|
|
مختارات يولاندا بيدريغال الشعرية - ت: من الإسبانية أكد الجبوري
أكد الجبوري
الحوار المتمدن-العدد: 8626 - 2026 / 2 / 22 - 23:57
المحور:
الادب والفن
مختارات يولاندا بيدريغال الشعرية - ت: من الإسبانية أكد الجبوري اختيار وإعداد إشبيليا الجبوري - ت من الإسبانية أكد الجبوري المحتويات
1. سيرة ذاتية مختصرة؛ 2- المختارات الشعرية؛ 2.1. أنشودة الأمل 2.2 المدّ العالي 2.3 غثيانٌ 2.4 مرثية لحبيبة الجميع 2.5 أغنيةٌ لا تُغنى 2.6 هكذا الأرض 2.7 قلادة الأقمار التسعة 2.8 القربانٌ 2.9 أرجواني وأخضر 2.10 جزر 2.11 أمام صورتي 2.12 خريف حدائقك يا نيويورك 2.13 التيار الجارف 2.14 خوان جيرت 2.15 أحد في رومانسيلو 2.16 أيام الأحد 2.17 عصارة مالحة 2.18 الميلاد 2.19 نداءٌ عبثي 2.20 سأغني لنفسي 2.21 تمرد 2.22 تدفق 2.23 رثاء هادئ 2.24 رحلةٌ عبثية 2.25 النهاية 2.26 نداءٌ للأمل 2.27 حميم 2.28 إلى الرجل المجهول، المرأة الأبدية 2.29 أخدود مبارك 2.30 الفرار 2.31 أغنية للجندي المجهول
1. سيرة ذاتية مختصرة؛ يولاندا بيدريغال (1913-1999)()، شاعرةٌ وكاتبةٌ ورسامةٌ ونحاتةٌ ومعلمة بوليفية بارزة، تُعدّ من أهم الشخصيات الأدبية النسائية في بوليفيا. وُلدت في لاباز، وتأثرت بشدة بوالدها (خوان فرانسيسكو بيدريغال بيدريغال (1883-1944))()، الكاتب الشهير، ونشأت في بيئة شجعت على التفاعل الفكري. درست بيدريغال الفن وتاريخ الفن في جامعة لاباز، وكانت أول امرأة بوليفية تحصل على منحة دراسية في كلية بارنارد(). بعد عودتها إلى بوليفيا، درّست في مؤسسات تعليمية مختلفة، وبدأت مسيرتها الأدبية()، فنشرت كتابها الأول، "طام السفينة"، عام 1936(). يولاندا بيدريغال شاعرةٌ لا تنفصل عن الزمن. إن شئتم.
غالبًا ما تستكشف أعمالها مواضيع الطفولة والذاكرة والصراعات السياسية والثقافية في بوليفيا. نالت بيدريغال، طوال حياتها، العديد من الجوائز والتكريمات، بما في ذلك عضويتها في الأكاديمية البوليفية للغة وجائزة إريك غوتنتاغ (1897-1984)() عن روايتها (تحت الشمس المظلمة، 1971)(). وكان لها دورٌ بارزٌ في تعزيز الشعر البوليفي، وأسست الاتحاد الوطني للشعراء والكتاب(). ولا يزال إرث بيدريغال يُؤثر في الأدب البوليفي، حيث سُميت جائزة شعرية وطنية باسمها()، مما يعكس أثرها الدائم على المشهد الثقافي للأمريكتين.
وُلدت يولاندا بيدريغال في لاباز، بوليفيا، في 21 سبتمبر 1913()، لوالديها خوان فرانسيسكو بيدريغال وكارمن إيتوري. كان والدها كاتبًا مرموقًا، وكان منزل عائلة بيدريغال ملتقىً لأبرز المثقفين البوليفيين في ذلك الوقت. درست بيدريغال الفن وتاريخه في جامعة لاباز، وأنهت دراستها عام 1936(). أصبحت أول امرأة بوليفية تحصل على منحة دراسية في كلية بارنارد بجامعة كولومبيا في نيويورك، حيث بدأت دراستها عام 1936(). بعد عودتها إلى بوليفيا عام 1938()، درّست في كلية الفنون الجميلة، وجامعة سان أندريس، ومعهد الموسيقى في لاباز. تزوجت من جيرت كونيتزر عام 1941()، وهو شاعر ألماني قدم إلى بوليفيا هربًا من النظام النازي في وطنه، وقد أثرت أعماله في بيدريغال تأثيرًا عميقًا. أنجب الزوجان طفلين.
بدأت بيدريغال كتابة القصص القصيرة والقصائد وهي لا تزال طالبة. أثناء إقامتها في نيويورك، فاجأها والدها بنشر كتابها الأول، "حطام السفينة"، عام 1936(). يستكشف هذا الكتاب، إلى جانب كتابها الثاني ("قصيدة". 1937)()، الطفولة والذاكرة. أما شعرها اللاحق فيتناول عالمها الداخلي وتجربتها الدينية. نالت بفضل أعمالها لقب "زهرة البنفسج البوليفية" عام 1948()، والذي منحها إياه نخبة من الشباب المثقفين في بوليفيا، ممثلين بمجموعة "عمل باربرا"(). كما أطلقت عليها جمعية الكتاب الأرجنتينيين لقب "زهرة البنفسج الأمريكية"().
أصدرت بيدريغال أيضاً عدداً من القصص الحائزة على جوائز، ورواية بعنوان "تحت الشمس المظلمة"(). يتناول جزء كبير من كتاباتها النثرية الصراعات السياسية والثقافية في بوليفيا خلال الستينيات والسبعينيات(). كما ألّفت بيدريغال كتباً عن تاريخ الفن للأطفال، ومقالات في مجال التدريس، ومقالات عن ثقافتي الأيمارا والكيتشا الأصليتين في بوليفيا(). كانت بيدريغال ناشطة في الشؤون المدنية والثقافية في وطنها، وعملت بلا كلل لنشر الشعر والكتابة البوليفية. حررت مختارات شعرية بوليفية، وأسست الاتحاد الوطني للشعراء والكتاب.()
حظيت بيدريغال بالتقدير والتكريم لإسهاماتها. ففي عام 1973()، انضمت إلى الأكاديمية البوليفية للغة. وفازت بجائزة إريك غوتنتاغ عن روايتها "تحت الشمس المظلمة"()، والوسام الكبير للتعليم البوليفي، وجائزة مرموقة من مدينة لاباز لإسهاماتها الثقافية().
وفي عام 2004، سُميت الجائزة الوطنية للشعر باسمها تكريمًا لها(). تُعتبر بيدريغال عمومًا أهم كاتبة في بوليفيا، وشاعرة، وكاتبة قصص قصيرة، وروائية، ومعلمة، ساهمت في توسيع نطاق الشعر البوليفي وتأثيره في جميع أنحاء الأمريكتين. أشارت منحةٌ من الصندوق الوطني للعلوم الإنسانية عام 2003 لترجمة كتاب "تحت الشمس المظلمة"()، والتي تضمنت سيرةً ذاتيةً للكاتبة، إلى تزايد الاهتمام النقدي ببيدريغال وكتاباتها.
إشارة موجزة يشمل إنتاجها الأدبي دواوين شعرية، وأعمالًا سردية، والعديد من المختارات الشعرية ()، بالإضافة إلى مقالات، وكتب تبسيط العلوم، وأدب الأطفال. يولاندا بيدريغال شاعرةٌ لا تنفصل عن الزمن. إن شئتم.
ومن أبرز مجموعاتها الشعرية: - قصيدة (1937)()، - أصداء (1940)()، - طوف (1942)()، - نظير (1950)()، - من البحر والغسق (1957)()، و - دعوات (1994)().
ومن بين أعمالها النثرية، تبرز الأعمال التالية: - حطام السفينة (1936)() و - تحت الشمس المظلمة (1971)().
