أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - بيوت مؤمنة / 2














المزيد.....

بيوت مؤمنة / 2


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8627 - 2026 / 2 / 23 - 15:01
المحور: الادب والفن
    


حين اعتصم القلب قبل الجسد

قصة قصيرة تتناول صراع القيمة مع المنظمة، بأسلوب يستلهم الواقعية النفسية الكلاسيكية .

​ليس التاريخُ إلا صراعاً مريراً بين مادةٍ صلبةٍ باردة، وبين نفحةٍ من روحٍ تأبى الانصياع لقوانين الفناء. إننا نتوهم أننا نعيش في بيوتٍ من حجر، بينما الحقيقة أننا نسكن في "الذكرى" التي نتركها في صدور الآخرين. ما هي النفس البشرية إن لم تكن مرآةً تعكسُ ضوءاً غريباً لا مصدر له في هذا العالم المادي؟ إن القيمة الحقيقية للإنسان لا تكمن في "ماذا فعل"، بل في تلك الرعشة الخفية التي تستقر في وجدان طفلٍ خائف، أو في طمأنينةٍ تُبث في روع يائس. الزمن لا يُقاس بحركة العقارب الرتيبة، بل بلحظات "الاعتصام" الروحي، حيث يتوقف الوجود المادي ليعلن القلب سيادته المطلقة، وحيث يغدو الفقدُ ذاته نوعاً من الحضور الأبدي.

