أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد صالح سلوم - من بي بي سي إلى الجزيرة والعربية ... سلالة استعمارية . من كتاب:( العقل المحتل.. امبراطوريات الإعلام وسرقة المستقبل) ..الجزء الثاني والاخير















المزيد.....



من بي بي سي إلى الجزيرة والعربية ... سلالة استعمارية . من كتاب:( العقل المحتل.. امبراطوريات الإعلام وسرقة المستقبل) ..الجزء الثاني والاخير


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8622 - 2026 / 2 / 18 - 10:24
المحور: الادب والفن
    


كتاب : العقل المحتل... الإمبراطوريات الإعلامية وسرقة المستقبل

الإمبراطوريات الناعمة: في تشريح جيولوجيا الهيمنة الإعلامية بمحميات الخليج


……..


الباب الأول: من بي بي سي إلى الجزيرة... سلالة استعمارية

في تشريح التوالُد الإمبراطوري: كيف تنتقل العدوى من لندن إلى الدوحة؟

أولاً: استهلال الباب: حين يكون الميلاد وصمة عار

ليس كل مولود يُستقبل بالتهليل، وليس كل ميلاد يُحتفى به بالدفوف والزغاريد. ثمّة مواليد تحمل في DNA المؤسسين وصمة عار، وفي بصماتهم الوراثية جينات إمبراطورية، وفي ملامحهم الأولى ملامح الغزاة القدامى. هذا هو حال الجزيرة، القناة التي قُدّمت للعالم العربي كوليدة استثنائية، كطفلة مدللة تحمل بشائر الحرية والديمقراطية والرأي والرأي الآخر، لتتبين الأجيال اللاحقة أنها لم تكن سوى طفلة أنبوب، بُريت في معامل الاستخبارات البريطانية، وغُذيت بحليب بي بي سي، وتعهدتها قابلات من المخابرات الأمريكية، قبل أن تُهدى إلى أمير قطر ليحتضنها ويُعلن للعالم: هذه ابنتي.

لن نكتفي في الباب الاول بتتبع شجرة العائلة، ولن نرضى بالسرد التاريخي الجاف، ولن نستسلم للرواية الرسمية التي ترويها القناة عن نفسها. سنفكك الجينات، ونحلل البصمات، ونقرأ الوثائق، ونستنطق الشواهد، ونكشف المستور. سنبحث في كيفية انتقال العدوى الإمبراطورية من لندن إلى الدوحة، وكيف تحول حلم إعلام عربي مستقل إلى كابوس تبعية مقنعة، وكيف تحولت قناة وُلدت لتكون صوت العرب إلى أداة في جوقة الإمبراطورية الاستعمارية الأمريكية .

هذا الباب هو رحلة في الزمان والمكان، من لندن الضبابية إلى الدوحة المشمسة، من استوديوهات بي بي سي الزجاجية إلى مكاتب الجزيرة الفخمة، من عقول صاغت الخطاب الاستعماري القديم إلى عقول أعادت إنتاجه بصبغة عربية معاصرة. رحلة نكتشف خلالها أن ما جرى لم يكن مجرد انتقال خبرات إعلامية، بل كان عملية زرع عضوي، وغرس استراتيجي، وتوريث متعمد.

ثانياً: بي بي سي... الإمبراطورة التي لا تغيب عنها الشمس

أ. في البدء كانت الإمبراطورية

لفهم بي بي سي، لا يكفي أن نعرف أنها هيئة إذاعة بريطانية، ولا أن نقرأ تاريخها على موقعها الرسمي، ولا أن نستمع إلى شهادات مديريها السابقين. لفهم بي بي سي، يجب أن نفهم الإمبراطورية البريطانية التي أنجبتها، والعقلية الاستعمارية التي شكلتها، والمهمة الحضارية التي أوكلت إليها.

الإمبراطورية البريطانية، التي كانت في أوج مجدها تمتد على ربع مساحة اليابسة في العالم، وتضم تحت لوائها مئات الملايين من البشر، وتسيطر على أضيق المضائق وأهم الموانئ وأغنى الموارد، لم تكن مجرد قوة عسكرية واقتصادية. كانت أيضاً قوة ثقافية وإعلامية، بل كانت قبل كل شيء قوة سردية. لقد أدركت بريطانيا، قبل غيرها من الإمبراطوريات، أن احتلال الأراضي يحتاج إلى جيوش، لكن احتلال العقول يحتاج إلى كلمات. وأن السيطرة على الموارد تحتاج إلى أساطيل، لكن السيطرة على القلوب تحتاج إلى حكايات.

وهكذا، وُلدت بي بي سي عام 1922، في اللحظة التي كانت فيها الإمبراطورية البريطانية تبحث عن أدوات جديدة للهيمنة، وعن وسائل مبتكرة للحفاظ على تماسك مستعمراتها المترامية، وعن قنوات غير تقليدية لنشر قيمها ورؤاها. لم تكن بي بي سي مجرد محطة إذاعية تقدم الأخبار والموسيقى، بل كانت صوت الإمبراطورية، ونافذتها على العالم، وذراعها الناعم في مستعمراتها ومحمياتها.

منذ سنواتها الأولى، خصصت بي بي سي خدمات باللغات المحلية لسكان المستعمرات. كانت الخدمة العربية، التي انطلقت عام 1938، من أقدم وأهم هذه الخدمات. ولم يكن اختيار اللغة العربية صدفة، بل كان نتاج إدراك بريطاني لأهمية العالم العربي استراتيجياً، ووعي بضرورة كسب قلوب العرب وعقولهم في مواجهة المد القومي الصاعد آنذاك، وفي مقدمته مشروع الرئيس المصري جمال عبد الناصر الذي كان يهدد المصالب البريطانية في المنطقة .

ب. المخابرات في ثوب صحفي

منذ تأسيسها، كانت العلاقة بين بي بي سي وأجهزة الاستخبارات البريطانية علاقة عضوية، تتداخل فيها الأدوار وتتشابك فيها المهام. لم تكن هذه العلاقة سرية، بل كانت معلنة وموثقة، وإن كانت تكتسي دائماً بثوب الاستقلالية المهنية والموضوعية الصحفية التي اشتهرت بها الهيئة.

ففي أرشيفات الاستخبارات البريطانية، توجد وثائق لا حصر لها تثبت أن بي بي سي كانت تُستخدم لنشر المعلومات المضللة، وتمرير الرسائل المشفرة، وجمع المعلومات الاستخبارية، وتوجيه الرأي العام في المستعمرات وفق أجندات لندن. وكانت الخدمة العربية لبي بي سي، بشكل خاص، بمثابة نافذة استخبارية مفتوحة على العالم العربي، ومنصة دعائية متطورة تعمل على مدار الساعة.

هذه العلاقة لم تكن استثناءً أو انحرافاً عن المسار، بل كانت جوهرية وبنائية. فبي بي سي، كما أدرك صناع القرار في لندن، كانت أكثر فعالية من آلاف الجواسيس والعملاء. فالجاسوس يختبئ ويختفي، ويتحرك في الظل، ويكشف أمره عاجلاً أم آجلاً. أما الإعلامي، فيتحرك في وضح النهار، ويحظى بثقة الجماهير، ويصل إلى حيث لا يصل أي جاسوس: إلى البيوت، إلى العقول، إلى القلوب.

وهكذا، أتقنت بي بي سي على مدى عقود فن "الصحافة الاستخبارية": صحافة تنقل الأخبار، لكنها تزرع الأفكار. صحافة تقدم المعلومات، لكنها توجه الوعي. صحافة تبدو محايدة وموضوعية، لكنها منحازة تماماً لأجندة الإمبراطورية.

ثالثاً: بي بي سي العربية... المدرسة التي تخرج فيها الجيل الذهبي

أ. التجربة الفريدة: حين اجتمعت المهنة والرسالة

في عام 1994، انطلقت قناة بي بي سي العربية التلفزيونية، كأول قناة إخبارية عربية تبث من لندن على مدار الساعة. كانت تجربة فريدة من نوعها، جمعت بين الإمكانات المالية الضخمة التي وفرتها الحكومة البريطانية وشركاؤها السعوديون، والخبرات الإعلامية العريقة التي تمتلكها بي بي سي، والكوادر العربية اللامعة التي استقطبتها الهيئة من مختلف أنحاء العالم العربي.

هذه التجربة، التي استمرت عامين فقط قبل أن تغلق أبوابها في 1996 بسبب خلافات تحريرية مع الممول السعودي، كانت بمثابة المدرسة التي تخرج فيها الجيل الذهبي للإعلام العربي الحديث. ففي استوديوهاتها الزجاجية في لندن، تدرب عشرات الصحفيين والإعلاميين العرب على أصول المهنة، وتعلموا معايير العمل الصحفي، وتمرسوا على فنون التحرير والتقديم والإخراج.

وكان من بين هؤلاء، أسماء ستصبح لاحقاً نجوم الصف الأول في الإعلام العربي: وضاح خنفر، الذي سيدير الجزيرة لسنوات طويلة، وصلاح نجم الذي سيكون أول رئيس تحرير للجزيرة، وعدنان الشريف الذي سيشغل منصب مدير عام القناة في مرحلة لاحقة، وعشرات غيرهم ممن سيشكلون النواة الصلبة للإمبراطورية الإعلامية الجديدة .

ب. المنهج الخفي: ماذا تعلّم هؤلاء حقاً؟

لكن السؤال الجوهري هو: ماذا تعلّم هؤلاء الإعلاميون حقاً في مدرسة بي بي سي؟ هل تعلّموا فقط معايير المهنة وأصول الصحافة، أم تعلّموا أيضاً شيئاً آخر، أكثر عمقاً وأكثر خطورة؟

لقد تعلّموا، بالتأكيد، معايير العمل الصحفي الرفيعة: الدقة والموضوعية والتوازن والحياد. تعلّموا كيفية التحقق من المعلومات، وكيفية التمييز بين الخبر والرأي، وكيفية بناء القصة الإخبارية، وكيفية إدارة الحوارات والنقاشات. كل هذه كانت أدوات ثمينة، مكّنتهم من تقديم إعلام عربي بمستوى عالمي.

لكنهم تعلّموا أيضاً، بشكل ضمني وغير مباشر، كيف تكون الإمبراطورية، وكيف تُحافظ على مصالحها، وكيف تُدير شعوبها. تعلّموا أن هناك خطوطاً حمراء لا يمكن تجاوزها، وأن هناك أجندات لا يمكن المساس بها، وأن هناك حلفاء لا يمكن انتقادهم. تعلّموا أن الموضوعية ليست مطلقة، وأن الحياد مشروط، وأن الحرية لها حدود ترسمها مصالح الإمبراطورية.

هذا المنهج الخفي، الذي لم يُدرّس في حلقات التدريب الرسمية، كان حاضراً بقوة في الممارسة اليومية. كان حاضراً في طريقة تغطية الأحداث، وفي اختيار الضيوف، وفي صياغة الأسئلة، وفي زوايا التناول. كان حاضراً في ما يُنشر وما لا يُنشر، في ما يُقال وما يُسكت عنه، في ما يُسلط عليه الضوء وما يُترك في الظل.

تعلّم هؤلاء الإعلاميون كيف تكون إعلامياً محترفاً وفي الوقت نفسه خادماً أميناً للإمبراطورية، دون أن تشعر بذلك، ودون أن يشعروا به هم أنفسهم. تعلّموا كيف تخدم مصالح الإمبراطورية وأنت تعتقد أنك تخدم الحقيقة. وكيف تنفذ أجنداتها وأنت مقتنع أنك تؤدي رسالتك المهنية. وكيف تكون جندياً في جيشها الناعم وأنت تحلم بأن تكون صوتاً للعرب.

رابعاً: إغلاق بي بي سي العربية... نهاية حلم وبداية حلم آخر

أ. صدفة التاريخ أم ضرورة القدر؟

في 1996، وبعد عامين فقط من انطلاقها، أغلقت بي بي سي العربية أبوابها. كانت الذريعة الرسمية هي الخلافات التحريرية مع الممول السعودي، الذي اعترض على تغطية القناة لبعض القضايا الحساسة، وفي مقدمتها تقرير عن الإعدامات في السعودية.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل كان هذا الإغلاق مجرد صدفة عابرة، أم كان جزءاً من سيناريو أكبر، وخطة أشمل، ومشروع أوسع؟

الرواية الرسمية تقول إن إغلاق بي بي سي العربية كان مفاجئاً، وأدى إلى تشتت العشرات من الإعلاميين العرب الذين عملوا فيها، وتركهم بلا وظائف ولا مستقبل .

لكن قراءة متأنية للسياق الزمني تكشف شيئاً آخر: ففي نفس العام 1996، كانت قطر تستعد لإطلاق قناتها الإخبارية الجديدة، الجزيرة. وكان المسؤولون القطريون، بمن فيهم أمير قطر آنذاك الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، يبحثون عن كوادر إعلامية مؤهلة لقيادة هذه التجربة الطموحة. وكان إغلاق بي بي سي العربية بمثابة هدية من السماء: فجأة، أصبح العشرات من أمهر الإعلاميين العرب عاطلين عن العمل، ومستعدين للانتقال إلى الدوحة في أي لحظة .

وهكذا، انتقل هؤلاء الإعلاميون، ومعهم خبراتهم وأدواتهم ورؤاهم، من لندن إلى الدوحة في رحلة قصيرة، حاملين في حقائبهم أجهزة الكمبيوتر والكاميرات، وفي عقولهم معايير بي بي سي وأساليبها، وفي قلوبهم أحلام إعلام عربي جديد.

ب. من لندن إلى الدوحة: رحلة العقول والأدوات

لم يكن الانتقال من لندن إلى الدوحة مجرد انتقال جغرافي، من عاصمة الضباب إلى عاصمة الشمس. كان انتقالاً ثقافياً وفكرياً ومهنياً. كان نقل خبرات ومعايير وأدوات من المركز الإمبراطوري إلى الطرف الخليجي. كان استمراراً للعلاقة نفسها، بوسائل جديدة، وفي قالب جديد.

فالإعلاميون الذين وصلوا إلى الدوحة، لم يتركوا وراءهم عقولهم، ولم يتخلوا عن تشكيلهم المهني، ولم يقطعوا علاقاتهم بلندن. جاؤوا محملين بكل ما تعلموه في بي بي سي: معاييرها وأساليبها، بلغتها وخطابها، برؤاها وأجنداتها، حتى وإن كانوا لا يدركون ذلك بشكل واعٍ.

جاؤوا محملين أيضاً بعلاقاتهم الشخصية والمهنية مع دوائر الإعلام والسياسة في لندن، ومع شبكات الصحفيين والمحررين والمراسلين التي نسجوها على مدى سنوات. جاؤوا محملين بفهم عميق لكيفية عمل الإمبراطورية، وكيفية خدمتها، وكيفية تحقيق التوازن بين المهنية والولاء، بين الموضوعية والانحياز، بين الحرية والتبعية.

وهكذا، كانت الجزيرة، منذ لحظة ميلادها الأولى، ابنة بي بي سي بالمعنى الحرفي والمجازي. ابنة في جيناتها، وفي تشكيلها، وفي رؤاها. ابنة لا يمكنها أن تتخلى عن ميراث أمها، ولا أن تتنكر لجذورها، ولا أن تتحرر من بصماتها.

خامساً: المخابرات البريطانية وعلاقتها ببي بي سي والجزيرة

أ. إم آي 6... العرابة الخفية

لا تكتمل صورة العلاقة بين بي بي سي والجزيرة دون ذكر العرابة الخفية التي رعت هذه العلاقة، وحمت هذه المولودة، وضمنت استمرار هذه السلالة: المخابرات البريطانية، أو إم آي 6 (MI6) كما تُعرف رسمياً.

المخابرات البريطانية، التي تأسست في بدايات القرن العشرين، كانت ولا تزال من أعرق وأقوى أجهزة الاستخبارات في العالم. وقد لعبت، عبر تاريخها الطويل، دوراً محورياً في صياغة السياسات البريطانية تجاه العالم العربي، وفي تنفيذ العمليات السرية التي ضمنت استمرار النفوذ البريطاني في المنطقة حتى بعد انسحاب القوات البريطانية رسمياً.

ومن بين الأدوات التي استخدمتها المخابرات البريطانية على مدى عقود، كانت وسائل الإعلام، وفي مقدمتها بي بي سي. فمن خلال بي بي سي، كانت المخابرات تزرع العملاء، وتنشر المعلومات المضللة، وتجمع المعلومات الاستخبارية، وتوجه الرأي العام، وتؤثر في النخب السياسية والثقافية في العالم العربي.

ومع انتقال كوادر بي بي سي إلى الجزيرة، كان طبيعياً أن تنتقل معهم هذه العلاقات، وأن تستمر هذه الأدوار، وأن تتكيف هذه المهام مع البيئة الجديدة ومع الوسيلة الجديدة. فالجزيرة، بالنسبة للمخابرات البريطانية، لم تكن مجرد قناة عربية جديدة، بل كانت نافذة استخبارية جديدة على العالم العربي، ومنصة دعائية متطورة تعمل على مدار الساعة، وذراعاً ناعماً للإمبراطورية في المنطقة.

هذا ما يفسر لماذا حرصت المخابرات البريطانية، عبر عقود، على دعم الجزيرة، وحمايتها من الضغوط، وتوفير الغطاء السياسي لها، حتى في أصعب الظروف. فما قد يبدو للبعض تضامناً إعلامياً مع قناة تواجه حملات مقاطعة، هو في الحقيقة حماية لأصول استخبارية ثمينة، ولأدوات إمبراطورية فعالة .

ب. الاستخبارات البريطانية والإخوان المسلمون: علاقة قديمة متجددة

ولفهم أعمق لدور المخابرات البريطانية في تشكيل المشهد الإعلامي العربي، يجب العودة إلى تاريخ علاقتها بجماعة الإخوان المسلمين. فمنذ خمسينيات القرن الماضي، كانت المخابرات البريطانية تراقب الإخوان عن كثب، وتدرس إمكانياتهم، وتحسب تأثيرهم، وتتوقع مستقبلهم.

ففي وثائق بريطانية رفعت عنها السرية، يعود تاريخها إلى عام 1952، نجد تقارير استخباراتية دقيقة عن الإخوان المسلمين، تحذر من عواقب تمكينهم من الحكم، لكنها في الوقت نفسه تعترف بشعبيتهم الجارفة وقدرتهم على الفوز بأي انتخابات .

هذه الوثائق تكشف أن المخابرات البريطانية كانت على علم وثيق بتنظيم الإخوان، وبعلاقته بالضباط الأحرار، وبعضوية ستة من أعضاء مجلس قيادة الثورة في الجماعة. كما تكشف عن مخاوف بريطانية من أن يؤدي وصول الإخوان إلى السلطة إلى تهديد المصالب البريطانية في منطقة قناة السويس .

هذه العلاقة القديمة بين المخابرات البريطانية والإخوان، وهذا الفهم العميق لطبيعة التنظيم وقدراته، سيكون له دور حاسم في العقود التالية، عندما تتحول الجزيرة إلى منصة رئيسية لترويج خطاب الإخوان، ولتغطية ثورات الربيع العربي، وللدعاية لحركات الإسلام السياسي في مختلف أنحاء العالم العربي.

سادساً: الرواية الرسمية لتأسيس الجزيرة... بين الحقيقة والدعاية

أ. الحلم القطري: إعلام عصري يساير الديمقراطية

تقول الرواية الرسمية التي ترويها قناة الجزيرة عن نفسها، والتي تكرسها في مناسباتها السنوية وكتبها التوثيقية، أن فكرة تأسيس القناة تعود إلى أمير قطر السابق الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي كان يتطلع إلى "إعلام عصري يساير التطور نحو الديمقراطية في قطر" .

وتضيف الرواية أن المسؤولين القطريين لفت انتباههم قناة بي بي سي العربية التي تميزت بجرأة الطرح وموضوعيته، فطلبوا إعداد دراسة حول إمكانية تأسيس قناة متخصصة في قطر. وعندما أغلقت بي بي سي العربية، قامت الجزيرة باستقطاب المميزين من كوادرها، ولم يزد عدد هؤلاء على 30 بين صحفي وفني .

هذه الرواية تقدم الجزيرة كمشروع وطني قطري خالص، استلهم تجربة عالمية ناجحة، واستقطب كفاءات عربية متميزة، ونجح في تحقيق ما فشلت فيه بي بي سي العربية: الاستمرار والنجاح والتفوق.

ب. ما تخفيه الرواية الرسمية

لكن هذه الرواية الرسمية تخفي أكثر مما تظهر، وتسكت عن أكثر مما تعلن. فهي لا تذكر، مثلاً، أن استقطاب كوادر بي بي سي لم يكن مجرد توظيف عادي، بل كان جزءاً من صفقة أكبر، واتفاق أوسع، وعلاقة استراتيجية بين الدوحة ولندن.

هي لا تذكر أن انتقال هؤلاء الإعلاميين لم يكن مجرد انتقال أفراد، بل كان انتقال مؤسسة مصغرة، تحمل في داخلها ثقافة بي بي سي وسياساتها التحريرية وأجنداتها الخفية.

هي لا تذكر أن الدعم القطري للجزيرة لم يكن فقط دعماً مالياً، بل كان أيضاً غطاء سياسياً، وحماية دبلوماسية، وتوفير بيئة آمنة لتنفيذ أجندات لا تخدم بالضرورة المصالح القطرية وحدها، بل تخدم مصالح إقليمية ودولية أوسع.

هي لا تذكر أن الجزيرة، منذ يومها الأول، كانت مشروعاً مشتركاً بين قطر والإمبراطورية، وأن أمير قطر لم يكن سوى الوجه العربي لمشروع إمبراطوري أوسع، وأن الدوحة لم تكن سوى المقر الإقليمي لإمبراطورية إعلامية عالمية.

سابعاً: الجيل المؤسس: من هم هؤلاء الثلاثون؟

أ. الأسماء التي صنعت المجد

من بين الكوادر التي انتقلت من بي بي سي إلى الجزيرة، برزت أسماء ستصبح لاحقاً علامات فارقة في تاريخ الإعلام العربي. كان من بينهم:

صلاح نجم، الذي أصبح أول رئيس تحرير للجزيرة. كان نجم، كما يروي هو نفسه، من بين الذين وصلوا إلى الدوحة قبل ستة أشهر من انطلاق القناة، وبدأوا العمل في مبنى لم يكن جاهزاً بعد، لتدريب الصحفيين الشباب على أسس العمل الصحفي بمهنية وحرفية عالية .

عدنان الشريف، الذي عمل في الإذاعة القطرية قبل سنوات، وشهد نشأة التلفزيون القطري، وكان يحلم بأن تنطلق قناة عربية متطورة من الدوحة. أصبح الشريف لاحقاً مديراً عاماً للقناة، وقادها في مرحلة حاسمة من تاريخها.

وضاح خنفر، الذي سيكون لاحقاً المدير الأطول بقاءً والأكثر تأثيراً في تاريخ الجزيرة، وقادها خلال العقد الأكثر اضطراباً في تاريخ المنطقة، من غزو العراق إلى الربيع العربي.

وغيرهم كثيرون: إبراهيم هلال الذي أصبح رئيساً للتحرير في مرحلة لاحقة، ومحمد جاسم العلي أول مدير للقناة، وآخرون شكلوا معاً النواة الصلبة للإمبراطورية الإعلامية الجديدة .

ب. سير ذاتية تخفي أكثر مما تظهر

هذه الأسماء، التي تقدمها الرواية الرسمية للجزيرة كنماذج للإعلامي العربي المحترف، الملتزم بالمهنية، والمدافع عن الحرية، تكشف سيرها الذاتية عن أكثر من مجرد مسيرة مهنية ناجحة.

فصلاح نجم، مثلاً، لم يكن مجرد صحفي محترف انتقل من بي بي سي إلى الجزيرة. كان جزءاً من جيل كامل من الإعلاميين العرب الذين تشكل وعيهم المهني في لندن، وتدربوا على أيدي بريطانيين، واستوعبوا معايير العمل الإعلامي الغربي، لكنهم استوعبوا أيضاً، بشكل غير مباشر، الرؤية الغربية للعالم، والنظرة الاستعمارية للمنطقة العربية.

ووضاح خنفر، الذي سيقود الجزيرة لأكثر من عقد، لم يكن مجرد مدير ناجح لقناة ناجحة. كان الرجل الذي سيجسد، بشكل عملي، علاقة الجزيرة بالإمبراطورية، من خلال لقاءاته المنتظمة مع مسؤولي السفارة الأمريكية في الدوحة، ومن خلال استجابته السريعة لملاحظاتهم وتوجيهاتهم .

هؤلاء الإعلاميون، مهما بلغت كفاءتهم المهنية، ومهما كانت نواياهم الشخصية، كانوا جزءاً من مشروع أكبر منهم، وأدوات في لعبة إقليمية ودولية لا يتحكمون فيها. كانوا الجنود المجهولين في جيش الإمبراطورية الناعم.

ثامناً: الانتقال السلس: كيف تحولت الخبرات إلى أجندات؟

أ. اللغة والأسلوب: استمرارية بي بي سي

عندما انطلقت الجزيرة في نوفمبر 1996، كان المشاهد العربي يشعر وكأنه يشاهد بي بي سي العربية، ولكن بنكهة عربية مختلفة. نفس اللغة الرصينة، نفس الأسلوب المهني، نفس الجرأة في الطرح، نفس التوازن في التغطية.

هذا التشابه لم يكن صدفة، بل كان نتاج طبيعي لانتقال الكوادر نفسها، واستمرارها في استخدام نفس الأدوات والأساليب التي تدربت عليها في لندن. فالجرأة التي اشتهرت بها الجزيرة، والتي كانت مصدر جاذبيتها الأولى للجمهور العربي، لم تكن جرأة عربية خالصة، بل كانت جرأة مستوردة من بي بي سي، ومعدلة لتتناسب مع الذوق العربي.

نفس الشيء ينطبق على الموضوعية، والتوازن، والدقة، وكل المعايير المهنية التي ميزت الجزيرة في سنواتها الأولى. كلها كانت امتداداً لمعايير بي بي سي، وتطبيقاً عملياً للتدريب الذي تلقاه المؤسسون في لندن.

ب. السياسات التحريرية: من هم الأصدقاء ومن هم الأعداء؟

لكن الأهم من اللغة والأسلوب، كانت السياسات التحريرية التي انتهجتها الجزيرة، والتي كشفت عن استمرارية أعمق مع بي بي سي، واستجابة أكثر دقة لأجندات الإمبراطورية.

فالجزيرة، مثل بي بي سي، كانت تعرف بدقة من هم الأصدقاء ومن هم الأعداء. كانت تعرف متى تكون جريئة ومتى تكون حذرة. كانت تعرف أي القضايا يمكن فتحها للنقاش وأيها يجب إغلاقه. كانت تعرف أي الشخصيات يمكن استضافتها وأيها يجب تجاهلها.

هذه السياسات التحريرية لم تكن معلنة، ولم تكن مكتوبة في دليل داخلي. لكنها كانت حاضرة في الممارسة اليومية، في اختيارات المحررين، في توجيهات رؤساء الأقسام، في اجتماعات التحرير الصباحية. كانت الخطوط الحمراء التي لا يمكن تجاوزها، والأجندات الخفية التي يجب خدمتها، والمصالح الكبرى التي يجب حمايتها.

تاسعاً: من بي بي سي إلى الجزيرة... وماذا بعد؟

أ. امتداد الإمبراطورية: كيف انتقلت الأجندات من لندن إلى الدوحة؟

مع انتقال كوادر بي بي سي إلى الجزيرة، واستمرارهم في تطبيق معايير وأساليب بي بي سي، كان طبيعياً أن تنتقل معهم أيضاً الأجندات الخفية، والمصالح الكبرى، والولاءات الضمنية.

فالإمبراطورية لا تحتاج إلى جنود يرتدون بزات رسمية، ولا إلى عملاء يحملون هويات مزيفة. الإمبراطورية تحتاج إلى إعلاميين محترفين، يمارسون عملهم بحرية واستقلالية ظاهرية، لكنهم في العمق يخدمون أجنداتها، وينفذون توجيهاتها، ويحمون مصالحها.

وهذا بالضبط ما حدث مع الجزيرة. فالقناة التي قدمت نفسها كصوت عربي مستقل، كانت في الحقيقة أداة إمبراطورية بامتياز. كانت تنفذ في العالم العربي ما كانت بي بي سي تنفذه في مستعمرات بريطانيا السابقة. كانت تروض الشعوب، وتشكل الوعي، وتوجه الغضب، وتحمي المصالح.

ب. الدمج بين الخبرة الغربية والتمويل الخليجي: معادلة ناجحة

ما جعل الجزيرة أكثر فعالية من بي بي سي العربية، وأكثر قدرة على التأثير في الجمهور العربي، هو الدمج الناجح بين الخبرة الإعلامية الغربية والتمويل الخليجي الوفير.

فالخبرة الإعلامية الغربية وفرت للجزيرة المعايير المهنية الرفيعة، والأساليب التحريرية المتطورة، والجرأة المحسوبة، والموضوعية الظاهرية. أما التمويل الخليجي، فوفر لها الاستقلال المالي عن الحكومات العربية، والقدرة على تغطية الأحداث من مواقعها، والجرأة على انتقاد الأنظمة العربية، والتفوق التقني على القنوات العربية الأخرى.

هذا الدمج الفريد، بين الخبرة والأموال، بين الغرب والخليج، بين المعايير المهنية والأجندات السياسية، هو ما جعل الجزيرة إمبراطورية إعلامية حقيقية، قادرة على منافسة كبرى القنوات العالمية، والتأثير في ملايين العرب، وتشكيل الوعي الجمعي للأمة.

عاشراً: دروس من الماضي: بي بي سي والإمبراطورية البريطانية في العالم العربي

أ. الإعلام الاستعماري: نماذج تاريخية

لكي نفعل دور بي بي سي في تشكيل الجزيرة، يجب أن ننظر إلى التاريخ الأوسع للدور الاستعماري للإعلام البريطاني في العالم العربي. فبريطانيا لم تكتفِ باحتلال الأراضي العربية عسكرياً، بل احتلتها أيضاً إعلامياً، عبر شبكة من الصحف والإذاعات والمجلات التي كانت تنشر وتذيع من لندن أو من المستعمرات نفسها.

ففي مصر، التي احتلتها بريطانيا عام 1882، كانت الصحف الناطقة بالعربية والتي تمولها السلطات البريطانية أداة رئيسية لنشر الدعاية الاستعمارية، وتشويه صورة المقاومة الوطنية، وترويج قيم التبعية والولاء للتاج البريطاني.

وفي فلسطين، التي وقعت تحت الانتداب البريطاني بعد الحرب العالمية الأولى، كانت إذاعة القدس العربية أداة رئيسية لبث الدعاية البريطانية، ومواجهة التأثير القومي العربي الصاعد، وتهدئة المشاعر المعادية للاستعمار.

هذه النماذج التاريخية تقدم لنا درساً مهماً: الإعلام لم يكن أبداً مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل كان دائماً أداة للسيطرة، وآلية للهيمنة، وسلاحاً في معركة الوعي.

