أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد كامل ناصر - قراءة نقديّة في قصّة «هاتف بعد منتصف الليل» للكاتب نعمان عبد القادر














المزيد.....

قراءة نقديّة في قصّة «هاتف بعد منتصف الليل» للكاتب نعمان عبد القادر


أحمد كامل ناصر

الحوار المتمدن-العدد: 8597 - 2026 / 1 / 24 - 22:12
المحور: الادب والفن
    


تقوم القصّة على لحظة اقتحام مفصليّة: رنين هاتف بعد منتصف الليل يقطع سكون البيت ويقلب الطمأنينة الهشّة إلى فزع مفتوح. هذا الرنين لا يعمل بوصفه حدثًا عابرًا، بل بوصفه بنية دلاليّة تتكرّر وتؤسس منطق النصّ كلّه؛ إذ يتحوّل الهاتف إلى رمز للذنب المؤجَّل، وللأسرار التي لا تموت، لكنّها تعود في لحظات الظلام. اختيار الزمن الليليّ ليس تفصيلًا شكليًا، إنّما جزء من المضمون، فكلّ ما يحدث في القصّة يجري خارج الضوء الاجتماعيّ، حيث تدار الأخطاء وتسوّى الفضائح بعيدًا عن المساءلة.
على مستوى المضمون، تنطلق القصّة من حادثة إنسانيّة صادمة: طفل حديث الولادة يترك على عتبة البيت، لكنها سرعان ما تتجاوز الحدث لتفكك بنية العائلة بوصفها جهازًا لإدارة العار لا لحماية أفراده. البيت الذي يتحوّل إلى "قاعة مؤتمرات" يكشف انزلاق العلاقات العائليّة من الحميميّة إلى البيروقراطيّة؛ فالأسئلة المطروحة لا تتعلّق بمصير الطفل أو احتياجاته، بل بكيفيّة إخفاء الحقيقة، وطمأنة الأب، وتجنّب كلام الناس. هكذا يختزل الإنسان إلى مشكلة، وتتحوّل الأخلاق إلى ملفّ قابل للتفاوض.
الشخصيات في النصّ مرسومة بوصفها مواقع أخلاقيّة داخل هذه المنظومة أكثر من كونها ذواتًا نفسيّة مكتملة. جوليا تمثّل بوابة الصدمة الأولى؛ هي التي تستقبل الرنين، وتفزع، وتفتح الباب، لكنّها لا تمتلك سلطة القرار. وجودها يؤكّد الدور التقليديّ للمرأة بوصفها متلقيّة للكوارث وحاملة للقلق. زوجها، الغارق في النوم، يحضر بوصفه غيابًا دالًا؛ صمته يعكس تهميش الرجل العامل داخل العائلة حين لا يكون صاحب سلطة رمزيّة.
إلياس هو مركز الفعل السلبيّ في القصّة، شخصيّة تتحدّد بأفعالها لا بأقوالها: اقتحام بلا استئذان، تخلّ فجائيّ، اختفاء طويل، ثم عودة مشروطة بالمال. غيابه المتكرّر ليس صدفة سرديّة، بل علامة على تهربه الدائم من المسؤوليّة. حين يعود، لا يعود أبًا ولا أخًا، بل وسيطًا لصفقة، محوّلًا الأبوة إلى سلعة، والطفل إلى بند تفاوضيّ.
في المقابل، تتقدّم سيلينا بوصفها الشخصيّة الأكثر تعقيدًا وعمقًا. إنها الأخت الكبرى التي يفرض موقعها الاجتماعي أن يسمع صوتها، لكنها لا تتكئ على السلطة بقدر ما تتكئ على قناعة داخليّة مؤلمة. قرارها تبنّي الطفل لا يُقدَّم بوصفه بطولة أخلاقية مطلقة، بل خيارًا وجوديًا مشحونًا بالحرمان "وإن لم يكرمني بالزواج" وبالإيمان. هذا التداخل بين الحاجة والإيمان يمنح الشخصيّة صدقها ويجعل تضحيّتها ثقيلة لا مثاليّة.
الأب العجوز، رغم غيابه الجسديّ، يحضر كسلطة رمزيّة خانقة. الخوف من صدمته يوجّه القرارات كلّها، ما يكشف كيف تتحكّم السلطة الأبويّة في العائلة حتى في غيابها. الأم، بدورها، تحضر بصيغة التلميح واللوم غير المباشر، في دلالة على موقعها الهامشي داخل البنية العائليّة. أما الإخوة والأخوات الآخرون فيظهرون كصوت جمعيّ بلا أسماء، يمثل الرأي الاجتماعيّ المتردّد والعاجز. والطفل، وهو محور السرد، يبقى بلا اسم وبلا صوت، في إشارة واضحة إلى تهميشه وتحويله إلى موضوع لا ذات.
من حيث اللغة، يعتمد النصّ على فصحى مرنة مشبعة بنفس شفهيّ، تتخللها تعابير عاميّة محدودة تؤدّي وظيفة كشف لا تزيين. الجمل الطويلة المتلاحقة تعكس توتّر اللحظة، وتحوّل السرد نفسه إلى مساحة ارتباك وقلق. قد يبدو هذا الامتداد في بعض المواضع إطنابًا، لكنّه ينسجم مع الحالة النفسيّة للشخصيّات ومع طبيعة الحدث الطارئ.
أما الشكل، فيقوم على بنية دائريّة تبدأ برنين الهاتف وتنتهي به. هذا التكرار البنائيّ يؤكّد أنّ الحلول التي طُرحت لم تكن حلولًا حقيقيّة، بل تسويات مؤقتة. الزمن في القصّة نفسيّ أكثر منه خطيًا؛ ستة أشهر تمرّ دون أن يلتئم الجرح، لأنّ ما لم يُواجه أخلاقيًا لا يشفى زمنيًا.
على مستوى الأسلوب، يتجنّب النصّ الخطاب المباشر والإدانة الصريحة، ويفضّل ترك الوقائع تتكفل بفضح نفسها. المفارقة الهادئة ــ حل المأساة عبر المال والتوقيع القانونيّ ــ تكشف التناقض بين الشرعيّة القانونيّة والفراغ الأخلاقيّ. الرنين الأخير للهاتف لا يقدّم خاتمة بقدر ما يفتح دائرة جديدة من القلق، مؤكّدًا أنّ الذنب حين يُدار بدل أن يُعالج، يعود دائمًا في لحظة غير متوقعة.
كما أنّ قوّة النص تكمن في نجاح الكاتب نعمان عبد القادر وقدرته على المزج بين الواقعيّة النفسيّة والاجتماعيّة من جهة، واللغة المكثفة المشحونة بالتوتّر من جهة أخرى. كتابته تتسم بالتركيز على التفاصيل الصغيرة التي تحمل دلالات كبيرة، وبالحبكة المحكمة التي توظف الأحداث العائليّة اليوميّة لكشف صراعات أخلاقيّة واجتماعيّة عميقة. قدرته على رسم الشخصيات بأفعالها أكثر من أقوالها، واستثماره للرموز مثل الهاتف والصمت، يعكس مهارة واضحة في توظيف الأدوات السردية لنقل القارئ إلى قلب الأزمة، وجعله شريكًا في السؤال الأخلاقيّ بدل متلقٍ سلبيّ.
في المحصلة، تقدّم القصة نصًا اجتماعيًا مكثّف الدلالة، يفضح آليات الستر، وتوزيع الذنب، وتحميل النساء عبء الإصلاح، مقابل حريّة الذكور في الاختفاء. قوتها لا تكمن في الصدمة، بل في مألوفيّة ما ترويه، وفي قدرتها على جعل القارئ شريكًا في السؤال الأخلاقيّ، لا متلقيًا لإجابة جاهزة، وهو ما يعكس قوة أسلوب الكاتب وتميز كتابته.