- توفيت، في منزل ابنتها روزانجيلا، في 21 مايو 1999 في لاباز.()
2. مختارات شعرية
2.1 أنشودة الأمل
أنشودة أمل على درب حياتي العبثي يداك تتقاطعان كجناحين مثقلين بالحنان.
2.2 المدّ العالي
من إناء البحر الجنائزي عند منتصف الليل الذي يُثير الندم بعتابٍ مُستمر أسكب في جرة الشفة عند الفجر رشفة بيضاء تُثير شغفًا مُتحررًا.
أستشعر في أناملكِ قُشّات الفرح وأنا، في كمالي، كبئرٍ إلهي من سكريات مُرّة وأملاحٍ مُبهجة لكيمياء جديدة لأشواق الأجداد. رمادٌ في زوبعة - حوضٌ فلكي مُتذبذب - أسيرٌ في قارورة بريقٍ مُتهوّر. لحنٌ من ساعاتٍ مجنونة وغبارٍ يحتضر مثلٌ خالد يُخلّده الفضاء.
من الأبدية والعدم آتي، أدور على عجلةٍ عظيمة صلابة الصخر، واللبلاب، والنمر، وريح الأنديز.
جوهري البشري، كابوس العالم كان ينبغي أن تكفي قبلة عابرة.
…وقد أسرته… لكنني تركته في البحر، تعويذة تُهدى عند السفر.
جنونٌ لطيفٌ صامتٌ يُسمّرني على صليب نجمة بحرية صماء، نورٍ ضال.
2.3 غثيانٌ
عندما يزول الجفاف أخيرًا عن روحي على الشاطئ، ويرحل عن انحناءة ظهري المُنهكة، سيُطيل الجناح المقطوع، كشراعٍ مُتحدٍّ، اللحظة في ندبةٍ وأثر.
سيظلون يراقبون، رمزًا تافهًا، عينان فقيرتان مُبذرتان، وجبين متسول. سردابٌ من الماء، يا حبي! أنت لا تعرفني!
ولا أحد يعرفنا. لا يوجد سوى لمساتٍ عابرة، ولقاءاتٍ ضائعة، في صمت مفترق الطرق المُظلم. دع الأعداد التي لم تُقابل تُكفِّر عن تأخيرها!
لم تعد الأذرع صليبًا ولا مذبحًا لمحرقة الحنان الوحشي. بضوئها المُنهك، تُعمِّق شمسٌ مُحبطةٌ الهاوية.
...نحن غبارٌ ونجوم، كلٌّ في ذاته...!
لهذا الرماد البدائي الصامت، لتكن دمعة البحر السماوي الهائلة جرة.
2.4 مرثية لحبيبة الجميع
كانت سمراء البشرة، فاتنة كالفاكهة العطرة. كانت لكلٍّ منا متعة قبلتها؛ ونثرت يدها فتات الحنان لتملأ السماء المجهولة بفرحٍ حلوٍ مر.
كانت سمراء البشرة، والآن ستصبح شاحبة. ستغلق عيناها باب العوالم المضيئة وستُطفئ يداها نار الأيام السعيدة. سيغفو صوتها على فراشٍ من النجوم. ستكون كلماتها أزهار صمتٍ متجمدة كقطع ثلجٍ كبيرة تنزلق على حواف الليل.
شفاها، الذي زرع ألمنا بقبلاته سيكون وحيدًا حزينًا، بلا قبلة، مليئًا بالألم. سيسقط الليل كله على يديها الصغيرتين كبقعة سوداء في أول ليلة من وحدتها الأولى.
2.5 أغنيةٌ لا تُغنى
لقد ابتكرتُ كلمةً، لعينيكِ... لا تطلبي مني تسميتها... ألا ترين أن في كل شيءٍ يُقال. هناك شيء ما سينتهي؟
لقد تخيلتُ لمسةً لجبينكِ. إن منحتُها لكِ ستُعطّركِ نجمةٌ وردية. إن رفضتُها سأغرقُ في الدموع.
لقد حلمتُ أغنيةً، لصوتكِ. إن غنيتُها لكِ ستُقبّلينني. وإن صمتُ ستغفين.
ألا ترين أن في كل شيءٍ ينتهي شيءٌ ما؟ كل ما يُوجد ثم يموت. وما لم يُولد فهو في حياةٍ أبدية.
اتركيني، اتركيني، اتركيني مع كلماتي مع صمتي.
2.6 هكذا الأرض
من يد أرقّ الملائكة تأتي إلى شفتيّ التهويدة وتنساب في صوتي الصافي البسيط كقماطٍ من الكتان لا تتجعد.
اللحن الخافت يتموج ويهتز شعورٌ قديمٌ عالقٌ يُلطّف صدى الرؤى الحدسية وصوت الشك التائب.
انحناءة عيون الأطفال، قوارب صغيرة تحت هلالٍ خافت، لا تخشى العاصفة الهائجة حين تغمرها التهويدة.
أجمع في مئزر الزمن الجديد المقطع الطفولي، وحلاوته تبدو لي، خفيفةً وخاضعة، كسحابةٍ تتناثر في مطرٍ رقيق.
همهمةٌ حميمةٌ وبسيطة، تكاد تكون ظلاً لموسيقى بعيدة، ويبدو لي أن الأرض الأم هكذا، في رحمها، تحتضن البذرة.
2.7 قلادة الأقمار التسعة
قلادة من تسعة أقمار، مصنوعة من الظلال والألحان! كانت في البدء حبوب لقاح تساقطت من نجم، في بحر الليل المبهج المضاء بنور الشمس... ثم كانت دمعة اخترقت صدري، كعقدة محكمة من كل ألم: رعب أكوان تعقد الخلايا، ثم هوة الشوق المتجدد، مجلبةً معها شلالات من الوضوح المرتجف.
هناك، البياض الطفولي الذي يحترق في مخاوف بدائية من جفون مغلقة، من أجنحة جاثمة فوق بيضة غير ناضجة...
وفجأة، سيوف تتصادم في مبارزة الأمطار الغزيرة، المتغيرة باستمرار، الغامضة؛ ارتعاش الصقيع المتساقط على العشب الناعم يُخفف من وطأة الأعمدة الكئيبة المتجولة للجسد الذي سيبحث عن دروب...
بذرة تخترق الأقمشة المنسية، تُعيد بناء المرايا التي حطمتها السنون، وتُخرج ألعابًا أصبحت أشباحًا في المنسوجات القديمة، في الأدراج المكسورة...
ثم خيط دافئ ينسج العظام، يعجن الزهور على غصن رقيق يعقد ويكرر، غامضًا وسريًا في الأغنية السائلة التي تتألم في الحياة...
منتصف الليل الصارم يكسر إيقاعه الصامت ويبدأ النغمة الأولى للموسيقى المفتوحة... يا فرحة حزينة للرأس المنتصب يا فرحة حزينة للأطراف المقيدة!
الأوركسترا في الظلام تجعل الدم يرقص! موجةٌ حبيسةٌ لا تجد راحةً في غياهبِ فجرٍ زائلٍ والتي تُخفي بذرةَ ليلٍ لا يرحم...
تدورُ في جميعِ علاماتِ الأبراجِ الظلُّ الكثيفُ المتجولُ الذي سيُصبحُ طفلاً...
أمي! أحلكُ ليلة! المادةُ مُضاءةٌ بضوءٍ مُتذبذبٍ لدوامةٍ أزليةٍ...
يا بني! فجرُ يومٍ مُبكرٍ، عاصفةٌ مُهددةٌ، سكرٌ أعمى يفتحُ عيونًا مُهلوسة!
كرةٌ من الصرخاتِ ستتدحرجُ عبرَ العالم! ستُفرغُ جرةُ الأحلامِ في سهراتٍ، من صورةِ القمرِ التاسعِ المُنتفخة.
يا بني، يا بني، نجمٌ في الصدفة، ليستقبلكَ ملاكٌ عندما يُفتحُ الباب. لتكن الأرضُ حنونةً على جسدِكَ الهش؛ لتكن روحُكَ قويةً للجرحِ العظيم.
