أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الاستبداد : من كراسي الملوك إلى مراحيض الفنادق.














المزيد.....

مقامة الاستبداد : من كراسي الملوك إلى مراحيض الفنادق.


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8626 - 2026 / 2 / 22 - 09:29
المحور: الادب والفن
    


لاشك في موهبة د . ظاهر شوكت النقدية , وهو الذي له بحوث و رسائل وكتب فيها , فعندما يقرأ نصا بعينيه الملونتين , يستخرج مافيه من درر وكنوز و توريات وبوح , وحتى الفراغات يشير اليها , أما اذا وضع النظارات على عينيه , فأنه يكشف كينونات المكنونات والفراغ بين الفراغات , اذ لديه وسيلته لفحصِ مَصادرِ المَعرفةِ ومَبادئها , نراه اليوم يرسل نصا من (الاشجار واغتيال مرزوق ) للروائي المرحوم عبد الرحمن منيف , ويسألنا نحن القراء , في اي سطر تظهر عبقرية الروائي؟ : (( والملوك عندنا يا كاترين لايشبهون ملوككم ابدا , كل رجل عندنا ملك , والممالك صغيرة لدرجة انها متجاورة ومتراصة مثل مراحيض المقاهي والفنادق , وهؤلاء الملوك الصغاريضربون زوجاتهم , يشدون شعورهن , ويصرخون في وجوه الاطفال ويجبرونهم على ان يناموا جياعا لانهم قدموا الاكل لضيوف متخمين , اما اذا التقوا بالملوك الذين هم اكبر منهم , فانهم يجثون على الارض ويقبلون التراب تحت ارجلهم , ويفعلون , اي شيء من اجل ابتسامة صغيرة , والملوك الكبار يسجدون للذين اكبر منهم , حتى يصل الامر ان جميع الملوك يسجدون لملك واحد, وهذا الملك الكبير لايعرف القراءة والكتابة , له زوجات ا كثرمن جميع الملوك الاخرين , له مائة زوجة من جميع انحاء الارض , له كرش , ياكل كثيرا وينام بعد ان ياكل مباشرة...الخ )) , ذلك هو عبد الرحمن منيف الذي يعتبر (الروائي الجراح) كما يلقبه النقاد , حالة استثنائية في الأدب العربي , لأنه لم يكتب (( قصصاً )) بقدر ما رسم (( خرائط نفسية وسياسية)) للإنسان العربي , وهو القائل : (( العرب أمة تعيش في الماضي وان التاريخ يلهمها أكثر ممن يعلمها في الواقع , لذلك فهي لاتحسن التعامل مع الزمن الذي تعيشه وهذا هو السبب في تخلفها )) .

لماذا نعتبر عبد الرحمن منيف (( خطراً )) بالمعنى الإبداعي ؟ لأنه لم يكتفِ بنقد الحاكم , بل انتقد (( النفاق الاجتماعي )) , هو يرى أن المستبد الكبير لم يكن ليصل لعرشه لولا (( الملوك الصغار )) , هو يضع المرآة أمام وجه القارئ ليقول له: (( أنت أيضاً ملك صغير مستبد في بيتك , وهذا ما يغذي الاستبداد الأكبر )) , وتعد هذه الفقرة من رواية (( الأشجار واغتيال مرزوق من أشد المقاطع تكثيفاً وبراعة , ليس فقط لأنها تعبر عن واقع سياسي واجتماعي , بل للطريقة السردية (( الجراحية )) التي استخدمها منيف لتشريح بنية الاستبداد .

تكمن العبقرية هنا في تقديم مفهوم (( السلطة الهرمية )) ليس كجهاز سياسي فحسب , بل كمرض اجتماعي يسكن في أصغر خلية (البيت) وصولاً إلى قمة الهرم , ومنيف لم يهاجم (( الملك )) كفرد في البداية , بل بدأ بـ (( الملوك الصغار )) - الآباء/الأزواج - هذا الربط يجعل القارئ يدرك أن الاستبداد ليس مجرد (( حاكم ظالم )) بل هو (( ثقافة )) يمارسها المظلوم على من هم أضعف منه - الزوجة والأطفال - ولنجد بلاغة التشبيه الصادم (( الواقعية القذرة )) في استخدام منيف لتشبيه الممالك بـ (( مراحيض المقاهي والفنادق )) , هو ضربة عبقرية الدلالة لأنه نزع القداسة تماماً عن مفهوم (( المملكة )) , فالمراحيض ترمز للضيق , التراص , والروائح الكريهة , وهي أماكن عابرة لا قيمة معنوية لها , الا إن هذا التشبيه لا يكسر هيبة السلطة فحسب , بل ينسف قداستها , إذ يُنزلها من علياء العروش إلى ضيق الكروش , محولاً إياها من رمز للسيادة إلى حيزٍ لـ (الفضلات البشرية) , وهو ما يخدم الغرض التهكمي المرير للنص .