الطيرة – 24.1.2026



#أحمد_كامل_ناصر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تعدّد الأصوات النسويّة في رواية -علَقَة- للدكتورة نيفين سمار ...
- جدليّة الغياب والحضور: قراءة نقديّة في رواية -الخليفة- سرديّ ...
- كلارا بوصفها محفّزًا سرديًّا: قراءة في التحوّل والانعكاس الذ ...
- الذاكرة والصراع النسويّ في الأدب الفلسطينيّ: قراءة نقديّة في ...
- قصيدة -سطعتْ- للشاعر أسامة مصاروة: جدليّة الضوء والهويّة في ...
- غياب المشروع الثقافي الجامع لدى اتحادات الكتّاب العرب في إسر ...
- حين يعود المكان قلبًا آخر: قراءة نقدية في قصة -وحلوة يا بلدي ...
- البحث عن المعنى في مرايا الوجود: قراءة نقديّة موسّعة في قصيد ...
- الإنسان بين الصورة والغياب في قصّة -الواتسآب في خدمة المتقاع ...
- قراءة في قصّة -الأستاذ وحصّة النهايات- للكاتب جمال أسدي
- سخرية الموت واللغة في قصَّة -الجنازة- للأديب الفلسطينيّ محمد ...
- قراءة نقديّة في قصيدة -أكل الولد التفاحة- للشاعر تركي عامر
- الذكاء الاصطناعيّ بين الرفض والقبول
- جماليّات اللهجة العاميّة في القصّة الفلسطينيّة المعاصرة: بين ...
- النقد في غرفة الإنعاش: أزمة العلاقات الاجتماعيّة تقتل الجدلي ...
- بين الصّمت والمقاومة: قراءة في رواية -لتكن مشيئتك-
- فاضل جمال علي: شاعر الطفولة وصوت الهويّة الفلسطينيّة في أدب ...
- مِنَ الصَّوْتِ إِلى الصَّمْتِ إِسْتِرَاتِيجِيَّاتُ التَّعْبِ ...
- المعلِّمُ العربيُّ: من مصدرٍ للمعلوماتِ إلى مُوَجِّهٍ للمعرف ...
- جمال عبد الناصر القائد الذي سكن قلوب العرب


المزيد.....




- قصائد شعر تحولت إلى أفلام سينمائية
- كيف يصنع الخوف ديكتاتورا؟ قراءة جديدة في فيلم -نيكسون-
- -بجّعْد- المغربية في كتاب جديد يتناول تراثهاالعمراني والمعما ...
- فرنسا -ضيف شرف- المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط
- بالفيديو.. سقوط مروع لمصارع في الفنون القتالية
- الصراحة المهنية وبناء ثقافة الشفافية المؤسسية
- فيلم -صوت هند رجب- يرشح لجائزة أوسكار
- أزمة الفنان محمود حجازي وزوجته تصل للنيابة.. روايتان وتحقيقا ...
- معارض لندن لسنة 2026 تتحدى إيقاع الحداثة وتتصالح مع الفن الم ...
- مهرجان دولي للصورة في طنجة تحت شعار -نداء البعيد-


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد كامل ناصر - قراءة نقديّة في قصّة «هاتف بعد منتصف الليل» للكاتب نعمان عبد القادر