ب. الانتقال من الاستعمار القديم إلى الاستعمار الجديد

مع انسحاب القوات البريطانية رسمياً من المستعمرات العربية، لم ينتهِ الدور الاستعماري لبريطانيا في المنطقة. فقط تغيرت الأدوات، وتطورت الأساليب، وتكيفت الآليات مع الظروف الجديدة.

فبدل الاحتلال العسكري المباشر، جاء الاحتلال الثقافي غير المباشر. بدل الجنود الذين يرتدون البزات العسكرية، جاء الإعلاميون الذين يرتدون بزات الصحافة. بدل المدافع التي تقصف المدن، جاءت الكلمات التي تقصف العقول.

وهكذا، تحولت بي بي سي من إذاعة استعمارية تخدم التاج البريطاني مباشرة، إلى مؤسسة إعلامية "مستقلة" تخدم المصالب البريطانية بشكل غير مباشر، عبر تقديم نموذج إعلامي جذاب، وترويج قيم "الحرية" و"الديمقراطية" و"حقوق الإنسان" التي تخدم في النهاية الأجندة الغربية.

حادي عشر: وثائق لا تكذب: الدليل على العلاقة العضوية

أ. ما كشفته وثائق ويكيليكس

لا نحتاج إلى التخمين أو الافتراض بشأن العلاقة بين الجزيرة والإمبراطورية. فهناك وثائق رسمية، نشرها موقع ويكيليكس، تكشف بالتفصيل طبيعة هذه العلاقة، وعمقها، وتفاصيلها الدقيقة.

فمن بين آلاف الوثائق الدبلوماسية الأمريكية التي نشرها ويكيليكس، هناك وثائق عديدة تتعلق بقطر والجزيرة، تكشف عن:

1. لقاءات منتظمة بين مدير الجزيرة ومسؤولي السفارة الأمريكية في الدوحة .
2. تقارير استخبارية أمريكية تقدم شهرياً لمدير الجزيرة، تتضمن ملاحظات على تغطية القناة وتوجيهات حول كيفية تحسينها .
3. تعهدات من مدير الجزيرة بتعديل التغطية، وإزالة المواد المسيئة للولايات المتحدة، وتهدئة اللهجة تجاه القضايا الحساسة .
4. استخدام قطر لقناة الجزيرة كوسيلة للمساومة في السياسة الخارجية، وعرضها على الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك تخفيف انتقادات الجزيرة لمصر مقابل تعديل موقفه من المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية .
5. علاقات قطر مع إسرائيل، وتنسيقها مع مسؤولين إسرائيليين لضرب استقرار مصر واستخدام الجزيرة كأداة في هذا التنسيق .

هذه الوثائق، التي لا يمكن الطعن في صحتها، تكشف بما لا يدع مجالاً للشك أن الجزيرة لم تكن قناة مستقلة كما تدعي، بل كانت أداة في يد السياسة القطرية، والسياسة القطرية نفسها كانت أداة في يد الإمبراطورية.

ب. برقية خنفر الشهيرة: اعتراف صريح

من بين أبرز هذه الوثائق، البرقية التي تروي تفاصيل لقاء وضاح خنفر بمسؤول الشؤون العامة في الاستخبارات العسكرية الأمريكية في السفارة الأمريكية بالدوحة يوم 19 أكتوبر 2005 .

في هذا اللقاء، ناقش خنفر مع المسؤول الأمريكي المواضيع المقلقة المنشورة في موقع القناة، وأحضر معه رداً مكتوباً على البنود المذكورة في التقارير الأمريكية لشهور يوليو وأغسطس وسبتمبر من عام 2005 .

وتعهد خنفر، في رد مكتوب، بأن المواضيع المقلقة في موقع القناة "تم تهذيبها وتهدئة لهجتها وأنه سوف يزيلها من الموقع في خلال يومين أو ثلاثة" .

كما تعهد بإزالة صور تظهر أطفالاً مصابين على أسرة المستشفى، وامرأة مصابة في وجهها إصابة بالغة، وشهادة طبيب تشير إلى استخدام القوات الأمريكية غازاً ساماً ضد السكان في مدينة تلعفر العراقية .

وطالب خنفر المسؤول الأمريكي بالاتفاق على طريقة آمنة لإرسال البرقيات إليه، بعد أن وجد إحداها في جهاز الفاكس مما قد يسهل إطلاع الآخرين في القناة عليها .

هذه البرقية وحدها تكفي لإسقاط قناع الاستقلالية عن وجه الجزيرة، وكشف حقيقتها كأداة في يد الإمبراطورية. فمدير القناة لم يكن فقط على اتصال منتظم بالاستخبارات الأمريكية، بل كان يتلقى منها تقارير وتوجيهات، وينفذها فوراً، ويطلب المزيد.

ثاني عشر: إشكاليات الاستقلالية: لماذا تفشل التجارب الإعلامية العربية؟

أ. معضلة التمويل

التجربة الجزيرة تطرح سؤالاً أعمق: لماذا تفشل كل التجارب الإعلامية العربية في تحقيق استقلالية حقيقية؟ لماذا تتحول القنوات التي تبدأ بشعارات الحرية والديمقراطية إلى أدوات في يد الأنظمة أو الأجندات الخارجية؟

أحد الأسباب الرئيسية هو معضلة التمويل. فالإعلام المستقل يحتاج إلى تمويل مستقل. والتمويل المستقل في العالم العربي شبه مستحيل. فإما أن يكون التمويل حكومياً، فتتحول القناة إلى لسان حال النظام. وإما أن يكون تمويلاً خاصاً، فيتحول إلى أداة في يد رجال الأعمال وأصحاب المصالح. وإما أن يكون تمويلاً خارجياً، فيتحول إلى منصة لأجندات دولية.

الجزيرة اختارت النموذج الثالث: تمويل حكومي قطري، لكن مع أجندة خارجية أمريكية - بريطانية. وهذا ما أعطاها مرونة أكبر من القنوات الحكومية التقليدية، لكنه جعلها أيضاً أكثر تبعية وأقل استقلالية.

ب. معضلة الكوادر

السبب الثاني هو معضلة الكوادر. فالإعلام المستقل يحتاج إلى إعلاميين مستقلين. والإعلاميين المستقلين في العالم العربي قلة نادرة. معظم الإعلاميين العرب إما تابعون للأنظمة، أو تابعون للأحزاب، أو تابعون للتيارات الدينية، أو تابعون للممولين.

الجزيرة استقطبت أفضل الكوادر العربية، لكنها استقطبتهم وهم مشبعون بثقافة بي بي سي، ومتشكلون وفق رؤيتها، ومدينون بالولاء لها. وهؤلاء الإعلاميون، رغم كفاءتهم المهنية العالية، كانوا يحملون في عقولهم وقلوبهم رؤية معينة للعالم، وأجندة معينة للمنطقة، وولاءات معينة للإمبراطورية.

ثالث عشر: الإرث المستمر: بي بي سي والجزيرة اليوم

أ. التعاون المستمر

العلاقة بين بي بي سي والجزيرة لم تنتهِ بتأسيس القناة القطرية، بل استمرت وتطورت على مر السنين. فالتعاون المهني بين المؤسستين مستمر، وتبادل الخبرات قائم، والتنسيق في تغطية الأحداث الكبرى واضح.

بل إن بي بي سي والجزيرة تتعاونان أحياناً في مواجهة التحديات المشتركة، كما حدث عندما تضامنت بي بي سي مع شبكة الجزيرة في وجه الحملات التي تتعرض لها . هذا التضامن، الذي يبدو للبعض طبيعياً بين مؤسستين إعلاميتين، هو في الحقيقة دليل آخر على عمق العلاقة بينهما، وعلى استمرارية المشروع الإعلامي نفسه.

ب. التقارب في الخطاب والسياسات

ليس التعاون المهني وحده ما يربط بي بي سي بالجزيرة اليوم، بل هناك أيضاً تقارب واضح في الخطاب والسياسات التحريرية. فكلتاهما تتبنى نفس الرؤية للعالم، وتقدم نفس النظرة للأحداث، وتخدم نفس الأجندات الكبرى.

هذا التقارب يظهر بوضوح في تغطية القضايا الكبرى: الربيع العربي، الصراع العربي - الإسرائيلي، الأزمة السورية، الملف النووي الإيراني، الحرب في اليمن. في كل هذه القضايا، تجد بي بي سي والجزيرة نفسيهما على نفس الجانب، تتبنيان نفس الرواية، وتقدمان نفس التحليل، وتدعمان نفس الأطراف.

رابع عشر: نقد ذاتي: هل كان ممكناً أن تكون الجزيرة مختلفة؟

أ. قراءة في البدائل الممكنة

بعد كل ما تقدم، يبقى السؤال: هل كان ممكناً أن تكون الجزيرة مختلفة؟ هل كان ممكناً أن تتحرر من إرث بي بي سي، ومن تبعيتها للإمبراطورية، ومن أجندات الغرب؟

ربما كان ممكناً، لو توفرت عدة شروط:

أولها: تمويل عربي مستقل حقاً، لا يخضع لأجندات خارجية ولا لضغوط سياسية.

ثانيها: كوادر إعلامية عربية مستقلة حقاً، مشبعة بثقافة التحرر والاستقلال، لا بثقافة التبعية والولاء للغرب.

ثالثها: بيئة سياسية عربية داعمة للإعلام المستقل، لا تخنقه وتلاحقه وتضيق عليه.

رابعها: جمهور عربي واعٍ، ناقد، قادر على التمييز بين الإعلام الحر والإعلام التابع، وبين الخطاب التحرري والخطاب الإمبراطوري.

لكن هذه الشروط لم تتوفر، ولا تزال غير متوفرة. ولهذا، كانت الجزيرة كما هي: إمبراطورية إعلامية ناجحة، لكنها تابعة في العمق.

ب. دروس للمستقبل

رغم كل الانتقادات الموجَّهة للجزيرة، ورغم كل الأدلة على تبعيتها للإمبراطورية، تبقى تجربتها غنية بالدروس والعبر لمن يريد بناء إعلام عربي بديل، مستقل، تحرري.

من هذه الدروس: ضرورة الاستقلال المالي الكامل عن أي جهة حكومية أو خاصة أو خارجية. ضرورة بناء كوادر إعلامية وطنية، مشبعة بثقافة التحرر والاستقلال. ضرورة تطوير معايير مهنية عربية أصيلة، لا مستوردة من الغرب. ضرورة بناء علاقة نقدية واعية مع التجارب الإعلامية الغربية، تستفيد من إيجابياتها وتتجنب سلبياتها. ضرورة تحصين الجمهور العربي ضد الخطاب الإمبراطوري، وتمكينه من أدوات النقد والتحليل والتمييز.

خامس عشر: خاتمة الباب الأول: سلالة مستمرة

أ. تلخيص الجدل

في هذا الباب الطويل، حاولنا تفكيك العلاقة العضوية بين بي بي سي والجزيرة، وكشف السلالة الإمبراطورية التي تجمع بينهما. تتبعنا تاريخ بي بي سي كإمبراطورية إعلامية بريطانية، ورصدنا انتقال كوادرها إلى الدوحة، ووثقنا استمرارية الخطاب والسياسات، وكشفنا العلاقة مع المخابرات، وقرأنا وثائق ويكيليكس التي لا تدع مجالاً للشك.

وخلصنا إلى أن الجزيرة لم تكن مجرد قناة عربية استلهمت تجربة بي بي سي، بل كانت استمراراً عضوياً لتلك التجربة، وامتداداً طبيعياً لذلك المشروع، وحلقة في سلسلة الإمبراطوريات الإعلامية التي تخدم مصالح الغرب في المنطقة العربية.

ب. ما ينتظرنا في الأبواب القادمة

هذا الباب الأول كان مجرد مقدمة ضرورية لفهم الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية. فما زال أمامنا أبواب كثيرة، سنتناول فيها:

· الباب الثاني: وثائق لا تدع مجالاً للشك: لقاءات وضاح خنفر والسفارة الأمريكية، وفيه سنتعمق في تحليل وثائق ويكيليكس ونكشف تفاصيل جديدة عن العلاقة بين الجزيرة والاستخبارات الأمريكية.
· الباب الثالث: قنوات الدين والسياسة... بريجنسكي وكيسنجر في عمامة، وفيه سنتناول دور القنوات الدينية الخليجية في ترويج خطاب إسلامي تابع، وتفكيك مشاريع التنمية المستقلة.
· الباب الرابع: تجارب التنمية المستقلة... في مرمى النيران، وفيه سنحلل كيف استهدفت الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية كل مشروع تنموي عربي مستقل، من تجربة عبد الناصر إلى ثورة إيران إلى صنعاء اليوم.
· الباب الخامس: البديل... نحو وعي اجتماعي على طريق الصين، وفيه سنبحث في إمكانيات بناء إعلام عربي بديل، مستلهمين تجربة الصين في حماية عقل مواطنيها من الخطاب الاستعماري الغربي.

أما الآن، فقد حان وقت الانتقال إلى الباب الثاني، حيث سنواصل رحلتنا في تفكيك الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية، وكشف أسرارها، وفضح أجنداتها، وتحصين العقول العربية ضد خطابها المسموم.

……

يتبع في الباب الثاني: وثائق لا تدع مجالاً للشك: لقاءات وضاح خنفر والسفارة الأمريكية


……..


الباب الثاني:

وثائق لا تدع مجالاً للشك... لقاءات وضاح خنفر والسفارة الأمريكية

في تشريح لحظة انكشاف القناع: حين صارت البرقيات شاهدة على التاريخ

…..

أولاً: مدخل... اللحظة التي سقط فيها القناع

ليس كل ما يُكتب يُقرأ، وليس كل ما يُقرأ يُصدق، وليس كل ما يُصدق يُفهم. لكن ثمة وثائق، إذا قرأتها مرة، لا تحتاج إلى إعادة قراءة، لأنها تشرق في وجهك كالشمس، وتصعقك كالصاعقة، وتزلزل كيانك كالزلزال. إنها الوثائق التي لا تحتمل تأويلاً، ولا تقبل جدلاً، ولا تترك مجالاً للشك. إنها الحقيقة عارية، مجردة، صارخة.

من بين هذه الوثائق، تبرز برقيات الدوحة، تلك الرسائل الدبلوماسية الأمريكية التي تسربت عبر موقع ويكيليكس، فكشفت عن وجه آخر للإمبراطوريات الإعلامية الخليجية، وأسقطت الأقنعة عن وجوه كان يظنها الناس أقنعة شفافة، وأضاءت زوايا مظلمة من علاقة الإعلام بالسلطة، والصحافة بالسياسة، والمهنية بالتبعية.

في هذا الباب الطويل، من التحليل العميق ، سنقف عند هذه الوثائق وقفة المتأمل المحقق، والقارئ المدقق، والناقد الموضوعي. سنقرأها كلمة كلمة، ونحللها سطراً سطراً، ونفكك إشاراتها وتلميحاتها وإيحاءاتها. سنبحث في خلفياتها وسياقاتها وتداعياتها. سنحاول فهم ماذا تعني، وماذا تكشف، وماذا تخفي.

ففي هذه الوثائق، ليست مجرد أوراق دبلوماسية، بل هي شهادة ميلاد جديدة للإمبراطوريات الإعلامية الخليجية. هي الاعتراف الضمني، بل الصريح، بأن ما كان يُظن استقلالاً هو تبعية، وما كان يُعتقد مهنية هو انحياز، وما كان يُروج له كحرية هو خضوع. هي اللحظة التي سقط فيها القناع، وانكشف الوجه، وتبدد الوهم.

ثانياً: ويكيليكس... حين أصبحت الأسرار في متناول الجميع

أ. الموقع الذي هز عروش الإمبراطوريات

قبل أن ندخل في تفاصيل وثائق الجزيرة، لا بد من وقفة عند المصدر نفسه: موقع ويكيليكس، تلك المنصة الثورية التي أحدثت زلزالاً في عالم الإعلام والسياسة، حين بدأت في نشر آلاف الوثائق السرية الأمريكية، فكشفت عن خفايا الدبلوماسية الدولية، وأسرار الحروب، وملفات الفساد، وعلاقات النفوذ.

ويكيليكس، الذي أسسه الناشط الأسترالي جوليان أسانج، لم يكن مجرد موقع إلكتروني ينشر وثائق مسربة. كان ثورة في مفهوم الشفافية، وتحدياً صارخاً لسلطة السرية، وإعلان حرب على الإمبراطوريات التي تبني نفوذها على إخفاء الحقائق. كان صوت من لا صوت لهم، وعين من لا عين لهم، وأمل من يئسوا من كشف الحقيقة.

عندما بدأ ويكيليكس في نشر برقيات الخارجية الأمريكية عام 2010، كان العالم على موعد مع صدمة كبرى. فجأة، أصبح في متناول الجميع ما كانت تحتفظ به الإمبراطورية من أسرار لعقود. فجأة، تكشفت خفايا العلاقات الدولية، وأوراق اللعبة الكبرى، ومخططات الهيمنة والنفوذ. فجأة، رأى العالم وجه الإمبراطورية الحقيقي، خلف أقنعة الديمقراطية وحقوق الإنسان والحرية.

ب. برقيات الدوحة: عندما وصلت الوثائق إلى الخليج

من بين آلاف البرقيات التي نشرها ويكيليكس، كانت برقيات الدوحة ذات أهمية خاصة للعالم العربي. فهذه البرقيات، الصادرة عن السفارة الأمريكية في قطر، كشفت عن تفاصيل دقيقة للعلاقة بين واشنطن والدوحة، وعن الدور الذي تلعبه قطر في المنطقة، وعن طبيعة العلاقة بين الإمبراطورية والإعلام.

وكان من أبرز هذه البرقيات، تلك التي تطرقت إلى قناة الجزيرة، وعلاقتها بالسفارة الأمريكية، ومدى تأثير واشنطن في سياساتها التحريرية. هذه البرقيات شكلت صدمة للكثيرين، الذين كانوا يظنون الجزيرة صوتاً عربياً مستقلاً، فإذا بها تتلقى التوجيهات من السفارة الأمريكية، وتنفذ تعليماتها، وتعدل تغطيتها وفق رغباتها.

في هذه البرقيات، تكشفت حقيقة صادمة: الجزيرة لم تكن ذلك الصوت المستقل الجريء الذي عرفناه على الشاشات، بل كانت أداة في لعبة كبرى، ومحطة في شبكة نفوذ، وجزءاً من معادلة إقليمية ودولية معقدة. وكان وضاح خنفر، مدير القناة آنذاك، هو حلقة الوصل الرئيسية بين القناة والإمبراطورية.

ثالثاً: البرقية الأم... تفاصيل اللقاء التاريخي

أ. التاريخ: 30 أكتوبر 2005

في 30 أكتوبر 2005، وفي مقر السفارة الأمريكية بالدوحة، عُقد اجتماع لم يكن متوقعاً أن يصبح بعد سنوات مادة للجدل والتحليل، ومصدراً لإحراج أحد أبرز الإعلاميين العرب، ودليلاً قاطعاً على علاقة التبعية بين الجزيرة وواشنطن.

الاجتماع جمع بين وضاح خنفر، المدير العام لقناة الجزيرة آنذاك، ومسؤول الشؤون العامة في الاستخبارات العسكرية الأمريكية الملحق بالسفارة. لم يكن هذا اللقاء الأول من نوعه، كما ستكشف الوثائق، لكنه كان الأكثر تفصيلاً، والأكثر دلالة، والأكثر إحراجاً.

حضر خنفر إلى الاجتماع حاملاً معه ردوداً مكتوبة على ملاحظات الاستخبارات الأمريكية بشأن تغطية الجزيرة للحرب في العراق خلال الأشهر الثلاثة السابقة. لم يكن هذا الرد ارتجالياً، بل كان مدروساً، ومنسقاً، ومعداً بعناية. وكان يحمل في طياته اعترافاً ضمنياً بحق الولايات المتحدة في مراقبة وتقييم وتوجيه تغطية الجزيرة .

ب. الحضور: من كان في الغرفة؟

الغرفة التي جمعت خنفر بالمسؤول الأمريكي لم تكن فارغة، بل كانت مملوءة بالرموز والدلالات. فإلى جانب المسؤول الأمريكي، كان هناك حضور لافت لوزارة الخارجية القطرية، التي كانت، وفق البرقية، على علم مسبق بالاجتماع، بل وكانت تمرر تقارير الاستخبارات الأمريكية إلى خنفر بشكل منتظم .

هذا الحضور القطري يؤكد أن الاجتماع لم يكن لقاء جانبياً أو شخصياً بين خنفر والأمريكيين، بل كان جزءاً من ترتيب مؤسسي، وتنسيق رسمي، بين حكومة قطر وحكومة الولايات المتحدة، بشأن إدارة تغطية الجزيرة. وكأن قطر، من خلال وزارة خارجيتها، كانت تقول لأمريكا: "نحن هنا لضمان حسن سير الأمور، ولتسهيل مهمتكم في توجيه الإعلام".

أما خنفر، فكان يمثل في هذا الاجتماع وجهين: وجه الإعلامي المستقل الذي يدافع عن مهنيته واستقلاليته، ووجه المسؤول التابع الذي ينفذ تعليمات الجهات الراعية. وقد تجلى هذا التناقض بوضوح في مجريات الاجتماع، حيث حاول خنفر الموازنة بين إرضاء الأمريكيين والحفاظ على ماء الوجه أمام الرأي العام.

رابعاً: تفاصيل الاجتماع... ماذا دار في تلك الغرفة؟

أ. الملاحظات الأمريكية: ثلاث شهور من المراقبة

بدأ الاجتماع بعرض المسؤول الأمريكي للملاحظات التي أعدتها الاستخبارات العسكرية الأمريكية حول تغطية الجزيرة للحرب في العراق خلال شهور يوليو وأغسطس وسبتمبر 2005. هذه الملاحظات لم تكن مجرد انطباعات عابرة، بل كانت تقارير مفصلة، تتضمن تحليلاً دقيقاً لمئات المواد الإخبارية، والتقارير الميدانية، والبرامج الحوارية، والمقالات التحليلية .

وكانت أبرز الملاحظات الأمريكية تتمحور حول:

1. تغطية انتقادية مفرطة للعمليات العسكرية الأمريكية: خصوصاً تلك التي تسفر عن سقوط ضحايا مدنيين.
2. بث صور صادمة للضحايا المدنيين: خاصة الأطفال والنساء، مما يثير مشاعر معادية لأمريكا في الشارع العربي.
3. استضافة شخصيات تعارض السياسات الأمريكية: من سياسيين ومحللين وناشطين، دون موازنة كافية بآراء مؤيدة للولايات المتحدة.
4. استخدام مصطلحات تحمل أحكاماً مسبقة: مثل "قوات الاحتلال" بدلاً من "القوات المتحالفة"، أو "المقاومة" بدلاً من "الإرهابيين".
5. تغطية مكثفة للانتهاكات الأمريكية: في سجون العراق وأفغانستان، مثل فضيحة سجن أبو غريب.

هذه الملاحظات، التي قدمها المسؤول الأمريكي لخنفر، كانت في الحقيقة بمثابة "لائحة اتهام" للجزيرة، وقائمة مطالب يجب تلبيتها، وتعليمات يجب تنفيذها.

ب. رد خنفر المكتوب: وثيقة الاعتراف

لم يكتف خنفر بالاستماع إلى الملاحظات الأمريكية ومناقشتها شفهياً، بل قدم رداً مكتوباً، موقعاً باسمه، يتضمن تعهدات محددة وواضحة بشأن كيفية التعامل مع هذه الملاحظات .

هذا الرد المكتوب هو الوثيقة الأكثر أهمية في الاجتماع، بل في ملف الجزيرة مع أمريكا برمته. فهو ليس مجرد محضر اجتماع، بل هو وثيقة رسمية، من أعلى مسؤول إعلامي في العالم العربي، إلى ممثل الاستخبارات الأمريكية، يتعهد فيها بتعديل التغطية الإعلامية وفق الرغبات الأمريكية.

الرد المكتوب تضمن عدة بنود أساسية:

1. تعهد بتهذيب وتهدئة لهجة المواد المسيئة للولايات المتحدة، خاصة تلك المنشورة على موقع القناة الإلكتروني .
2. تعهد بإزالة مواد محددة من موقع القناة خلال يومين إلى ثلاثة أيام كحد أقصى .
3. اعتراف ضمني بحق الولايات المتحدة في مراقبة وتقييم أداء القناة، وتقديم ملاحظاتها وتوجيهاتها بشكل منتظم.
4. طلب وضع آلية آمنة لإرسال الملاحظات الأمريكية، لتجنب اطلاع العاملين في القناة عليها .

هذا الرد المكتوب يحمل في طياته اعترافاً خطيراً: خنفر لم يكن يدافع عن استقلالية القناة، ولم يطلب من الأمريكيين التوقف عن مراقبته، ولم يحتج على تدخلهم في عمله. بل على العكس، كان يتعاون معهم، وينفذ تعليماتهم، ويطلب منهم تسهيل عملية التوجيه وجعلها أكثر سرية وأقل إحراجاً.

خامساً: التعهد الأكثر إثارة للجدل... إزالة الصور

أ. صور الأطفال والنساء: ذاكرة مؤلمة للإمبراطورية

من بين التعهدات التي قدمها خنفر للأمريكيين، كان التعهد الأكثر إثارة للجدل هو إزالة صور محددة من موقع القناة، كانت تظهر ضحايا مدنيين للعمليات العسكرية الأمريكية في العراق .

الصور التي طلب الأمريكيون إزالتها، والتي وافق خنفر فوراً على إزالتها، كانت:

1. صور أطفال مصابين على أسرة المستشفى: أطفال عراقيون أصيبوا في قصف أمريكي، يظهرون بملامح بريئة وأجساد ممزقة، في مشهد يثير الشفقة والغضب معاً.
2. صورة امرأة مصابة في وجهها إصابة بالغة: امرأة عراقية شوهت ملامحها بسبب القصف، في صورة تختصر مأساة الحرب وتجعل المشاهد يعيش تفاصيلها المؤلمة.
3. شهادة طبيب تشير إلى استخدام القوات الأمريكية غازاً ساماً: شهادة موثقة من طبيب عراقي يتهم القوات الأمريكية باستخدام أسلحة محرمة دولياً ضد المدنيين في مدينة تلعفر العراقية .

هذه الصور والشهادات، التي كانت تعكس حقيقة ما يحدث في العراق، وتنقل معاناة المدنيين تحت الاحتلال، وتفضح جرائم الحرب التي ترتكبها القوات الأمريكية، كانت بالنسبة لواشنطن "مواد مسيئة" يجب إزالتها فوراً. وبالنسبة لخنفر، كانت "مشكلة" يجب حلها بأسرع وقت.

ب. الموافقة الفورية: لماذا لم يناقش خنفر؟

السؤال الذي يطرح نفسه بحدة: لماذا وافق خنفر فوراً على إزالة هذه الصور؟ لماذا لم يناقش، أو يحاور، أو يطلب مهلة للتشاور مع مجلس الإدارة؟ لماذا لم يحتج على مبدأ التدخل الأمريكي في سياسات القناة التحريرية؟

الجواب يكمن في عمق العلاقة بين الجزيرة والإمبراطورية. خنفر لم يكن في موقع النقاش أو المساومة، بل في موقع التنفيذ والتلقي. كان يعرف حدود سلطته الحقيقية، ويدرك طبيعة العلاقة التي تربط قطر بأمريكا، ويفهم أن رفض الطلب الأمريكي قد يكلفه الكثير، بل قد يكلف القناة وجودها.

لقد كان خنفر، في تلك اللحظة، يجسد الدور الحقيقي لمدير الجزيرة: ليس صانع قرار مستقل، بل منفذ لأجندات أكبر منه. ليس مدافعاً عن حرية الإعلام، بل حارساً لمصالح الإمبراطورية. ليس صوتاً للعرب، بل أداة في يد أمريكا.

الأكثر إثارة للانتباه في هذا السياق، هو أن خنفر لم يطلب من الأمريكيين أي تنازل مقابل، ولم يحاول التفاوض على صفقة تبادل منافع، بل وافق فوراً ودون تردد. وكأنه كان ينتظر هذه التعليمات، وكأنه كان مستعداً لتنفيذها، وكأن القناة التي يديرها ليست مستقلة كما يدّعي، بل هي مجرد فرع إعلامي للسفارة الأمريكية في الدوحة.

سادساً: طلب السرية... "لا تذكروا أننا متفقون"

أ. بروتوكول التعامل: السرية المطلقة

من أكثر التفاصيل إثارة في البرقية، ذلك المقطع الذي يروي كيف طلب خنفر من المسؤول الأمريكي الحفاظ على سرية تعاونه معهم، وعدم الإشارة إلى وجود "اتفاق" رسمي بين الجزيرة والولايات المتحدة .

فقد اعترض خنفر على تقرير استخباراتي أمريكي وصف العلاقة بين الجانبين بأنها "اتفاق"، مؤكداً أن "الاتفاق كان أنه لا يوجد وثيقة رسمية"، ومضيفاً: "كمنظمة إعلامية، لا يمكننا توقيع اتفاقات من هذا النوع، ووجود هذا الأمر هنا كتابةً يقلقنا" .

هذا الطلب بالغ الدلالة. فهو يكشف أن خنفر كان على وعي كامل بطبيعة العلاقة التي تجمعه بالأمريكيين، وبمدى حساسيتها وإحراجها. كان يعلم أن اكتشاف هذه العلاقة سيدمر سمعة القناة، ويكشف زيف استقلاليتها، ويضعها في موقف لا تحسد عليه أمام الجمهور العربي.

ولذلك، كان حريصاً على أن تبقى هذه العلاقة سرية، وأن تدار عبر قنوات غير رسمية، وأن لا تترك أي أثر مكتوب يمكن أن يستخدم ضد القناة في المستقبل. كان يريد أن تكون الجزيرة قناة "مستقلة" في الظاهر، "تابعة" في الباطن. وكان يريد للأمريكيين أن يستمروا في توجيه القناة، لكن دون أن يتركوا بصماتهم على دفتها.

ب. "غير ورقي": ماذا يعني هذا المفهوم؟

مفهوم "غير ورقي" (Non-paper) الذي استخدمه خنفر في اجتماعه مع المسؤول الأمريكي، هو مفهوم دبلوماسي يعني وثيقة غير رسمية، غير موقعة، غير ملزمة قانونياً، لكنها تعبر عن موقف أو تفاهم بين طرفين.

باستخدام هذا المفهوم، كان خنفر يحاول تحقيق معادلة صعبة: من جهة، يضمن استمرار التعاون مع الأمريكيين وتلقي توجيهاتهم، ومن جهة أخرى، يحمي القناة من تبعات هذا التعاون القانونية والأخلاقية. كان يريد "اتفاقاً" دون أن يكون هناك اتفاق، و"تعهداً" دون أن يكون هناك تعهد، و"علاقة" دون أن يكون هناك دليل على هذه العلاقة.

لكن هذه المحاولة باءت بالفشل، مع تسرب الوثائق عبر ويكيليكس. فجأة، أصبح "الاتفاق غير الورقي" مكتوباً ومنشوراً ومتاحاً للجميع. وأصبحت "العلاقة السرية" علنية ومكشوفة ومحرجة. وأصبح خنفر نفسه، الذي حاول طوال سنوات إخفاء هذه العلاقة، في موقف المدان الذي لا يستطيع الإنكار.

