أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - أحمد كامل ناصر - عدالة تقييم الطلاب في المدرسة الابتدائيّة: نحو رؤية تشاركيّة بين المدير، المعلم، والمستشارة التربويّة














المزيد.....

عدالة تقييم الطلاب في المدرسة الابتدائيّة: نحو رؤية تشاركيّة بين المدير، المعلم، والمستشارة التربويّة


أحمد كامل ناصر

الحوار المتمدن-العدد: 8619 - 2026 / 2 / 15 - 16:11
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


هل الامتحان غاية في ذاته أم وسيلة لفهم تطوّر الطفل؟ سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنّه في العمق يعكس إشكاليّة فلسفيّة وتربويّة تتصل بجوهر العمليّة التعليميّة ذاتها. ففي مدارسنا الابتدائيّة، نجد أنفسنا كثيرًا أمام صراع خفيّ بين صرامة المنهج المقرّر ومرونة النفس البشريّة، وبين الإيقاع الزمنيّ للخطط الدراسيّة وخصوصيّة النمو النفسيّ والعقليّ للأطفال. ومن هنا تبرز إشكاليّة "الامتحان الموحّد" مقابل "الفوارق الفرديّة" بوصفها واحدة من أدقّ القضايا التي تواجه الإدارة المدرسيّة والمعلم والمختصّ التربويّ معًا. إنّ الإصرار على فرض نموذج تقييميّ واحد بآليات قياس جامدة، دون مراعاة لتباين القدرات الذهنيّة والجاهزيّة النفسيّة، يشكّل عائقًا تربويًا حقيقيًا يحول دون تحقيق مبدأ الإنصاف. فالعدالة في التعليم لا تعني تقديم ورقة الاختبار ذاتها للجميع، إنّما تعني منح كلّ طفل الأداة التي تناسب مستوى نموّه، وتراعي إيقاع تطوّره، وتكشف قدراته الفعليّة لا الظرفيّة.
وتتجسّد هذه المعضلة بوضوح في مواقف ميدانيّة متكررة، يمكن تمثيلها بصورة افتراضيّة تلخص المشهد الواقعيّ في كثير من المدارس: حين يجمع طلاب أحد الصفوف على عدم جاهزيتهم المعرفيّة أو النفسيّة لخوض اختبار مقرّر، ويطالبون بتأجيله لمزيد من الاستعداد، فيقابل ذلك بإصرار من المعلم على تنفيذ الاختبار في موعده المحدّد التزامًا بالخطة الزمنيّة، بينما تكتفي المستشارة التربويّة الحاضرة بالصمت دون إبداء رأي مهنيّ يوازن بين مصلحة الطالب وضغط البرنامج الدراسيّ. هذا المشهد، وإن بدا عابرًا، إلا أنّه يكشف خللاً بنيويًا في فهم فلسفة التقييم، إذ يتحوّل الاختبار من أداة تشخيص تربويّ إلى إجراء إداريّ ملزم، ومن وسيلة دعم إلى مصدر ضغط.
إنّ هذا المثال يسلط الضوء على فجوة عميقة في تعريف الأدوار داخل المؤسسة التعليميّة. فالمستشارة التربويّة في المرحلة الابتدائيّة ليست مجرّد مراقبة صامتة أو عنصر ثانويّ في المشهد، بل هي المرجع الفنيّ المختص بالنموّ النفسيّ والمعرفيّ للأطفال، وهي ــ بالمعنى التربويّ ــ "محامية حقوق الطفل التعليميّة". ومن هنا فإنّ دورها لا يقتصر على التدخل بعد وقوع المشكلة، بل يبدأ قبل إعداد الاختبار ذاته، من خلال المشاركة الفعليّة مع المعلمين في تصميم أدوات التقييم وصياغة أسئلتها واختيار توقيتها. إنّ إشراكها في هذه العمليّة يمثل صمام أمان يحول دون تحوّل التقييم إلى "مسطرة حديدية" تقيس الجميع بالمقياس نفسه، ويضمن اعتماد نماذج مرنة تراعي الفروق الفرديّة في الذكاء، والذاكرة، والانتباه، والقدرة على التعبير.