يرسم منيف لوحة (( سيكولوجية المستبد )) ببراعة مذهلة في سطرين متتاليين , الفعل الأول: (( يضربون زوجاتهم , يصرخون في وجوه الأطفال )) , وهواستعراض القوة أمام الضعفاء , والفعل الثاني: (( يجثون على الأرض ويقبلون التراب )) , اي الذل أمام الأقوياء , هذه المفارقة هي جوهر (( الشخصية المقهورة )) التي تحاول تعويض نقصها وإهانتها بممارسة العنف على من هم أدنى منها , ثم نصل الى عبقرية السخرية في وصف (( الملك الأكبر )) , عندما يصل منيف في نهاية النص إلى ذروة الهرم , لتظهر عبقريته في اختيار الصفات : (( لا يعرف القراءة والكتابة )) إشارة إلى الجهل المطبق الذي يقود المصير , و (( له كرش , يأكل كثيراً وينام )) وهو اختزال السلطة المطلقة في (( الغرائز البدائية )) - الأكل , الجنس , النوم - وبهذا الوصف يسلب من (( الملك الأكبر )) أي صفة من صفات القيادة أو الحكمة , ويحوله إلى مجرد كائن غريزي متضخم.

ان اختيار اسم (( كاترين )) كمنادى يعزز عنصر المقارنة الحضارية , هو لا يتحدث لنفسه , بل يشرح (( عاهات )) مجتمعه لعين خارجية , مما يجعل النقد يبدو كأنه اعتراف حزين ومرير بواقع لا يشبه أي واقع آخر , والخلاصة : أين السطر العبقري؟ بالرغم من قوة النص كاملاً , إلا أن العبقرية القصوى تكمن في قوله : (( والممالك صغيرة لدرجة أنها متجاورة ومتراصة مثل مراحيض المقاهي والفنادق )) , فالمراحيض المتراصة توحي بأن القمع ليس حالة فردية , بل هو (( نظام صرف صحي )) متكامل للمجتمع المستبد , هذا السطر هو (( المركز )) الذي تدور حوله كل معاني النص , لأنه لخص ضيق الأفق , وفقدان القيمة , وتعدد الزعامات الهشة التي لا تجيد سوى القمع في مساحات ضيقة.

إذا أردنا التعمق في عبقرية منيف ورموزه السياسية , وتحديداً في رواية (( الأشجار واغتيال مرزوق )) فإننا نقف أمام ثلاثة محاور أساسية تجعل أدبه (( خالداً )) وعابراً للزمن : فلسفة (( الكرسي )) و(( الجسد )) , منيف لا يصف الحاكم بصفات سياسية - ديكتاتور, مستبد - فقط , بل يركز على الفيزيولوجيا (( الكرش , الرقبة الغليظة , والشهوة المفتوحة )) ,ففي أدب منيف , الجسد المتضخم للحاكم هو رمز لـ (( الورم السرطاني )) في جسد الدولة , بالمقابل , تجد أجساد المعارضين نحيلة , معذبة , ومنهكة , والعبقرية هنا , في جعل القارئ (( يشعر )) بالقرف الجسدي من السلطة قبل أن يرفضها سياسياً .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة سيكولوجيا التبعية : حين يغتال (( القطيع )) إنسانِيّة ( ...
- مقامة دم الحكاية.
- مقامةُ الكتابُ الذي لا يُقرأُ من عنوانِه .
- مقامة ترانيم ثمانينية .
- المقامةُ الجُرذانية .
- مَقامَةُ شَغَب ناعِم .
- مَقَامةُ التَّلَوثِ والآمالِ المَوؤودة .
- المقامة الزهرابية : في رثاء الهوية وانكسار المرآة .
- مقامة الديمقراطية والتقدم: دعوة لتغيير معادلة الحقوق والواجب ...
- مقامة الحب الذي يطرد الموت : بين زوربا و منيف .
- مقامةُ حسنِ البيان.
- مقامة التعابير: بين فظاظة الرفض ورقيّ الاعتذار.
- مقامة القطاة والوأد الممنهج : قراءة في وجع نجاح إبراهيم وتشر ...
- مقامة نقد النقد : الدهشة الثانية حين يولد السؤال من رحم الإب ...
- مقامة الكتاب الناجح : رؤية الأمل في زمن الصراع .
- مقامة وجه الرغيف .
- مقامةُ النوايا في زمن الغفلة .
- مقامة تأبين لليقظة... إهداء إلى صاحبة نعاس .
- مقامة الخيبة والحوار.
- مقامة رمح لا ينكسر: العراق من رماد التحديات إلى فيض الأمل .


المزيد.....




- مخرج فلسطيني يصدح بمهرجان برلين السينمائي: ألمانيا شريكة في ...
- مهرجان برلين السينمائي : رسائل صفراء يفوز بجائزة الدب الذهبي ...
- الأدباء في رمضان.. هجرة من صخب الكتابة إلى ملاذ القراءة
- حرب غزة وانتهاكات الاحتلال تثير الجدل في مهرجان برلين السينم ...
- 70 عاما فوق المئذنة.. محمد علي الشيخ حارس أذان الجوقة الدمشق ...
- -مجلس السلام- أم هندسة الفصل؟ قراءة في تحوّلات الشرعية والتم ...
- فيلم -اللي باقي منك-: مأساة عائلية تختصر تاريخ فلسطين
- ويلي كولون أسطورة موسيقى السالسا يرحل عن عمر يناهز 75 عامًا ...
- 5 رمضان.. يوم صاغته فتوحات الأندلس وعمّدته دماء اللّد بفلسطي ...
- -ذهبية- برليناله تذهب لفيلم سياسي عن تركيا وجائزتان لفيلمين ...


المزيد.....

- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الاستبداد : من كراسي الملوك إلى مراحيض الفنادق.