احفظني أنا ووالدك سالمين حين نستيقظ! وسنرقد نحن الثلاثة بسلام أبدي.
2.8 القربانٌ
يا مسيح، أودّ أن أزيل الأشواك عن رأسك الجليل، وأُحلي استشهادك، وأهبك شبابي كالبخور في نشوة، وأُسبّحك في المزامير، فأُشفي حزنك.
أودّ أن أسكبك في روحي بيقينٍ حلو، كأنني أنهب جسدي لأضعه على رأسي كزهرة الزنبق. أودّ أن أُحرق نفسي بالكامل كجناحٍ على شمعة.
الدخان، في محرقة جسدي المُقدّم، إسفنجة المرارة المُشبعة بالعطر، وحياتي، مُتحدة في جراحي، في جنبك.
مُخلّصًا من الذنب، وعالمًا بلا خطيئة، إلى آخر كلمةٍ من الله المصلوب، أودّ أن أُقبّل جلدك البشري بوردة حب.
2.9 أرجواني وأخضر
فراشتان ترفرفان على صدري تلتصقان بضفائري. وجنتاي، زغب ناعم. تظهر غمازة عندما أبتسم أثر قبلات قادمة.
الدهشة تملأ عيني والقلق يخيم على شفتي.
...هكذا هي الحياة...!
لم أعد أغني، بل أصلي الآن.
الكتب لا تُعلّم شيئًا، والشكوك تُحاصرني.
برج الجرس يهمس بأشياء غريبة؛ أسمع صوت الجلد والعيون والأيدي. يا له من نقاء، يا له من غموض!
في ضوء المعابد الخافت، تمتزج الروائح:
...البخور والزنابق...!
المسيح بنوره وأشواكه... العذارى الحزينات والزاهدون الهادئون. القديسة تريزا مع كتاب أبيات شعرية. مشاعر مضطربة.
شياطين رابضة في الجسد: ذهبي وأبيض، بنفسجي وأخضر.
رهبة السر، انكشاف اللغز. شيء يغادرني، وشيء آخر يأتي إليّ. ملاك على جبيني وشيطان في صدري.
سيف قلق في الحمامة الميتة. لأول مرة أبكي من الخوف.
2.10 جزر
لماذا لا يزال قلبي نابضًا، كجرحٍ غائر، ينزف مع كل موجة عطشًا لا يُروى؟ لماذا أتوق بشدة إلى لمسة حانية على جلدي؟ ...أنا من الرماد، وأشتهي العسل!…
مِصْبَةُ البيانو، عالقةٌ على الموجة، جسدٌ وهميٌّ يُعمِّقُه الحنين؛ لا يأتي العزاء. وفي الدواسة، ينتفض صوتٌ محبوس، مؤخِّرًا الشرارة حيث تُكافح خلف سندان الصمت البالي، المستبد والخاضع. مهزومًا، أُظهِر أنَّ نعمةَ الهبة الرحيمة محرومة من أكفٍّ ممدودةٍ في تضرُّلٍ رتيب.
لا تقترب، أيها المنشود! مُتشبِّعًا باليود، لم أعد أُميِّز بين الخير والعدم الفاسد. حواسي، نابضة بالحياة، تنبض كالهوائيات لتهدئة نوبات الحزن الجليدية.
2.11 أمام صورتي
مؤطرةً بمستطيل من الظلال وكأنها نافذةٌ على الفراغ ينظر إليّ وجهي المراهق.
تأتي النظرة الصافية من بعيد تحت حاجبيّ الممدودين وتجثو بخجلٍ عند شفتيّ.
نظرة صافية ينهار فيها العالم، مستديرًا كقطرة ندى.
أرى نفسي بعيدًا في تلك الصورة، كزهرةٍ تتفتح في الربيع: خدودٌ كزغب الخوخ غمازةٌ طفوليةٌ كأن ملاكًا ضغط بإصبعه الصغير.
في تجويف رقبتي، الوعد نائمٌ في عروقي التي بدأت للتو من قدمي الصغيرة إلى يديّ الرقيقتين. شحوب الصباح تحت ظلام الليل منقسمًا إلى نصفين، بضفائر لامعة.
لسنوات، بقيت تلك الصورة جامدة، تحدق في نافذة الفراغ.
وفي هذه الأثناء، انهمرت دموع غزيرة. - كأنها أزاميل في جسد الحياة - ومن الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب جرحت عاصفة ربيعية جبيني.
في الفم الجاثم الغامض، نزفت القبلة الدليل الإنساني.
نبض حلقي بنبضه المنتظم في رموش ولمسات
رقصت قدماي، وعرفت يداي. أشكال الطين المعذب. غياب، موت، وحياة طمسوا الصورة القديمة.
أنا الآن كما كنت دائمًا وكما لن أكون أبدًا.
كُتب كل شيء على ورقة بيضاء... الآن أتعلم كيف أهجّي مراهقتي؛
ولن أستطيع قراءة حياتي كلها إلا عندما وأنا أنظر إلى نفسي في الصورة اليوم أستطيع، يومًا ما، أن أنظر إلى نفسي من الإطار هادئًا، لا يبهت من الموت.
2.12 خريف حدائقك يا نيويورك
من غنى، يا نيويورك، عن رقة حديقتك في الخريف؟ من سمع حفيف قبلاتك الذهبية حين أسقطت الشجرة الذابلة أوراقها المصقولة في جوف الصخر؟ أليست كل ورقة ساقطة فكرة من أفكارك؟ يا مدينة، لماذا ينظر إليك الناس بدهشة وكأنك وحش بعيون مليونير؟ لماذا يبحث عنك الجميع في ناطحات السحاب ولا أحد في رقة حديقتك في الخريف؟
مشيتُ وحيدًا على طول شوارعك الفسيحة. ناسيًا هيكلك المعدني الصارم خاضعًا فقط للأرض التي تقف عليها؛ كان لديكِ شوقٌ عظيمٌ لنظرة بشرية حتى ابتسمت الأرض، مستشعرةً حبي لها. لعلّ هذا هو السبب يا مدينة نيويورك شعرتُ بكِ كأنكِ لي، كعرابةٍ ساحرة حينما كنتُ أعبر حدائقكِ، تتبعني الأوراق همسًا عميقًا صامتًا وسط الضجيج مُسكتًا حزنها على شموسٍ غابت. أحببتُ عشبكِ الذابل حين هبّت الرياح مع أولى بردات البرد تتساقط عموديًا. أحببتُ صفوف جذوع الأشجار العارية الجافة إذ بدت كأطفالٍ جائعين في بيتٍ لحاكمٍ بخيل، أو عمالٍ يرتجفون في إضرابٍ قسريّ لأيامٍ بلا خبز. يا مدينة، كم أحبكِ وأنا أفكر في ضبابكِ! هكذا تكونين في أوج حميميتكِ، عيناكِ مغمضتان أمام سماءٍ برتقالية، ترسلين رسالتكِ إلى النهر حيث يحتضن دمعة الوجود الإنساني المتغيرة. يا مدينة، أعرفكِ لأني قبّلتُ قدميكِ على العشب الأصفر لحديقتكِ الخافتة.
يا مدينتي، رأيتُ أشجاركِ تنقشُ الهيروغليفية على صفحة السماء البيضاء المفتوحة خطوطٌ داكنةٌ دقيقةٌ من رموزٍ أرضية وسمعتُ حينها ترنيمة الكائنات التي سكنت قلبكِ في موكبٍ مهيب.
رأيتُ السفنَ العظيمةَ تطفو على أرصفتكِ الباردة، وإلى أعلى جناحٍ من الخطوط والنجوم، ارتفعَ قلبكِ الخفيّ من الماء. ولم يكن سوى ظلّ يدي في الوداع، حيث لامسَ عارضة السفينة المثقلة برحلاتكِ.
رأيتُ جسوركِ تقفز فوق اضطراب البشر خيوط عنكبوتٍ عملاقةٍ من التأمل.