سابعاً: دور وزارة الخارجية القطرية... حلقة الوصل

أ. التنسيق الثلاثي: واشنطن - الدوحة - الجزيرة

تكشف البرقية عن دور محوري لوزارة الخارجية القطرية في تسهيل العلاقة بين الجزيرة والاستخبارات الأمريكية. فوفق الوثائق، كانت الوزارة تتسلم تقارير الاستخبارات الأمريكية بشكل منتظم، وتقوم بتمريرها إلى وضاح خنفر، قبل أن يلتقي هو شخصياً بالمسؤولين الأمريكيين .

هذا يعني أن التنسيق بين الجزيرة وواشنطن لم يكن يتم بشكل مباشر فقط، بل كان هناك طرف ثالث، هو الحكومة القطرية، يشرف على هذه العلاقة ويضمن حسن سيرها. وكأن هناك "غرفة عمليات" مشتركة، تجمع الاستخبارات الأمريكية ووزارة الخارجية القطرية وإدارة الجزيرة، تعمل على توجيه التغطية الإعلامية وفق الأجندات المتفق عليها.

هذا التنسيق الثلاثي يكشف عن حقيقة أكثر عمقاً: الجزيرة لم تكن مجرد قناة تابعة لأمريكا بشكل مباشر، بل كانت جزءاً من تحالف استراتيجي بين واشنطن والدوحة، يهدف إلى التحكم في المشهد الإعلامي العربي، وتوجيه الرأي العام، وحماية المصالح المشتركة.

ب. لماذا قطر؟ قراءة في المصالح المتبادلة

السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا وافقت قطر على هذا الدور؟ لماذا قبلت أن تكون وسيطاً بين أمريكا والجزيرة، بل أن تتحمل مسؤولية تمرير التوجيهات الأمريكية إلى إدارة القناة؟

الجواب بسيط: قطر كانت تدرك أن استثمارها في الجزيرة لن يؤتي ثماره دون دعم أمريكي. كانت تعلم أن القناة، لكي تستمر وتنجح وتؤثر، تحتاج إلى غطاء سياسي أمريكي، وحماية دبلوماسية واشنطن، وتفاهم استراتيجي مع الإمبراطورية.

وفي المقابل، كانت واشنطن تدرك أن الجزيرة يمكن أن تكون أداة فعالة في يدها، إذا ما تم توجيهها بشكل صحيح. كانت تعلم أن القناة، بفضل انتشارها الواسع وتأثيرها الكبير، يمكن أن تساهم في تحقيق أهداف أمريكا في المنطقة، إذا ما وضعت في خدمة الأجندة الأمريكية.

وهكذا، ولدت هذه الشراكة الثلاثية: قطر توفر التمويل والغطاء السياسي، وأمريكا توفر الحماية والتوجيه، والجزيرة تنفذ وتؤدي. شراكة مصالح، تحولت مع الوقت إلى علاقة عضوية، تكشفت تفاصيلها في وثائق ويكيليكس.

ثامناً: أكثر من لقاء... علاقة منتظمة وليست استثناء

أ. تكرار اللقاءات: ليس حادثاً منفرداً

ما يزيد من خطورة ما كشفته وثائق ويكيليكس، هو أن اللقاء المذكور لم يكن لقاءً منفرداً أو استثنائياً، بل كان واحداً من سلسلة لقاءات منتظمة جمعت خنفر بمسؤولي السفارة الأمريكية على مدى سنوات.

ففي تصريحات لاحقة، أكد خنفر نفسه أنه "كان يتم الاتصال بنا شهرياً تقريباً، وأحياناً أسبوعياً، من قبل المسؤولين الأمريكيين، في معظم الأحيان لمجرد الشكوى من تغطيتنا" .

هذا الاعتراف من خنفر يكشف عن حجم التنسيق بين الجزيرة وواشنطن، وعن طبيعته المنتظمة والمستمرة. لم تكن مجرد اتصالات عابرة في المناسبات الاستثنائية، بل كانت علاقة مؤسسية، تديرها السفارة الأمريكية من جهة، وإدارة الجزيرة من جهة أخرى، بهدف مراقبة أداء القناة وتوجيهه وفق المصالح الأمريكية.

ب. التعامل مع الشكاوى: قاعدة خنفر في الاختبار

في دفاعه عن نفسه بعد تسريب الوثائق، حاول خنفر تقديم رواية مغايرة، تقول إنه كان يتعامل مع الشكاوى الأمريكية وفق "قاعدة مهنية": إذا كانت الشكوى تتعلق بخطأ مهني حقيقي، يتم تصحيحه. أما إذا كانت سياسية، فلا يتم الالتفات إليها .

لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل كانت إزالة صور الأطفال والنساء الجرحى "تصحيحاً لخطأ مهني"؟ وهل كانت شهادة الطبيب عن استخدام الغازات السامة "خطأ مهنياً" يستحق التصحيح؟

الواضح أن ما فعله خنفر لم يكن تصحيحاً لأخطاء مهنية، بل استجابة لضغوط سياسية، وتنفيذاً لأجندات أمريكية، وتجاوزاً لأبسط مبادئ العمل الصحفي التي تقول إن نقل الحقيقة هو واجب الصحفي الأول.

لقد فشلت "قاعدة خنفر" في اختبار الواقع. فخنفر، الذي يدعي أنه كان يرفض التدخلات السياسية، ثبت بالوثائق أنه كان يستجيب لأكثرها إحراجاً، ويتنازل عن أكثرها حساسية، ويسلم بأسلمها مهنية.

تاسعاً: ما قالته الوثائق وما لم تقله

أ. المكشوف: تفاصيل مثبتة

ما قالته الوثائق بوضوح، وبما لا يدع مجالاً للشك، يمكن تلخيصه في النقاط التالية:

1. وجود اتصالات منتظمة بين إدارة الجزيرة والمسؤولين الأمريكيين، على أعلى المستويات .
2. تلقي إدارة الجزيرة لتقارير استخبارية أمريكية، تتضمن تقييماً لتغطية القناة وملاحظات عليها .
3. استجابة إدارة الجزيرة لهذه الملاحظات، وتعهدها بتعديل التغطية وفق الرغبات الأمريكية .
4. إزالة مواد محددة من موقع القناة، بناء على طلب أمريكي مباشر .
5. تنسيق ثلاثي بين الاستخبارات الأمريكية ووزارة الخارجية القطرية وإدارة الجزيرة، لإدارة هذه العلاقة .
6. حرص إدارة الجزيرة على إبقاء هذه العلاقة سرية، وعدم ترك أي أثر مكتوب يمكن أن يستخدم ضد القناة .

هذه حقائق مثبتة، موثقة، لا تقبل الجدل. وهي كافية وحدها لإسقاط رواية الاستقلالية عن الجزيرة، وكشف حقيقتها كأداة في يد الإمبراطورية.

ب. المخفي: تساؤلات مشروعة

لكن الوثائق تترك أيضاً أسئلة كثيرة بلا إجابة، وتكشف عن مخفي أكثر مما تظهر. من هذه الأسئلة:

1. هل كانت هذه الممارسات مقتصرة على تغطية الحرب في العراق، أم امتدت لتشمل قضايا أخرى؟ وهل كانت هناك توجيهات أمريكية بشأن تغطية القضايا العربية الأخرى، مثل فلسطين ولبنان والسودان والصومال؟
2. هل كان التنسيق مع أمريكا فقط، أم كان هناك تنسيق مع أجهزة استخبارية أخرى، مثل البريطانية والإسرائيلية؟ وهل كانت هناك "غرف عمليات" مشتركة مع أطراف أخرى؟
3. ما هو دور التمويل القطري في هذه المعادلة؟ وهل كان التمويل القطري مجرد غطاء للدور الأمريكي، أم كان هناك اتفاق أوسع بين الدوحة وواشنطن بشأن إدارة القناة؟
4. هل كان وضاح خنفر يعمل بمفرده، أم كان هناك فريق كامل داخل القناة على علم بهذه العلاقة وتنفيذها؟ وهل كان هناك إعلاميون آخرون يمارسون نفس الدور؟
5. ما هي حدود التأثير الأمريكي؟ هل كان يقتصر على إزالة بعض المواد، أم امتد ليشمل تحديد السياسات التحريرية الكبرى، واختيار الضيوف، وصياغة الأسئلة، وتوجيه التغطيات؟

هذه الأسئلة، التي تبقى بلا إجابة حتى اليوم، تشير إلى أن ما كشفته وثائق ويكيليكس ليس سوى غيض من فيض، وأن الحقيقة الكاملة عن علاقة الجزيرة بالإمبراطورية الاستعمارية الأمريكية الصهيونية لا تزال في طي الكتمان.

عاشراً: الاستقالة... هل كان خنفر ضحية وثائقه؟

أ. توقيت الاستقالة: صدفة أم ضرورة؟

في سبتمبر 2011، أي بعد أسابيع قليلة من نشر وثائق ويكيليكس التي كشفت عن تعاونه مع الاستخبارات الأمريكية، أعلن وضاح خنفر استقالته من منصبه كمدير عام لقناة الجزيرة، بعد ثماني سنوات قضاها في إدارة القناة .

توقيت الاستقالة أثار الكثير من التساؤلات. فرغم أن خنفر نفى أن تكون الوثائق سبباً في استقالته، مؤكداً أنه كان يخطط للرحيل منذ يوليو من نفس العام، إلا أن كثيرين رأوا في هذا التوقيت أكثر من مجرد صدفة .

فخنفر، الذي قاد الجزيرة خلال أصعب مراحلها، واستطاع تحويلها إلى إمبراطورية إعلامية عالمية، وجد نفسه فجأة في موقف لا يحسد عليه. الوثائق المسربة كشفت عن وجهه الحقيقي، وأحرجته أمام الجمهور العربي، وجعلته في موقع المتهم الذي يحتاج إلى تبرئة نفسه.

وربما كان الرحيل في هذا التوقيت هو الحل الأنسب لخنفر وللجزيرة معاً. لخنفر، لأنه يريحه من عناء الدفاع عن نفسه والإجابة عن أسئلة محرجة. وللجزيرة، لأنها تتخلص من مدير أصبح مثار جدل، وتعطي انطباعاً بأنها تجدد دماءها وتتجاوز أخطاء الماضي.

ب. التعيين البديل: عودة العائلة الحاكمة

ما زاد من علامات الاستفهام حول استقالة خنفر، هو تعيين الشيخ أحمد بن جاسم بن محمد آل ثاني، أحد أفراد العائلة الحاكمة في قطر، خلفاً له في إدارة القناة .

هذا التعيين حمل دلالات متعددة:

أولاً: عودة السيطرة المباشرة للدولة على القناة. فبعد سنوات من إدارة خنفر، الذي كان يمثل الوجه المهني المستقل للجزيرة، عادت القناة إلى أحضان العائلة الحاكمة بشكل مباشر، في إشارة إلى أن الدولة تريد تعزيز سيطرتها على هذه الأداة الإعلامية المهمة.

ثانياً: رسالة تطمين للإمبراطورية. فتعيين شخص من العائلة الحاكمة يضمن استمرار التنسيق مع واشنطن، بل يرفعه إلى مستوى أعلى من المسؤولية والمصداقية. فالتعامل مع أمير أو وزير يختلف عن التعامل مع مدير منتخب أو معين.

ثالثاً: تجاوز إحراج خنفر. فخنفر، بعد فضيحة الوثائق، أصبح عبئاً على القناة أكثر من كونه قيمة مضافة. تعيين شخص جديد، من العائلة الحاكمة، يساعد في طي صفحة الماضي، والبدء بصفحة جديدة.

حادي عشر: خنفر في مواجهة الاتهامات... رواية مغايرة

أ. المقابلة الدفاعية: شرح وتبرير

بعد أيام من استقالته، أجرى وضاح خنفر مقابلة مع موقع هافينغتون بوست، حاول فيها تقديم روايته للأحداث، والدفاع عن موقفه، وتبرير ما ورد في وثائق ويكيليكس .

في هذه المقابلة، قدم خنفر عدة حجج دفاعية:

1. نفي أن تكون الوثائق سبباً في استقالته، مؤكداً أنه كان يخطط للرحيل منذ أشهر، وأنه أراد أن يترك القناة وهي في أوج نجاحها، وألا يتحول إلى "زعيم عربي آخر يبقى في منصبه إلى الأبد" .
2. تأكيد أن الاتصالات مع المسؤولين الأمريكيين كانت تتم بشكل منتظم، وأنه كان يتلقى شكاوى من سفارات أخرى أيضاً، وليس فقط من السفارة الأمريكية .
3. شرح "القاعدة المهنية" التي كان يتبعها في التعامل مع الشكاوى: إذا كانت الشكوى تتعلق بخطأ مهني حقيقي، يتم تصحيحه. أما إذا كانت سياسية، فلا يتم الالتفات إليها .
4. تأكيد أن إزالة الصور كانت حالة نادرة واستثنائية، وأنه وافق عليها لأنها كانت تتعلق بخطأ مهني، وليس لاعتبارات سياسية .
5. التأكيد على استقلالية الجزيرة، ودورها في خلق "فضاء عام عربي جديد" وتمكين الشعوب العربية من التعبير عن نفسها .

ب. تفكيك الرواية: أين الحقيقة؟

لكن هذه الرواية الدفاعية تثير أسئلة أكثر مما تقدم إجابات:

أولاً: إذا كانت استقالته مخططة منذ يوليو، فلماذا لم يعلن عنها إلا بعد فضيحة الويكيليكس بشهرين؟ ولماذا لم يغادر في يوليو نفسه، كما يقول، بدل الانتظار حتى سبتمبر؟

ثانياً: إذا كان يتلقى شكاوى من سفارات أخرى أيضاً، فهل كان يتعامل معها بنفس الطريقة؟ وهل كانت هناك توجيهات من سفارات أخرى غير الأمريكية؟

ثالثاً: كيف يمكن اعتبار إزالة صور أطفال جرحى ونساء مشوهات "تصحيحاً لخطأ مهني"؟ أي خطأ مهني في نقل واقع الحرب وتوثيق معاناة الضحايا؟

رابعاً: إذا كانت الجزيرة مستقلة حقاً، فلماذا كان مديرها على اتصال دائم بالاستخبارات الأمريكية؟ ولماذا كان يتلقى تقاريرها ويستجيب لملاحظاتها؟

خامساً: كيف يمكن التوفيق بين دور الجزيرة في "تمكين الشعوب العربية" وبين خضوعها للتوجيه الأمريكي؟ وهل يمكن لإعلام تابع أن يكون صوتاً للشعوب؟

هذه الأسئلة تكشف هشاشة الرواية الدفاعية لخنفر، وتؤكد أن ما حاول تقديمه كتفسير مهري مقبول، هو في الحقيقة مجرد محاولة يائسة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من سمعة مهنية تهتز.

ثاني عشر: السياق الأوسع... أمريكا والجزيرة علاقة ازدواجية

أ. الخطاب العلني: انتقاد وتنديد

لطالما اتسمت العلاقة العلنية بين الولايات المتحدة والجزيرة بالتوتر والانتقاد المتبادل. ففي الخطاب الرسمي الأمريكي، كانت الجزيرة تُتهم بأنها "قناة تحرض على العنف"، و"تنشر الدعاية الإرهابية"، و"تؤجج المشاعر المعادية لأمريكا في العالم العربي".

هذا الخطاب بلغ ذروته في عهد الرئيس جورج بوش الابن، الذي هدد، وفق تقارير صحفية، بقصف مقر الجزيرة في الدوحة خلال حرب العراق، قبل أن يثنيه رئيس الوزراء البريطاني توني بلير عن ذلك .

كما تعرضت مكاتب الجزيرة في كابول وبغداد للقصف الأمريكي خلال حربي أفغانستان والعراق، مما أسفر عن مقتل عدد من مراسليها وفنييها .

هذا الخطاب العلني العدائي تجاه الجزيرة كان يهدف إلى تحقيق عدة أهداف:

1. كسب تعاطف الجمهور الأمريكي، عبر تقديم الجزيرة كعدو للإعلام الحر.
2. إبعاد الأنظار عن الدور الحقيقي للجزيرة، وإخفاء علاقة التنسيق الخفية مع واشنطن.
3. الضغط على الجزيرة لتحسين أدائها، عبر التهديد العلني والتلويح بالعقاب.
4. تبرير القصف الأمريكي لمكاتب الجزيرة، عبر تقديمه كرد فعل على "تحريضها".

ب. الخطاب الخفي: تنسيق وتعاون

في مقابل هذا الخطاب العلني العدائي، كان هناك خطاب خفي مختلف تماماً، هو خطاب التنسيق والتعاون والتفاهم الذي كشفته وثائق ويكيليكس.

ففي هذا الخطاب الخفي، لم تكن الجزيرة "قناة إرهابية" ولا "منبراً للتحريض"، بل كانت شريكاً يمكن التعامل معه، وأداة يمكن توجيهها، ومنصة يمكن استثمارها. كانت الوسيط الذي يمكن من خلاله الوصول إلى العقل العربي، والتأثير في الرأي العام، وتحقيق المصالح الأمريكية.

هذه الازدواجية في التعامل مع الجزيرة، بين الخطاب العلني العدائي والخطاب الخفي التعاوني، تكشف عن عبقرية الإمبراطورية في إدارة أدواتها. فبينما كانت واشنطن تشتم الجزيرة علناً، كانت تتعامل معها سراً. وبينما كانت تنتقدها على الملأ، كانت توجهها في الخفاء. وبينما كانت تتهمها بالتحريض، كانت تستخدمها لتحريض الجماهير في الاتجاه الذي تريده.

ثالث عشر: خنفر في هافينغتون بوست... استمرارية المشروع

أ. الانتقال: من الإمبراطورية الناعمة إلى الإمبراطورية الأكثر نعومة

بعد استقالته من الجزيرة، لم يختف وضاح خنفر من المشهد الإعلامي، بل انتقل إلى موقع جديد، هو هافينغتون بوست، حيث أسس مع أريانا هافينغتون النسخة العربية من الموقع الشهير، تحت اسم "هافينغتون بوست عربي" .

هذا الانتقال لم يكن مجرد تغيير وظيفة، بل كان استمراراً للمشروع نفسه، بوسائل جديدة، وفي قالب جديد. فخنفر، الذي أتقن لعبة الإعلام التابع في الجزيرة، انتقل ليمارس اللعبة نفسها في منصة إعلامية غربية، تحت إشراف مباشر من إعلاميين أمريكيين، وبتمويل خليجي مستمر.

الشراكة بين خنفر وهافينغتون بوست كانت شراكة استراتيجية، جمعت بين خبرة خنفر في العالم العربي وشبكة علاقاته الواسعة، وبين اسم هافينغتون بوست العالمي ومواردها الضخمة. وكان الهدف المعلن هو "تقديم منصة جديدة للمبدعين والمفكرين العرب" .

لكن الهدف الخفي، كما كشفت الممارسات اللاحقة، كان استمرار نفس الدور الذي لعبه خنفر في الجزيرة: توجيه الخطاب العربي، وترويج أجندات معينة، وخدمة مصالح الإمبراطورية، ولكن بوسائل أكثر نعومة وأقل وضوحاً.

ب. إرث الجزيرة في المنصة الجديدة

هافينغتون بوست عربي، تحت إدارة خنفر، لم يكن مختلفاً كثيراً عن الجزيرة في خطابها وسياساتها. فقد استمر نفس النهج في تغطية الأحداث، ونفس الانحياز لحركات الإسلام السياسي، ونفس الخطاب المعادي للأنظمة العربية المستقلة، ونفس الترويج للأجندات الغربية.

كما استمرت نفس العلاقات مع دوائر النفوذ، ونفس التنسيق مع أطراف إقليمية ودولية، ونفس الخدمة المقدمة للإمبراطورية. الفرق الوحيد أن الجزيرة كانت قناة تلفزيونية، بينما هافينغتون بوست كان موقعاً إلكترونياً. وأن الجزيرة كانت تمول من قطر مباشرة، بينما هافينغتون بوست كان يمول عبر شراكة بين خنفر وشركة أمريكية.

هذا الانتقال من الإعلام التلفزيوني إلى الإعلام الرقمي يعكس تطوراً في أدوات الإمبراطورية، وليس تغييراً في أهدافها. فمع تراجع تأثير التلفزيون التقليدي، وصعود منصات التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية الإلكترونية، كان لابد للإمبراطورية أن تتكيف، وأن تنقل جنودها من ثكنة إلى أخرى، ومن جبهة إلى جبهة.

رابع عشر: هافينغتون بوست عربي... استشراق جديد في ثوب رقمي

أ. الشراكة مع الاستشراق

هافينغتون بوست عربي لم يكن مجرد موقع إخباري عادي، بل كان تجسيداً للعلاقة العضوية بين الإعلام التابع والاستشراق الغربي. فالمشروع، الذي جمع بين خنفر وأريانا هافينغتون، كان يحمل في طياته رؤية استشراقية للعالم العربي، تنظر إليه كموضوع للدراسة والتحليل والتوجيه، لا كفاعل في صناعة تاريخه .

أريانا هافينغتون، في إعلانها عن إطلاق الموقع، قالت إن الهدف هو "تقديم أصوات عربية جديدة إلى المحادثة العالمية، وتعميق فهم العالم للحياة في العالم العربي، من إنجازاته إلى إمكاناته غير المستغلة" .

هذا الخطاب، الذي يبدو للوهلة الأولى بريئاً ومتفائلاً، هو في الحقيقة خطاب استشراقي بامتياز. ففيه نظرة إلى العالم العربي كـ"موضوع" يحتاج من يقدمه للعالم، و"صوت" يحتاج من يسمعه للآخرين، و"إمكانات" تحتاج من يكتشفها ويطلقها. وكأن العرب غير قادرين على تقديم أنفسهم للعالم، ولا على التعبير عن ذواتهم، ولا على استغلال إمكاناتهم بأنفسهم.

ب. الخطاب الإخواني في قالب غربي

ما زاد من إشكالية هافينغتون بوست عربي، هو توجهه الواضح لدعم حركات الإسلام السياسي، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين. فقد اتهم الموقع بأنه تحول إلى "منبر للإخوان"، و"لسان حال حماس وليس القسام "، و"أداة في الصراع الإعلامي بين الدوحة وعدد من العواصم العربية والخليجية" .

فقد لاحظ المراقبون أن الموقع كان ينشر بيانات حركة حماس دون تمحيص، ويستخدم مصطلحات مثل "العدو الصهيوني" و"الكيان الإسرائيلي" دون تحرير، ويستضيف شخصيات إخوانية بشكل مكثف، ويهاجم الأنظمة العربية المعادية للإخوان .

هذا التوجه الإخواني، في منصة إعلامية أمريكية، يحمل دلالات خطيرة. فهو يكشف عن تقاطع المصالح بين الإسلام السياسي والإمبراطورية الغربية، وعن إمكانية توظيف الخطاب الديني في خدمة الأجندات الاستعمارية، وعن تحول بعض قيادات الإخوان إلى أدوات في يد الغرب.

خامس عشر: نهاية المشروع... إغلاق هافينغتون بوست عربي

أ. الإغلاق: نهاية غير متوقعة

في أبريل 2018، أعلنت مؤسسة هافينغتون بوست إنهاء شراكتها مع وضاح خنفر وشركته "إنترغال ميديا استراتيجيز"، وإغلاق النسخة العربية من الموقع .

وجاء في بيان المؤسسة أن القرار كان "متبادلاً" بين الطرفين، وأن كل طرف سيواصل "تقييم كيف وأين يمكن لكل منهما أن يخدم الجماهير في المنطقة على أفضل وجه" .

لكن هذا البيان الدبلوماسي لم يخفِ حقيقة أن المشروع فشل في تحقيق أهدافه، وأن هافينغتون بوست قررت التخلي عن شريكها المثير للجدل، والتخلص من عبء الموقع الذي أصبح مصدر إحراج أكثر منه مصدر فخر.

فبعد ثلاث سنوات من الإطلاق، وبعد استثمارات كبيرة، وبعد جهود مضنية، لم يتمكن هافينغتون بوست عربي من تحقيق النجاح المأمول، ولا من بناء قاعدة جماهيرية واسعة، ولا من تقديم نموذج إعلامي متميز. بل على العكس، تحول إلى موقع مثير للجدل، متهم بالانحياز والتطرف، ومصدر لإحراج المؤسسة الأم.

ب. خنفر يعود إلى الظل

بعد إغلاق هافينغتون بوست عربي، عاد وضاح خنفر إلى الظل، واكتفى بإدارة شركته "إنترغال ميديا استراتيجيز"، التي تواصل العمل في المجال الإعلامي، ولكن بشكل أقل ظهوراً وتأثيراً .

هذه العودة إلى الظل قد تكون نهاية مؤقتة لمسيرة إعلامي عربي مثير للجدل، أو قد تكون مجرد استراحة محارب قبل العودة إلى المعركة من جديد. فخنفر، الذي أثبت على مدى سنوات قدرته على البقاء والتكيف، قد يعود في يوم من الأيام بمشروع جديد، وبأدوات جديدة، وبرؤية جديدة، لكنها تبقى في النهاية ضمن الإطار نفسه: خدمة الإمبراطورية عبر الإعلام التابع.

سادس عشر: الدروس المستفادة... ماذا علَّمتنا وثائق ويكيليكس؟

أ. الدرس الأول: لا تثق بما تراه على الشاشات

أول وأهم درس تعلِّمه وثائق ويكيليكس هو أن ما نراه على شاشات التلفزيون ليس دائماً هو الحقيقة الكاملة. فخلف الكاميرات، وخلف المذيعين، وخلف البرامج اللامعة، هناك غرف مظلمة تُدار فيها الأمور، واتصالات سرية تُعقد فيها الصفقات، وتوجيهات خفية تُرسم بها السياسات.

الجزيرة، التي قدمت نفسها لعقود كصوت العرب المستقل، و قناة الرأي والرأي الآخر، و منبر للحرية والديمقراطية، تبين بالوثائق أنها كانت تتلقى التوجيهات من السفارة الأمريكية، وتنفذ تعليماتها، وتعدل تغطيتها وفق رغباتها.

هذا لا يعني أن كل ما تقدمه الجزيرة كاذب أو مفبرك، بل يعني أن هناك "فلترة" تتم خلف الكواليس، تمنع وصول بعض الحقائق إلى المشاهدين، وتوجيه الانتباه نحو قضايا معينة، وتشكيل الرأي العام في اتجاهات محددة سلفاً.

ب. الدرس الثاني: الإمبراطورية لا تترك أياً من أدواتها

الدرس الثاني هو أن الإمبراطورية لا تترك أياً من أدواتها، ولا تتخلى عن أي من جنودها. فعندما سقط وضاح خنفر في الجزيرة، لم يتركه الإمبراطورية، بل أعادت توظيفه في منصة جديدة، هي هافينغتون بوست. وعندما فشل في هافينغتون بوست، ظل يدير شركته الإعلامية، مستفيداً من شبكة علاقاته وخبراته المتراكمة.

هذا يعني أن الإمبراطورية تبني شبكات علاقات متينة مع عملائها، وتوفر لهم شبكات أمان تحميهم عند السقوط، وتمنحهم فرصاً جديدة للعودة. إنها لا تستخدمهم ثم ترميهم، بل تستثمر فيهم على المدى الطويل، وتضمن ولاءهم واستمراريتهم.

ج. الدرس الثالث: التمويل الخليجي في خدمة الإمبراطورية

الدرس الثالث هو أن التمويل الخليجي الضخم للإعلام ليس تمويلاً عربياً خالصاً، بل هو تمويل في خدمة الإمبراطورية. فما تدفعه قطر من أموال للجزيرة، وما تدفعه السعودية والإمارات لقنواتهما، هو في النهاية استثمار في أدوات إعلامية تخدم المصالح الغربية في المنطقة.

هذا لا يعني أن الحكومات الخليجية لا تستفيد من هذه القنوات، بل يعني أن استفادتها مشروطة بخدمة المصالح الكبرى للإمبراطورية. هي تحصل على غطاء سياسي وحماية أمنية، في مقابل توفير منصات إعلامية تخدم الأجندة الغربية.

د. الدرس الرابع: الحاجة إلى إعلام عربي بديل

الدرس الرابع، والأهم، هو الحاجة الماسة إلى إعلام عربي بديل، مستقل حقاً، لا يخضع لتمويل حكومي ولا لتوجيه خارجي. إعلام يكون صوته للشعوب، وليس للأنظمة ولا للإمبراطوريات. إعلام ينقل الحقيقة كما هي، دون تجميل أو تشويه أو توجيه. إعلام يكون أداة للتحرر، لا أداة للتبعية.

هذا الإعلام البديل ليس حلماً بعيد المنال، بل هو ضرورة ملحة، ومسؤولية تاريخية تقع على عاتق المثقفين والصحفيين والناشطين العرب. فإذا لم نبني إعلامنا بأنفسنا، سيظل الآخرون يبنونه لنا، ويوجهونه كيف يشاؤون، ويستخدمونه ضدنا متى أرادوا.

سابع عشر: ما بعد الوثائق... الجزيرة بعد خنفر

أ. استمرارية السياسات

بعد رحيل خنفر، وتعيين الشيخ أحمد بن جاسم بن محمد آل ثاني على رأس القناة، تساءل كثيرون: هل ستتغير سياسات الجزيرة؟ هل ستعود إلى استقلاليتها المزعومة؟ هل ستتخلص من تبعيتها للإمبراطورية؟

الواقع أن السياسات لم تتغير بشكل جوهري. فالجزيرة استمرت في نهجها نفسه، وفي انحيازاتها نفسها، وفي علاقاتها نفسها. الفرق الوحيد أن التنسيق مع الإمبراطورية أصبح يتم على مستويات أعلى، وبطرق أكثر احترافية، وأقل عرضة للتسريب والكشف.

فالعائلة الحاكمة في قطر، التي تدير القناة الآن بشكل مباشر، هي نفسها التي تدير العلاقة مع واشنطن، وتتفاوض على القواعد العسكرية، وتنسق السياسات الخارجية. وهي بالتأكيد أكثر قدرة على ضمان استمرار التعاون مع الإمبراطورية، وأقل عرضة للإحراج من الفضائح والتسريبات.

ب. تطور الأدوات

ما تغير بعد خنفر هو تطور أدوات الجزيرة، وليس تغيير سياساتها. فقد استثمرت القناة بشكل كبير في التكنولوجيا الرقمية، ووسائل التواصل الاجتماعي، والمنصات التفاعلية، لتواكب تطورات العصر وتصل إلى جماهير جديدة.

كما وسعت شبكة مراسليها ومكاتبها في مختلف أنحاء العالم، وأطلقت قنوات جديدة متخصصة، وطورت برامجها وأساليبها التقديمية. لكن كل هذا التطور التقني والمهني ظل في خدمة الأجندات نفسها، والسياسات نفسها، والانحيازات نفسها.