كما أنّ مفهوم العدالة التقييميّة لا يكتمل دون إدراك أنّ الطفل في المرحلة الابتدائيّة ما زال في طور التكوين، وأنّ قدراته ليست ثابتة لكن متحولة وسريعة التطوّر. فالاختبار الذي يقيس مستوى الطفل في لحظة توتّر أو قلق لا يعكس حقيقته المعرفيّة، إنّما يعكس حالته الانفعاليّة المؤقتة. ومن هنا فإنّ التقييم العادل هو الذي يتيح تعدّد وسائل القياس: ملاحظة، ومشروع، ومشاركة صفيّة، ومهام تطبيقيّة، واختبار تحصيليّ، بحيث تتكامل الصورة ولا تختزل في ورقة واحدة.
وهنا يبرز الدور القيادي لمدير المدرسة بوصفه الضامن المؤسسي لتوازن الأدوار. فالمسؤوليّة الإداريّة لا تقتصر على متابعة الانضباط الزمنيّ، بل تشمل مأسسة التعاون المهنيّ بين المعلم والمستشارة، ووضع آليات واضحة لاتخاذ القرار التربويّ المشترك. فلا ينبغي أن ينفرد المعلم بقرار التقييم إذا تعارض مع المصلحة النفسيّة أو التربويّة للطلاب، كما لا ينبغي أن تبقى المستشارة خارج دائرة القرار. إنّ القيادة المدرسية الواعيّة هي التي تخلق ثقافة تنظيميّة تعطي للرأي التربويّ المتخصص وزنه الحقيقيّ، وتمنح المستشارة صلاحيات فعليّة ــ يمكن تسميتها مجازًا "حق الفيتو التربوي" ــ حين يكون الاختبار مهددًا لسلامة الطالب النفسيّة أو لعدالة القياس.
إنّ صمت المستشارة في مواقف كهذه لا يعكس بالضرورة تقصيرًا فرديًا، بل قد يكون نتيجة ثقافة مؤسسيّة تهمّش دورها، أو غموض في الصلاحيات، أو خشية من تعارض المهام. لذلك فإنّ إصلاح منظومة التقييم لا يتحقّق بإصدار تعاميم أو تعليمات فقط، بل ببناء وعيّ مهنيّ مشترك يؤمن بأنّ التقييم عمليّة تربويّة تشاركيّة، لا إجراءً إداريًا منفردًا. ويتطلب ذلك تدريبًا مستمرًا للمعلمين على استراتيجيات التقييم البديل، وورش عمل مشتركة بين الطاقم التربويّ، واجتماعات دوريّة لتحليل نتائج الاختبارات بوصفها بيانات تشخيص لا أحكامًا نهائيّة.
إنّ الانتقال من "الامتحان القسري" إلى "التقييم المرن" ضرورة أخلاقيّة ومهنيّة. فالفلسفة التربويّة الحديثة تؤكّد أنّ الهدف من القياس ليس فرز الطلاب وتصنيفهم، إنما دعم تعلمهم وتمكينهم. وحين يدرك الطفل أنّ الاختبار فرصة لإظهار ما تعلمه لا فخًا يخشى الوقوع فيه، يتحوّل القلق إلى دافعيّة، والخوف إلى فضول، والتوتّر إلى ثقة.
في الختام، يمكن القول: إن النجاح الحقيقيّ للمدرسة الابتدائيّة لا يقاس بعدد الأوراق المصححة ولا بنسبة العلامات المرتفعة، بل بقدرتها على احتواء التنوّع البشريّ داخل صفوفها، وتوفير بيئة تقييميّة عادلة تراعي الإنسان قبل المنهج. إنّها منظومة متكاملة يحمي عدالتها المدير برؤيته القياديّة، وينفذها المعلم بخبرته المهنيّة، وتضبط إيقاعها المستشارة بوعيها النفسيّ والتربويّ. وعندما تتكامل هذه الأدوار، يصبح التقييم فعل رعاية لا أداة ضغط، ورسالة بناء لا وسيلة إقصاء.
الطيرة ـ 15.2.2026