سمعتُ في الليل صوتكِ الحميم، المتضخم، بنفَسٍ دافئٍ كصدرٍ حالم. شعرتُ بصغر حجمي بين شبكةِ أضوائكِ، (لكن علاء الدين كان يرشد خطواتي) ومنحتني الظلال، والانعكاسات، والكثرة، والعزلة.
نيويورك، يا مدينة حميمة، كيف عرفتُ كيف أحبكِ، في زواياكِ البعيدة حيث تكونين على طبيعتكِ!
من غنّى، يا نيويورك، رقة خريف حدائقكِ؟ امنحني ذلك الصوت الودود لأظلّ أنادي اسمكِ مغلقًا أمام تدفق نهر هدسون العظيم... امنحني ذلك الصوت الودود لأظلّ أنادي اسمكِ في الأعشاب الذابلة التي أشرقت عليها نعليكِ. امنحني نسيم الرصيف، ولمسة جسوركِ.
نيويورك، أنتِ تجعلينني أحبكِ في حدائقكِ كأنني ورقة بنية أخرى في ريح خريفكِ.
2.13 التيار الجارف
عندما يترك التيار الخفي روحي أخيرًا على الشاطئ، ومن انحناءة ظهري المنهكة ينفصل الجناح المقطوع، كشراعٍ متحدٍ حين يُطيل اللحظة في ندبة وأثر.
سيبقى رمزٌ تافهٌ يراقب عينان فقيرتان ضالتان وجبين متسول. يا حبي، سردابٌ مائي! أنتِ لا تعرفينني! ولا أحد يعرفنا. لا يوجد سوى لمسات عابرة لقاءات غير متوقعة، في صمت مفترق الطرق المظلم.
حضورٌ لم تجد كفارة لتأخرها. لم تعد ذراعي صليبًا ولا مذبحًا لمحرقة الحنان الوحشي. بضوئها الخافت تُعمّق شمسٌ محبطةٌ الأعماق. نحن غبارٌ ونجوم، كلٌّ في داخله. لهذا الرماد البدائي الصامت لتكن دمعة البحر السماوي الهائلة جرةً.
2.14 خوان جيرت
تحوّل حلمي إلى ليمون حلو. قبة جمجمتك المثالية المُدمجة في فراشة عظامي زهرة توليب رقيقة تُتوّج جناحي حوضي المفتوحين.
أنت تُشكّل قالب العالم في خصري النحيل؛ مُجتمعًا ومُخلصًا كدعاء أنت تنسج الكون بدمي يا بني. أنت تنمو بداخلي كما في إناء طقسي.
من خلالك أعرف تواضع كوني أرضًا خصبة من خلالك فخر المعجزة الحيوية؛ من خلالك أنا جرة توراتية، من خلالك أنا شركة وتوبة.
من خلالك، الموت في ميداليته يحتضن صورة حجرية في ملاك من الضباب. زهرة التوليب الحية في رأسك تُشكّل قالب الكون مرة أخرى.
2.15 أحد في رومانسيلو
يأتي العصر باكيًا كطفلٍ مُستهزأ به، ترتجف الدموع على خديها بين الابتسامات.
يأتي العصر، ذهبيًا وممطرًا، خلف غيوم كثيفة ولا أحد يرى الدموع خلف بريق ضحكتها.
يدور العصر ويمدّ أشعته الرطبة حتى تلامس الجبل بأطراف أصابعها.
تغادر الفتيات السينما ولا يرين العصر الرطب الذي كان يعلق الدموع على أسلاك التلغراف.
تغادر الفتيات السينما ويذهبن إلى الشارع المضيء ويتأرجح العصر بين الجبال والفتيات.
بعيدًا عن السماء، أرى عينيكِ في توسلي الصامت كزهرتين صغيرتين تحت قطرتي مطر.
2.16 أيام الأحد
في ساعات الطفولة الذهبية كانت شمس الأحد كالعسل؛ احتفالًا بالحرية في الحقل المفتوح شرنقة، وعدًا، وجزًا في المرعى.
في وحدة والدينا السعيدة، وضع قطيع الأطفال الستة إكليلًا من الأغاني كسحابة واحدة تستريح على قمة مذبح مزدوجة.
ثم جاءت أيام الأحد الذهبية والفضية. كبرنا نحن الأطفال. انفتحت نظرة والدينا الشابة كبوصلة لترشد درب مراهقتنا.
كان الذهب في أمجادنا المدرسية في البدلة الجديدة، والكتاب الذي لم يُمس. كانت الفضة هي الحلم والشوق حب الطفل وأول حزن.
اليوم، أيام الأحد كالرصاص: حصد منجل الفجر حياة الأب الذي كان نور الأيام... بقيت القمة المزدوجة غير مكتملة. الأم تنحني وحيدة؛
خصلات فضية تتساقط على شعرها، وذهب أيامٍ خلت يزين جبينها الصارخ في نصفه الغائب. ونحن نرتجف، نفكر أن القمة التي لم نعد نراها، تحتفظ بها في أعمق زوايا عاطفتها.
اليوم، أيام الأحد ثقيلة كالرصاص. بست ضربات فأس في ساعة واحدة سقط الجذع والعش والعنقود.
الضوء الخافت والذكريات تذهّب رصاص يوم الأحد الثقيل هذا.
2.17 عصارة مالحة
يا أبي، الشتاء - سيف موتك - يُلقي بقضبانه الجليدية على صدري. تتمايل الأوراق الجافة في الظل الموحش على حافة اللحظة التي انتزعتك من النور.
لن نتحدث أبدًا عن الصنوبر الأخضر وإذ بالشهور تتجه نحو الربيع؛ سأراقبه، متأثرًة، وهو يغيب في السماء. التاج المنتصب الداكن، وستكون عيناك هناك. صامتة إلى الأبد في الجمرة الزرقاء.
ستطول الأيام، وستنزل الليالي، نحو شواطئ الأبدية وما بعدها الموحشة لكن عصارة الحب المالحة مجروحة على حافة اللحظة التي أخذتك مني.
معك تحدثنا عن الزقزقة والحزمة عن الورق والصديق، عن الموقد والمثل عن العصير الحلو المر في بلورة الإنسان. كانت ذكريات أخوية تتردد حول صوت معلمك، القديس فرنسيس الأسيزي، ودون كيخوته، والمسيح.
يا أبي، في ساعات السكينة المنزلية كنا نفكّ خيوط عناء العمل اليومي. وكانت ابتسامتك تنسج دائمًا الخيط الذهبي حيث يبارك الماء ويُليّن الخبز. بشارة خير، كانت أسماؤنا تطفو بهالة من الفرح حين تنطقها. اليوم حتى الاسم الذي لم تعد تنطقه يؤلمني ويداي الممدودتان إليك تشعران بالثقل.
كانت عيناك تحميان درب شعري. طفولتي ما زالت تتأرجح على ركبتيك الدمية التي دفنها الزمن الآن، تمطر عليّ السنون مع كل ساعة تغيب فيها.
شجرتنا الصنوبر بكَت حتى آخر شوكة. خشب كرسيها الفارغ يعوي؛ الأطباق على الطاولة تبدو وكأنها تحطمت؛ أصداء خطواتك تتردد، باحثةً عن صدى ما.
هذا النسغ المالح للحب يتحول إلى ضباب عند حافة اللحظة التي أوصلتك إلى النور.
2.18 الميلاد
آخر أيام الشتاء وأول أيام الربيع. آخر أيام ظلمة الرحم الدافئة لأدخل نور العالم البارد.
سأكون غارقًا في الظلال، في العدم بالحب: غارقًا في الجسد الذي نمت فيه. وأرفع رأسي بصيحة: زهرة جرح نازف ذروة صافية لأعمق ألم لحظة ابتهاج مأساوية!
لا بد أن عيني أمي كانتا دامعتين على بذور الصلبان.