ثامن عشر: خنفر في الذاكرة العربية... بين الإعجاب والإدانة

أ. من بطل إلى خائن

وضاح خنفر يمثل في الذاكرة العربية نموذجاً للشخصية المثيرة للجدل، التي تتأرجح صورتها بين الإعجاب والإدانة، بين التمجيد والتجريح، بين البطولة والخيانة.

في سنوات مجد الجزيرة، كان خنفر بطلاً قومياً، وإعلامياً استثنائياً، وقائداً ملهمًا، استطاع أن يحول قناة صغيرة إلى إمبراطورية إعلامية عالمية، وأن يجعل صوت العرب مسموعاً في العالم، وأن يكسر احتكار الغرب للإعلام الدولي.

أما بعد فضيحة الويكيليكس، فقد تحول خنفر في نظر كثيرين إلى خائن للأمانة المهنية، وعميل للإمبراطورية، ومطية في يد أمريكا، تلاعب بعقول العرب وشوه وعيهم وخدم أعداءهم.

هذا التحول الحاد في صورة خنفر يعكس تحولاً حاداً في فهم طبيعة الإعلام العربي، وفي إدراك العلاقة المعقدة بين المال والسلطة والإعلام، وفي الوعي المتزايد بخطورة الإمبراطوريات الإعلامية على مستقبل الأمة.

ب. قراءة متوازنة

لكن قراءة متوازنة لمسيرة خنفر تقتضي تجنب التبسيط المفرط، والابتعاد عن ثنائية البطل والخائن. فخنفر، مثل كثير من الإعلاميين العرب، كان نتاج بيئة معقدة، وتشكيلة ثقافية مركبة، وظروف موضوعية صعبة.

كان نتاج بيئة الإعلام العربي التي تفتقر إلى الاستقلال الحقيقي، وتعاني من هيمنة التمويل الحكومي والخاص، وتخضع لضغوط سياسية داخلية وخارجية هائلة.

وكان نتاج تشكيلة ثقافية مزقتها التناقضات: بين الانبهار بالغرب والانتماء للعرب، بين الرغبة في المهنية والاضطرار للمسايرة، بين حلم الاستقلال وواقع التبعية.

وكان نتاج ظروف موضوعية صعبة، جعلت من المستحيل تقريباً بناء إعلام عربي مستقل حقاً، في ظل هيمنة الإمبراطورية وهشاشة الأنظمة العربية وتخلف المجتمعات.

هذه القراءة المتوازنة لا تبرئ خنفر من مسؤوليته، ولا تنفي دوره في توجيه الإعلام العربي نحو مزيد من التبعية، لكنها تضع هذه المسؤولية في سياقها الصحيح، وتوزعها على أطراف متعددة، وتفتح الباب لفهم أعمق وأكثر تعقيداً لظاهرة الإمبراطوريات الإعلامية.

تاسع عشر: الإرث المستمر... دروس من وثائق لا تموت

أ. أهمية التوثيق

ما تبقى من فضيحة الويكيليكس، بعد سنوات من حدوثها، هو درس مهم في أهمية التوثيق، وقيمة الوثائق، وخطورة التسريبات. فلو لم تكن هذه الوثائق قد سربت ونشرت، لظل العالم يصدق رواية الجزيرة عن استقلاليتها، ولظل خنفر بطلاً قومياً في أعين الملايين.

الوثائق هي التي كشفت الحقيقة، وأسقطت الأقنعة، وأرغمت الجميع على مواجهة الواقع. وهي تذكرنا بأهمية الحفاظ على الذاكرة، وتوثيق الأحداث، وكشف الأسرار، مهما كانت محاولات الإخفاء والتضليل.

ب. استمرار الجدل

رغم مرور سنوات على نشر وثائق ويكيليكس، لا يزال الجدل حولها مستمراً. فبين من يراها دليلاً قاطعاً على تبعية الجزيرة، ومن يعتبرها مجرد اتصالات عادية بين مؤسسة إعلامية وسفارة دولة كبرى، يظل الجدل محتدماً، والآراء متباينة، والتفسيرات متعددة.

لكن ما لا يقبل الجدل هو أن هذه الوثائق أحدثت شرخاً عميقاً في صورة الجزيرة، وأضعفت مصداقيتها لدى شريحة واسعة من الجمهور العربي، وفتحت الباب أمام أسئلة أكبر حول طبيعة الإعلام العربي وعلاقته بالسلطة.

ج. الحاجة إلى مزيد من الكشف

ما كشفته ويكيليكس ليس سوى غيض من فيض. فما زالت هناك آلاف الوثائق التي لم تنشر، ومئات الاجتماعات التي لم تكشف، وعشرات الاتفاقات التي لم تعلن. والحاجة ماسة إلى مزيد من الكشف، ومزيد من الشفافية، ومزيد من المساءلة.

فالشعوب العربية لها الحق في معرفة الحقيقة كاملة، وفي فهم من يدير إعلامها، ومن يموله، ومن يوجهه. ولها الحق في محاسبة من تسبب في تضليلها وتشويه وعيها وخدمة أعدائها. ولها الحق في بناء إعلام بديل، يكون صوتها الحقيقي، وأداة تحررها، وسلاح نهضتها.

عشرون: خاتمة الباب الثاني... الوثائق كمرآة

أ. ماذا قالت الوثائق عنا نحن؟

في النهاية، وثائق ويكيليكس لا تكشف فقط عن حقيقة الجزيرة وخنفر، بل تكشف أيضاً عن حقيقة نحن، جمهور هذه القناة، ومستهلكو هذا الإعلام، وضحايا هذه الإمبراطوريات.

تكشف عن سذاجتنا في تصديق ما نرى، وعن تهاوننا في التحقق من المعلومات، وعن كسلنا في البحث عن مصادر بديلة، وعن استسلامنا لإعلام يقدم لنا ما يريد لا ما نحتاج.

تكشف عن هشاشتنا في مواجهة خطاب الإمبراطورية، وعن ضعف مناعتنا ضد سموم التضليل، وعن غياب أدواتنا النقدية في تمييز الحقيقة من الزيف.

وتكشف عن مسؤوليتنا التاريخية في تغيير هذا الواقع، وبناء إعلام بديل، وتحصين عقولنا، وتحرير وعينا.

ب. ماذا قالت الوثائق عن مستقبل الإعلام العربي؟

تقول الوثائق إن مستقبل الإعلام العربي لن يكون مختلفاً عن ماضيه، ما لم تتغير الظروف الموضوعية التي تنتجه. ما لم يتحرر التمويل من هيمنة الأنظمة ورأس المال. وما لم تتحرر الكوادر من ثقافة التبعية والولاء للغرب. وما لم يتحرر الجمهور من سذاجته وتواكله.

لكنها تقول أيضاً إن المستقبل ليس محتوماً، وإن التغيير ممكن، وإن الإعلام البديل ليس حلماً بعيد المنال. فكما كشفت الوثائق الحقيقة، يمكن للإعلام البديل أن ينشرها. وكما فضحت الوثائق التبعية، يمكن للإعلام البديل أن يعزز الاستقلال. وكما أظهرت الوثائق قبح الإمبراطورية، يمكن للإعلام البديل أن يظهر جمال التحرر.

ج. كلمة أخيرة

هذا الباب الطويل كان محاولة لقراءة وثائق ويكيليكس قراءة متأنية، عميقة، ناقدة. ليس بهدف الإدانة المجردة، ولا بهدف التبرير المطلق، بل بهدف الفهم والتحليل واستخلاص الدروس.

فهم كيف تعمل الإمبراطوريات الإعلامية. تحليل آليات التوجيه والتضليل. استخلاص دروس للمستقبل، تساعدنا في بناء إعلام عربي بديل، يليق بتاريخنا وحضارتنا وطموحاتنا.

فالإعلام البديل ليس رفاهية، بل ضرورة. ليس خياراً، بل حتمية. ليس ترفاً فكرياً، بل مسؤولية تاريخية. وإذا لم نبني إعلامنا بأنفسنا، سيظل الآخرون يبنونه لنا. وإذا لم نحرر وعينا بأيدينا، سيظل الآخرون يوجهونه لنا. وإذا لم نصنع مستقبلنا بإرادتنا، سيظل الآخرون يصنعونه لنا.

هذا هو الدرس الأكبر من وثائق ويكيليكس. وهذه هي الرسالة الأهم من هذا الباب. وهذه هي البداية الحقيقية لطريق التحرر من الإمبراطوريات الإعلامية، وبناء وعي عربي جديد، مستقل، ناقد، منتج.

……

يتبع في الباب الثالث: قنوات الدين والسياسة... بريجنسكي وكيسنجر في عمامة

………

الباب الثالث:

قنوات الدين والسياسة... بريجنسكي وكيسنجر في عمامة

في تشريح تحول الإيمان إلى أداة: كيف صار التكفير سلاحاً إمبراطورياً

…..

أولاً: مدخل... حين يصبح الدين ترسانة حرب

ليس كل من يرتدي عمامة يكون ولياً، وليس كل من يقرأ القرآن يكون تقياً، وليس كل من يدعو إلى الإسلام يكون مسلماً حقاً. ثمّة رجال تزيّوا بزي الدين ليخدعوا المؤمنين، وحفظوا آيات الكتاب ليضلوا السالكين، وتكلموا بلغة الفقهاء ليستعبدوا العقول. ثمّة رجال استخدموا الإسلام لقتل الإسلام، والقرآن لمحاربة القرآن، والدين لهدم الدين.

هذا الباب الثالث من بحثنا الممتد عن الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية هو الأكثر خطورة، والأعمق أثراً، والأشد إيلاماً. لأنه يتحدث عن تدجين المقدس، وتوظيف الإيمان، واستغلال الدين في خدمة الإمبراطورية. لأنه يكشف كيف تحولت قنوات كانت ترفع شعار "وإنه لذكر للعالمين" إلى منابر يخطط فيها بريجنسكي وكيسنجر للعالم العربي، وكيف صار شيوخ يظهرون بعمائم بيضاء وأردية فضفاضة مجرد جنود في جيش الإمبراطورية الناعم.

عشرات الصفحات نغوص فيها في أعماق العلاقة الملتبسة بين الدين والسياسة، بين الإيمان والإمبراطورية، بين المساجد والقنوات الفضائية. نبحث في كيفية تحول جماعة الإخوان المسلمين، التي بدأت كحركة إصلاح ديني واجتماعي، إلى أداة في لعبة الأمم الكبرى، وكيف أصبح فكر سيد قطب، الذي تشكل في رحم أمريكا، الأساس النظري لمشروع "الإسلام الصهيوني" الذي يخدم مصالح الغرب في المنطقة.

نكشف في هذا الباب كيف أن "التكفير"، الذي كان سمة عصابة المخابرات البريطانية، تحول إلى سلاح فتّاك في يد الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية، لتقسيم المجتمعات العربية، وتفكيك وحدتها، وتوجيه غضبها بعيداً عن العدو الحقيقي. وكيف أن مقولة الاستعمار الخالدة "فرّق تسد" وجدت في القنوات الدينية أذكى تطبيق وأخطر تجسيد.

ثانياً: سيد قطب... الرجل الذي جاء من أمريكا ليعيد تشكيل الإسلام

أ. من قرية موشا إلى أمريكا: رحلة التكوين

في قرية موشا بصعيد مصر، ولد سيد قطب عام 1906، في أسرة متواضعة، ونشأ نشأة دينية، وحفظ القرآن صغيراً، ثم انتقل إلى القاهرة ليتعلم في مدارسها وجامعاتها. كان شاباً مثقفاً، يقرأ الأدب والفلسفة، ويكتب الشعر والقصة، وينشر في المجلات والصحف. كان، قبل أن يصبح المنظر الأكبر للإخوان المسلمين، أديباً وناقداً ومفكراً علمانياً تقريباً .

لكن التحول الكبير في حياة سيد قطب، ذلك التحول الذي سيغير ليس فقط حياته بل مسار الحركة الإسلامية كلها، بدأ في نوفمبر 1948، عندما سافر إلى الولايات المتحدة في بعثة دراسية لدراسة المناهج التربوية الأمريكية. كانت تلك الرحلة بمثابة صدمة وجودية للرجل، صدمة ستحدد رؤيته للغرب وللعالم وللإسلام نفسه .

وصل قطب إلى نيويورك، ثم انتقل إلى كولورادو وكاليفورنيا، وعاش هناك عامين كاملين، يتنقل بين الجامعات والمكتبات والكنائس والمتاجر والشوارع. كان يراقب، يحلل، يقارن، ويكتب. وكانت انطباعاته عن أمريكا قاسية للغاية، بل وصادمة لمن كان يتوقع من أديب مثقف أن ينبهر بالحضارة الغربية .

ب. عيون سيد قطب الاستقصائية: ماذا رأى في أمريكا؟

في كتابه "لماذا أعدموني؟" وفي مقالاته التي كتبها عن أمريكا، ترك لنا سيد قطب شهادة فريدة عن رؤيته للمجتمع الأمريكي. رؤية ناقدة، لاذعة، عميقة، لكنها أيضاً مثقلة بالأحكام المطلقة والتعميمات الخطيرة.

رأى قطب في أمريكا مجتمعاً يعبد المادة، ويقدس الجنس، ويستهلك الترفيه بشراهة حيوانية. رأى كنائس تتحول إلى أماكن للقاءات الغرامية، ومجلات تضع صور النساء العاريات على أغلفتها، وشوارع تمتلئ بالسكارى والماجنين، ونظاماً اجتماعياً يحول الإنسان إلى آلة تنتج وتستهلك وتنتهي .

كتب قطب يقول: "أمريكا بلد رهيب. بلد يفقد فيه الإنسان إنسانيته، ويصبح مجرد رقم في معادلة الإنتاج والاستهلاك. بلد تتحول فيه العلاقات الإنسانية إلى معاملات تجارية باردة. بلد يمارس فيه الجنس كرياضة بدنية، دون مشاعر ولا أحاسيس ولا أخلاق" .

ورأى في المجتمع الأمريكي عنصرية مقيتة تجاه السود، وتجاه العرب والمسلمين. رأى كيف ينظر الأمريكيون إلى الآخرين نظرة استعلاء وتفوق، وكيف يتعاملون معهم ككائنات أدنى درجة. كانت تجربته الشخصية مع العنصرية مرة، وتركته بحقد دفين على هذا المجتمع الذي يرفع شعارات الحرية والمساواة ويمارس أبشع أنواع التمييز .

ج. مما رأى إلى ما استنتج: ولادة نظرية الجاهلية الحديثة

من هذه الانطباعات والملاحظات، بلور سيد قطب نظريته الشهيرة عن "الجاهلية الحديثة". فكرته أن العالم المعاصر، بما فيه المجتمعات التي تسمي نفسها إسلامية، يعيش في جاهلية لا تقل عن جاهلية العرب قبل الإسلام. جاهلية تقوم على عبادة الإنسان للإنسان، وعبادة المادة، وعبادة الشهوات، بدلاً من عبادة الله وحده .

هذه الجاهلية الحديثة، في نظر قطب، تشمل كل النظم الوضعية: الرأسمالية والشيوعية والديمقراطية العلمانية. وتشمل أيضاً المجتمعات التي تسمي نفسها إسلامية لكنها لا تحكم بما أنزل الله، وتخضع لقوانين وضعية، وتتبع أنظمة كافرة. الإسلام الحقيقي، عند قطب، ليس مجرد شعائر وعبادات، بل هو نظام كامل متكامل، يجب أن يطبق في كل مناحي الحياة، سياسة واقتصاداً واجتماعاً وثقافة .

وهكذا، من رحم التجربة الأمريكية، ومن ردة الفعل العنيفة عليها، ولدت نظرية "الجاهلية الحديثة" التي ستكون الأساس النظري لكل الحركات الإسلامية الراديكالية في النصف الثاني من القرن العشرين. نظرية تقدم قراءة متطرفة للإسلام، قراءة تقسم العالم إلى دار إسلام ودار حرب، وتكفر المجتمعات التي لا تطبق الشريعة، وتدعو إلى الجهاد لإقامة دولة الإسلام .

ثالثاً: سيد قطب وأمريكا... علاقة معقدة

أ. رفض أمريكا مع استعارة أدواتها

المفارقة العجيبة في فكر سيد قطب، والتي قلما ينتبه إليها الباحثون، هي أنه بينما كان يرفض أمريكا بكل شراسة، كان يستعير منها أدوات التحليل والتفكير دون أن يدري. ففكر قطب عن "الجاهلية الحديثة" و"الحتمية التاريخية" لانتصار الإسلام، كان متأثراً بشكل واضح بالماركسية التي درسها في شبابه، و بالنظريات الغربية عن صراع الحضارات والصراع الطبقي.

بل إن بعض الباحثين يرون أن قطب استعار من خصمه اللدود، الرأسمالية الأمريكية، مفهوم "الاستهلاك" و"الإنتاج" و"النظام" و"الكفاءة"، وحاول تطبيقها على مشروعه الإسلامي. فالدعوة الإسلامية، في فكر قطب، تحتاج إلى تنظيم صارم، وكفاءة عالية، وإنتاجية متواصلة، وكأنها شركة رأسمالية تعمل في السوق، لا حركة إيمانية تعمل في القلوب.

هذه المفارقة تعكس تناقضاً أعمق في مشروع قطب: فهو ثائر على الغرب، لكنه يستخدم أدواته. وهو مدمر للحداثة الغربية، لكنه يتبنى رؤاها الأحادية الشاملة. وهو ناقم على الرأسمالية، لكنه يطبق منطقها في تنظيمه. ولعل هذه التناقضات هي التي جعلت فكر قطب قابلاً للتوظيف من قبل أطراف متعددة، بما فيها الإمبراطورية نفسها.

ب. من ناقد للإمبراطورية إلى نظرائي للإرهاب

المفارقة الأكبر أن سيد قطب، الذي بدأ كناقد شرس للإمبراطورية الأمريكية، تحول مع الزمن إلى مصدر إلهام لحركات وجماعات أصبحت، عن قصد أو غير قصد، في خدمة الإمبراطورية. فتنظيم القاعدة، وداعش، وغيرهما من الجماعات الجهادية، استلهمت من فكر قطب مفهوم "التكفير" و"الجاهلية" و"الجهاد" لتبرر حروبها ضد المجتمعات العربية، وتفكيكها للدول الوطنية، وقتلها للمسلمين باسم الإسلام .

هذه الجماعات، التي كانت ألد أعداء أمريكا في الخطاب، كانت في الممارسة تخدم المصالح الأمريكية بشكل موضوعي. فهي كانت تضعف الأنظمة العربية المعادية لأمريكا، وتشتت الجهود الوطنية، وتستهلك طاقات المجتمعات في صراعات داخلية، وتشوه صورة الإسلام في العالم، وتبرر التدخلات الغربية في المنطقة باسم محاربة الإرهاب.

وهكذا، تحول فكر سيد قطب من أداة نقد للإمبراطورية إلى أداة في خدمتها. تحول من سلاح مقاومة إلى سلاح تدمير ذاتي. ومن منهج تحرر إلى منهج تبعية مقنعة. وكأن الإمبراطورية، التي رفضها قطب بكل قوته، كانت تنتظره في نهاية الطريق لتحتضن فكره وتحوله إلى ما يشتهيها.

رابعاً: المخابرات البريطانية والإخوان المسلمون... تاريخ من العلاقات الملتبسة

أ. نظرية المؤامرة أم حقيقة تاريخية؟

من أكثر النظريات إثارة للجدل في تاريخ الحركات الإسلامية المعاصرة، تلك التي تقول إن الإمبراطورية البريطانية هي التي أسست جماعة الإخوان المسلمين، أو على الأقل رعت نشأتها وشجعت نموها، لتكون أداة في مواجهة المد القومي العربي الذي كان يهدد المصالح البريطانية في المنطقة.

هذه النظرية يرفضها بشدة مؤرخون أكاديميون مثل مارتن فرامبتون، الذي يؤكد في كتابه "الإخوان المسلمون والغرب: تاريخ من العداء والانخراط" أن العلاقة بين الإخوان والغرب كانت أكثر تعقيداً من مجرد نظرية مؤامرة بسيطة. فمن جهة، كان المسؤولون البريطانيون في مصر ينظرون إلى الإخوان نظرة ريبة وشك، ويعتبرونهم حركة "متطرفة" تهدد الاستقرار. ومن جهة أخرى، كانت هناك اتصالات ولقاءات وتعاون محدود في ظروف معينة .

لكن رفض نظرية المؤامرة المبسطة لا يعني نفي وجود علاقات وتفاهمات وتعاون بين الإخوان والإمبراطورية. فالوثائق التاريخية تكشف أن الإخوان لم يكونوا مجرد حركة معادية للغرب بشكل مطلق، بل كانوا يتعاملون مع البريطانيين والأمريكيين بحسب المصالح والظروف، وكانت لهم اتصالات سرية وعلنية مع مسؤولين غربيين على مدى عقود .

ب. الحرب العالمية الثانية: لحظة التحول

كانت الحرب العالمية الثانية نقطة تحول حاسمة في العلاقة بين الإخوان والغرب. فمع تصاعد خطر النازية والفاشية، وتهديدها للمصالح البريطانية في المنطقة، وجدت لندن في الإخوان حليفاً محتملاً يمكن التعاون معه. فالإخوان، رغم عدائهم للاستعمار البريطاني، كانوا أكثر عداء للنازية وللشيوعية، وكانوا يمثلون قوة محافظة يمكن توظيفها في مواجهة التيارات الراديكالية .

في هذه الفترة، حدثت اتصالات بين قيادات الإخوان والمسؤولين البريطانيين، وتم تبادل المعلومات والتنسيق في بعض القضايا. بل إن بعض الباحثين يرون أن بريطانيا شجعت الإخوان على التوسع والنمو، كقوة موازنة للتيار الناصري الصاعد، وكحاجز أمام المد الشيوعي في المنطقة.

هذه العلاقة الملتبسة، التي جمعت بين العداء والتعاون، بين الرفض والانخراط، ستستمر لعقود، وستتطور مع الزمن لتصل إلى ذروتها في مرحلة الربيع العربي، عندما لعبت قنوات الإخوان الإعلامية، الممولة خليجياً والموجهة أمريكياً، دوراً محورياً في إسقاط الأنظمة الوطنية وإيصال الإخوان إلى السلطة.

خامساً: فرّق تسد... الاستراتيجية الإمبراطورية الأقدم

أ. من الإمبراطورية الرومانية إلى المخابرات البريطانية

"فرّق تسد" ليست مقولة عابرة، ولا شعاراً دعائياً، بل هي استراتيجية إمبراطورية عتيقة، استخدمتها الإمبراطوريات عبر التاريخ لإحكام سيطرتها على الشعوب المغلوبة. الرومان استخدموها، والعثمانيون طبقوها، والبريطانيون أتقنوها، والأمريكيون ورثوها وطوروها.

الفكرة بسيطة في ظاهرها، عميقة في تأثيرها: لا يمكن السيطرة على شعب موحد، متماسك، واعٍ. لكن يمكن السيطرة على شعب منقسم على نفسه، متصارع مع بعضه، مشغول بخصوماته الداخلية عن عدوه الخارجي. إذا لم يكن هناك انقسام طبيعي، يصنع المستعمر انقساماً اصطناعياً. إذا لم تكن هناك صراعات قائمة، يخلق المستعمر صراعات جديدة.

وفي العالم العربي، وجدت الإمبراطورية أرضاً خصبة لتطبيق هذه الاستراتيجية. فالمجتمعات العربية، بتنوعها المذهبي والعرقي والقبلي والثقافي، كانت قابلة للانقسام. وكان الدين، الذي يفترض أن يكون جامعاً للمسلمين، يمكن تحويله إلى أداة تفريق، إذا ما تم توظيفه بشكل صحيح.

ب. الدين سلاح تفريق

لم يكن توظيف الدين في خدمة "فرّق تسد" وليد اللحظة، بل هو استراتيجية قديمة استخدمها المستعمرون في كل مستعمراتهم. ففي الهند، شجع البريطانيون الانقسام بين الهندوس والمسلمين، حتى تحقق لهم ذلك الانقسام الدموي الذي أدى إلى تقسيم البلاد إلى دولتين. وفي لبنان، عمق الفرنسيون الانقسامات الطائفية، وجسدوها في نظام سياسي طائفي ما زال يعاني منه البلد حتى اليوم. وفي سوريا، وظف الفرنسيون الأقليات الدينية والعرقية ضد الأغلبية، وخلقوا انقسامات ما زالت تغذي الصراع حتى الآن.

وفي العالم العربي الإسلامي، كان توظيف الدين أكثر ذكاءً وأخطر أثراً. فبدل أن يوظف المستعمر الانقسامات القائمة بين السنة والشيعة، بين الصوفية والسلفية، بين الإخوان والسلفيين، كان يعمل على تعميق هذه الانقسامات، وإذكاء نارها، وتحويلها إلى صراعات دموية تستهلك طاقات الأمة وتشتت جهودها.

وكانت القنوات الدينية، التي انتشرت في العقود الأخيرة كالفطر في الفضاء العربي، الأداة المثلى لهذا التوظيف. فهي تنقل الخلافات المذهبية من حلقات العلم الضيقة إلى ملايين المشاهدين. وهي تحول الاختلافات الفقهية إلى تكفير وتضليل. وهي تقدم العدو الداخلي على أنه أخطر من العدو الخارجي. وهي تشغل الناس بقضايا فرعية عن قضاياهم المصيرية.

سادساً: التكفير... سلاح المخابرات البريطاني الأفتك

أ. لماذا التكفير؟

التكفير، أي اتهام المسلم بالخروج عن الملة، ليس مجرد فتوى فقهية عابرة، ولا مجرد رأي ديني يمكن تجاهله. هو سلاح فتاك، لأنه يحول المسلم من أخ في الدين إلى عدو يجب قتاله، ومن مواطن صالح إلى كافر يجب إقصاؤه، ومن إنسان له حقوق وعليه واجبات إلى "مرتد" يباح دمه وماله.

هذا السلاح استخدمته المخابرات البريطانية بذكاء شديد في مستعمراتها الإسلامية. فبدل أن تواجه الشعوب المسلمة بقوة عسكرية غاشمة، كانت تشجع بعض شيوخها على تكفير بعضهم الآخر، وتدعم التيارات المتطرفة التي تكفر المجتمعات، وتغذي الخلافات المذهبية التي تمزق الأمة.

ففي مصر، شجعت المخابرات البريطانية التيارات السلفية المتطرفة التي كانت تكفر المجتمع المصري وتتهمه بالجاهلية، لأن هذه التيارات كانت تضعف المقاومة الوطنية ضد الاحتلال، وتشتت الجهود باتجاه صراعات داخلية عقيمة، وتبرر التعاون مع المستعمر بحجة أن "العدو الحقيقي هو الكافر الداخلي وليس المحتل الخارجي".

وفي الهند، وظفت بريطانيا الفتاوى التكفيرية لتأجيج الصراع بين المسلمين والهندوس، ولتعميق الانقسامات داخل المجتمع المسلم نفسه، ولإضعاف حركة الاستقلال التي كانت تهدد وجود الإمبراطورية.

ب. عصابة المخابرات البريطانية: صناعة التطرف

ليست مبالغة القول إن المخابرات البريطانية كانت "تصنع" التطرف الإسلامي، أو على الأقل ترعاه وتشجعه وتوجهه، لخدمة مصالحها الاستراتيجية. فمنذ بدايات القرن العشرين، كانت لندن تدرك أن التيارات الإسلامية المتطرفة يمكن أن تكون حليفاً مفيداً في مواجهة التيارات الوطنية التحررية.

هذه الحقيقة توثقها الآن آلاف الوثائق التي رفعت عنها السرية في الأرشيف البريطاني، وتؤكدها دراسات أكاديمية رصينة مثل دراسة مارتن فرامبتون عن الإخوان والغرب . ففي كل مرحلة من مراحل الصراع في المنطقة، كان هناك تنسيق وتعاون بين دوائر استخبارية غربية وقوى إسلامية متطرفة، تحت عناوين مختلفة: تارة محاربة الشيوعية، وتارة مواجهة القومية العربية، وتارة أخرى دعم "الإسلام المعتدل" في مواجهة "الإسلام المتطرف"!

هذه اللعبة الخبيثة، التي توظف فيها الإمبراطورية الدين لضرب أعدائها، كانت أكثر وضوحاً في مرحلة الحرب الباردة، عندما استخدمت أمريكا وبريطانيا "الجهاد الأفغاني" كأداة لاستنزاف الاتحاد السوفيتي. لكن جذورها أعمق بكثير، وتمتد إلى عقود سابقة، حيث كانت المخابرات البريطانية تزرع بذور التطرف في التربة الإسلامية الخصبة، منتظرة يوم الحصاد.

سابعاً: الإخوان المسلمون... من الإصلاح إلى التوظيف

أ. البدايات: مشروع إصلاحي وطني

لا يمكن إنكار أن جماعة الإخوان المسلمين، عند تأسيسها على يد حسن البنا عام 1928، كانت مشروعاً إصلاحياً وطنياً بشكل صوري ، يهدف إلى النهضة بالأمة الإسلامية من خلال العودة إلى الإسلام الصحيح المتخيل ، والجمع بين الروحانية والعمل، والدعوة والإصلاح الذي لا يوصلك الا إلى أحضان الاستعمار الغربي .

كان حسن البنا خطيباً مفوهاً، ومنظماً بارعاً، وقائداً كاريزمياً، استطاع في سنوات قليلة أن يحول فكرة بسيطة إلى حركة جماهيرية، تمتد فروعها في كل أنحاء مصر، وتؤثر في المجتمع والسياسة والثقافة. كان يرفع شعار "الإسلام هو الحل"، وينادي بتطبيق الشريعة، ويحلم بإقامة الدولة الإسلامية.

لكن البنا كان أيضاً وطنياً مصرياً، يقاوم الاحتلال البريطاني، ويشارك في ثورة 1919، ويرفض التقسيمات الاستعمارية للوطن العربي. كان متصالحاً مع خصوصية مصر، ومتعاوناً مع حركات التحرر العربية، ومنفتحاً على التيارات الوطنية الأخرى لكن دون وعي اجتماعي طبقي كما يضعه في قالب انتهازي يقبل الشيء وضده .

ب. التحول: من الوطنية إلى التبعية

التحول الكبير في مسار الإخوان بدأ بعد اغتيال حسن البنا عام 1949، ثم تصاعد بعد ثورة 1952 وصراع الإخوان مع جمال عبد الناصر. ففي هذه المرحلة، بدأ الإخوان يتحولون تدريجياً من حركة وطنية مراهقة إلى جماعة تبحث عن حلفاء خارجيين لمواجهة خصومها الداخليين.

وكان سيد قطب، بأفكاره المتطرفة وتكفيره للمجتمع والدولة، هو المنظر الأكبر لهذا التحول. ففي سجون عبد الناصر، وتعذيب الإخوان على أيدي أجهزة الأمن، تحول فكر قطب من الإصلاح التدريجي إلى الثورة الشاملة، ومن الدعوة السلمية إلى الجهاد المسلح، ومن التعايش مع المجتمع إلى تكفيره والخروج عليه .