​كانت المدرسة عند السابعة صباحاً تبدو كديرٍ قديم يلفه ضبابٌ رمادي ثقيل، تفوح منه رائحة الورق العتيق الممتزج برطوبة الجدران التي أكل الدهرُ من طلائها. وسط هذا السكون، كان "سامي" يتحرك كطيفٍ مألوف؛ بذلته الداكنة شاحبة، ونظارته الرفيعة تزنُ العالم بميزانٍ دقيق، وملامحه الهادئة لا توحي بتلك الصرامة الجوفاء التي اعتادها التلاميذ في المديرين. كان يقف عند البوابة لا بصفته مديراً، بل أبًا يستقبلُ فجراً جديداً. يصافح هذا، ويربّت على كتف ذاك، ويسأل ثالثاً عن غيابه بلهجةٍ تجعلُ الصغير يشعرُ أن غيابه قد أحدثَ ثقباً في جدار الكون.
​لم يكن سامي يرى في التلاميذ أرقاماً في سجلات الغياب، بل كان يقرأ وجوههم كأنها مخطوطاتٌ مقدسة. يعرفُ من فقد أباه، ومن تعمل أمه ليلًا، ومن يخشى مادة الرياضيات كما يخشى العتمة. وفي ذات صباح، اقترب من طفلٍ يدعى "يوسف"، كان يقف في زاوية الباحة، يفرك يديه الصغيرتين هرباً من لسعة البرد، وعيناه مغلفتان بحزنٍ سحيق. انحنى سامي قليلاً وهمس:
— "يوسف.. هل تذوقت خبز أمك اليوم؟"
ارتبك الصبي ونظر إلى الأرض بأسى:
— "أمي مريضة يا أستاذ.. لم تخبز منذ يومين".
لم يقل سامي "آسف"، بل وضع يده الثقيلة الدافئة على كتف الصغير، فانتقلت حرارةٌ مفاجئة إلى جسد يوسف النحيل. في تلك اللحظة، لم يكن سامي مديراً، بل كان "الحقيقة" الدافئة الوحيدة في عالمٍ من الأوهام البيروقراطية.
​بينما كان سامي يغرس بذور الطمأنينة، اقتحم مكتبه "المفتش علوان"، رجلٌ برأسٍ حليق وعينين جاحظتين لا تريان إلا اللوائح الجامدة. ألقى علوان بملفٍ سميك على المكتب وصاح:
— "أستاذ سامي، تقاريرك تخلو من الحزم! المدرسة ليست تكيةً للفقراء، إنها مؤسسة انضباط. لقد سمعت أنك تفتح المدرسة أيام الجمعة لدروسٍ مجانية.. هذا خرقٌ للقانون! أنت تفسد هيبة النظام بهذا اللين المفرط".
نظر سامي إلى المفتش، وبدت عيناه من خلف الزجاج كأنهما تبكيان على ضيق أفق هذا الرجل. لم يُجب، بل اكتفى بابتسامةٍ حزينة؛ فقد أدرك أن "النور" الذي يحمله قد يُصنّف "جريمة" في نظر الظلام المنظم.
​مرت أيامٌ مشحونة برائحة القلق، حتى جاء ذلك الصباح الذي حمل "الكتاب الرسمي". كان مغلفاً أبيضَ بائساً، يحمل ختماً أحمر يشبه جرحاً نازفاً: "نقلٌ فوري إلى مدرسة نائية في أطراف المدينة". انتشر الخبر كحريقٍ في هشيم، وفي الصباح التالي، حدث ما زلزل أركان المكان. لم يدخل التلاميذ إلى صفوفهم، بل جلسوا في الباحة صامتين، متراصين كأنهم بنيانٌ مرصوص. كانت رائحة التراب المبلل بدموع الصغار تعبق في الجو، ورفع أحدهم لافتةً صغيرة كُتبت بخطٍ متعجّل:
"لا نريد أن نفقد قدوتنا".
​خرج سامي من مكتبه، وخطواته تصدح في الممر الخالي. وقف أمام مئات العيون التي تنظر إليه بقداسة، وهنا دهمه اضطرابٌ داخلي عنيف، كأن روحه انشطرت إلى رجلين؛ أحدهما طاووسٌ جريح يهمس في أعماقه: "انظر إليهم! هؤلاء جيشك، وهذه فرصتك لتذيق أولئك الجامدين مرارة الهزيمة. دعهم يثورون، حرض صمتهم ليكون زلزالاً يقتلع قرارهم الجائر، أليس هذا هو العدل؟ أليس من حقك أن تُنصف بعد كل هذا العمر؟".
​لكن الرجل الآخر فيه، ذلك القابع في زوايا الزهد، كان يرتجفُ شفقةً عليهم؛ هل يكسرُ براءة هؤلاء الأطفال لأجل كبريائه الشخصي؟ هل يعلمهم التمرد لأجل "شخصه" أم الثبات لأجل "القيمة"؟ كانت المسافة بين مكتبه وبين حافة الدرج قصيرة، لكنها في باطنه كانت دهراً من العذاب الوجودي، حيث تتصارع لذة الانتقام مع طهارة الرسالة.
​تقدم سامي ببطء، وجلس على الأرض معهم. لم يقف فوق منصة، بل نزل إلى مستوى قلوبهم، وساد صمتٌ رهيب حتى خُيل للجميع أنهم يسمعون دقات قلب الأرض. بدأ بصوتٍ متهدج لكنه عميق:
— "يا أبنائي.. المدارسُ تُبنى بالحجارة، لكنكم أنتم الروح. إن أحببتم الخير، فحيثما ذهبنا سنلتقي. ليس المكان هو الذي يصنع العلاقة، بل القلب. عودوا إلى صفوفكم، ليس طاعةً للقرار، بل إكراماً للحلم الذي تعاهدنا عليه. اجعلوا من نجاحكم رداً على كل قرارٍ يظن أنه يستطيع نفي الروح".
​كانت كلماته تسقط كقطرات المطر على أرضٍ عطشى. رأى التلاميذ في وجهه جلال التضحية، وفهموا - بحدسهم الفطري - أن الرحيل أحياناً يكون أقصى درجات الحضور.
في يوم الوداع، اصطف التلاميذ عند البوابة الطويلة؛ البوابة نفسها التي اعتاد أن يقف عندها. وقف سامي للمرة الأخيرة، استنشق رائحة المكان، لمس بيده صدأ البوابة الحديدية كأنه يودع صديقاً قديماً. لم يقل وداعاً، بل أومأ برأسه، وركب سيارته البسيطة.
​بينما كانت السيارة تبتعد، تاركةً وراءها غباراً يسبح في الضوء، كان التلاميذ يلوحون بأيديهم الصغيرة بوجوهٍ واجمة. غاب سامي خلف الزقاق، لكنه في تلك اللحظة بالذات، وُلد في كل واحدٍ منهم. لقد أدركوا جميعاً أن سامي لم يكن مديراً لمدرسة، بل كان مهندساً للخلود، زرع نفسه في تربة أرواحهم، فنبت هناك، نصراً باقياً على الغياب.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بيوت مؤمنة / 1
- ايقاعات بصرية / 5 الاخيرة
- ايقاعات بصرية / 4
- أيقاعات بصرية / 3
- ايقاعات بصرية / 2
- أيقاعات بصرية / 1
- حين صار التراب مسافة
- بين الفاتورة والإيصال
- مرايا العتمة
- قالٌ وقيل في زقاق بغدادي
- الهِبة
- عقاربُ البيتِ الواقفة
- خلف الباب الازرق / 7 الاخيرة
- خلف الباب الازرق / 6
- خلف الباب الازرق / 5
- خلف الباب الازرق / 4
- خلف الباب الازرق /3
- خلف الباب الازرق / 2
- خلف الباب الازرق / 1
- ما لا يدرس في الجامعة / 7 الاخيرة


المزيد.....




- علاء رشيد يقدم مسرحية ”كل شيء رائع” والجمهور جزء من الحكاية ...
- بنين: الاحتفاء بالضفائر الأفريقية.. نوع من المقاومة الثقافية ...
- في اليوم الدولي للغة الأم.. اليونيسكو تناقش معركة الهوية في ...
- المفكر الفرنسي جيروم هورتو: غزة تمثل لحظة إنكار تام لجوهر ال ...
- -الدور السياسي للقبيلة في اليمن-.. قراءة جراحية في جدل الهوي ...
- كيف فككت السينما والدراما شيفرة العلاقة بين الدولة والكارتيل ...
- الحافظ خليل إسماعيل.. -بستان الأنغام- العراقي الذي طوّع 77 م ...
- -قافزو الزمن-.. رهان على الهوية الإسلامية في سينما الأطفال
- فيلم -معركة تلو الأخرى- يتصدر قائمة الفائزين بجوائز -بافتا- ...
- إمبراطورية الست.. تفكيك خمس مغالطات تاريخية في مسيرة أم كلثو ...


المزيد.....

- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - بيوت مؤمنة / 2