لم يخطر ببال أحد حينها أن ساعات الكوارتز أو عباد الشمس ستنتظرها.
في دوامة هذه الساعة، كم من الموتى سيُبعثون في العويل حيث ملأ الكوة بنور أخضر.
كم من مصائر عليّ أن أحققها كم من قناع سلف يعرف سم روحه، أو نُبله؛ لينتقموا، ليُصلحوا أخطاءهم.
ليأتوا من أعماق كائناتٍ بعيدة كانت تُحب بعضها يومًا كانت مُرتبطة بالحياة ليكونوا حلقةً أخرى في ذلك العذاب.
ليعلموا أننا ثمرة لحظة فرح وتلك البذرة، يا إلهي! من أي شقوقٍ تنبثق، ومن أي هاوية؟
من الظلام الخافت إلى النور البارد يفصل بين الحياة والموت الخميرة الهشة تعض أبديتها.
2.19 نداءٌ عبثي
كل يوم يزداد لعابنا ملوحةً. ترتجف الفتاتة أمام باب الغفران الموارب. كل يوم يقفز الطفلان ذوا العيون الداكنة اللذان كانا ملاكين مستيقظين إلى أعماق سماوية، على أظافرهما.
بماذا سينتهي هذا الرجاء، أي في ذروة البكاء؟ أصبحت كل ساعة نهمة كأنيابٍ حادة؛ لم تعد خطواتنا على ملامسة العشب الرطب؛ يتقدم الهواء وكأنه وابلٌ من السهام.
ارحمنا يا رب، نصرخ إليك. هكذا يترنح عالمك!
لسنا أيوب يا أبانا؛ لا تكن زوج أم! هل أنت مريضٌ، أو متعفنٌ بهذه الأنفاس التي تنبعث منا؟ لا تكن زوج أم، يا إلهي الصالح.
ابتسم ولو لمرة واحدة لخلقك. عد إلى طفولتك في اليوم الأول عندما كنت تنفخ فقاعاتٍ ملونة ومن انبثقت المعابد البستان والمدّ العالي. كنتَ حينها بلا تجاعيد، وكانت لحيتك الكريستالية قيثارة بين أصابع النور.
ابتسم يا أبي على الكتاب المدنّس، وكل من باسمك سيكتب السلام.
الثالوث البسيط لكلمة واحدة: راية عالمية للأحلام؛ قربان للبناء؛ طقوس الوداع للأحياء.
اغفر لي يا الله، هذه رمالي العكرة.
2.20 سأغني لنفسي
سأغني لنفسي، أفكّ شفرة الأغنية إلى السديم الأول الذي كان الوسادة المجهولة لحلمٍ غامض في مهد عدن القاحلة.
سأتجرّد من كلّ ما يحيط بي لأبحث عن العدم القديم حيث انطلقت شرارة الرؤية.
أريد أن أجلس كالمومياء الإنكية في أعلى قمم الجبال المقلوبة.
سأقصّ غابة شعري السوداء الكثيفة من جذورها.
كل شعرةٍ صغيرةٍ على جسدي ستُصدر حفيفًا وهي تسقط. كل تجويفٍ فارغٍ في رئتي سيُحاكي جمجمة العالم.
من صدغي المجوف، سيتساقط الدم حتى أصبح شفافًا، منعكسًا في بركة اللمف. من عيني، ستُفرغ شجرة التجارب المتراكمة في يديّ.
سيكون لساني سوطًا منهكًا، أذناي، صدفتان وحيدتان ترددان أنينًا وحيدًا، بلا صدى، جافًا. كل أوراق الذكريات يجب أن تُحرق في شبكة المدفن.
أحتاج للعودة لأجد نفسي بدونه، بدونها، بدوني، أتجاوز النشوة والألم. قبل أن أفني نفسي، أتعثر بصوتي؛ أتوقف في بلازما العدم العذراء وأفقد نفسي، أفقد نفسي.
أحتاج الغريزة والغضب، المخلب واللعنة؛ أحتاج أن أتحرر من دموعي، لأهدم جدار الجهل.
ما جدوى العدم، في موتٍ مُحتمل، في حياةٍ مُتلاشية.
كان بإمكاني أن أكون طحالب بحرية أو حطامًا، أو محارة، وأنا هنا، أُفيض بمعجزات المسيح.
لكنني أريد العودة لأحفر حتى أبلغ الفجر لأشقّ الألياف حتى أجد الدفء لأُعيد ولادة كل شيء من كل شيء! لأُقشّر نفسي إلى البذرة الأولى لأبحث عن المكان والسبب.
ولا أستطيع أن أُغني لنفسي إن لم أُدرك نمط الصمت إن لم أُدرك الهاوية؛ أحتاج للعودة، لأكون قبل ولادتي لأغني لنفسي أحتاج للموت لأغني لنفسي.
(وهذه الآلة الموسيقية الصغيرة في أضلاعي التي تعزف بنشاز…)
لا عودة، لا أستطيع الغناء لنفسي الليلة؛ غدًا في التراب، حين يفوت الأوان.
يولاندا الصغيرة، لا عودة! لا يمكنكِ الغناء لنفسكِ...
2.21 تمرد
حدقتُ في سهول البامبا الشاسعة، أحلم بالبحر. حدقتُ في سهول البامبا المتماسكة، شامخةً، هادئةً جبهتها الكريستالية تلامس السماء؛ وشاحها خيطٌ من الرمادي والبنفسجي يغطيها.
يا له من جمالٍ عظيم! يا له من جمالٍ في الأعالي! يا له من جلالٍ ساكنٍ في نهار المرتفعات!
فجأةً بكى طفل. بين القش البري، في معطفه القديم، بكى طفل. لماذا؟ من يدري.
يحمل الهنود الأيماريون الصرخة في عروقهم وضجيجهم الفطري يمزق سكون الطبيعة وهدوئها.
صرخة طفل، صرخة إنسان، جرحٌ مفتوح، ينزف هذا العالم.
ترتجف الصخور الأسطورية وتزلزل. وتتصدع دروب السلام وتتشابك. هناك شر على الأرض.
ما كان جليدًا يحترق. كلمات رقيقة تُقبض في قبضات، تتحدى البرق.
أركض بجنون عبر سهول البامبا؛ قلبي يحترق كالجمرة. هناك شر على الأرض، هناك ظلم.
ربما أجد الراية التي أبحث عنها في مكان أبعد.
أريد الأرض المفتوحة بشفاهها المتشققة. ككتاب موسيقي.
أريد أن تخفت صرخة هذا الطفل. إنها صرخة العالم.
2.22 تدفق
جنون حب لطيف يغزو الكيان. يتسرب رماد الدم الأولي إلى الجزء الأزرق من المد المالح الذي، في أرق يقظ، يضرب كل شاطئ.
ارتعاش يصل جريحًا ليعيد فتح جرحنا مرة أخرى في لب التفاحة المقضومة.
تتحول ليمونتي المتفتتة إلى لبّ ناعم في يدي؛ صدفة شفافة، ورقة، من غموضها تبحث عن أبسط هندسة للمدقة حيث كانت، قبل أن تكون ورقة، نقطة ثم خيطًا.
القوة القاسية مُنبئة بها بالفعل شبكة عنكبوت ضخمة فوق يرقة صغيرة- من فكر غامض سيتعين عليه سحق الصغر المتمرد، والعطش للصمود.
تكشف ريح الجنوب عن أثر قدم خفي في العشب ويستيقظ الوحش الخجول من سباته العفيف.
هيكل عظمي نُحت من تراب في ساعات عكرة ينحني بلا توازن، يا حب، إن فضحتِه.
رغوة، كوارتز سائل، رغبة محاصرة صرخة مدوية في تلمس الظلام تُشحذ صوت الموتى في خصر البحر المفتوح الذي يتعرق أغانيه في وحدة مهجورة.
2.23 رثاء هادئ
دهست سيارة الخادمة العجوز سحقتها كأنها ورقة شجر! كانت كزهرة برية، كزهرة المليسة، كزهرة النعناع.