هذا التحول الفكري صاحبه تحول عملي: بدأ الإخوان يبحثون عن دعم خارجي، من الأنظمة العربية المحافظة أولاً، ثم من القوى الغربية لاحقاً. ففي الستينات والسبعينات، وجد الإخوان ملاذاً آمناً في السعودية ودول الخليج، حيث استقبلوا وعملوا ودرسوا ونشروا أفكارهم. وفي الثمانينات والتسعينات، بدأت الاتصالات مع دوائر غربية، أمريكية وبريطانية، تزداد وتتطور .

ثامناً: بريجنسكي وكيسنجر... المهندسان الكبيران

أ. الرجلان اللذان صمما الشرق الأوسط

لا يمكن فهم الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية، ولا دور القنوات الدينية فيها، دون فهم الدور المحوري الذي لعبه رجلان في صياغة السياسة الأمريكية تجاه العالم العربي: زبغنيو بريجنسكي وهنري كيسنجر.

بريجنسكي، البولندي المولد، كان مستشار الأمن القومي للرئيس جيمي كارتر، وأحد أبرز منظري الاستراتيجية الأمريكية في الحرب الباردة. كان صاحب فكرة "استخدام الإسلام السياسي كسلاح ضد الاتحاد السوفيتي"، وأحد المهندسين الرئيسيين للحرب الأفغانية التي جندت فيها أمريكا آلاف المجاهدين من كل أنحاء العالم الإسلامي.

كيسنجر، الألماني المولد، كان وزير الخارجية في عهد نيكسون وفورد، وأشهر دبلوماسي أمريكي في القرن العشرين. كان صاحب نظرية "تفتيت الدول العربية إلى دويلات طائفية وعرقية" لضمان التفوق الإسرائيلي، وأحد المهندسين الرئيسيين لاتفاقيات كامب ديفيد، ولعبة التوازنات الإقليمية التي أضعفت العالم العربي لعقود.

هذان الرجلان، رغم اختلافاتهما، اتفقا على شيء واحد: أهمية توظيف الإسلام السياسي في خدمة المصالح الأمريكية. أدركا أن الإسلام، إذا قُدّم بطريقة معينة، يمكن أن يكون أداة فعالة لمحاربة القومية العربية، وتفكيك مشاريع التنمية المستقلة، وتوجيه غضب الجماهير بعيداً عن العدو الحقيقي.

ب. الإسلام الصهيوني: صياغة المفهوم

"الإسلام الصهيوني" وهو تعبير احتكره شخصيا ، ليس مجرد شعار دعائي، بل هو مفهوم سياسي واستراتيجي، يشير إلى ذلك النوع من الإسلام الذي يتوافق مع المصالح الصهيونية، ويخدم الأجندة الإسرائيلية، ويعمل على تفكيك المشاريع الوطنية العربية.

هذا الإسلام ليس بالضرورة إسلاماً صهيونياً بالمعنى الإيديولوجي، أي أنه لا يؤمن بالصهيونية كحركة قومية يهودية، ولا يدعم إسرائيل علناً. لكنه إسلام صهيوني بالمعنى الموضوعي، أي أن ممارساته وأفكاره ومواقفه تخدم في النهاية المشروع الصهيوني، وتضعف خصومه، وتشتت جهود مقاوميه.

من ملامح هذا "الإسلام الصهيوني":

1. التركيز على العدو الداخلي: تحويل البوصلة من الصراع مع إسرائيل إلى الصراع مع "الكفار" و"المرتدين" و"العلمانيين" داخل المجتمعات العربية. فبدل أن يواجه المسلمون العدو الحقيقي الذي يحتل أرضهم ويغتصب حقوقهم، ينشغلون بتكفير بعضهم البعض، وقتال بعضهم البعض، وتدمير بعضهم البعض.
2. تأجيج الصراعات المذهبية: تضخيم الخلافات بين السنة والشيعة، وتحويلها من خلافات فقهية إلى صراعات دموية، وإضعاف جبهة المقاومة التي تجمع مسلمين من طوائف متعددة ضد العدو الصهيوني.
3. تشويه المقاومة الفلسطينية: تقديم المقاومة الفلسطينية على أنها "إرهاب" أو "تطرف" أو "عمل طائفي"، بدل أن تكون مقاومة وطنية مشروعة ضد احتلال استعماري.
4. تطبيع التبعية: تقديم نماذج "الانفتاح على الغرب" و"التعايش مع إسرائيل" على أنها نماذج إسلامية ناجحة، والتشويش على المقاومة والتحرير.
5. تفريغ الجهاد من محتواه: تحويل الجهاد من مقاومة المحتل إلى قتال المسلمين بعضهم لبعض، أو إلى "جهاد النكاح" و"جهاد التمكين" و"جهاد الدفع" الذي لا هدف له إلا إراقة الدماء وتفريغ الطاقات.

هذا "الإسلام الصهيوني" هو ما روجت له القنوات الدينية الخليجية لعقود، وما تبناه شيوخ الإخوان والسلفية في برامجهم، وما تم تصميمه في دوائر بريجنسكي وكيسنجر، ليضرب المشاريع التنموية المستقلة من الداخل.

تاسعاً: القنوات الدينية... منابر الإسلام الصهيوني

أ. الانتشار الهائل: من قناة إلى إمبراطورية

في العقدين الأخيرين، شهد الفضاء العربي انفجاراً هائلاً في عدد القنوات الدينية. فمن قناة أو قناتين في التسعينات، إلى عشرات القنوات في الألفية الجديدة، إلى مئات القنوات اليوم. قنوات دينية تبث على مدار الساعة، وتقدم كل شيء: دروس الفقه والتفسير، والفتاوى والبرامج الحوارية، والأناشيد والمسلسلات الدينية، وحتى عمليات التجميل والإعلانات التجارية!

هذا الانتشار الهائل لم يكن وليد الصدفة، ولم يكن نتاج طلب جماهيري طبيعي، بل كان نتاج تمويل ضخم، ودعم سياسي، وتخطيط استراتيجي. دول خليجية أنفقت المليارات على هذه القنوات، ورجال أعمال خليجيون تبرعوا بملايين الدولارات لدعمها، ومؤسسات دينية خليجية وفّرت لها الغطاء الشرعي.

النتيجة كانت إمبراطوريات إعلامية دينية، تتحكم في عقول الملايين، وتوجه وعيهم، وتشكل رؤيتهم للعالم. إمبراطوريات تمتلك من المال ما يمكنها من شراء أفضل الكفاءات، ومن التقنية ما يمكنها من الوصول إلى أبعد المناطق، ومن النفوذ ما يمكنها من التأثير في أعمق الأعماق.

ب. الخطاب الواحد في قوالب متعددة

رغم تنوع هذه القنوات وتعددها، إلا أن الخطاب الذي تقدمه هو خطاب واحد في الجوهر، وإن اختلفت القوالب والأشكال. هذا الخطاب يقوم على عدة أسس مشتركة:

1. تكريس التبعية للغرب: تحت شعار "الواقعية" و"التعامل مع المتغيرات الدولية"، تقدم هذه القنوات نماذج التبعية على أنها نماذج ناجحة، وتدعو إلى التعاون مع الغرب والانفتاح عليه، وتنتقد أي توجه استقلالي أو مقاوم للهيمنة الغربية.
2. تأجيج الصراعات المذهبية: تحت شعار "الدفاع عن السنة" و"نصرة أهل الحق"، تكرس هذه القنوات الصور النمطية المسيئة عن الشيعة، وتحرض ضدهم، وتعمق الانقسام بين المسلمين.
3. تكفير المخالفين: تحت شعار "الحفاظ على العقيدة" و"الغيرة على التوحيد"، تطلق هذه القنوات فتاوى التكفير ضد كل من يخالفها الرأي، من علمانيين وليبراليين ويساريين، بل ومن إسلاميين ينتمون إلى مذاهب أو جماعات أخرى.
4. تفريغ القضية الفلسطينية: تحت شعار "الاهتمام بالمسلمين في كل مكان"، تشتت هذه القنوات الاهتمام عن القضية المركزية للأمة، وتحوله إلى قضايا فرعية، أو إلى صراعات داخلية لا طائل منها.
5. تشويه مشاريع التنمية المستقلة: تحت شعار "الرد على العلمانيين" و"نقد الأنظمة العربية"، تشوه هذه القنوات كل مشروع تنموي عربي مستقل، من تجربة عبد الناصر إلى تجربة الثورة الإيرانية إلى تجربة صنعاء اليوم.

هذا الخطاب، الذي يبدو للوهلة الأولى خطاباً دينياً محافظاً، هو في الحقيقة خطاب سياسي بامتياز، يخدم أجندات إقليمية ودولية، ويعمل على تفكيك الوعي العربي، وتدمير مشاريع التحرر، وإبقاء المنطقة في دائرة التبعية.

عاشراً: شيوخ الإخوان على القنوات الخليجية... علاقة مصالح

أ. يوسف القرضاوي: نموذج الشيخ التابع

يوسف القرضاوي هو النموذج الأبرز للشيخ الذي جمع بين الخطاب الديني التقليدي والولاء للإمبراطوريات الإعلامية الخليجية. فالقرضاوي، الذي يعتبر من أبرز علماء الإخوان المسلمين في العصر الحديث، كان نجماً دائماً على شاشة الجزيرة، يطل على الملايين في برنامجه الشهير "الشريعة والحياة"، ويفتي في كل صغيرة وكبيرة.

القرضاوي قدم نموذجاً للإسلام "المعتدل" الذي تريده الإمبراطورية: إسلام يدعم "الربيع العربي" لكنه يرفض العنف الثوري، ويؤيد "الديمقراطية" لكنه يرفض العلمانية، وينتقد أمريكا لكنه يقبل بوجودها في المنطقة، ويدافع عن المقاومة الفلسطينية لكنه يهاجم المقاومة في العراق وأفغانستان.

هذا التناقض الصارخ في مواقف القرضاوي لم يكن تناقضاً شخصياً، بل كان تجسيداً للتناقضات الكبرى في المشروع الإخواني نفسه، الذي يحاول التوفيق بين الإسلام والسياسة، بين الأصالة والحداثة، بين المقاومة والتبعية. وقد لعبت قناة الجزيرة دوراً محورياً في صناعة صورة القرضاوي كشيخ عالمي، وتضخيم فتاواه ومواقفه، وتقديمه كمرجعية للأمة.

ب. راشد الغنوشي: من المنفى إلى الرئاسة عبر الشاشات

راشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة التونسية، هو نموذج آخر للشيخ الإخواني الذي صعد نجمه عبر الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية. فالغنوشي، الذي قضى عقوداً في المنفى بلندن، كان ضيفاً دائماً على قناتي الجزيرة والعربية، يطل على المشاهدين بوجهه البشوش وخطابه المعتدل، ويكسب تعاطف الملايين قبل أن يعود إلى تونس بعد الثورة.

هذا الظهور الإعلامي المكثف للغنوشي لم يكن مجرد تغطية صحفية عادية، بل كان جزءاً من حملة منظمة لصناعة زعيم إسلامي "معتدل" يمكن التعامل معه من قبل الغرب، ويمكن أن يكون بديلاً عن الأنظمة العلمانية في العالم العربي.

وعندما وصل الغنوشي إلى سدة الحكم في تونس بعد ثورة 2011، أثبت أنه جزء من المشروع نفسه: مشروع الإسلام التابع، الإسلام الذي يتحدث باسم الدين لكنه يخدم الإمبراطورية، الإسلام الذي يرفع شعارات الحرية لكنه يمارس التبعية. وقد لعبت القنوات الخليجية دوراً محورياً في تضخيم تجربة "النهضة" وتقديمها كنموذج للإسلام الديمقراطي الناجح، قبل أن يكتشف التونسيون حجم الإخفاق والتبعية.

ج. محمد مرسي: من الشاشات إلى الرئاسة إلى السقوط

محمد مرسي، الرئيس المصري السابق، هو النموذج الأكثر دراماتيكية لصعود وسقوط رجل الإخوان عبر الإعلام. فرئيس الجمهورية الذي أطاح به الجيش المصري بعد عام واحد من حكمه، كان قبل ذلك نجم قنوات الإخوان الإعلامية، وعلى رأسها قناة "مصر 25" التي كانت تبث من تركيا.

هذه القنوات، التي قدمت مرسي كرئيس منتخب من السفارة الأمريكية وفائز بانتخابات مزورة فاز بها فعليا الفريق أحمد شفيق ، وكزعيم إسلامي، وكبطل للثورة، كانت في الحقيقة تغطي على إخفاقاته، وتبرر سياساته، وتشوه خصومه. كانت الجيش الإعلامي الذي حمى مرسي في مواجهة الشارع المصري الغاضب، وأطال عمر حكمه الفاشل، وأوهمه بأنه لا يزال يتمتع بشعبية جارفة.

لكن هذا الإعلام لم يستطع إنقاذ مرسي عندما حانت لحظة الحقيقة. فعندما خرجت الملايين في 30 يونيو 2013 لتطالب برحيله، لم تستطع قنوات الإخوان أن تفعل شيئاً سوى بث خطاب الكراهية والتحريض، الذي زاد الطين بلة، وعمق الانقسام في المجتمع المصري، وأدى في النهاية إلى سقوط مرسي وعودة العسكر إلى الحكم.

حادي عشر: تكفير عبد الناصر... بداية مسيرة التدمير

أ. الحملة الإعلامية ضد تجربة التحرر

كان الرئيس المصري جمال عبد الناصر الهدف الأول لحملات التكفير التي شنتها القنوات الدينية، قبل أن توجد هذه القنوات رسمياً. فمنذ منتصف الخمسينات، بدأت التيارات الإسلامية المتطرفة، وبعضها كان على صلة بدوائر استخبارية غربية، في تكفير عبد الناصر وتجربته الوطنية.

كانت اتهاماتهم متعددة: عبد الناصر علماني، يطبق قوانين وضعية، ويحارب الإسلاميين، ويتعامل مع الشيوعيين، ويدعو إلى القومية العربية التي تذيب الخصوصية الإسلامية. وكانت فتاوى التكفير تطلق بالجملة: عبد الناصر كافر، ونظامه كافر، وجيشه كافر، ومن معه كافر.

هذه الحملات التكفيرية لم تكن بريئة، ولم تكن مجرد خلاف فقهي حول تعريف الإيمان والكفر. كانت حملة منظمة، ممولة من أطراف متعددة، تهدف إلى تدمير المشروع الناصري من الداخل، وإضعاف شعبيته بين الجماهير، وتبرير الانقلابات والمؤامرات ضده.

وقد لعبت في هذه الحملات أدواراً مهمة: السعودية التي كانت تخشى المد القومي العربي، والإخوان الذين كانوا يريدون الانتقام من عبد الناصر بعد قمعهم، والمخابرات الأمريكية التي كانت تعتبر عبد الناصر الخطر الأكبر على مصالحها في المنطقة.

ب. نتائج كارثية: ضرب المشروع الوطني

كانت نتائج هذه الحملات التكفيرية كارثية على المشروع الوطني المصري والعربي. فقد ساهمت في إضعاف شعبية عبد الناصر، وشق الصف الوطني، وإلهاء الجماهير بقضايا دينية فرعية عن معارك التحرر الكبرى.

كما ساهمت في تغذية الصراع الدموي بين النظام والإسلاميين في الستينات، الذي بلغ ذروته بإعدام سيد قطب ورفاقه عام 1966. هذا الصراع خلف جراحاً غائرة في المجتمع المصري، ما زالت تتفاقم حتى اليوم.

وبعد هزيمة 1967، استغل الإسلاميون هذه الهزيمة لتوجيه النقد لعبد الناصر وتجربته، وتقديم أنفسهم كبديل "إسلامي" عن المشروع القومي "الفاشل". وقد لعبت في ذلك أدواراً مهمة: قنوات إعلامية خليجية ناشئة، وكتب ومجلات كانت تطبع وتبث من السعودية والخليج، وشيوخ كانوا يتنقلون بين عواصم النفط بلا كلل.

ثاني عشر: تكفير الثورة الإيرانية... توظيف الطائفية

أ. الثورة التي هزت عروش الإمبراطورية

عندما انتصرت الثورة الإيرانية عام 1979، وأطاحت بأحد أشد حلفاء أمريكا في المنطقة (الشاه)، وأقامت نظاماً إسلامياً مستقلاً، وأعلنت عداءها الصريح لكل من أمريكا وإسرائيل، كانت صدمة كبرى للإمبراطورية وحلفائها في المنطقة.

هذه الثورة كانت تمثل خطراً استراتيجياً على المصالح الغربية، ليس فقط لأنها أطاحت بحليف موثوق، بل لأنها قدمت نموذجاً إسلامياً مستقلاً، يمكن أن يلهم حركات إسلامية أخرى في العالم العربي، ويكسر هيمنة "الإسلام الرسمي" التابع للأنظمة العربية المحافظة.

لذلك، كان لابد من مواجهة هذا النموذج بكل الوسائل، وكانت وسائل الإعلام في مقدمة هذه الوسائل.

ب. الحملة الإعلامية: تشويه الثورة وتكفيرها

منذ الأيام الأولى للثورة الإيرانية، بدأت حملة إعلامية شرسة ضدها، قادتها الأنظمة العربية المحافظة، وشاركت فيها قنوات دينية خليجية، وتبناها شيوخ الإخوان والسلفية.

محاور هذه الحملة كانت متعددة:

1. تكفير الثورة مذهبياً: تقديم الثورة على أنها "مشروع صفوي" يهدف لنشر التشيع في العالم العربي، وتهديد "أهل السنة والجماعة". هذا الخطاب الطائفي غذى المشاعر المعادية لإيران، وشتت الانتباه عن الأبعاد الوطنية للثورة.
2. تكفير الثورة سياسياً: اتهام الثورة بأنها "عميلة" لجهات خارجية، تارة للاتحاد السوفيتي، وتارة أخرى لأمريكا نفسها! رغم أن الثورة كانت معادية للغرب بشكل واضح وصريح.
3. تكفير الثورة دينياً: تقديم قادة الثورة على أنهم "غلاة" و"متطرفون" و"خوارج"، لا يمثلون الإسلام الصحيح. هذا الخطاب حاول عزل الثورة عن جذورها الإسلامية، وتقديمها كشذوذ عن المألوف.
4. تضخيم الخلافات المذهبية: إذكاء نار الخلاف بين السنة والشيعة، وتقديم الصراع مع إيران على أنه صراع ديني، وليس صراعاً سياسياً حول مشروعين متنافسين.

هذه الحملة الإعلامية الضخمة، التي شاركت فيها قنوات دينية خليجية بشكل مكثف، نجحت إلى حد كبير في تحقيق أهدافها. فقد حصرت الثورة الإيرانية في إطارها المذهبي، ومنعت انتشارها في العالم العربي، وحولت الأنظار عن عداوتها لأمريكا وإسرائيل إلى عداوتها لـ"أهل السنة".

ثالث عشر: تكفير صنعاء اليوم... استمرار المسيرة

أ. اليمن: ساحة الصراع الجديدة

بعد ثورات الربيع العربي، وانهيار الدولة اليمنية، وتوسع سيطرة حركة أنصار الله (الحوثيين) على العاصمة صنعاء وشمال اليمن، وجدت الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية ساحة جديدة لتطبيق استراتيجيتها القديمة: التكفير والتقسيم.

منذ بداية الصراع في اليمن، انخرطت القنوات الخليجية، خاصة العربية والحدث، في حملة إعلامية شرسة ضد أنصار الله، وصنعاء. حملة تستخدم نفس الأدوات، ونفس الخطاب، ونفس الأساليب التي استخدمتها ضد عبد الناصر وضد الثورة الإيرانية.

محاور هذه الحملة:

1. تكفير الحوثيين مذهبياً: تقديمهم على أنهم "أداة إيرانية" و"حلقة في المشروع الصفوي"، رغم أن الحركة لها جذور يمنية عميقة، وتعبر عن مظالم تاريخية لأبناء شمال اليمن.
2. تكفيرهم سياسياً: اتهامهم بأنهم "ميليشيا انقلابية" تخدم أجندات خارجية، وتقوض الشرعية، وتعطل التسوية السياسية.
3. تجاهل العدوان: تغطية العدوان العسكري الذي تقوده السعودية والإمارات على اليمن، وتقديمه كـ"عملية عسكرية شرعية" ضد "المتمردين"، وتجاهل آثاره الكارثية على المدنيين والبنية التحتية.
4. تقسيم اليمن: الترويج لمشاريع التقسيم والفيدرالية، وتشجيع الانفصال في الجنوب، وإذكاء الصراعات القبلية والمناطقية.

ب. صنعاء في مرمى الإمبراطوريات

صنعاء اليوم، العاصمة التاريخية لليمن الموحد، تواجه نفس المصير الذي واجهته القاهرة في الخمسينات والستينات. فهي مستهدفة ليس فقط عسكرياً، بل إعلامياً أيضاً. مستهدفة ليس فقط بالقنابل والصواريخ، بل بالكلمات والصور والفتاوى.

الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية تقدم صورة مشوهة عن صنعاء: مدينة تحت سيطرة "ميليشيا إيرانية"، وشعب يخضع لـ"حكم طائفي"، ومستقبل يهدده "المشروع الصفوي". هذه الصورة تبرر استمرار الحرب والحصار، وتغطي على جرائم العدوان، وتشوه أي مقاومة للهيمنة الخارجية.

لكن صنعاء، رغم كل هذا، تصمد. تصمد عسكرياً في وجه أقوى آلة حربية في المنطقة، وتصمد سياسياً في وجه أعتى ضغوط إقليمية ودولية، وتصمد إعلامياً في وجه أضخم آلة دعائية عرفها العالم العربي. وهذا الصمود، في حد ذاته، هو انتصار كبير على الإمبراطوريات الإعلامية ومشاريعها التدميرية.

رابع عشر: اغتصاب القاصرات... جزر إبستين والإعلام الخليجي

أ. جيفري إبستين: الملياردير الذي صدم العالم

جيفري إبستين لم يكن مجرد ملياردير أمريكي ثري. كان رمزاً لفساد النخبة الغربية، وانحطاطها الأخلاقي، واستغلالها للضعفاء بكل وحشية. كان صديقاً للرؤساء والملوك والأمراء، وممولاً للمشاريع العلمية والخيرية، ومستثمراً في أكبر الشركات العالمية. وخلف هذه الواجهة اللامعة، كان يتاجر بالقاصرات، ويدير شبكة دعارة عالمية، ويستغل الفقيرات والمحرومات بأبشع صورة.

عندما كشفت التحقيقات عن تفاصيل فضيحة إبستين، صدم العالم كله. فالمتهم لم يكن مجرم عادي، بل كان مليونيراً له صلات وثيقة بأوساط النخبة السياسية والاقتصادية والإعلامية. وكانت "جزيرة إبستين" الخاصة مسرحاً لجرائم جنسية مروعة، شارك فيها أغنياء ومشاهير وسياسيون من مختلف أنحاء العالم.

لكن الأكثر صدمة كان التواطؤ الواسع مع هذه الجرائم، وعدم محاكمة المتورطين الكبار، وانتحار إبستين الغامض في السجن قبل محاكمته، وإغلاق الملفات دون تحقيق العدالة للضحايا.

ب. القنوات الدينية الخليجية: بين التبرير والتطبيع

في الوقت الذي كانت فيه وسائل الإعلام الغربية، وبعض وسائل الإعلام العربية المستقلة، تكشف عن تفاصيل فضيحة إبستين، وتطالب بمحاكمة المتورطين، كانت الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية تمارس دوراً مزدوجاً:

1. التجاهل والتغطية: تجاهلت معظم القنوات الخليجية تفاصيل الفضيحة، أو مرت عليها مرور الكرام، حرصاً على عدم إحراج حلفائها في الغرب. لم تذكر أسماء السياسيين ورجال الأعمال المتورطين، ولم تطالب بمحاكمتهم، ولم تتعاطف مع الضحايا.
2. التبرير الديني: في مقابل هذا التعتيم على جرائم الغرب، كانت هذه القنوات تروّج خطاباً دينياً متخلفاً يبرر زواج القاصرات، ويقدمه على أنه "سنة نبوية" أو "شريعة إسلامية". شيوخ يظهرون على الشاشات ليقولوا إن زواج الطفلات جائز شرعاً، وإن من يعترض عليه عميل للغرب، وإن هذه "ثوابت إسلامية" لا تقبل النقاش.

هذا التواطؤ العجيب، بين التعتيم على جرائم الغرب والترويج لجرائم مماثلة باسم الدين، يكشف عن عمق الانحطاط الأخلاقي الذي وصلت إليه الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية. يكشف كيف يمكن للإعلام التابع أن يخون أسمى القيم الإنسانية، في سبيل خدمة الإمبراطورية وحلفائها.

ج. تواطؤ عالمي: لا أحد يحاكم شيوخ الاغتصاب

الغريب في فضيحة إبستين، وفي فضائح مماثلة، أن العدالة لا تطال إلا الصغار، بينما يبقى الكبار في منأى عن المحاكمة. ففي قضية إبستين، انتحر الملياردير قبل محاكمته، ولم يحاكم أي من شركائه الأقوياء. وفي العالم العربي، استمر شيوخ يبررون زواج القاصرات على القنوات الفضائية، دون أن يحاسبهم أحد.

لا أحد يحاكم شيوخ الاغتصاب. لا أحد يصادر أموالهم. لا أحد يجرم قنواتهم. لا أحد يدفع تعويضات لضحاياهم. وكأن الجريمة لم تكن جريمة، وكأن الضحايا لم يكونوا ضحايا، وكأن القانون لا ينطبق على أصحاب العمائم واللحى.

هذا التواطؤ العالمي، بين نخب الغرب وشيوخ الشرق، بين إعلام الإمبراطورية وإعلام المحميات، يكشف عن عمق الأزمة الأخلاقية التي يعيشها العالم. يكشف كيف يمكن للمال والسلطة أن يشتريا الضمائر، ويشتروا الصمت، ويشتروا الإفلات من العقاب.

خامس عشر: مقتل سليماني... توظيف الإعلام الديني في الصراع الإقليمي

أ. الحدث الذي هز المنطقة

عندما اغتالت الولايات المتحدة الفريق قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، في يناير 2020، كان الحدث مفصلياً في تاريخ المنطقة. سليماني لم يكن مجرد قائد عسكري، بل كان رمزاً للمقاومة، ووجهاً بارزاً في مواجهة المشروع الأمريكي والإسرائيلي في المنطقة.

الاغتيال أثار ردود فعل متباينة في العالم العربي: بين من اعتبره ضربة قوية للمشروع الإيراني، ومن رآه اعتداءً على السيادة العراقية واستفزازاً خطيراً، ومن اعتبره خسارة للمقاومة في مواجهة المشروع الصهيوني.

ب. تغطية القنوات الدينية الخليجية: انكشاف الأقنعة

في تغطية هذا الحدث الكبير، انكشفت الأقنعة عن الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية بشكل لم يسبق له مثيل. فالقنوات الدينية، التي ترفع شعار "نصرة الإسلام والمسلمين"، وقفت بوضوح إلى جانب الاغتيال، وهنأت أمريكا عليه، ووصفت سليماني بأنه "مجرم" و"إرهابي" و"مفسد في الأرض".

شيوخ ظلوا لسنوات يرفعون شعار "الموت لأمريكا" في مناسباتهم، تحولوا بين عشية وضحاها إلى مدافعين عن الإدارة الأمريكية، ومباركين لجرائمها، ومهللين لاغتيالاتها. قنوات كانت تقدم نفسها كمدافعة عن الإسلام والمسلمين، انحازت بوضوح إلى القاتل ضد القتيل، إلى أمريكا ضد إيران، إلى المشروع الصهيوني ضد محور المقاومة.

هذا الانكشاف الصارخ كشف عن حقيقة الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية: إنها ليست قنوات إسلامية، بل قنوات سياسية تخدم أجندات محددة. ليست مدافعة عن الدين، بل مدافعة عن مصالح من يمولها ويحميها. ليست صوتاً للأمة، بل صوتاً للإمبراطورية.

سادس عشر: من الإخوان إلى داعش... استمرارية الخطاب

أ. الجذور الفكرية المشتركة

رغم الخلافات الكبيرة بين الإخوان المسلمين وتنظيم داعش، إلا أن هناك جذوراً فكرية مشتركة تجمع بينهما. هذه الجذور تمتد إلى سيد قطب وأفكاره عن "الجاهلية الحديثة" و"الحاكمية" و"التكفير". فكلاهما يرى أن المجتمعات العربية تعيش في جاهلية، وكلاهما يكفر الأنظمة القائمة، وكلاهما يدعو إلى الجهاد لإقامة الدولة الإسلامية .

هذه الجذور المشتركة تفسر لماذا تنتقل الجماعات والتنظيمات بسهولة من الإخوانية إلى السلفية الجهادية، والعكس. فهي ليست كيانات منفصلة تماماً، بل هي فروع لشجرة واحدة، تغذيها نفس الأفكار، وترويها نفس الإيديولوجيا.

ب. الإمبراطوريات الإعلامية وعلاقتها بداعش

علاقة الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية بتنظيم داعش كانت علاقة معقدة ومتناقضة. فمن جهة، كانت هذه القنوات تدين داعش وتنتقدها، وتعتبرها "جماعة متطرفة" لا تمثل الإسلام. ومن جهة أخرى، كانت تروج لنفس الأفكار التي غذت داعش: تكفير الشيعة، وتأجيج الصراعات المذهبية، وكراهية الآخر، والاستعداد للقتال باسم الدين.

بل إن بعض الباحثين يرون أن الخطاب التكفيري الذي روجته القنوات الدينية الخليجية لعقود، كان البيئة الحاضنة التي نمت فيها داعش والقاعدة وغيرهما من التنظيمات المتطرفة. فكيف يمكن أن يكبر شاب عربي على فتاوى تكفر كل من يخالف المذهب السني، ثم لا ينضم إلى تنظيم يعد بتطبيق هذه الفتاوى عملياً؟

هذه العلاقة المتناقضة تكشف عن ازدواجية الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية في التعامل مع التطرف. فهي تدينه بالكلام، وتغذيه بالفعل. تحاربه في الظاهر، وتستثمر فيه في الباطن. تقدم نفسها كمدافعة عن "الإسلام المعتدل"، بينما هي تروّج لأخطر أشكال التطرف.

سابع عشر: الإمبراطوريات الإعلامية وتمويل الإرهاب

أ. المال الخليجي والجماعات المتطرفة

من أكثر الملفات إثارة للجدل في العلاقة بين الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية والتطرف، هو ملف التمويل. فهناك أدلة كثيرة على أن أموالاً خليجية، من حكومات أو أفراد أو مؤسسات خيرية، كانت تتدفق على الجماعات المتطرفة في مختلف أنحاء العالم.

هذا التمويل لم يكن يقتصر على الجماعات "المعتدلة" مثل الإخوان، بل امتد ليشمل الجماعات "الجهادية" مثل القاعدة وداعش وجبهة النصرة. وكانت القنوات الدينية الخليجية تلعب دوراً محورياً في جمع هذا التمويل، عبر حملات التبرع التي تبثها على الهواء، وعبر الترويج لأفكار هذه الجماعات، وعبر تقديمها كمجاهدين أبطال.

