل ميساء التي تمثّل الوجه الاجتماعيّ الآخر لقمع النساء؛ امرأة يُهينها زوجها ويختزلها في جسد “سمين” لم يعد يثيره، لتتحوّل قصتها إلى مرآة إضافيّة تكشف هشاشة صورة المرأة في مجتمع لا يرى فيها سوى مظهرها الخارجيّ. زوج ميساء بدوره يظهر بوصفه امتدادًا للسلطة الذكوريّة التي بدأت مع الأب، حيث يُمارس حكمه من موقع الامتلاك، ويُعلن رفضه لجسد زوجته بلا تردد. كما تظهر مجموعة من الوجوه الجانبيّة-الجيران، رجال الطريق، المارّون-كخلفية تكشف البيئة الاجتماعيّة التي تشكّل ضغطًا مستمرًا على ندى، في مراقبتهم، وتعليقاتهم، ونظرتهم التي لا تخلو من الأحكام. بهذا التكوين، لا تعتمد الرواية على كثرة الشخصيّات، بل على كثافة حضورها، إذ يعاد تشكيل كلّ شخصيّة من خلال تأثيرها العميق على ندى. الشخصيّات ليست منفصلة عنها، بل هي امتدادات لرحلتها الداخليّة: الأب جرحها الأول، الأمّ ظلّها الصامت، الحبيب مرآة رغبتها، ميساء مثال آخر لآلام النساء، والمجتمع خلفيّة تذكّرها دائمًا بأنّها تعيش في عالم لا يرأف كثيرًا بجسد امرأة ولا بقلبها. وتنتهي الرواية بتأكيد دور الذاكرة والكتابة كأدوات تحرّريّة. فالذاكرة ليست عبئًا فحسب، بل وسيلة لفهم الذات وتشكيل المستقبل، والكتابة ليست مجرّد نقل للواقع، بل فعل مقاومة يعيد ترتيب الحكاية ويستعيد الصوت المفقود. وهذا ما يجعل الرواية نموذجًا للأدب النسويّ الفلسطينيّ المعاصر، حيث تقدّم رؤية متكاملة لتجربة المرأة في مواجهة العنف، وفي بناء الذات، وفي مواجهة القيود الاجتماعيّة والثقافيّة. وفي المجمل، فإنّ قراءة رواية حكايات الليدي ندى تكشف عن قدرة الأدب الفلسطينيّ على الجمع بين التجربة الفرديّة والتحليل الاجتماعيّ والثقافيّ، بين الذاكرة والصراع النفسيّ، بين الجسد والطبيعة، وبين الحبّ والفقد. وتوضح الرواية أنّ الكتابة ليست مجرّد نقل للواقع، بل وسيلة لإعادة تشكيله وفهمه، وإنتاج معنى جديد للوجود النسويّ. كما تمنح القارئ فرصة للمشاركة في إعادة بناء النصّ، وتجعل منه شريكًا فاعلًا في تفسير الأحداث وفهم البنية العميقة للشخصيّات والصراع الاجتماعيّ والثقافيّ المحيط بها. وبذلك تُقدّم الرواية نموذجًا غنيًّا للتحليل النقديّ العميق، يمكن من خلاله استكشاف مختلف أبعاد الحياة الاجتماعيّة والنفسيّة في فلسطين المعاصرة، ويجعلها نصًّا متعدّد الطبقات، يمزج بين الواقعيّة والرمزيّة، بين التجربة الفرديّة والنقد الاجتماعيّ، بين العنف والمقاومة، وبين الصمت والصوت، ليكون مثالًا واضحًا على الكتابة النسويّة كأداة لفهم الذات وإعادة إنتاجها في سياق الثقافة الفلسطينيّة المعاصرة.
الطيرة – 30.11.2025
#أحمد_كامل_ناصر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
قصيدة -سطعتْ- للشاعر أسامة مصاروة: جدليّة الضوء والهويّة في
...