في البيت ساد الحزن على موتها الفضي.
هذه المرأة السمراء ذات الأصل الأيماري النبيل كانت تُحلي حياة الكائنات والأشياء.
طفولتنا مليئة بصورتها ماميتا كوباكابانا؛ تحت غطائها الصوفي كانت دائمًا تُفاجئنا بالفواكه، أو الإمباناداس، أو الألعاب.
يا جدتنا الحبيبة ذات أصص الزهور والكناري!
مستلقية على كفنها، قبلنا يديها المقدستين الخشنتين بخشوع بعد أن هدأت أخيرًا من عناء الحياة اليومية. بدت وكأنها تخجل من راحتها؛ نزل ملاكان أبيضان صغيران ليغطياها.
كان اسمها ماما أوستا، لا شيء غير ذلك. الجنيات المتواضعات لهن اسم واحد فقط، لكنه عصا سحرية من النعمة والبركة.
أخذت والدي بيدها إلى القداس؛ عرفها أجدادنا وأجداد أجدادنا. كانت حلقة وصل بين الحاضر وما فُقد.
أعطت كل شيء، كل شيء: لطفها وفرحها ومعناها النحاسي وزيتها المُريحة.
كظلٍّ مُعجز ملأت إناء كل يوم بأطايب وبالماء والشمس، منحت الستائر وأغطية المائدة أغطيةً. أشعلت النار في الموقد.
دهستها سيارة. يا إلهي! جبينها مُصاب وجسدها، الذي لم يمسه أحد من قبل، مُلطخ بالطين.
عندما وصلت إلى السماء بحذاء واحد فقط، وثوبها ممزق غنّت لها جوقة من طيور الحسون ترانيم الحمد.
ببراءةٍ متواضعة، لا بد أنها تخيلت أنه عيد الفصح بالنسبة لنا. "هل كنا نهتف لها باليقطين؟ هل كنا نبكي عليها؟"
ببساطتها ونقائها، انتقلت إلى جوار ربها ولا تزال تعتني بسلة عشاء اليوم.
رحلت أمنا أوستا.
يا كناري، يا أصص الزهور، يا فناءً، يا ماء!
2.24 رحلةٌ عبثية
ما فائدة البحر؟ ما فائدة الشمس؟ ما فائدة السماء؟ أنا مسافرٌة اليوم، في رحلة عودة نحو ذلك العالم اللامتناهي الذي هو بحر ذاتي ونسيانك.
بعد أن وهبتك البحر والسماء، لم يبقَ لي سوى تراب حياتي، الذي هو حلوٌ كالطين المُشبع بالدم والحليب.
الآن لم يبقَ لي شيءٌ مما كان لي لأنني كحوض أسماك وكصخرة. أسماكٌ رشيقةٌ تسبح في دمي وجذور نباتاتٍ بنفسجيةٍ وصفراء تلتف حول جسدي.
على ظهري المُصاب، ندوب أجنحةٍ عديمة الفائدة، وقليلٌ من رطوبة الذكريات العبثية لا يزال عالقًا في عيني.
لكن ما أهمية كل هذا الآن؟ عندما أمدّ ذراعيّ، لا أرى شيئًا إلا نفسي مُكررة.
ألستُ بحرًا أو ألستُ صخرة؟
أسرار الألوان في حياتي ترتفع وتنخفض مع المد والجزر وحيوانات غريبة وشياطين تتظاهر بأنها ملائكة وسراخس في كهوفِي. وهناك أيضًا البحر والشمس والأرض.
والآن وقد عدتُ من حبٍّ عظيم، أمتلكُ بالفعل في هذا العالم الفسيح ما يمكن أن يتسع بين يديها.
2.25 النهاية
(مقتطف)
قلقة، قلقة، قلقة كالأجساد الفتية، حيث ينكسر قلق الرجال، حيث يذوب شوق النساء، عند تلك الحافة بالذات أنا السهم المنحني الذي ينطلق. خرجتُ من الحلم القاسي الذي تحطمت عارضته على حافة حطام سفينتي الأولى.
كانت سفينتي الجديدة، كان حلمي البكر. كنتَ أنتَ، أيها البحار، أيها البحار المجرد، الذي حملتني على كتفيك - كالقديس كريستوفر العظيم - وأنا ثقل وردي: بتلة بلا حكاية.
والآن ماذا؟ أسأل نفسي. الحب لا يوجد إلا على حافة قبلة. ثم ماذا؟ على حافة حلم... ثم ماذا؟ على حافة العالم، حيث يُحطّم الرجال حياتهم المبتورة وحيث تفرح النساء بالدموع. على تلك الحافة بالذات توقفتُ فجأةً. كشفني الهواء. خيوط وردية ناعمة ارتفعت على ساقيّ.
تفتح صدري كأقمار صغيرة. كان صوتي هو الصوت الصامت الهادر لجميع نساء العالم. ثلاث ضربات فرشاة رشيقة رسمت ثلاث نقاط على شكل صليب على جسدي.
على تلك الحافة بالذات استقرت قدماي الصغيرتان المتجولتان أشارت ذراعاي المرفوعتان بإيماءات طويلة إلى النجوم الناضجة.
ضباب، وسحب مغبرة، وأقواس قزح سائلة دماء نجوم محطمة، وخرق بحار كلها سقطت في عينيّ المغمضتين لأن طيورًا غريبة انتزعتها.
ماذا الآن؟ سألتُ نفسي! حب لقدميّ الصغيرتين الثابتتين، المسمرتين. حب لعينيّ في منقار طائر. لأولئك الذين يعرفون كيف يستخرجون حلمًا.
الرجال حزينون لأن هذا هو الحب. لا أتصل بكِ الآن. جسدي الفتيّ الآن له أقمار صغيرة ويسهل عليّ الغرق في البحر أكثر من الغرق على اليابس.
2.26 نداءٌ للأمل
استيقظ يا أبانا ، يا من بصق عليك صخب البشرية يا من أظلمت عينك. يا أبانا، كم من الألم يتصبب من الروح من عدم حصادها تتأوه تاركةً الحزمة الهزيلة عرضةً للعوامل.
كم من جدران الخوف لا تستسلم لقوة الجوع الهائلة.
كم من الصبار ينسى غايته الأسمى في التفتح. كم من رماد هابيل، كم من كراهية مزقت أرواحنا وأسكتت أصواتنا.
اقلب عملة وجهك!
عبر ظلمات الليل، دع الدودة تصعد إلى الإنجيل.
على خريطة اليد المفتوحة، دع طوفان العبث يتوقف، ودع سفينة الخليقة ترسو.
في تجاعيد الجبين دع النظرة الحانية تنتشر.
حان الوقت يا أبانا، حان الوقت.
الطفل يبلغ من العمر ثمانية أشهر. قلب الأرض يتوق.
ابكِ يا الله! ابكِ على نفسك! ابكِ علينا!
أيها القاضي الأبدي لقد توسلنا إليك بجراح مفتوحة. يخترقها عصاك العظيم كرايّة حب. اهزم اليأس والتعب، عار الإيمان!
اكسر قلوبنا أيها القاضي المتهم، وتوسل إلينا - والرجال شهودًا - من أجل حقوق الأمل!
2.27 حميم
زوجي راعي دمي. عندما يفتح عينيه، تشرق الشمس وينتصب العشب الدافئ شامخًا، عندما يداعبني.
دمي قطيع وردي؛ يطعمه، ويغذيه، ويحميه، يسقيه في بركة سماء صافية؛ يرشده في دروب نعيم مجهول، وتحت مغارة أو على تلة، يعلمه تقلبات الريح أو سرّ انسياب الماء البارد.
حملان مطيعة، خطواتي. تتبع أوامره العذبة، على وقع أجراس الصباح.
زوجي راعي دمي. يحميه، ويراعيه، ويهدئه. يرشده مع الغيوم في المروج. يدوس على الزهور البرية، وأسفل القمر يفرش لها بساطًا فضيًا.