وقد اعترف مسؤولون غربيون، في أكثر من مناسبة، بأن التمويل الخليجي كان المصدر الرئيسي لتمويل الإرهاب في العالم. وأن القنوات الفضائية الخليجية كانت المنصة الإعلامية الأكبر للترويج لهذا الإرهاب.

ب. بين النفي والإثبات

طبعاً، تنفي الحكومات الخليجية هذه الاتهامات، وتؤكد أنها تقف في الخط الأول لمحاربة الإرهاب. وتشير إلى تعاونها الأمني مع الغرب، وضرباتها للجماعات المتطرفة، وبرامجها لمكافحة التطرف.

لكن الوثائق المسربة والتحقيقات المستقلة تكشف عن صورة أخرى. تكشف عن استمرار تدفق الأموال الخليجية إلى الجماعات المتطرفة، وعن استمرار القنوات الخليجية في الترويج لخطاب التكفير والكراهية، وعن ازدواجية في التعامل مع الإرهاب: تدعمه هنا لضرب خصومها، وتحاربه هناك عندما يهدد مصالحها.

هذه الازدواجية تكشف عن الطبيعة الحقيقية للإمبراطوريات الإعلامية الخليجية: إنها ليست معنية بمحاربة الإرهاب كقيمة أخلاقية، بل هي معنية باستخدام الإرهاب كأداة سياسية. توظفه عندما يخدم أجنداتها، وتحاربه عندما يهدد مصالحها. وهذا هو جوهر العقلية الإمبراطورية: لا أخلاق، ولا قيم، ولا مبادئ، فقط مصالح.

ثامن عشر: إيران الثورة... العدو الذي يجب تدميره

أ. لماذا تخشى الإمبراطوريات إيران؟

إيران الثورة، منذ انتصارها عام 1979، كانت الهدف الأكبر للإمبراطوريات الإعلامية الخليجية. لماذا؟ لأن إيران قدمت نموذجاً إسلامياً مستقلاً، قادراً على الصمود في وجه الضغوط الغربية، وقادراً على بناء مشروع تنموي وطني، وقادر على دعم حركات المقاومة في المنطقة.

إيران أظهرت أن الإسلام يمكن أن يكون قوة تحرر، وليس مجرد أداة تخدير. أظهرت أن التدين يمكن أن يتعايش مع الحداثة والتطور. أظهرت أن مقاومة الإمبراطورية ممكنة، بل ومنتصرة في كثير من الأحيان.

هذا النموذج كان يشكل خطراً وجودياً على الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية، التي تقدم الإسلام كدين تابع، خاضع، مسالم، متصالح مع الهيمنة الغربية. لذلك، كان لابد من تدمير هذا النموذج، وتشويه صورته، وعزله عن محيطه العربي والإسلامي.

ب. الحملة الإعلامية: تكفير إيران وتشويهها

الحملة الإعلامية ضد إيران كانت الأضخم والأشرس والأكثر تنظيماً في تاريخ الإعلام العربي. شاركت فيها كل القنوات الخليجية، الحكومية والخاصة والدينية، وتضافرت فيها جهود عشرات الإعلاميين والمحللين والشيوخ.

محاور هذه الحملة:

1. تكفير إيران مذهبياً: تقديم إيران كدولة "رافضية" تعادي أهل السنة، وتهدد المقدسات الإسلامية، وتسعى لنشر التشيع في العالم العربي. هذا الخطاب الطائفي كان الأكثر تأثيراً في الشارع السني، وأسهم في خلق عداء عميق ضد إيران.
2. تكفير إيران سياسياً: اتهام إيران بالتدخل في شؤون الدول العربية، ودعم "الميليشيات الطائفية"، وتقويض الأمن والاستقرار في المنطقة. هذا الخطاب يغفل التدخلات الغربية والإسرائيلية الأكبر والأخطر.
3. تشويه صورة إيران: تضخيم المشاكل الداخلية في إيران، وتقديم صورة قاتمة عن أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية، وإخفاء إنجازاتها التنموية والعلمية.
4. الفصل بين إيران والمقاومة: محاولة الفصل بين إيران ودعمها للمقاومة الفلسطينية واللبنانية، وتقديم هذا الدعم كتدخل طائفي، وليس كدعم لقضايا عربية عادلة.

هذه الحملة الإعلامية الضخمة نجحت إلى حد كبير في تحقيق أهدافها. فقد تمكنت من عزل إيران عن محيطها العربي، وتحويل الأنظار عن عداوتها لأمريكا وإسرائيل إلى عداوتها لـ"أهل السنة"، وتبرير التحالفات العربية مع الغرب ضد إيران.

تاسع عشر: درس الصين... النموذج البديل

أ. كيف تحمي الصين عقل مواطنيها؟

في مواجهة هذه الإمبراطوريات الإعلامية الجبارة، يبرز النموذج الصيني كبديل مضيء. فالصين، التي كانت حتى منتصف القرن العشرين تعاني من التخلف والضعف والتبعية للغرب، استطاعت خلال عقود قليلة أن تحقق نهضة شاملة، وأن تبني اقتصاداً قوياً، وأن تطور تكنولوجيا متقدمة، وأن تفرض احترامها على العالم.

وما كان لهذه النهضة أن تتحقق لولا عاملين أساسيين: القيادة الواعية للحزب الشيوعي الصيني، والوعي الاجتماعي للشعب الصيني. والحزب الشيوعي الصيني، الذي قاد الثورة الصينية عام 1949، وتولى بناء الدولة الجديدة، أدرك مبكراً أهمية الإعلام في تشكيل الوعي وتوجيه الجماهير.

فلم يترك الإعلام فريسة لقوى السوق، ولا أداة بيد رجال الأعمال، ولا منصة لأجندات خارجية. جعله أداة في خدمة الشعب، وسلاحاً في معركة البناء والتنمية، ووسيلة لتعزيز الوحدة الوطنية.

ولهذا، نجحت الصين في منع وسائل إعلام الغرب ومحمياتها الخليجية، وجماعاتها المتطرفة، من الوصول إلى عقل المواطن الصيني وتدميره بالخطاب الاستعماري الغربي. بنت الصين جداراً منيعاً يحمي عقل مواطنيها من الاختراق الإعلامي، ويصون وعيهم من التلوث الفكري، ويحفظ هويتهم الوطنية من الذوبان في العولمة الأمريكية.

ب. دروس للعالم العربي

ما يمكن للعالم العربي أن يستفيده من التجربة الصينية هو إمكانية بناء وعي اجتماعي مقاوم للإمبراطوريات الإعلامية. وعي يدرك أن الإعلام ليس مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل هو ساحة معركة، ومجال صراع، وأداة هيمنة. وعي يميز بين ما هو مفيد وما هو ضار، بين ما هو نافع وما هو خبيث، بين ما يبني وما يهدم. وعي يرفض التبعية بكل أشكالها، ويصر على الاستقلال بكل تكاليفه.

هذا الوعي لا يمكن أن يولد من فراغ، ولا يمكن أن ينمو عفواً. يحتاج إلى تربية وتنشئة وتعليم. يحتاج إلى مؤسسات وطنية مستقلة. يحتاج إلى نخب مثقفة ملتزمة. يحتاج إلى إعلام بديل، لا يقل احترافية عن إمبراطوريات المحميات، لكنه يختلف عنها في الأهداف والغايات. إعلام يخدم الشعب لا الإمبراطورية، وينير العقول لا يظلمها، ويوحد الصفوف لا يفرقها.

عشرون: خاتمة الباب الثالث... الدين بين التحرير والتبعية

أ. صراع المشروعين

في نهاية هذا الباب الطويل، نعود إلى السؤال الجوهري: لماذا يستخدم الدين؟ لمن يخدم؟ في أي مشروع يوظف؟

الإجابة أن هناك صراعاً تاريخياً بين مشروعين للإسلام في العالم العربي: إسلام التحرر، وإسلام التبعية.

إسلام التحرر هو إسلام عبد الناصر، وإسلام الثورة الإيرانية، وإسلام المقاومة في فلسطين ولبنان واليمن. هو إسلام يوظف الدين لتحرير الإنسان من الخوف والجوع والجهل والاستغلال. إسلام يرفع شعارات العدالة والمساواة والكرامة. إسلام يرفض الهيمنة الخارجية بكل أشكالها، ويصر على الاستقلال والتنمية.

إسلام التبعية هو إسلام الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية. إسلام يوظف الدين لتخدير الجماهير، وتفريغ طاقاتها، وتوجيه غضبها بعيداً عن العدو الحقيقي. إسلام يرفع شعارات التكفير والتقسيم والكراهية. إسلام يخدم مصالح الإمبراطورية وحلفائها، ويضعف المشاريع الوطنية المستقلة.

هذان المشروعان في صراع دائم، والمعركة بينهما هي معركة المستقبل.

ب. من ينتصر؟

من ينتصر في هذه المعركة؟ لا أحد يعرف على وجه اليقين. لكن المؤكد أن النصر لن يكون حليف إسلام التبعية، مهما بلغت قوته الإعلامية وموارده المالية. لأن هذا الإسلام يتعارض مع فطرة الإنسان، ويصادم تطلعاته للحرية والكرامة، ويتناقض مع القيم الأساسية للدين نفسه.

إسلام التبعية يعتمد على الجهل والتخويف والتضليل. يعتمد على إبقاء الناس في حالة من الخوف والجهل، حتى لا يكتشفوا حقيقة ما يجري حولهم. يعتمد على تكريس التبعية للغرب، وتدمير الثقة في الذات، وإلغاء الإرادة الوطنية.

أما إسلام التحرر، فيعتمد على العلم والوعي والإرادة. يعتمد على تمكين الناس من فهم واقعهم، وتحليل مشكلاتهم، وبناء مستقبلهم. يعتمد على استعادة الثقة في الذات، وتحرير الإرادة الوطنية، وبناء مشاريع تنموية مستقلة.

ولهذا، فإن المستقبل سيكون، بكل تأكيد، لإسلام التحرر. لأن الشعوب العربية، بعد كل ما مرت به من تجارب، بدأت تكتشف حقيقة الإمبراطوريات الإعلامية، وتدرك خطورة إسلام التبعية، وتستعد لبناء بديلها الخاص.

ج. كلمة أخيرة

هذا الباب الثالث كان محاولة لتفكيك العلاقة الملتبسة بين الدين والسياسة، بين الإيمان والإمبراطورية، بين المساجد والقنوات الفضائية. محاولة لكشف كيف تحول الدين من أداة تحرر إلى أداة تبعية، ومن مصدر قوة إلى مصدر ضعف، ومن رافعة للنهضة إلى ثقل يشد إلى الخلف.

لكن هذه المحاولة لا تهدف إلى اليأس أو الإحباط، بل إلى الوعي والتنبيه. فالوعي بالخطر هو نصف الطريق إلى مواجهته. وفهم آليات التضليل هو أول خطوة نحو التحرر منها. وإدراك حجم المؤامرة هو بداية التفكير في كيفية إفشالها.

وإذا كانت الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية قد نجحت، إلى حد كبير، في تشويه صورة الإسلام، وتفكيك الوعي العربي، وتدمير مشاريع التنمية المستقلة، فإنها لم تنجح تماماً. ما زالت هناك جيوب مقاومة. ما زالت هناك أصوات مستقلة. ما زالت هناك عقول ناقدة. ما زالت الشعوب العربية تحتفظ، في أعماقها، ببذور الوعي والإرادة والأمل.

وهذه البذور، إذا سقيت بالعلم والوعي والنضال، ستثمر يوماً نهضة عربية حقيقية. نهضة تستعيد فيها الأمة صوتها المستقل، وإرادتها الحرة، ومشروعها التنموي الخاص. نهضة يكون فيها الدين قوة تحرر، لا أداة تبعية. ويكون فيها الإعلام صوت حق، لا بوق إمبراطورية. ويكون فيها المستقبل للأمة، لا للإمبراطورية.

…….

يتبع في الباب الرابع: تجارب التنمية المستقلة... في مرمى النيران

……..


الباب الرابع:

تجارب التنمية المستقلة... في مرمى النيران

في تشريح استهداف مشاريع النهضة العربية: من عبد الناصر إلى صنعاء

……

أولاً: مدخل... حين تصبح التنمية جريمة

ليس كل من بنى مصنعاً كان حراً، وليس كل من أقام مدرسة كان مستقلاً، وليس كل من أنار قرية كان وطنياً. ثمّة من يبنون المصانع ليكرسوا التبعية، ويقيمون المدارس ليعمقوا التخلف، وينيرون القرى ليزرعوا الظلام. لكن ثمّة من يبنون فيواجهون، وينهضون فيُحاربون، ويحلمون فيُقتلون. هؤلاء هم أصحاب مشاريع التنمية المستقلة، الذين دفعوا ثمن أحلامهم أرواحاً ودماءً وتاريخاً.

هذا الباب الرابع من بحثنا الممتد عن الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية هو الأكثر مأساوية، والأكثر دموية، والأكثر كشفاً لطبيعة الصراع الحقيقي في المنطقة العربية. ليس صراعاً بين أنظمة ومعارضات، ولا بين إسلام وعلمانية، ولا بين شرق وغرب، بل صراع بين مشروعين متعارضين: مشروع تنمية مستقل يسعى لتحرير الإنسان العربي من الخوف والفقر والجهل والتبعية، ومشروع إمبراطوري يعمل على إبقاء المنطقة في دائرة التخلف والانقسام والهيمنة.

المزيد من الصفحات ، نغوص فيها في تفاصيل استهداف خمس تجارب تنموية عربية كبرى، شكلت في مجملها خريطة الأمل في العالم العربي خلال العقود السبعة الماضية. تجربة عبد الناصر في مصر، التي حاولت بناء اقتصاد وطني قوي وصناعة مستقلة وكيان عربي موحد. تجربة الثورة الإيرانية، التي قدمت نموذجاً إسلامياً مستقلاً قادراً على الصمود في وجه الإمبراطورية. تجربة الاكتفاء الذاتي في سوريا، التي أرادت بناء اقتصاد مقاوم قادر على مواجهة الحروب والمؤامرات. تجربة العراق بعد ثورة 1958، التي حاولت التحرر من الهيمنة الغربية قبل أن تُستدرج إلى حرب استنزاف ضد إيران ثم تحتل وتدمر. وتجربة الجزائر، التي دفعت ثمناً باهظاً لعشرية سوداء من الإرهاب، كان للإعلام والتمويل الخليجي فيها دور لا يمكن إنكاره.

نكشف في هذا الباب كيف أن الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية، بتمويلها الخليجي وتوجيهها الغربي، كانت الأداة الرئيسية في استهداف هذه التجارب، وتشويه صورتها، وتعبئة الرأي العام ضدها، وتمهيد الطريق لتدميرها عسكرياً وسياسياً واقتصادياً. نكشف كيف أن الحملات الإعلامية التي روجت لتجربة عبد الناصر كـ"ديكتاتورية" و"فشل" و"انهزام"، مهدت الطريق لانفتاح السادات على الغرب وتفكيك المشروع الناصري. وكيف أن الحملات التي شنت ضد الثورة الإيرانية كـ"مشروع صفوي" و"خطر على السنة"، مهدت الطريق لحرب الخليج الأولى التي استنزفت البلدين لثماني سنوات. وكيف أن الحملات التي روجت لفكرة أن "النظام السوري يجب أن يسقط"، مهدت الطريق لحرب مدمرة ما زالت تداعياتها مستمرة. وكيف أن الحملات التي صورت العراق كـ"خطر على الخليج"، مهدت الطريق لغزوين أمريكيين دمرا البلاد. وكيف أن الحملات التي حرضت ضد "الإرهاب الإسلامي" في الجزائر، غطت على دور التمويل الخليجي في صناعة هذا الإرهاب وتغذيته.

ثانياً: عبد الناصر... الحلم الذي اغتالته الإمبراطوريات الإعلامية

أ. الميلاد: ثورة 23 يوليو ومشروع التنمية المستقلة

عندما قامت ثورة 23 يوليو 1952 في مصر، كانت البلاد تعاني من ويلات الاستعمار والتخلف والتبعية. كان الاقتصاد المصري أسيراً لرأس المال الأجنبي، والصناعة في مهدها، والزراعة تعتمد على محصول واحد هو القطن، والتعليم حكراً على النخبة، والجيش يحتله البريطانيون، والسياسة تخضع لوصاية القصر والمستعمر.

جاء الضباط الأحرار، بقيادة جمال عبد الناصر، ليقلبوا هذه المعادلة رأساً على عقب. في سنوات قليلة، حققت مصر قفزات هائلة في مختلف المجالات. تم تأميم قناة السويس، وبناء السد العالي، وإنشاء مئات المصانع، وتوسيع الرقعة الزراعية، وتعليم الملايين، وتحرير المرأة، ودعم حركات التحرر في أفريقيا والعالم العربي، وقيادة كفاح الأمة ضد المشاريع الاستعمارية.

كان عبد الناصر يدرك أن الاستقلال السياسي لا معنى له دون استقلال اقتصادي. فالتنمية، في مشروعه، لم تكن مجرد بناء مصانع وطرق، بل كانت بناء إنسان جديد، قادر على صناعة مستقبله بنفسه، ومواجهة تحديات عصره بإرادته الحرة. كانت تنمية شاملة، تجمع بين التصنيع والتعليم والصحة والثقافة والوعي.

لهذا، كان مشروع عبد الناصر يشكل خطراً وجودياً على الإمبراطورية الغربية وحلفائها في المنطقة. فمصر المستقلة، القوية، المتطورة، الموحدة للأمة، كانت تعني نهاية الهيمنة الغربية على المنطقة، ونهاية التبعية العربية، ونهاية المشاريع الإمبراطورية الصغيرة والكبيرة.

ب. الحرب الإعلامية المبكرة: من مذياع لندن إلى صحافة الخليج

منذ الأيام الأولى للثورة، بدأت الحرب الإعلامية ضد عبد الناصر. كانت لندن، التي خسرت قاعدتها في السويس، تقود الحملة بشراسة، مستخدمة إذاعة بي بي سي العربية التي كانت تبث برامجها إلى الملايين في العالم العربي. كانت الحملة تركز على تشويه صورة عبد الناصر، وتصويره كديكتاتور طموح يسعى لابتلاع العرب، وكعميل للسوفييت يهدد مصالح الغرب، وكفاشل اقتصادي يقود بلاده إلى الخراب.

لكن الحملة الأكثر ضراوة، والأكثر تأثيراً، كانت تلك التي قادتها الأنظمة العربية المحافظة، وفي مقدمتها السعودية في عهد الملك فيصل. فقد أدركت الرياض مبكراً أن مشروع عبد الناصر القومي العربي يشكل تهديداً وجودياً لمشروعها القائم على الشرعية الدينية والولاء للغرب والتحالف مع أمريكا. وكان الإعلام الخليجي الناشئ، الممول بالبترودولار، الأداة المثلى لشن هذه الحرب.

كما تشير بعض الدراسات، فقد أعادت هذه الحملات الإعلامية إلى الأذهان ما عُرف في ستينيات القرن الماضي بـ "الحرب العربية الباردة" بين الزعيمين العربيين الراحلين جمال عبد الناصر والملك فيصل بن عبد العزيز . كانت حرباً إعلامية بامتياز، استخدم فيها الطرفان كل الأسلحة المتاحة: الصحف والمجلات والإذاعات والمساجد والمنابر.

محاور الحملة الإعلامية الخليجية ضد عبد الناصر كانت متعددة:

1. تكفير المشروع: تقديم القومية العربية على أنها بديل "جاهلي" عن الإسلام، وعبد الناصر على أنه "علماني" يحارب الدين، وتجربته على أنها "كفر" يجب مقاومته. هذا الخطاب التكفيري كان أخطر ما في الحملة، لأنه كان يضرب المشروع الناصري في عمقه الروحي، ويفصل بين العروبة والإسلام، ويجعل منه مشروعاً معادياً للدين.
2. تشويه الصورة الشخصية: شن حملة شرسة ضد عبد الناصر شخصياً، وتصويره كرجل سلطوي، ديكتاتوري، مستبد، لا يحترم الحريات، ويصادر حقوق المعارضة، ويعتقل خصومه. هذه الحملة ركزت على ملف سجون عبد الناصر ومعتقلاته، وقدمت معارضيه كأبطال وشهداء.
3. تضخيم الإخفاقات: تضخيم المشاكل الاقتصادية التي واجهها المشروع الناصري، خاصة بعد هزيمة 1967، وتقديمها كدليل على فشل الاشتراكية العربية، ونجاح النموذج الرأسمالي الخليجي. تم تقديم دول الخليج كـ"قصة نجاح" عربية، مقابل "فشل" تجربة عبد الناصر.
4. دعم التيارات الدينية المعارضة: دعم التيارات الإسلامية المعارضة لعبد الناصر، وفي مقدمتها الإخوان المسلمون، وتوفير الملاذ الآمن لهم في الخليج، وتمويل أنشطتهم الإعلامية والدعوية، وتضخيم أصواتهم في مواجهة المشروع الناصري.

هذه الحملة الإعلامية الضخمة، التي استمرت لعقود، نجحت إلى حد كبير في تحقيق أهدافها. فقد ساهمت في تآكل شعبية عبد الناصر، وتشويه صورته في أذهان الأجيال الجديدة، وتقديم بديل "إسلامي" لمشروعه القومي، وتمهيد الطريق لانفتاح السادات على الغرب وتفكيك تجربة التنمية المستقلة.

ج. الانتكاسة الكبرى: هزيمة 67 ودور الإعلام الخليجي

كانت هزيمة 1967 نقطة تحول كبرى في مسار المشروع الناصري، بل في مسار الأمة العربية كلها. كانت الهزيمة عسكرية بالدرجة الأولى، لكنها كانت أيضاً هزيمة نفسية وأخلاقية وفكرية. وبطبيعة الحال، كانت مادة دسمة للحملات الإعلامية المعادية.

الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية استغلت الهزيمة بأبشع صورة. لم تقدمها كهزيمة عربية شاملة، تتطلب وحدة الصف وتضافر الجهود لمواجهة الاحتلال، بل قدمتها كهزيمة شخصية لعبد الناصر، وكنتيجة طبيعية لفشل مشروعه، وكدليل على أن "العروبة" و"القومية" لا يمكن أن تنتصر، وأن الحل الوحيد هو في العودة إلى الإسلام.

هذه الحملة الإعلامية، التي روجت لخطاب "خذلان الناصرية" و"فشل المشروع القومي" و"ضرورة العودة إلى الدين"، كانت في الحقيقة خدمة مجانية للعدو الصهيوني. فبدل أن توحد العرب ضد إسرائيل، كانت تفرقهم وتشتتهم. وبدل أن تحشد الطاقات لمواجهة الاحتلال، كانت توجهها إلى صراعات داخلية عقيمة. وبدل أن تبحث عن أسباب الهزيمة الحقيقية، كانت تبحث عن كبش فداء.

د. الرحيل: موت الجسد واستمرار المشروع

عندما رحل عبد الناصر في سبتمبر 1970، كان الجسد قد مات، لكن المشروع بقي. بقي في قلوب الملايين الذين أحبوه، وفي عقول الأجيال التي تربت على أفكاره، وفي تجارب التنمية التي ألهمها في مختلف أنحاء العالم العربي.

لكن الأهم أن مشروع عبد الناصر بقي كنموذج يمكن العودة إليه، وكمرجع يمكن الاستلهام منه، وكحلم يمكن تحقيقه في المستقبل. وهذا ما يفسر استمرار الحرب الإعلامية ضده حتى اليوم، بعد أكثر من نصف قرن على رحيله. فالإمبراطوريات الإعلامية الخليجية ما زالت تنتج أفلاماً ومسلسلات وبرامج تشوه صورة عبد الناصر، وتقدم تجربته على أنها فشل ذريع، وتحذر من العودة إلى "الناصرية" و"القومية العربية" و"الاشتراكية".

لماذا كل هذا الخوف من رجل رحل منذ زمن؟ لأن عبد الناصر ما زال حياً في الوعي العربي، وما زال مشروعه يشكل تهديداً للإمبراطوريات الإعلامية التي تريد إبقاء العرب تابعين ومستسلمين ومنقسمين. فطالما بقي حلم التنمية المستقلة حياً، ستظل هذه الإمبراطوريات تخشى أن يتحقق يوماً.

ثالثاً: الثورة الإيرانية... النموذج الذي أرعب الإمبراطوريات

أ. سقوط الشاه: نهاية الحليف الأغلى

عندما اندلعت الثورة الإيرانية عام 1979، كانت صدمة كبرى للإمبراطورية الأمريكية. فالشاه محمد رضا بهلوي لم يكن مجرد حليف عادي، بل كان أغلى حلفاء أمريكا في المنطقة، وحارس أمن الخليج، ودرع المواجهة ضد المد الشيوعي، وأكبر مشتري للأسلحة الأمريكية.

كان الشاه، الذي وصل إلى السلطة بانقلاب عسكري دعمته المخابرات البريطانية والأمريكية عام 1953 ضد حكومة محمد مصدق الوطنية ، يحكم إيران بقبضة من حديد، مستعيناً بجهاز أمنه السري "السافاك" الذي اشتهر بقمعه الوحشي لكل معارض. وكان يسعى، من خلال "الثورة البيضاء"، إلى تحديث البلاد على النمط الغربي، وتحرير المرأة، وتوسيع التعليم، وتطوير الاقتصاد، لكن هذه الإصلاحات كانت سطحية، ولم تلمس معاناة الجماهير، وزادت من الفجوة بين الأغنياء والفقراء .

الثورة التي أطاحت بالشاه لم تكن ثورة إسلامية فقط، بل كانت ثورة شعبية واسعة، شاركت فيها كل القوى: الإسلاميون واليساريون والقوميون والليبراليون. لكن القيادة كانت للإمام الخميني، رجل الدين الذي قضى سنوات منفاه في النجف ثم في باريس، وخطاباته المسجلة على أشرطة الكاسيت كانت توزع سراً في إيران، وتلهب حماس الجماهير .

في 16 يناير 1979، غادر الشاه إيران "لأسباب صحية" كما قيل، دون أن يعلم أنه لن يعود أبداً. وفي 1 فبراير، عاد الخميني من منفاه في باريس، وسط استقبال شعبي ضخم. وفي 11 فبراير، انهار النظام الملكي بالكامل، وأعلنت الجمهورية الإسلامية .

ب. لماذا تخشى الإمبراطوريات إيران؟

ما الذي جعل الثورة الإيرانية تشكل هذا الرعب للإمبراطورية الأمريكية وحلفائها في المنطقة؟ ليس فقط لأنها أطاحت بحليف استراتيجي، بل لأنها قدمت نموذجاً بديلاً، مستقلاً، قادراً على الصمود والمواجهة.

إيران الثورة أظهرت أن الإسلام يمكن أن يكون قوة تحرر، وليس مجرد أداة تخدير. أظهرت أن التدين يمكن أن يتعايش مع الحداثة والتطور، بل ويمكن أن يكون دافعاً لهما. أظهرت أن مقاومة الإمبراطورية ممكنة، بل ومنتصرة في كثير من الأحيان. أظهرت أن بلداً يمكن أن يعيش دون وصاية أمريكية، ويطور أسلحته بنفسه، ويدعم حركات التحرر في المنطقة، ويصر على استقلاله رغم كل الضغوط والحروب والمؤامرات.

هذا النموذج كان يشكل خطراً وجودياً على الأنظمة العربية المحافظة، التي تبنت إسلاماً رسمياً، تابعاً، خاضعاً، متصالحاً مع الهيمنة الغربية. فإذا نجحت إيران في تقديم إسلام المقاومة والتحرر، فماذا سيكون مصير إسلام التبعية والرضوخ؟

ج. الحملة الإعلامية الخليجية ضد إيران: تكفير وتشويه

منذ الأيام الأولى للثورة الإيرانية، انطلقت حملة إعلامية خليجية شرسة ضدها، شاركت فيها كل القنوات والصحف والمجلات والمنابر. حملة لم تهدأ على مدى أربعة عقود، ولا تزال مستمرة حتى اليوم، وإن اختلفت وتيرتها وأدواتها.

محاور هذه الحملة:

1. تكفير الثورة مذهبياً: تقديم الثورة الإيرانية على أنها "مشروع صفوي" يهدف لنشر التشيع في العالم العربي، وتهديد "أهل السنة والجماعة"، وإحياء الصراعات المذهبية القديمة. هذا الخطاب الطائفي كان الأكثر تأثيراً في الشارع السني، وأسهم في خلق عداء عميق ضد إيران.

استخدمت القنوات الدينية الخليجية كل الأدوات لتأجيج المشاعر الطائفية: فتاوى تكفر الشيعة، وبرامج تستضيف شيوخاً يهاجمون "الرافضة"، ومسلسلات تاريخية تقدم صورة سلبية عن الشيعة عبر العصور، وأخباراً مضخمة عن "جرائم" إيران في حق السنة.

هذه الحملة الطائفية لم تكن بريئة، ولم تكن مجرد خلاف مذهبي، بل كانت أداة سياسية بامتياز. كانت تهدف إلى تحويل الأنظار عن عداوة إيران لأمريكا وإسرائيل إلى عداوتها لـ"أهل السنة"، وإلى تحويل الصراع من صراع تحرر وطني إلى صراع مذهبي عقيم.

1. تكفير الثورة سياسياً: اتهام إيران بالتدخل في شؤون الدول العربية، ودعم "الميليشيات الطائفية"، وتقويض الأمن والاستقرار في المنطقة. هذا الخطاب يغفل التدخلات الغربية والإسرائيلية الأكبر والأخطر، ويقدم إيران كسبب لكل مشاكل المنطقة.
2. تشويه صورة إيران: تضخيم المشاكل الداخلية في إيران، وتقديم صورة قاتمة عن أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية، وإخفاء إنجازاتها التنموية والعلمية. إيران تقدم كدولة فاشلة، وشعبها يعاني من البطالة والفقر والقمع، ونساؤها مضطهدات، وحرياتها مصادرة.
3. الفصل بين إيران والمقاومة: محاولة الفصل بين إيران ودعمها للمقاومة الفلسطينية واللبنانية، وتقديم هذا الدعم كتدخل طائفي، وليس كدعم لقضايا عربية عادلة. تقديم حزب الله على أنه "ذراع إيرانية" في لبنان، وليس حركة مقاومة وطنية. تقديم حماس على أنها "خاضعة لإيران" رغم أن علاقتها بها كانت نتيجة للجحود العربي والخليجي .

د. الشاه يتحدث: نظريات المؤامرة والدور الغربي

من المفارقات العجيبة في قصة الثورة الإيرانية، أن الشاه نفسه، الرجل الذي أطاحت به الثورة، كان يعتقد أن الغرب تآمر عليه وأسقطه عمداً. في مذكراته الخاصة "إجابات التاريخ"، ادعى الشاه أن القوى الغربية، وأبرزها إنجلترا والولايات المتحدة، تآمرت عليه جميعاً لأسبابها الخاصة، وخاصة بسبب تلاعبه بأسعار النفط .