#أحمد_كامل_ناصر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة نقدية في مقال -مفاتيح الفن في صناعة الأدب- للكاتبة وال ...
- قراءة نقديّة في قصّة «هاتف بعد منتصف الليل» للكاتب نعمان عبد ...
- تعدّد الأصوات النسويّة في رواية -علَقَة- للدكتورة نيفين سمار ...
- جدليّة الغياب والحضور: قراءة نقديّة في رواية -الخليفة- سرديّ ...
- كلارا بوصفها محفّزًا سرديًّا: قراءة في التحوّل والانعكاس الذ ...
- الذاكرة والصراع النسويّ في الأدب الفلسطينيّ: قراءة نقديّة في ...
- قصيدة -سطعتْ- للشاعر أسامة مصاروة: جدليّة الضوء والهويّة في ...
- غياب المشروع الثقافي الجامع لدى اتحادات الكتّاب العرب في إسر ...
- حين يعود المكان قلبًا آخر: قراءة نقدية في قصة -وحلوة يا بلدي ...
- البحث عن المعنى في مرايا الوجود: قراءة نقديّة موسّعة في قصيد ...
- الإنسان بين الصورة والغياب في قصّة -الواتسآب في خدمة المتقاع ...
- قراءة في قصّة -الأستاذ وحصّة النهايات- للكاتب جمال أسدي
- سخرية الموت واللغة في قصَّة -الجنازة- للأديب الفلسطينيّ محمد ...
- قراءة نقديّة في قصيدة -أكل الولد التفاحة- للشاعر تركي عامر
- الذكاء الاصطناعيّ بين الرفض والقبول
- جماليّات اللهجة العاميّة في القصّة الفلسطينيّة المعاصرة: بين ...
- النقد في غرفة الإنعاش: أزمة العلاقات الاجتماعيّة تقتل الجدلي ...
- بين الصّمت والمقاومة: قراءة في رواية -لتكن مشيئتك-
- فاضل جمال علي: شاعر الطفولة وصوت الهويّة الفلسطينيّة في أدب ...
- مِنَ الصَّوْتِ إِلى الصَّمْتِ إِسْتِرَاتِيجِيَّاتُ التَّعْبِ ...


المزيد.....




- لماذا نجح نظام العمل لأربعة أيام أسبوعياً في هولندا، وهل يمك ...
- أوروبا تعيد حساباتها الدفاعية بعد خطة ترامب لضم غرينلاند وتص ...
- انقطاع التدفئة عن 1600 مبنى في كييف مع تصاعد الضربات المتباد ...
- مؤتمر ميونخ للأمن.. 4 خلاصات ترسم ملامح عالم جديد
- واشنطن وطهران.. تقاطع مسارات التهديد العسكري ورهانات التفاوض ...
- تداعيات ملفات إبستين في فرنسا.. تحقيقات قضائية بتورط مواطنين ...
- الزعيم كيم يفتتح حيا سكنيا لعائلات الجنود القتلى في روسيا
- ما هو سم ضفدع السهام السامة الذي يُزعم أنه استخدم لقتل أليكس ...
- ماهي لاجون غارد المتهمة في مقتل شاب يميني في جنوب فرنسا؟
- أحدث مقترحات طهران قبل محادثات مع واشنطن


المزيد.....

- أساليب التعليم والتربية الحديثة / حسن صالح الشنكالي
- اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با ... / علي أسعد وطفة
- خطوات البحث العلمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- إصلاح وتطوير وزارة التربية خطوة للارتقاء بمستوى التعليم في ا ... / سوسن شاكر مجيد
- بصدد مسألة مراحل النمو الذهني للطفل / مالك ابوعليا
- التوثيق فى البحث العلمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الصعوبات النمطية التعليمية في استيعاب المواد التاريخية والمو ... / مالك ابوعليا
- وسائل دراسة وتشكيل العلاقات الشخصية بين الطلاب / مالك ابوعليا
- مفهوم النشاط التعليمي لأطفال المدارس / مالك ابوعليا
- خصائص المنهجية التقليدية في تشكيل مفهوم الطفل حول العدد / مالك ابوعليا


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - أحمد كامل ناصر - عدالة تقييم الطلاب في المدرسة الابتدائيّة: نحو رؤية تشاركيّة بين المدير، المعلم، والمستشارة التربويّة