في منتصف النهار، حين تُرش الشمس عيونها بجمرها، يضع قطيعه الصغير تحت ظلاله الوارفة.
عندما يحل النهار، يقود راعيّ، كتدفق جدول، ذهبي على قممه، قطيعه الوردي، إلى شواطئ مملكة الروح.
زوجي هو راعي دمي! أنا مرعاه!
2.28 إلى الرجل المجهول، المرأة الأبدية
سأقترب من محراب الإنسان كقربانٍ للهروب والتمرد.
يا رجل الحاضر والأبد، افتح يدك لتستقبلني وارفعني إلى السماء كجندٍ مقدس مع أنني لست سوى بتلة دمعة.
يا أيها الإنسان الجديد الأبدي، اسمعني. على صدرك المكسور أناديك وأصرخ.
كلمتي تضرب -جناحٌ مهووسٌ- على صدغيك.
كلمتي الصارخة تخترق جبينك، دم النور من الجرح سيعمّد للحظة، يا أيها الإنسان الهش، المرأة الأبدية.
الأبدية كحلمٍ عابر.
لطالما نظرت إليك بلا عيون. حملتني في أحشائك منذ وجودك. إن لم تكن تعلم ذلك من قبل، الآن لن تستطيع نسيانه.
حالما نشأتُ في البحر على موجةٍ امتدت لتصبح جذعًا. على ذلك الجذع من الماء الصافي صعدتُ لأنظر في عيني الله.
الآن، نسمةٌ تُقربني إلى يدك، وأنا فيكِ كالميتة التي بكى عليها جميع الرجال.
أنتِ أيضًا بكيتِ على ابنتكِ، على أمكِ، على المرأة الخالدة التي من موتها تعيشين.
لن تستطيعي نسيان ذلك بعد الآن.
عندما تسير عيناكِ في الظل، ستشعرين في جميع أنحاء جسدكِ بحلاوةٍ مُرّةٍ ودافئة: قبلةٌ على كفين متشابكتين وحمامةٌ تهرب من بين أصابعكِ.
بوجهي الحجري أنا على الشاطئ الآخر.
أنا موجودةٌ من أجلكِ في هذه اللحظة؛ وأنا لستُ موجودةً من أجل نفسي لأنني أكثر من خالدةٍ في خمسة أحرف.
على مذبح الإنسان القوي كالحياة، الرجل الحديدي الجليدي، المعدن والدم والروح، يسقط القربان الكامل من المرأة البعيدة.
امرأة الأغنية والدموع خالدة كالحلم.
2.29 أخدود مبارك
يا من تنظرون إلى جسدي المنهك، بمعجزة طبيعية، لا تلاحظون سنبلة القمح الممتلئة، ولا الخصر المكسور، ولا حتى مشية الجذر المتعثرة، الذي يجرّ معه الحياة والموت.
إنها إذن خطوة الأرض، وهي تسير في مدارها النجمي.
لا تدوسوا بأعينكم على الحميمية الفائضة، فهو أخدود مبارك، يُخمّر خبز الحب.
في كل امرأة حامل، الليل أبدي، ليل الحلم البدائي، المتشابك مع الدم، البصمة المجيدة لفجر جديد.
بؤبؤ عينها هوائي يجذب الضوء ليمنحه لمنارات أخرى في تضاعف. انصبّ جبينها وحواسها بالكامل على تحدّب الحجرة المقدسة.
في الجسد المتلهف يكمن بحر الذكريات وجبل الأمل.
لا تنظر بنظرةٍ غير مبالية، إلى التلال التي يتدفق نحوها درب التبانة.
لا ترفض الوجه بأوشحته البنية الذي يُغطي وجنتيه بسحب المستقبل. انظر في يديها إلى مقدمةٍ لمهدٍ لا ينام، حين تستريحان بصمتٍ على التنورة المنحنية تحمي ثمرتها الرقيقة، أحلى؛ مُرّة، يا حبيبتي.
بموهبتك الفذة، كرّم الرحم الممتد في سفينة الحياة، المليء بالمجهولات.
تخيّل أحلام الحوامل: أحلام الموت والقيامة؛ صورٌ للخوف تلتمس المأوى في هذه النباتات المجهرية في بستانٍ من العروق؛ هيكلٌ عظميٌّ دقيقٌ لملاكٍ غير مادي وعنفٌ مكتوم ليهتف هللويا، هللويا! مُرحِّبةً بالأنين.
لا تُشوِّهوا هذا الإناء المُقدَّس. في أشكالٍ بيضاويةٍ زائلة، يتكوَّن الإفريز من علاماتٍ فلكيةٍ كامنةٍ في الوجود؛ كما في بداية العالم وضع الخلق إحداثيات.
2.30 الفرار الالتقاء بين الصرامة والسحر.
.I.
كيف تسخر من البحر، يا أخي المجنون! ضحكتك أقوى من هدير المحيط؛ تملأ اليوم، ترتد إلى صدري ومن صدري، إلى صدر آخر وآخر كأمواج تتلاحق.
تسخر من البحر، يا أخي! ماذا عسانا أن نفعل؟ أنت تسافر في الدرجة الثالثة تسخر من البحر! عيناك، دون إذن، تخرجان من محجريهما لتتجولا على الماء؛ لا تغرقان؛ إنهما طوقا نجاة لما تحطم في داخلك. إنهما جزيرتان حيتان في بحرك الميت. امشِ على البحر!
ما أقل ما يفصلنا بهذا العمق! كلنا تفاح من شجرة واحدة... أنتَ، لأنك ثمرة هشة، لدغتك الأفعى أولًا... أنتَ محصن ضد التعفن.
نحن، العقلاء، الطبيعيون، الراضون (يا لها من كلمات بشعة، مقززة!) نحمل سم العقل ويجب أن نسقط أمامك في البئر لنصبح دبالًا يغذي جنونًا آخر.
أنت تسافر في الدرجة الثالثة، أيها الرفيق غنِّ للبحر، غنِّ للبحر! ليسمعك صدفة ضخمة: للإنسان أذن محدودة لا تستطيع سماع صوت النمل ولا أغنية الكون.
الماء يستمع إليك، عينه الزرقاء تنظر إليك؛ فرحه وألمه لك. البحر يفهمك.
II
لديك حارس على سطح السفينة؛ بالطبع! لا يجب أن تُخيف المسافرين بحركاتك غير المفهومة. إنهم لا يفهمون أنك، لحساسيتك، قد لدغتك الأفعى قبلهم. حارس عاقل - يا له من أحمق! - هل يعلم بعالمك المغمور بين غابات المرجان القرمزية بينما كانت أحزانك تنبت لآلئ؟
حارسك جاهل بالتحليل النفسي؛ لا يستطيع الغوص في روحك. (الحمد لله). بما أنك في الدرجة الثالثة، فطبيب السفينة مطمئن.
يا لك من محظوظ! أعطني يدك انسَ البحار؛ السماء حارس أمين هيا بنا إلى البحر!
ما أقل دقة في الهاوية! من لم يجن فهو أحمق.
إنها في الدرجة الثالثة في مؤخرة السفينة.
هنا أولًا.
عمود حديدي، وخط الفصل مرسوم.
أطلب غفرانك. دعنا نلعب مع البحر، يا صديقي المجنون.
III
عندما يُقدّمون لك طعامك، معزولًا، على طبق ألومنيوم وبدون سكين، أظنّ أن نادلًا - بقميص مكويّ الصدر ومنحني - هو من يخدمني - وأشعر بالخجل، (مع أنني أحبّ النادل) لأننا لسنا على طاولة واحدة، أنت وأنا. الخبز الذي لا يُوزّع بالتساوي على البشرية جمعاء طعمه مرّ بالنسبة لي.
أخي، أقترح: دعنا ندعو البحر للعشاء! كل شيء على قدم المساواة، سنستمتع بسُكرك وسُكري ممزوجين؛ وسنقدّم قربانًا من الخشخاش بجنونك المُعلن وسُكري الأسير.