كان الشاه يعتقد أن سيطرته المتزايدة على سوق النفط وتأميم النفط الإيراني في عام 1973 دفعت شركات النفط الدولية إلى الإطاحة به. كما اعتقد أن البريطانيين والأمريكيين كانوا يعتزمون إطاحته واستبداله بنظام جديد غير قومي، بسبب ارتفاع أسعار النفط .

وقد عبر الشاه عن هذا الاعتقاد بعبارة شهيرة: "إذا رفعت لحية الخميني، فستجد أن صنع في إنجلترا مكتوب تحت ذقنه" . هذه العبارة تعبر عن قناعة راسخة لدى الشاه بأن بريطانيا كانت وراء الثورة التي أطاحت به.

سواء كانت هذه النظرية صحيحة أم لا، فإنها تعكس عمق العلاقة الملتبسة بين القوى الغربية والحركات الإسلامية، والتي سبق أن ناقشناها في الباب الثالث. فمن المؤكد أن الغرب لم يكن حريصاً على بقاء الشاه بقدر ما كان حريصاً على مصالحه، ولم يتردد في التخلي عنه عندما وجد أن استمراره قد يهدد هذه المصالح.

رابعاً: حرب الخليج الأولى... توجيه العراق لاستنزاف إيران

أ. صدام حسين: الأداة التي صنعتها المخابرات الغربية

قبل أن يصبح "طاغية" و"ديكتاتوراً" و"عدواً للغرب"، كان صدام حسين حليفاً استراتيجياً للولايات المتحدة وبريطانيا. كانت المخابرات الغربية تدعمه، وتزوده بالأسلحة والمعلومات، وتغض الطرف عن جرائمه، لأنه كان يؤدي وظيفة مهمة: مواجهة المد الثوري الإيراني.

عندما اندلعت الثورة الإيرانية، شعرت واشنطن ولندن بالخطر الشديد. فإيران الثورة كانت تهدد مصالحهما في الخليج، وتدعو إلى تصدير ثورتها إلى الدول المجاورة، وتؤجج المشاعر المعادية للغرب في المنطقة. وكان لا بد من وقف هذا الخطر بأي ثمن.

وكان صدام حسين هو الأداة المناسبة لهذه المهمة. فصدام كان طموحاً، يطمح إلى زعامة المنطقة العربية، ويعتبر نفسه حامي البوابة الشرقية للعرب من الخطر الفارسي. وكانت لديه حسابات قديمة مع إيران، تتعلق بالخلافات الحدودية في شط العرب، ودعم إيران للأكراد العراقيين.

هكذا، بدأت التحضيرات للحرب. حصل العراق على دعم سياسي ومادي وعسكري من الغرب ومن الأنظمة العربية المحافظة. حصل على أسلحة متطورة، ومعلومات استخبارية دقيقة، وتمويل سخي، وغطاء سياسي في المحافل الدولية. وكان الهدف: توجيه ضربة قاصمة لإيران، توقف مشروعها الثوري، وتعيد رسم خريطة المنطقة لصالح الغرب وحلفائه.

ب. ثماني سنوات من الدمار: عندما تحولت الحرب إلى مستنقع

في 22 سبتمبر 1980، اجتاحت القوات العراقية الأراضي الإيرانية، معلنة بدء حرب الخليج الأولى . كانت التوقعات الغربية أن الحرب ستنتهي سريعاً، وأن العراق سيحقق نصراً سهلاً على إيران التي كانت تعاني من فوضى ما بعد الثورة.

لكن الأمور لم تجرِ كما هو متوقع. فإيران، رغم الفوضى والاضطرابات، استطاعت تنظيم صفوفها، وتعبئة جماهيرها، وصد الهجوم العراقي. ثم تحولت من موقع الدفاع إلى موقع الهجوم، وبدأت تهدد الأراضي العراقية نفسها.

هكذا تحولت الحرب من حرب خاطفة إلى حرب استنزاف طويلة، استمرت ثماني سنوات كاملة . ثماني سنوات من الدمار والقتل والخراب، راح ضحيتها نحو مليون قتيل ، وخسائر مالية بلغت 400 مليار دولار . ثماني سنوات استنزفت طاقات البلدين، وأخرت تنميتهما لعقود، وحولت المنطقة إلى برميل بارض قابل للانفجار في أي لحظة.

كانت حرباً عبثية، بلا معنى ولا هدف. لم تحقق أي تغيير في الحدود، ولم تنتصر أي من الطرفين، ولم تجلب سوى الخراب والدمار. وكانت في جوهرها حرباً بالوكالة، تصفية حسابات بين قوى إقليمية ودولية، على حساب دماء الشعوب ومقدراتها.

ج. الإعلام الخليجي في خدمة الحرب

طوال سنوات الحرب الثماني، كان الإعلام الخليجي في خدمة المجهود الحربي العراقي بكل ما أوتي من قوة. القنوات الخليجية كانت تقدم صورة بطولية لصدام حسين، وتصور الحرب على أنها "قادسية جديدة" ضد "الفرس المجوس"، وتضخم الانتصارات العراقية وتقلل من خسائره.

كانت هذه القنوات تغذي المشاعر القومية والعربية، وتقدم الحرب على أنها دفاع عن "العروبة" ضد "الفارسية"، وعن "السنة" ضد "الرافضة". كانت تحول الصراع من حرب عبثية استنزافية إلى ملحمة بطولية تستحق التضحية.

كما كانت هذه القنوات تشوه صورة إيران وقادتها، وتقدمهم كمتطرفين متعصبين، وكمجوس يعادون العرب والإسلام. كانت تضخم الانتهاكات الإيرانية للحقوق الإنسانية، وتتجاهل انتهاكات العراق. كانت تقدم الحرب على أنها خير ضد شر، وحق ضد باطل، ونور ضد ظلام.

هذا التعبئة الإعلامية الضخمة كان لها أثر كبير في إطالة أمد الحرب، وتعميق الجرح بين العرب والإيرانيين، وتحويل الصراع من صراع سياسي إلى صراع وجودي. ولعل هذا هو ما كانت تريده الإمبراطورية: إبقاء المنطقة مشتعلة، مشغولة بنفسها، عاجزة عن التقدم أو التحرر.

د. عندما حاول العراق الاستقلال... تم تدميره

بعد انتهاء الحرب مع إيران بلا نصر ولا هزيمة، بدأ صدام حسين يفكر في مشروعه التنموي الخاص. كان يريد إعادة بناء العراق، وتطوير اقتصاده، وتعزيز قدراته العسكرية، وجعل بلاده قوة إقليمية لا يستهان بها. لكن هذا المشروع كان يتعارض مع المصالح الغربية.

فالعراق القوي، المستقل، المتطور، كان يشكل تهديداً لإسرائيل، ومنافساً للنفوذ الأمريكي في الخليج، وخطراً على الأنظمة العربية المحافظة. وكان لا بد من وقفه قبل أن يكبر.

وجاءت الذريعة بغزو الكويت في 2 أغسطس 1990. غزو كان خطأ فادحاً، لكنه لم يكن ليبرر ما تلا ذلك من تدمير ممنهج للعراق. فحرب الخليج الثانية لم تكن لتحرير الكويت فقط، بل كانت لتدمير قدرات العراق العسكرية والاقتصادية، وإخضاعه للهيمنة الأمريكية، وضمان عدم قيام أي مشروع تنموي مستقل في المنطقة.

ثم جاء غزو العراق عام 2003، الذي دمر البلاد بالكامل، وقتل مئات الآلاف، وشرد الملايين، وأشعل حرباً أهلية طائفية، وفتح الباب أمام التدخلات الإقليمية والدولية، وجعل العراق ساحة للصراعات بالوكالة.

هكذا كان مصير كل من حاول الاستقلال عن الإمبراطورية: عبد الناصر تعرض للحرب الإعلامية والهزيمة والموت المبكر، والخميني واجه حرباً استنزافية دامت ثماني سنوات، وصدام حسين غزا الكويت ثم دمر واحتل. درس قاس: الاستقلال له ثمن باهظ.

خامساً: سوريا... تجربة الاكتفاء الذاتي تحت الحصار

أ. مشروع التنمية المستقلة: من حافظ إلى بشار

منذ وصول حزب البعث إلى السلطة في سوريا عام 1963، كان مشروع التنمية المستقلة في صلب اهتمامات الدولة. سوريا، مثل مصر، حاولت بناء اقتصاد وطني قوي، وتطوير صناعتها وزراعتها، وتوفير الخدمات الأساسية لشعبها، والوقوف في وجه المشاريع الإمبريالية في المنطقة.

على مدى عقود، حققت سوريا تقدماً ملحوظاً في مجالات متعددة. تم بناء السدود وإنشاء مشاريع الري، وتوسيع الرقعة الزراعية، وإنشاء المصانع، وتطوير البنية التحتية، وتوفير التعليم والصحة للملايين. كانت سوريا نموذجاً للدولة التنموية في المنطقة، رغم كل التحديات والصعوبات.

وبلغ هذا المشروع ذروته في عهد الرئيس بشار الأسد، الذي تولى الحكم عام 2000، وسعى إلى تحديث الاقتصاد السوري، وتطوير القطاع الخاص، وجذب الاستثمارات، والانفتاح على العالم. لكن هذا الانفتاح لم يكن على حساب الاستقلال الوطني، بل كان في إطار الحفاظ على خيارات سوريا المستقلة ومواقفها القومية.

ب. الاكتفاء الذاتي: أبجدية الصمود في وجه الحرب

عندما اندلعت الأزمة السورية عام 2011، وتحولت إلى حرب مدمرة بدعم إقليمي ودولي، كانت سوريا في أمس الحاجة إلى الاعتماد على ذاتها. ومع فرض الحصار الاقتصادي، وتدمير البنية التحتية، وخروج مساحات واسعة من الأراضي عن سيطرة الدولة، أصبحت فكرة الاكتفاء الذاتي مسألة حياة أو موت.

كما تظهر التقارير، فقد اضطر السوريون في الداخل إلى ابتكار أساليب جديدة للبقاء على قيد الحياة، تعتمد على الاقتصاد المنزلي المنتج، والزراعة العائلية، والمشاريع الصغيرة ذاتية التمويل . لقد أصبح الإفلات من الموت شرطاً براغماتياً خالصاً، كأنه إنسنة غير متوقعة لصراع بقاء يعبره السوريون متخفين بين حديه كل يوم تقريباً .

لكن الاكتفاء الذاتي لم يكن مجرد استجابة إنسانية للظروف القاسية، بل كان أيضاً استراتيجية سياسية وعسكرية. فالنظام السوري، الذي كان يحلم ببناء اقتصاد مقاوم قادر على الصمود، وجد نفسه مضطراً لتطبيق هذه الاستراتيجية في أقسى ظروفها.

فقد تراجع الإنتاج الزراعي بشكل كبير بسبب الحرب، حيث خسر 80 في المئة من قيمته خلال السنوات الماضية . كما خرجت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية عن سيطرة الدولة، خاصة في مناطق سيطرة تنظيم داعش وفصائل المعارضة المسلحة . وهذا يعني أن الإنتاج الزراعي أصبح رهينة للتداول داخل "كانتونات" منعزلة، في تحول تدريجي نحو منظومات من الاقتصاد المناطقي.

ومع ذلك، استمرت محاولات تحقيق الاكتفاء الذاتي في مناطق سيطرة الدولة. مهندسون زراعيون جربوا الاتكال على مردود قطع صغيرة من الأراضي لتحقيق الاكتفاء الذاتي المنزلي، مستبدلين الأسمدة المكلفة بتناوب زراعة البقوليات والحبوب والخضروات، مقترحين بذلك نموذجاً من الاقتصاد المنزلي المنتج والقابل للتعميم .

كما ظهرت مشاريع مثل "خيوط الشمس" في ريف دمشق، الذي أطلقته "تجمّع حرائر داريا" عام 2013، بهدف تفعيل معادلة الاكتفاء الذاتي للأسر العالقة في مناطق الصراع. المشروع اعتمد على أعمال يدوية نسائية مثل الحياكة والتطريز، وإعادة التعليب المنزلي لبعض المنتجات الزراعية، في نموذج من المشاريع الصغيرة ذاتية التمويل .

هذه التجارب، مهما كانت متواضعة، تعكس إرادة الحياة التي يتمتع بها السوريون، وقدرتهم على الصمود في وجه أصعب الظروف، وإصرارهم على البقاء رغم كل شيء.

ج. الإعلام الخليجي والحرب على سوريا: تحريض وتضليل

منذ الأيام الأولى للانتفاضة الوهابية الصهيونية السورية بقيادة مصنعة من جسد تنظيم القاعدة واسمها الجيش الحر ، كان الإعلام الخليجي في طليعة المحرضين على النظام السوري، والداعمين للمعارضة المسلحة، والمروجين لرواية "الثورة ضد الطاغية". قنوات الجزيرة والعربية والحدث، وغيرها من القنوات الخليجية، فتحت أبوابها على مصراعيها لاستضافة المعارضين والنشطاء، وبثت صور القتلى والجرحى على مدار الساعة، وروجت لشعار "الشعب يريد إسقاط النظام".

لكن هذه التغطية الإعلامية، التي قدمت نفسها على أنها تغطية موضوعية للأحداث، كانت في الحقيقة تغطية منحازة ومضللة. كانت تركز على جرائم النظام وتتجاهل جرائم المعارضة. كانت تضخم أعداد الضحايا في صفوف المدنيين وتقلل من شأن الضحايا في صفوف الجيش. كانت تقدم "الجيش الحر" كمقاتلين شرفاء، وتتجاهل تورط الجماعات الجهادية والتكفيرية.

والأخطر من ذلك، أن هذه القنوات كانت تقدم تغطية تحريضية، تدعو إلى التدخل العسكري في سوريا، وتطالب المجتمع الدولي بـ"حماية المدنيين" عبر فرض مناطق حظر جوي، وتؤجج المشاعر الطائفية وتعمق الانقسامات في المجتمع السوري.

هذا التحريض الإعلامي كان له دور كبير في إطالة أمد الأزمة، وتحويلها من احتجاجات شعبية إلى حرب أهلية طائفية، ومن ثم إلى حرب إقليمية بالوكالة. فالإعلام الخليجي، بتحريضه وتضليله، ساهم في تأجيج نار الحرب، وتعقيد الحلول، وتعميق معاناة السوريين.

د. حين حاولت سوريا البقاء مستقلة... دفعت ثمناً باهظاً

ما جرى في سوريا ليس مجرد حرب أهلية، ولا مجرد صراع على السلطة، بل هو حرب وجودية على مشروع التنمية المستقلة الذي مثلته سوريا لعقود. سوريا التي وقفت في وجه المشاريع الغربية، ودعمت المقاومة، وحافظت على خياراتها المستقلة، دفعت ثمناً باهظاً لهذه المواقف.

المخطط الذي استهدف سوريا كان واضحاً: تدمير الدولة السورية، وتفكيك مؤسساتها، وإضعاف قدرتها على المقاومة، وإخراجها من معادلة الصراع العربي الإسرائيلي، وإعادة رسم خريطة المنطقة وفق المصالح الغربية والإسرائيلية.

ولعب الإعلام الخليجي دوراً محورياً في هذا المخطط، من خلال التحريض على النظام، وتشويه صورته، وتعبئة الرأي العام العربي والدولي ضده، وتوفير الغطاء الإعلامي للتدخلات الخارجية. كان الإعلام هو الجيش الأول الذي حارب سوريا، قبل أن تتحرك الجيوش الحقيقية.

سادساً: العراق... من التوجيه إلى التدمير

أ. ثورة 14 تموز 1958: نهاية الملكية وبداية الاستقلال

قبل أن يصبح العراق ساحة للصراعات والغزوات، كان بلداً يسعى إلى الاستقلال والتنمية. في 14 يوليو 1958، قاد الضباط الأحرار ثورة أطاحت بالنظام الملكي الموالي للغرب، وأعلنت الجمهورية. كانت الثورة تعبيراً عن تطلعات الشعب العراقي إلى التحرر من الهيمنة الغربية، وبناء دولة وطنية مستقلة.

في عهد عبد الكريم قاسم، أول رئيس وزراء للجمهورية، شهد العراق تقدماً ملحوظاً في مختلف المجالات. تم إصدار قانون الإصلاح الزراعي، وتشجيع الصناعة الوطنية، وتوسيع التعليم، وتحسين أوضاع المرأة، وتعزيز العلاقات مع الاتحاد السوفيتي والدول الاشتراكية. كما انسحب العراق من حلف بغداد (الحلف المركزي) الذي كان أداة غربية للهيمنة على المنطقة.

لكن هذا التوجه المستقل أثار حفيظة الغرب وحلفائه في المنطقة. فقاسم كان يهدد المصالح النفطية البريطانية في العراق، ويدعم حركات التحرر في العالم العربي، ويقترب من الشيوعيين، ويعادي المشاريع الغربية. وكان لا بد من التخلص منه.

وفي فبراير 1963، قاد حزب البعث انقلاباً دموياً ضد قاسم، بدعم من المخابرات الأمريكية والبريطانية. قاسم أعدم، وبدأ عهد جديد من التبعية للغرب والصراعات الداخلية.

ب. صدام حسين: من حليف الغرب إلى عدوه اللدود

عندما تولى صدام حسين الرئاسة عام 1979، كان يحلم بجعل العراق قوة إقليمية عظمى. استغل ثروات النفط لتطوير البنية التحتية، وبناء المدارس والمستشفيات، وتوسيع الجيش، وتطوير برامج التسلح. كان يريد أن يجعل العراق في مصاف الدول المتقدمة، وأن يكون زعيماً للمنطقة.

في تلك المرحلة، كان صدام حليفاً للغرب. كانت أمريكا وبريطانيا تزودانه بالأسلحة والمعلومات، وتدعمانه في حربه ضد إيران، وتغض الطرف عن انتهاكاته لحقوق الإنسان. كان يؤدي وظيفة مهمة: مواجهة الثورة الإيرانية، وحماية المصالح الغربية في الخليج.

لكن بعد انتهاء الحرب مع إيران، بدأ صدام يفكر في مشروعه الخاص. أراد تنويع علاقاته الخارجية، وتعزيز دوره الإقليمي، وتقوية اقتصاده. بدأ يشكل تهديداً للمصالح الغربية، خاصة بعد أن بدأ يتحدث عن رفع أسعار النفط، ودعم القضية الفلسطينية، وتطوير أسلحة الدمار الشامل.

كانت اللحظة الحاسمة في 2 أغسطس 1990، عندما غزا العراق الكويت. كان الغزو خطأ فادحاً، لكنه لم يكن ليبرر ما تلا ذلك من تدمير ممنهج للعراق. فالحرب التي قادتها أمريكا لتحرير الكويت كانت في الحقيقة حرباً لتدمير قدرات العراق العسكرية والاقتصادية، وإخضاعه للهيمنة الأمريكية، وضمان عدم قيام أي مشروع تنموي مستقل في المنطقة.

ج. الإعلام الخليجي وحرب الخليج الثانية: تحريض وتعبئة

عندما غزا العراق الكويت، كان الإعلام الخليجي في طليعة المحرضين على صدام حسين، والداعمين للتدخل العسكري الأمريكي. القنوات الخليجية قدمت صدام كوحش كاسر، وديكتاتور متوحش، وغاصب للأراضي العربية. صورت الغزو على أنه أسوأ جريمة في التاريخ العربي، وطالبت بالقصاص العاجل.

هذه الحملة الإعلامية الضخمة ساهمت في تعبئة الرأي العام العربي والدولي ضد العراق، وتوفير الغطاء السياسي للتدخل العسكري الأمريكي. كانت تقدم أمريكا كمحررة للكويت، ومنقذة للشرعية العربية، وحامية لأمن الخليج.

ولم تكتفِ هذه القنوات بالتحريض على صدام، بل شنت أيضاً حملة شرسة ضد أي صوت عربي معارض للتدخل الأمريكي. تم تشويه صورة اليمن التي صوتت في مجلس الأمن ضد الحرب، واتهام الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية بالخيانة لتخاذلهما في مواجهة صدام.

هذا الانحياز الإعلامي الصارخ كشف عن الوجه الحقيقي للإمبراطوريات الإعلامية الخليجية: إنها ليست قنوات عربية مستقلة، بل هي أدوات في خدمة السياسة الأمريكية، وحماية المصالح الغربية، وتدمير أي مشروع عربي مستقل.

د. غزو 2003: التدمير الكامل

بعد حرب الخليج الثانية، فرضت على العراق عقوبات قاسية استمرت 13 عاماً، دمرت اقتصاده، وأفقرت شعبه، وأضعفت قدراته. ثم جاء غزو 2003 ليكمل عملية التدمير.

في 20 مارس 2003، غزت القوات الأمريكية العراق بحجة امتلاكه أسلحة دمار شامل لم توجد أبداً. في أسابيع قليلة، انهار النظام، ودُمرت الدولة، وقتل مئات الآلاف، وشرد الملايين، ونهبت الآثار، ودمرت البنية التحتية، وأشعلت حرباً أهلية طائفية ما زالت تداعياتها مستمرة.

كان الغزو الأمريكي للعراق جريمة كبرى، لكنه كان أيضاً درساً قاسياً لكل من يفكر في الاستقلال عن الإمبراطورية. درس يقول: إذا حاولت أن تكون مستقلاً، سندمرك. إذا بنيت جيشاً قوياً، سنهزمه. إذا طورت اقتصادك، سنخربه. إذا وحّدت شعبك، سنفرقه.

ولعب الإعلام الخليجي دوراً في هذا التدمير أيضاً. فالقنوات الخليجية، بدلاً من أن تندد بالغزو وتدافع عن العراق، كانت في معظمها منحازة لأمريكا، ومبررة للاحتلال، ومحرضة ضد المقاومة العراقية. كانت تقدم صدام كطاغية يجب إسقاطه، والمقاومين كإرهابيين يجب قتلهم، والاحتلال كتحرير يجب الترحيب به.

هذا الانحياز المشين للإعلام الخليجي سيبقى وصمة عار في جبينه، وشاهداً على حقيقته كأداة إمبراطورية، وخيانته للقضايا العربية، وتخليه عن مسؤولياته الوطنية.

سابعاً: الجزائر... العشرية السوداء وإرهاب الإمبراطوريات الإعلامية

أ. الاستقلال: حلم التحرر يتحقق

كانت الجزائر، التي نالت استقلالها عام 1962 بعد حرب تحرير دامية ضد الاستعمار الفرنسي، نموذجاً مشرقاً للنضال العربي ضد الإمبريالية. ملايين الشهداء قدموا أرواحهم فداء للوطن، وجيش التحرير كتب أروع ملاحم البطولة، والشعب الجزائري صمد في وجه آلة الحرب الفرنسية لأكثر من سبع سنوات.

بعد الاستقلال، شرعت الجزائر في بناء مشروعها التنموي المستقل. تم تأميم المحروقات، وبناء المصانع، وتوسيع التعليم، وتحسين أوضاع الفلاحين والعمال، ودعم حركات التحرر في العالم. كانت الجزائر صوتاً قوياً في محفل عدم الانحياز، ومنارة للأحرار في كل مكان.

لكن هذا المشروع، مثل غيره من المشاريع العربية المستقلة، كان مهدداً من الداخل والخارج. من الداخل، كانت هناك صراعات على السلطة، وتناقضات في الرؤى، وأخطاء في التسيير. ومن الخارج، كانت الإمبراطورية تتربص بها، وتخطط لإسقاطها.

ب. الصعود: الجبهة الإسلامية للإنقاذ ورياح التغيير

في أواخر الثمانينات، شهدت الجزائر احتجاجات شعبية بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية، والفساد السياسي، وتهميش فئات واسعة من المجتمع. في هذه الأجواء المشحونة، برزت الجبهة الإسلامية للإنقاذ كقوة سياسية صاعدة، تتبنى خطاباً إسلامياً شعبوياً، وتعد بالتغيير والإصلاح.

في انتخابات 1991، حققت الجبهة الإسلامية للإنقاذ فوزاً كبيراً في الجولة الأولى، وكانت في طريقها للفوز بالأغلبية المطلقة في الجولة الثانية . كان هذا الفوز بمثابة صدمة للنظام الجزائري وللغرب وللأنظمة العربية المحافظة.

فالجبهة الإسلامية للإنقاذ لم تكن مجرد حزب إسلامي عادي، بل كانت حركة جماهيرية واسعة ولكن بايديولوحية وهمية فاشية لا تختلف عن عصابات الإخوان المسلمين التي لا وعي اجتماعي ولا برامج اقتصادية شعبية لها ، بل تطبيق وصفات البنوك الروتشيلدية كما يفعل نظام الجولاني اليوم في سورية ، تتبنى خطاباً متطرفاً، وتعد بتطبيق الشريعة، وإقامة الدولة الإسلامية، وإلغاء الديمقراطية. وكان صعودها يشكل خطراً على المصالح الغربية في الجزائر، وتهديداً للأنظمة العربية المحافظة التي تخشى من انتشار "الربيع الإسلامي".

ج. الانقلاب: إلغاء الانتخابات وبداية العشرية السوداء

في يناير 1992، تدخل الجيش الجزائري وألغى نتائج الانتخابات، وأجبر الرئيس الشاذلي بن جديد على الاستقالة، وحظر الجبهة الإسلامية للإنقاذ، واعتقل آلافاً من أعضائها . كان هذا التدخل العسكري بمثابة إعلان حرب على التيار الإسلامي وبديله الوهمي الذي لا يختلف عن الاحتلال الغربي ، وبداية لعشرية سوداء من العنف والدمار.

رداً على الانقلاب، شنت الجماعات الإسلامية المسلحة حملة عنيفة ضد النظام ومؤيديه. اغتيالات وتفجيرات ومذابح، استهدفت رجال الأمن والسياسيين والصحفيين والمفكرين والمواطنين العاديين. الدولة ردت بحملة قمع شرسة، واعتقالات وتعذيب وإعدامات. البلد غرق في دوامة من العنف لا نهاية لها.

خلال العشرية السوداء (1992-2002)، قتل نحو 150 ألف جزائري ، وشرد الآلاف، ودمرت البنية التحتية، وتراجع الاقتصاد، وتأخرت التنمية بعقود. كانت مأساة حقيقية، دفع فيها الشعب الجزائري ثمناً باهظاً لصراع لم يختره.

د. الإعلام الخليجي والتمويل الخليجي: تواطؤ وتدخل

ما هو دور الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية في العشرية السوداء الجزائرية؟ الدور كان كبيراً ومدمراً، على مستويين: الإعلام والتمويل.

على المستوى الإعلامي، كانت القنوات الخليجية، خاصة الدينية منها، تغذي الصراع بشراسة. كانت هذه القنوات تقدم صورة بطولية للجماعات المسلحة، وتصورها كمجاهدين أبطال يدافعون عن الإسلام، وتبرر عملياتهم القتالية، وتحرض ضد النظام "العلماني" و"العميل" و"الكافر".

كما كانت هذه القنوات تستضيف قيادات إسلامية متطرفة، وتعطي منابر للخطاب التكفيري، وتشجع على الجهاد في الجزائر. كانت تقدم الفتاوى التي تبيح دماء الجزائريين وأموالهم، وتصور الصراع على أنه حرب بين الإسلام والكفر، والحق والباطل.

على المستوى التمويلي، كان هناك تواطؤ واضح من بعض الجهات الخليجية، حكومية وشبه حكومية وأهلية، في تمويل الجماعات المسلحة في الجزائر. أموال كانت تتدفق من الخليج لدعم "المجاهدين" في الجزائر، عبر قنوات متعددة: جمعيات خيرية، ومؤسسات دينية، وأفراد متعاطفين.

هذا التمويل ساهم في إطالة أمد الحرب، وتزويد الجماعات المسلحة بالسلاح والعتاد، وتمكينها من الاستمرار في القتال لسنوات طويلة. كان تمويلاً للإرهاب، باسم الدين، وتحت غطاء العمل الخيري والدعوي.

الغريب أن هذه القنوات نفسها، التي كانت تحرض ضد النظام الجزائري وتدعم الجماعات المسلحة، كانت تقدم نفسها على أنها قنوات إسلامية معتدلة، تدافع عن الإسلام والمسلمين، وتنشر الوسطية والاعتدال. كان تناقضاً صارخاً، يكشف عن ازدواجية المعايير، وعن الطبيعة الحقيقية لهذه الإمبراطوريات الإعلامية.

ه. من الجزائر إلى سوريا: استمرارية المشروع

ما حدث في الجزائر في التسعينات، تكرر في سوريا بعد عام 2011، وفي ليبيا واليمن والعراق. نفس السيناريو، نفس الأدوات، نفس الخطاب، نفس النتائج. إعلام خليجي يحرض، وتمويل خليجي يغذي، وجماعات مسلحة تقاتل، ودول تدمر، وشعوب تدفع الثمن.

هذه الاستمرارية تكشف عن وجود مشروع إعلامي خليجي منظم، يهدف إلى تدمير الدول العربية الوطنية، وإضعاف مشاريع التنمية المستقلة، وإبقاء المنطقة في دائرة الفوضى والصراع، خدمة للمصالح الغربية والإسرائيلية.

فالجزائر في التسعينات كانت بروفة لما سيحدث بعد ذلك في بلدان عربية أخرى. نفس الأساليب استخدمت، ونفس الأخطاء ارتكبت، ونفس الكوارث تكررت. ومع ذلك، لم نتعلم الدرس، ولم نستعد للمستقبل، ولم نحم أوطاننا من هذه المؤامرات.

ثامناً: اليمن... صنعاء في مرمى النيران

أ. الوحدة: حلم تحقق ثم تبخر

في 22 مايو 1990، تحقق حلم طال انتظاره: اتحاد شطري اليمن، الشمال والجنوب، في دولة واحدة هي الجمهورية اليمنية. كان هذا الاتحاد ثمرة نضال طويل، وتضحيات جسام، وأحلام كبيرة. كان اليمنيون يأملون أن تؤدي الوحدة إلى الاستقرار والتنمية والازدهار.

لكن الوحدة واجهت تحديات جمة: صراعات على السلطة، وتفاوت في مستويات التنمية، وتدخلات خارجية، وتركة ثقيلة من الانقسامات والصراعات. ورغم هذه التحديات، استمر اليمن في مسيرته، محاولاً بناء دولته الحديثة، وتطوير اقتصاده، وتحسين أوضاع شعبه.

ب. صعود أنصار الله: تجربة مقاومة أم مشروع طائفي؟

في العقدين الأخيرين، برزت حركة أنصار الله (الحوثيون) كقوة سياسية وعسكرية صاعدة في اليمن. الحركة، التي انطلقت من صعدة معقل الزيدية في شمال اليمن، استطاعت توسيع نفوذها تدريجياً، حتى سيطرت على العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014.

أنصار الله يقدمون أنفسهم كحركة مقاومة للهيمنة الخارجية، ومدافعة عن المستضعفين، ومطالبة بالإصلاح ومكافحة الفساد. ويؤكدون على هويتهم الوطنية اليمنية، ورفضهم للتدخلات الخارجية، ودعمهم للقضية الفلسطينية.

لكن خصومهم يقدمونهم على أنهم "ميليشيا إيرانية" تعمل لصالح المشروع الصفوي، و"انقلابيون" على الشرعية، و"طائفيون" يعادون السنة ويسعون لنشر التشيع في اليمن.