-
غياب المشروع الثقافي الجامع لدى اتحادات الكتّاب العرب في إسر
...
-
حين يعود المكان قلبًا آخر: قراءة نقدية في قصة -وحلوة يا بلدي
...
-
البحث عن المعنى في مرايا الوجود: قراءة نقديّة موسّعة في قصيد
...
-
الإنسان بين الصورة والغياب في قصّة -الواتسآب في خدمة المتقاع
...
-
قراءة في قصّة -الأستاذ وحصّة النهايات- للكاتب جمال أسدي
-
سخرية الموت واللغة في قصَّة -الجنازة- للأديب الفلسطينيّ محمد
...
-
قراءة نقديّة في قصيدة -أكل الولد التفاحة- للشاعر تركي عامر
-
الذكاء الاصطناعيّ بين الرفض والقبول
-
جماليّات اللهجة العاميّة في القصّة الفلسطينيّة المعاصرة: بين
...
-
النقد في غرفة الإنعاش: أزمة العلاقات الاجتماعيّة تقتل الجدلي
...
-
بين الصّمت والمقاومة: قراءة في رواية -لتكن مشيئتك-
-
فاضل جمال علي: شاعر الطفولة وصوت الهويّة الفلسطينيّة في أدب
...
-
مِنَ الصَّوْتِ إِلى الصَّمْتِ إِسْتِرَاتِيجِيَّاتُ التَّعْبِ
...
-
المعلِّمُ العربيُّ: من مصدرٍ للمعلوماتِ إلى مُوَجِّهٍ للمعرف
...
-
جمال عبد الناصر القائد الذي سكن قلوب العرب
-
محمد علي طه: عميد القصّة الفلسطينيّة بين التجربة الإنسانيّة
...
-
الأطلال في الأدب الحديث: سرديّات الذاكرة والغياب
-
أدونيس ورؤاه في ثقافة الفرد والحاكم العربي: جدلية المصلحة وا
...
-
الأدباء بين التهميش والانتشار
المزيد.....
-
التعلم العاطفي والاجتماعي: بين مهارة المعلم وثقافة المؤسسة
...
-
تونس.. فلسطين حاضرة في اختتام الدورة الـ26 لأيام قرطاج المسر
...
-
وفاة الكاتب المسرحي الأسطوري السير توم ستوبارد
-
في يومه الثاني.. مهرجان مراكش يكرم -العظيمة- جودي فوستر
-
ممزّق .. كهذا الوطن
-
تكريم النجم المصري حسين فهمي في افتتاح مهرجان مراكش للفيلم ا
...
-
-أطلس عاطفي-.. رحلة فوتوغرافية للإيطالي فيورافانتي في قرى وم
...
-
دعوة للمشاركة بالدورة الـ 19 للمهرجان الدولي لأفلام المقاومة
...
-
الكِتاب السوري بين زمنين.. كيف تغيّر المشهد الثقافي وواقع ال
...
-
انطلاق الدورة الثانية والعشرين لمهرجان مراكش الدولي للسينما
...
المزيد.....
-
خرائط العراقيين الغريبة
/ ملهم الملائكة
-
مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال
...
/ السيد حافظ
-
ركن هادئ للبنفسج
/ د. خالد زغريت
-
حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني
/ السيد حافظ
-
رواية "سفر الأمهات الثلاث"
/ رانية مرجية
-
الذين باركوا القتل رواية
...
/ رانية مرجية
-
المسرواية عند توفيق الحكيم والسيد حافظ. دراسة في نقاء الفنون
...
/ د. محمود محمد حمزة
-
مداخل أوليّة إلى عوالم السيد حافظ السرديّة. الطبعة الثانية
/ د. أمل درويش
-
مشروع مسرحيات مونودراما للسيد حافظ. اكسبريو.الخادمة والعجوز.
...
/ السيد حافظ
المزيد.....
|