أنت أكثر حرية. بلا قيود أو أكاذيب. سنشرب السماء، ونصنع منها كأسًا بأيدينا المتشابكة؛ سنمضغ الغيوم سندخن لب القصب على ضوء الظل سنجعل من عجلة القيادة منفضة سجائر.
سأرتدي أجمل ما لديّ مع عباءة شعري المنسدل وحزام من ضوء القمر. أنت أيها الأخ المجنون، لا ترتدي ملابس رسمية ولا تضع القياس المنطقي أو المفارقة على طية صدرك. يكفي وجود الجبار على صدرك. بما أننا في الطابق الأوسط، يمكننا أن نكون صادقين.
سنسمي البحر جون. أنا ماري؛ أنت بيتر. كم سنكون شهيين على العشاء! أخيرًا سنقول الحقيقة.
سيأتي البحر معنا. سنصل إلى الميناء أسرع بكثير. لندعو البحر! أنت تسافر في الدرجة الثالثة. اضحك على البحر! هيا نضحك مع البحر! تحية لك يا أخي!
2.31 أغنية للجندي المجهول
أيها الجندي الهندي، أيها الإنسان المتواضع، يا أخي؛ ها أنا أغني لك مع تقاطعات الطرق الخالدة؛ مع دقات الطبول المتواصلة وأنت في ثمالتك الحزينة تملأ الليل كعباءة سوداء.
أود أن أخبرك كلمات الأيمارا حيث تحفظها شفاه الأخاديد العطشى عن ظهر قلب اليتيمة من يدك التي زرعت؛ الكلمات البسيطة المتشابكة بين أشواك السياج؛
مع نباح كلبك الأشعث الدافئ وققعة أطباقك الطينية المألوفة.
بكلمات صافية كماء قناة الري وكشمس الفجر على السهول.
هكذا أود أن أتحدث إليك بأعمق الأصوات حيث تركتها، يا أخي، في كل شيء؛ أغوايو الملونة، يا أحضان الجبال، مناظرك الطبيعية، شعار أيلو.
لن تكون بطلاً يُخلّد بتمثال تُغنى له الألحان الملحمية.
كنتَ الإنسان البسيط الغامض كبوابة تيواناكو: رجل الأنديز قطعة من الجرانيت مُعجن بالدموع.
حياتك وموتك محفوران إلى الأبد في العرق البرونزي وفي روحك مصلوباً على شمس من دم.
كنتَ معطفاً أحمر كخانتوتا عظيم على حافة الأفق وفي تشاكو لاحقاً،
كنتَ أيضاً خانتوتا ملطخاً بالدماء لطخت جراحك المروج أيها الجندي المجهول، أنت أخ لكل أخت، ابن لكل أم؛
لذا، كلماتي، متأثرة، تتوسل إلى أبسط المنحنيات لتداوي الجرح حيث أطفأ أشواقك، حيث حطم دروبك يا أخي.
لا يكفي فم بشري ليبكي عليك ويطلب غفرانك.
سأغني لك أغنيتي مع كتلة جبال الأنديز العملاقة؛ مع الريح التي تعلو مزمار الجبل؛ مع دمعة البحيرة الهائلة؛ مع عيون الفيكونيا واللاما الدامعة؛ مع أنهار نجوم درب التبانة؛ غيابك وبعدي عنك شالات الحداد التي ترتديها النساء مع شبابي ومع موتك. لكن قلبي مسمر في الأرض.
على حافة الأفق اللامتناهية ظلك الملطخ بالدماء يغرق.
صوتي ممزق إلى ألف قطعة؛ ليست أغنية، بل أنين، قبلة ودمعة على جبين الجندي المجهول.
ــــــــــــــــــــ Copyright © akka2026 المكان والتاريخ: طوكيـو ـ 02/23/26 ـ الغرض: التواصل والتنمية الثقافية ـ العينة المستهدفة: القارئ بالعربية (المترجمة)
#أكد_الجبوري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
تَرْويقَة : أغنية للجندي المجهول/بقلم يولاندا بيدريغال - ت:
...
-
قصيدتان/بقلم فريدريش هولدرلين* - ت: من الالمانية أكد الجبوري
-
قصائد/ بقلم جوزوه كارلوتشي * - ت: من الإيطالية أكد الجبوري
-
تَرْويقَة : قصيدتان/ بقلم فيليب سوبو* - ت: من الفرنسية أكد ا
...
-
حب الكلمة/شعوب الجبوري - ت: من الألمانية أكد الجبوري
-
تَرْويقَة : -أعطني جواهر غارقة- / بقلم أندريه بريتون* - ت: م
...
-
تَرْويقَة : خذيني إليكِ يا فينيسيا/ بقلم رينيه فيفيان* - ت:
...
-
قصيدة (الشارة)/بقلم ليون فيليبي* - ت: من الإسبانية أكد الجبو
...
-
قصيدتان/ بقلم رافائيلو بالديني* - ت: من الإيطالية أكد الجبور
...
-
تَرْويقَة : أسقط نجمة/بقلم ليون فيليبي - ت: من الإسبانية أكد
...
-
آه. -يا لهذا الكمان القديم المكسور-/بقلم ليون فيليبي - ت: من
...
-
تَرْويقَة : هناك إسبانيان/بقلم ليون فيليبي - ت: من الإسبانية
...
-
-نزهة بيكاسو-/ بقلم جاك بريفير - ت: من الفرنسية أكد الجبوري
-
تَرْويقَة : الصليب تبخر في الهواء/بقلم جاك بريفير* - ت: من ا
...
-
تَرْويقَة : استمعوا بأدب/بقلم جاك بريفير* - ت: من الفرنسية أ
...
-
محاولة لوصف عشاء الرؤوس/بقلم جاك بريفير* - ت: من الفرنسية أك
...
-
تَرْويقَة : قصيدة -أغنية نفسي-* /بقلم والت ويتمان - ت: من ال
...
-
تَرْويقَة : ثلاث قصائد/بقلم سيرجو كوراتزيني* - ت: من الإيطال
...
-
تَرْويقَة : قصيدتان/بقلم الفنزويلي سيسيليو أكوستا* - ت: من ا
...
-
تَرْويقَة : قصيدتان/بقلم لولا رودريغيز دي تيو* - ت: من الإسب
...
المزيد.....
-
الفنان محمد هاشم في حوار مع (المدى): الدراما في تطور ونمتلك
...
-
حكاية مسجد.. مسجد الكهف أو -زاوية درنة- الليبية
-
الممثل التجاري الأمريكي: لم تنسحب أي دولة من اتفاقيات الرسوم
...
-
وزير التربية السوري يبحث في الحسكة تنفيذ مرسوم تدريس اللغة ا
...
-
وزير ألماني ينسحب من الحفل الختامي لمهرجان برلين السينمائي ب
...
-
كيف يؤثر التمويل المشروط على الهوية الثقافية في القدس؟
-
مخرج فلسطيني يصدح بمهرجان برلين السينمائي: ألمانيا شريكة في
...
-
مهرجان برلين السينمائي : رسائل صفراء يفوز بجائزة الدب الذهبي
...
-
الأدباء في رمضان.. هجرة من صخب الكتابة إلى ملاذ القراءة
-
حرب غزة وانتهاكات الاحتلال تثير الجدل في مهرجان برلين السينم
...
المزيد.....
-
المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين
/ ياسر جابر الجمَّال
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو
...
/ السيد حافظ
-
أحافير شاب يحتضر
/ المستنير الحازمي
-
جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات
/ حسين جداونه
-
نزيف أُسَري
/ عبد الباقي يوسف
-
مرايا المعاني
/ د. خالد زغريت
-
مسرحية : النفساني
/ معتز نادر
-
تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ
/ دلور ميقري
-
ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء
...
/ ياسر جابر الجمَّال
-
دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس
/ السيد حافظ
المزيد.....
|