مهما كان الرأي في أنصار الله، فإن ما لا يمكن إنكاره هو أنهم يمثلون اليوم قوة رئيسية في اليمن، وأنهم يسيطرون على العاصمة وأجزاء واسعة من البلاد، وأنهم يقاتلون التحالف العسكري الذي تقوده السعودية والإمارات بدعم أمريكي.

ج. الحرب على اليمن: العدوان والإعلام

في 26 مارس 2015، بدأ التحالف العسكري الذي تقوده السعودية عملياته العسكرية في اليمن، بحجة استعادة الشرعية ودعم الحكومة المعترف بها دولياً. كانت هذه العملية بداية حرب مدمرة، ما زالت مستمرة حتى اليوم، راح ضحيتها مئات الآلاف، وتسببت بأسوأ أزمة إنسانية في العالم.

وكان الإعلام الخليجي، خاصة قناتا العربية والحدث، في طليعة الداعمين لهذه الحرب والمبررين لها. هذه القنوات قدمت العدوان على اليمن كـ"عملية عسكرية شرعية" لاستعادة الشرعية، و"حملة إنسانية" لإنقاذ الشعب اليمني من "الميليشيات الحوثية"، و"ضرورة استراتيجية" لحماية أمن الخليج.

كما شنت هذه القنوات حملة شرسة ضد أنصار الله، وقدمتهم كـ"ميليشيا إيرانية" و"انقلابيين" و"عملاء" و"طائفيين". صورت سيطرتهم على صنعاء كاحتلال، ومقاومتهم للعدوان كإرهاب، ومواقفهم الوطنية كتبعية لإيران.

هذه التغطية الإعلامية المنحازة ساهمت في تبرير استمرار الحرب، وتغطية جرائم التحالف، وتشويه صورة المقاومة اليمنية. كانت الإعلام في خدمة الحرب، وليس في خدمة الحقيقة.

د. صنعاء تصمد: رغم الحصار والقصف والإعلام

رغم كل شيء، تصمد صنعاء. تصمد في وجه أقوى آلة حربية في المنطقة، وتصمد في وجه حصار خانق يمنع الغذاء والدواء والوقود، وتصمد في وجه حملة إعلامية شرسة تشوه صورتها وتكذب حقائقها.

صمود صنعاء يذكرنا بصمود القاهرة في وجه العدوان الثلاثي عام 1956، وبصمود بغداد في وجه الحرب مع إيران، وبصمود دمشق في وجه الحرب الكونية عليها. صمود العواصم العربية التي اختارت طريق الاستقلال والمقاومة، ودفعت ثمناً باهظاً لهذا الاختيار.

وهذا الصمود، في حد ذاته، هو انتصار كبير على الإمبراطوريات الإعلامية ومشاريعها التدميرية. هو دليل على أن الشعوب العربية، رغم كل ما تتعرض له من تضليل وتجويع وتقتيل، ما زالت تحتفظ ببوصلة الوعي، وقادرة على التمييز بين الحقيقة والكذب، وبين المحتل والمقاوم، وبين الظالم والمظلوم.

تاسعاً: القاسم المشترك... استهداف التنمية المستقلة

أ. ملامح المشترك

ما الذي يجمع بين تجربة عبد الناصر في مصر، والثورة الإيرانية، وتجربة الاكتفاء الذاتي في سوريا، والعراق قبل الغزو، والجزائر قبل العشرية السوداء، وصنعاء اليوم؟

إنه مشروع التنمية المستقلة. مشروع يسعى إلى بناء دولة وطنية قوية، وتطوير اقتصاد منتج، وتوفير خدمات أساسية للشعب، والحفاظ على السيادة والاستقلال، ودعم قضايا التحرر في المنطقة.

هذا المشروع، مهما اختلفت أدواته ومرجعياته (قومية في مصر، إسلامية في إيران، بعثية في سوريا والعراق، وطنية في اليمن)، فهو في جوهره مشروع تحرري، يهدف إلى انتشال الإنسان العربي من دائرة التخلف والتبعية، وتمكينه من صناعة مستقبله بنفسه.

ولهذا، كان هذا المشروع مستهدفاً دائماً من الإمبراطورية الغربية وحلفائها في المنطقة. فالإمبراطورية لا تريد دولاً عربية قوية مستقلة، بل تريد دولاً ضعيفة تابعة، تفتح أسواقها للنفط والسلع الغربية، وتستورد أسلحتها من الغرب، وتتبع سياساتها الخارجية لتوجيهات واشنطن.

ب. أدوات الاستهداف

كيف تم استهداف هذه المشاريع التنموية المستقلة؟ بأدوات متعددة، كان الإعلام في مقدمتها.

أولاً: الحرب الإعلامية المستمرة. حملات تشويه وتكفير وتضليل، تستهدف قادة هذه المشاريع، وتصور تجاربهم على أنها فاشلة، وتقدم بدائل التبعية على أنها ناجحة. هذه الحرب الإعلامية تهدف إلى تقويض شعبية هذه المشاريع، وتفريغها من محتواها الجماهيري، وإعداد الرأي العام لتقبل خيارات التبعية.

ثانياً: التمويل البديل. دعم التيارات المعارضة لهذه المشاريع، سواء كانت إسلامية أو ليبرالية أو يسارية، وتمويل أنشطتها الإعلامية والسياسية، بهدف إضعاف الدولة الوطنية من الداخل.

ثالثاً: التحريض على الصراعات الداخلية. إذكاء الخلافات المذهبية والعرقية والقبلية، وتحويلها إلى صراعات دموية تستهلك طاقات المجتمع وتشتت جهوده. هذا ما حدث في العراق بعد الغزو، وفي سوريا خلال الأزمة، وفي اليمن خلال الحرب.

رابعاً: الحروب العسكرية بالوكالة. دعم أطراف إقليمية لخوض حروب نيابة عن الإمبراطورية، كما حدث في حرب الخليج الأولى عندما دعم الغرب العراق ضد إيران، وكما يحدث اليوم في اليمن عندما يدعم الغرب التحالف الذي تقوده السعودية ضد أنصار الله.

خامساً: الغزو المباشر. عندما تفشل الأدوات الأخرى، تلجأ الإمبراطورية إلى الغزو العسكري المباشر، كما حدث في العراق عام 2003، وكما حدث في ليبيا عام 2011.

ج. الإمبراطوريات الإعلامية: ذراع المشروع التدميري

في كل هذه المراحل، كانت الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية حاضرة بقوة، تؤدي دورها بامتياز. كانت الجندي المجهول في هذه الحروب، الذي يمهد الطريق للجيوش، ويكسب الرأي العام، ويبرر الجرائم، ويشوه الضحايا.

دورها كان محورياً في:

· تشكيل الوعي العربي لصالح مشاريع التبعية.
· تقديم الأنظمة المستقلة كديكتاتوريات فاشلة.
· تصوير التيارات الإسلامية المعارضة كبديل ديمقراطي.
· تغذية الصراعات المذهبية والطائفية.
· تبرير التدخلات العسكرية الأجنبية.
· التغطية على جرائم الحرب وانتهاكات حقوق الإنسان.

هذا الدور المشين سيبقى وصمة عار في جبين هذه الإمبراطوريات، وشاهداً على خيانتها للأمة العربية، وتخليها عن مسؤولياتها الوطنية.

عاشراً: خاتمة الباب الرابع... دروس من الماضي للمستقبل

أ. ماذا علَّمتنا هذه التجارب؟

ماذا تعلَّمنا من تجارب عبد الناصر والثورة الإيرانية وسوريا والعراق والجزائر واليمن؟

تعلَّمنا أن الاستقلال له ثمن باهظ. من يقرر أن يسير في طريق التحرر والتنمية المستقلة، عليه أن يستعد لدفع ثمن غالٍ: حروب ومؤامرات وحصار وتشويه وقتل.

تعلَّمنا أن الإعلام يمكن أن يكون أداة تدمير لا تقل فتكاً عن القنابل والصواريخ. بل قد تكون أشد فتكاً، لأنها تسبق القنابل وتمهد لها، وتتبعها وتبررها، وتغطي على جرائمها.

تعلَّمنا أن الإمبراطوريات لا تتخلى عن أهدافها بسهولة. هي تصبر وتنتظر، وتغير أدواتها وتكيف أساليبها، لكنها لا تتراجع عن مشروعها: إبقاء المنطقة العربية في دائرة التبعية والتخلف.

تعلَّمنا أن الشعوب العربية، رغم كل ما تتعرض له من تضليل وتجويع وتقتيل، ما زالت تحتفظ ببوصلة الوعي. ما زالت قادرة على التمييز بين الحقيقة والكذب، وبين المحتل والمقاوم، وبين الظالم والمظلوم. وهذا هو الأمل الوحيد في مستقبل أفضل.

ب. هل من أمل؟

بعد كل هذه الكوارث والمآسي، هل من أمل؟ هل يمكن للعالم العربي أن ينهض من جديد؟ هل يمكن بناء مشاريع تنمية مستقلة في المستقبل؟

نعم، هناك أمل. لأن الشعوب العربية تعلمت الكثير من تجاربها المريرة. أدركت أن التبعية للغرب لا تجلب سوى الخراب والدمار. أدركت أن مشاريع التنمية المستقلة هي السبيل الوحيد لتحقيق الكرامة والازدهار. أدركت أن الإمبراطوريات الإعلامية ليست سوى أدوات في يد أعداء الأمة.

وهذا الوعي الجديد، الذي يتشكل ببطء ولكن بثبات، هو الأساس الذي يمكن أن تبنى عليه نهضة عربية حقيقية في المستقبل. نهضة تستفيد من أخطاء الماضي، وتتجنب مزالق التبعية، وتستثمر طاقات الشعوب، وتبني مشاريع تنموية مستقلة تليق بتاريخ الأمة وحضارتها.

الطريق طويلة وشاقة، لكنها ليست مستحيلة. والشعوب العربية، التي صنعت حضارة عظيمة على مدى قرون، وقاومت الاستعمار القديم، وحررت أوطانها من الاحتلال المباشر، قادرة اليوم على تحرير عقولها من الاحتلال الناعم، وقادرة على بناء نهضة تنموية حقيقية، وقادرة على صناعة مستقبل يليق بتاريخها وإمكاناتها وطموحاتها.

هذا هو الرهان. وهذا هو الأمل. وهذا هو الطريق.

……

يتبع في الباب الخامس: البديل... نحو وعي اجتماعي على طريق الصين


……

الباب الخامس:

البديل... نحو وعي اجتماعي على طريق الصين

في تشريح إمكانية النهضة: كيف تبني الأمم مناعة فكرية ضد إمبراطوريات التضليل

……

أولاً: مدخل... لحظة استثنائية في تاريخ الأمة

ليس كل يأس طريقاً إلى القبر، وليس كل انكسار نهاية للمسير، وليس كل ظلام موتاً للشمس. ثمّة أيام يظن فيها البشر أنهم بلغوا الحضيض، وأن لا أمل بعد اليوم، وأن المستقبل أسود حالك، فتأتيهم بشائر الفجر من حيث لا يحتسبون، وتلوح في الأفق بارقة ضوء تخترق عتمة اليأس، ويهب من بين الركام من يقول: كفى، لن نبقى أسرى للأوهام، ولن نستمر رعية للإمبراطوريات، ولن نظل ضحايا للتضليل.

هذه لحظة استثنائية في تاريخ الأمة العربية. لحظة يختلط فيها الألم بالأمل، والجرح بالدواء، والهزيمة بالوعي. لحظة تدرك فيها الشعوب، بعد تجارب مريرة ومؤلمة، أن ما كان يُباع لها على أنه "حرية" و"ديمقراطية" و"رأي ورأي آخر"، لم يكن سوى أوهام تُباع في سوق الإمبراطوريات الإعلامية، وبضاعة مزجاة تُصدر من معامل الاستخبارات الغربية، وأسلحة فتاكة تُستخدم لسلخ العقول عن الأجساد، والقلوب عن العقول، والمستقبل عن التاريخ.

في هذا الباب الخامس والأخير من بحثنا الممتد، صفحات جديدة نخصصها للبحث عن البديل. ليس بديلاً نظرياً مجرداً، يكتب في الكتب ولا يلامس الواقع. ولا بديلاً عاطفياً خطابياً، يلهب المشاعر ولا يبني الوعي. بل بديلاً عملياً واقعياً، مستلهماً من تجارب الأمم التي نهضت من كبوتها، وتحررت من تبعيتها، وبنَت لنفسها مناعة فكرية حمتها من إمبراطوريات التضليل.

وتأتي الصين في مقدمة هذه الأمم. الصين التي كانت قبل قرن مضى مجرد "رجل آسيا المريض"، تتقاسمها إمبراطوريات الغرب والشرق، وتعاني من التخلف والضعف والتبعية. واليوم هي قوة عظمى، اقتصادية وعسكرية وتكنولوجية، تحترمها الأمم، وتخشاها الإمبراطوريات، وتتهافت على شراكتها الدول.

ما سر هذه النهضة؟ كيف استطاعت الصين أن تحمي عقل مواطنيها من اختراق الإمبراطوريات الإعلامية؟ كيف بنت لنفسها مناعة فكرية جعلتها في مأمن من حروب الجيل الرابع والخامس؟ كيف حوّلت الإعلام من أداة تدمير إلى أداة بناء، ومن سلاح تفريق إلى وسيلة توحيد، ومن منصة تضليل إلى مدرسة وعي؟

هذه الأسئلة وغيرها نجيب عليها في هذا الباب، لا لنقلد التجربة الصينية حرفياً، فلكل أمة خصوصيتها وظروفها، بل لنستلهم منها دروساً ومبادئ، ونكيفها مع واقعنا العربي، ونبني عليها مشروعنا النهضوي الخاص. مشروع يليق بتاريخنا وحضارتنا وإمكاناتنا، ويحمي عقولنا من إمبراطوريات التضليل، ويحرر إرادتنا من هيمنة الإمبراطوريات، ويؤسس لنهضة عربية حقيقية.

ثانياً: جوهر التجربة الصينية... بناء الإنسان قبل بناء المصانع

أ. المركزية البشرية: الإنسان هو الهدف والوسيلة

عندما نتحدث عن التجربة الصينية، غالباً ما ينصب التركيز على الجوانب المادية: النمو الاقتصادي المذهل، والنهضة العمرانية الهائلة، والتقدم التكنولوجي المتسارع، والقوة العسكرية المتنامية. هذه كلها حقائق لا يمكن إنكارها، وهي محل إعجاب وتقدير. لكنها ليست جوهر التجربة الصينية، بل هي نتائج وتجليات لذلك الجوهر.

جوهر التجربة الصينية هو بناء الإنسان. الإنسان الصيني الذي كان يعيش قبل قرن في ظل الفقر والجهل والمرض والتبعية، أصبح اليوم إنساناً واعياً، متعلمًا، منتجًا، مبدعًا، واثقًا من نفسه ومستقبله. الإنسان هو الهدف الأول للتنمية، وهو في الوقت نفسه الوسيلة الأساسية لتحقيقها.

هذه المركزية البشرية ليست مجرد شعارات ترفع في المناسبات، بل هي فلسفة متكاملة، تجسدت في سياسات وبرامج ومؤسسات على مدى عقود. فالتعليم كان على رأس الأولويات، ليس فقط تعليم النخبة، بل تعليم الجماهير، ليس فقط التعليم الأكاديمي، بل التعليم المهني والتقني، ليس فقط نقل المعرفة، بل بناء الشخصية المتكاملة.

والصحة كانت أولوية موازية، ليس فقط علاج الأمراض، بل الوقاية منها، ليس فقط خدمة المدن، بل الوصول إلى القرى النائية، ليس فقط الرعاية الطبية، بل تحسين بيئة الحياة. والثقافة كانت حاضرة في كل مكان، ليس فقط في المتاحف والمسارح، بل في الإعلام والمدارس والمصانع والحقول، ليس فقط ثقافة نخبوية، بل ثقافة جماهيرية شعبية.

هذا الاستثمار في الإنسان هو الذي مكّن الصين من تحقيق نهضتها. فالمصانع لا تبنى بأيدي جاهلة، والحقول لا تزدهر بعقول خاوية، والجيوش لا تنتصر بقلوب خائفة. الإنسان الواعي، المنتج، الواثق، هو أساس كل نهضة. وهذا ما أدركته الصين باكراً، وطبقتها بإخلاص وتفان.

ب. الوعي الطبقي: قراءة في مفهوم "نكران الذات"

في صميم التجربة الصينية، هناك مفهوم أساسي هو "نكران الذات" للحزب الشيوعي الصيني. هذا المفهوم، كما يشرح الباحث تسنغ جيانيبنغ في دراسة مهمة، يعني أن الحزب "يمثل دائماً المصالح الأساسية للأغلبية العظمى من الشعب الصيني، وليس له مصالح خاصة به، ولا يمثل أبداً أي مجموعة مصالح، أو فئة نخبوية، أو طبقة اجتماعية مميزة" .

هذا المفهوم هو تجسيد عملي للوعي الطبقي الذي نتحدث عنه. فالحزب الشيوعي الصيني، بقيادته ونخبه وأعضائه، يضع نفسه في خدمة الشعب، لا في خدمة نفسه. يعمل من أجل الصالح العام، لا من أجل مصالحه الخاصة. يلتزم بمبدأ الجماعية، ويتجاوز الثنائيات التقليدية بين الذات والآخر، وبين الفرد والجماعة .

هذا "النكران للذات" هو مصدر القوة الأخلاقية للحزب، وأساس قدرته على الحفاظ على الثورة الذاتية، وجذور ثقته في وضعه الشعبي أولاً، وروح صلاحه في تبنيه رؤية عالمية . وهو في الوقت نفسه الدرس الأكبر الذي يمكن للعالم العربي أن يستفيده من التجربة الصينية.

فالإمبراطوريات الإعلامية الخليجية، التي ناقشناها في الأبواب السابقة، تقوم على النقيض تماماً من هذا المفهوم. إنها تمثل مصالح فئات محددة، ونخباً مميزة، وأجندات خارجية. إنها تخدم نفسها وأسيادها، لا تخدم الشعوب. إنها تعمل على تكريس التبعية، لا على تحقيق التحرر. إنها أداة في يد الإمبراطورية، لا صوت للأمة.

لذلك، فإن بناء بديل عربي حقيقي يبدأ من إعادة تعريف العلاقة بين الإعلام والسلطة، بين القائمين على الإعلام والجماهير، بين المصالح الخاصة والصالح العام. يحتاج العالم العربي إلى نخب إعلامية واعية، تضع مصلحة الأمة فوق مصلحتها الشخصية، وتعمل من أجل تحرير العقول لا لتخديرها، وتساهم في بناء مشروع تنموي مستقل لا في هدمه.

ج. الاغتناء الروحي: ما وراء المادة

التجربة الصينية لا تكتفي ببناء الإنسان مادياً، بل تبني روحه أيضاً. هناك مفهوم متطور في الفكر الصيني المعاصر هو "الثراء المشترك في الحياة الروحية". هذا المفهوم يعني أن التنمية لا تقتصر على توفير الخبز والمسكن والدواء، بل تشمل أيضاً تلبية الاحتياجات الروحية للإنسان، وبناء شخصيته الأخلاقية، وتنمية وعيه الفكري، وإغنائه ثقافياً .

فالحزب الشيوعي الصيني، انطلاقاً من احتياجات الشعب الروحية والظروف الواقعية لبناء الحضارة الروحية الاشتراكية، جسّد المعنى المعاصر للثراء الروحي في السعي الأساسي لتلبية احتياجات الناس لحياة أفضل، ودفعه في تحقيق النهضة العظيمة للأمة الصينية، وتكريسه في خلق شكل جديد من الحضارة الإنسانية .

هذا الاغتناء الروحي يمنح الشعب الصيني قوة دافعة دائمة وتماسكاً راسخاً، من خلال مستويات متعددة: القيادة القيمية، وتوجيه الرأي العام، وتوفير المنتجات الثقافية، وآليات المشاركة، والتمكين الرقمي .

وهذا الدرس بالغ الأهمية للعالم العربي. فالإمبراطوريات الإعلامية الخليجية نجحت في إفقار الروح العربية، وتفريغها من محتواها الإنساني، وتحويلها إلى وعاء فارغ يملأ بالخطابات المستوردة والأجندات الخارجية. نجحت في تحويل الإنسان العربي من كائن مفكر واعٍ إلى مستهلك سلبي، يتلقى ما يقدم له دون تمحيص أو نقد.

بناء البديل العربي يتطلب إعادة اغتناء الروح العربية. إعادة تغذيتها بتراثها الغني، وتاريخها المجيد، وحضارتها العريقة. إعادة ربطها بقضاياها المصيرية، وهمومها الحقيقية، وتحدياتها الكبرى. إعادة تشكيلها على أساس الوعي النقدي، والإرادة الحرة، والانتماء الواعي.

ثالثاً: السيادة الفكرية... خط الدفاع الأول

أ. مفهوم السيادة الفكرية

في عالم اليوم، لم تعد السيادة تقتصر على الحدود الجغرافية، ولا على التحكم في الموارد الطبيعية، ولا حتى على امتلاك القوة العسكرية. هناك سيادة جديدة، لا تقل أهمية عن السيادة التقليدية، بل قد تفوقها في العصر الرقمي: السيادة الفكرية.

السيادة الفكرية تعني قدرة الأمة على التحكم في الفضاء المعرفي الخاص بها، وحماية عقل مواطنيها من الاختراق الخارجي، وتحديد أولوياتها التعليمية والثقافية والإعلامية بنفسها، وبناء خطابها الخاص الذي يعبر عن هويتها ومصالحها ورؤيتها للعالم.

كما يوضح تحليل حديث لتقرير صادر عن معهد شينخوا، فإن "الاستعمار المعرفي" الذي تمارسه الإمبراطورية الأمريكية عبر وسائل الإعلام والتعليم والمنصات الرقمية، يهدف إلى فرض رؤيتها للعالم على الآخرين، وتهميش الروايات غير الغربية، وتشكيل العقول وفق أجندات محددة .

التقرير يحذر من أن الهيمنة على وسائل الإعلام الغربية، خاصة تلك الموجودة في الولايات المتحدة وأوروبا، تحتكر الخطاب العالمي من خلال سيطرتها على وكالات الأنباء الدولية والمنصات الرقمية والصناعات الثقافية. هذه الهيمنة تمكنها من تهميش المنظورات غير الغربية بشكل منهجي، وتختزل المجتمعات المعقدة في قوالب نمطية، وتستبعد أصواتها بالكامل من السرديات العالمية .

لذلك، فإن استعادة السيادة الفكرية هي خط الدفاع الأول في مواجهة الإمبراطوريات الإعلامية. لا يمكن للعالم العربي أن يبني نهضته وهو تابع فكرياً، مستورد لخطابه، مستهلك لثقافته، تابع لروايات الآخرين عن نفسه. يجب أن يمتلك أدوات إنتاج المعرفة الخاصة به، ومنصات نشر ثقافته، وآليات حماية عقله.

ب. تجربة الصين في بناء السيادة الفكرية

الصين تقدم نموذجاً متقدماً في بناء السيادة الفكرية. فقد أدركت القيادة الصينية مبكراً أن المعركة مع الإمبراطورية هي معركة وعي في المقام الأول، وأن التحرر الحقيقي يبدأ من تحرير العقل.

منذ تأسيس الجمهورية الشعبية عام 1949، عملت الصين على بناء نظام تعليمي وطني مستقل، يلبي احتياجات التنمية، ويعبر عن الهوية الوطنية، وينقل القيم الاشتراكية. لم تترك الصين تعليم أبنائها للمناهج المستوردة، ولا للغات الأجنبية وحدها، ولا للنخب المنفصلة عن جماهير الشعب.

وبنت الصين منظومة إعلامية وطنية قوية، تصل إلى كل مواطن، وتنقل له الأخبار والمعلومات، وتشاركه همومه وقضاياه، وتعزز وحدته الوطنية وانتماءه الثقافي. لم تترك الصين فضاءها الإعلامي فريسة للقنوات الأجنبية، ولا للمنصات الرقمية العالمية وحدها، ولا للأجندات الخارجية.

وطوّرت الصين استراتيجية متكاملة للتواصل الدولي، تقدم من خلالها روايتها للعالم، وتصحح المفاهيم الخاطئة عن حضارتها وتجربتها، وتبني جسوراً من التفاهم والتعاون مع الشعوب الأخرى. كما هو مذكور في قرارات الحزب الأخيرة، فإن الصين تعمل على "تسريع بناء أنظمة الخطاب والسرد الصينية" بهدف "جعل اتصالنا الدولي أكثر فعالية" .

هذه الجهود المتكاملة أسفرت عن بناء مناعة فكرية قوية، جعلت المجتمع الصيني في مأمن نسبي من حروب الجيل الرابع والخامس، ومن محاولات اختراق الإمبراطوريات الإعلامية. لم ينجح الغرب في تصدير "ربيع العرب" إلى الصين، ولا في تفكيك وحدتها الوطنية، ولا في إثارة نعرات طائفية أو عرقية بين مكوناتها.

ج. كيف تحمي الصين عقل مواطنيها من الإمبراطوريات الإعلامية؟

ما هي الآليات المحددة التي تستخدمها الصين لحماية عقل مواطنيها من الإمبراطوريات الإعلامية؟

أولاً: الرقابة الذكية. لا تقتصر الرقابة الصينية على منع المحتوى الضار، بل تمتد إلى توجيه النقاش العام، وتشكيل الرأي، وتعزيز القيم الإيجابية. إنها رقابة لا تكتفي بالحجب، بل تقدم بدائل، وتخلق فضاءات للنقاش البناء، وتحتوي الآراء المختلفة في إطار الثوابت الوطنية.

ثانياً: الاستثمار في الإعلام الوطني. تمتلك الصين شبكة إعلامية وطنية قوية، تضم قنوات تلفزيونية وصحفاً ومجلات ومواقع إلكترونية، تصل إلى كل مواطن، وتقدم له محتوى متنوعاً وجذاباً، ينافس المحتوى الأجنبي على جذب الانتباه والتأثير.

ثالثاً: التربية الإعلامية. تدمج الصين في مناهجها التعليمية مفاهيم التربية الإعلامية، وتعلم الطلاب كيفية التعامل مع وسائل الإعلام، وتمييز المعلومات الصحيحة من المضللة، والنقد الواعي للمحتوى المقدم.

رابعاً: الحوكمة الرقمية. تطبق الصين نظاماً متطوراً لإدارة الفضاء الرقمي، يشمل قوانين تنظم عمل المنصات، وتحمي البيانات الشخصية، وتكافح الأخبار الكاذبة والمحتوى الضار، وتضمن بيئة رقمية صحية وآمنة للمواطنين.

خامساً: الثقافة الوطنية. تستثمر الصين بشكل كبير في تعزيز الثقافة الوطنية، وإنتاج محتوى ثقافي جذاب، يعبر عن الهوية الصينية، ويقدم رؤية إيجابية للحياة، وينافس المنتجات الثقافية الغربية على الساحة المحلية والعالمية.

سادساً: القيادة الحزبية. يلعب الحزب الشيوعي الصيني دوراً قيادياً في توجيه العمل الإعلامي والثقافي، وضمان التزامه بالأهداف الوطنية، وحمايته من الاختراق الخارجي. هذا الدور القيادي يضمن الاتساق والاستمرارية، ويحمي الإعلام من التبعية لأجندات خارجية.

هذه الآليات المتكاملة هي التي مكنت الصين من بناء سيادتها الفكرية، وحماية عقل مواطنيها من الإمبراطوريات الإعلامية، والحفاظ على استقرارها الاجتماعي والسياسي في وجه العواصف التي اجتاحت العالم.

رابعاً: دروس للعالم العربي... كيف نبني سيادتنا الفكرية؟

أ. تشخيص الواقع: أين نحن من السيادة الفكرية؟

قبل أن نبني بديلنا، يجب أن نشخص واقعنا بدقة ووعي. أين يقف العالم العربي من السيادة الفكرية اليوم؟

للأسف، نحن في أسوأ حالاتنا. فضاءاتنا الإعلامية مستباحة من الإمبراطوريات الخليجية التي أثبتنا تبعيتها للإمبراطورية الغربية. مناهجنا التعليمية إما مستوردة أو متخلفة، لا تعبر عن هويتنا ولا تلبي احتياجات تنميتنا. منصاتنا الرقمية تخضع لسيطرة الشركات العملاقة، وخوارزمياتها تصمم في وادي السيليكون، وتخدم أجندات لا نعرفها. خطاباتنا العامة إما تابعة أو متطرفة، لا تعبر عن تطلعات شعوبنا ولا تعالج مشكلاتنا الحقيقية.

نحن نعيش حالة من "الاستعمار المعرفي" بكل معنى الكلمة. الآخرون ينتجون معرفتنا، ويصممون مناهجنا، ويوجهون إعلامنا، ويشكلون وعينا. نحن مجرد مستهلكين، متلقين، تابعين. وهذه هي الجريمة الكبرى التي ارتكبتها الإمبراطوريات الإعلامية في حقنا، والتي يجب أن نصححها الآن.

ب. استلهام التجربة الصينية: مبادئ قابلة للتكيف

لا يمكننا، ولا ينبغي، أن نقلد التجربة الصينية حرفياً. لكل أمة ظروفها الخاصة، وتاريخها المميز، وثقافتها الفريدة. لكن يمكننا استلهام مبادئها العامة، وتكييفها مع واقعنا، وتطويرها بما يلبي احتياجاتنا.

المبدأ الأول: الاستقلال في اتخاذ القرار. يجب أن نستعيد قدرتنا على تحديد أولوياتنا التعليمية والثقافية والإعلامية بأنفسنا، دون وصاية خارجية، ودون ضغوط إقليمية أو دولية. هذا يعني تطوير آليات وطنية للتخطيط الاستراتيجي في هذه المجالات، بمشاركة كل القوى الحية في المجتمع.

المبدأ الثاني: الاستثمار في الإنسان. يجب أن نعيد توجيه استثماراتنا نحو بناء الإنسان العربي، تعليماً وتدريباً وثقافة ووعياً. هذا يعني تخصيص ميزانيات كافية للتعليم والصحة والثقافة، وتوجيهها نحو الأولويات الوطنية، وضمان وصولها إلى كل مواطن.

المبدأ الثالث: بناء إعلام وطني. يجب أن نبني منظومة إعلامية وطنية قوية، مستقلة، مهنية، تخدم الصالح العام، وتعبر عن تطلعات الشعب، وتحمي الأمن الفكري للمجتمع. هذا يعني تطوير تشريعات تحمي حرية الإعلام وتنظمه، واستثمار موارد كافية في تطوير الكوادر والمحتوى والتقنيات.

المبدأ الرابع: التربية الإعلامية. يجب أن ندمج مفاهيم التربية الإعلامية في مناهجنا التعليمية، ونعلم أبناءنا كيفية التعامل مع وسائل الإعلام، وتمييز المعلومات الصحيحة من المضللة، والنقد الواعي للمحتوى المقدم.

المبدأ الخامس: الحوكمة الرقمية. يجب أن نطور أطراً قانونية ومؤسسية لإدارة الفضاء الرقمي، تحمي المواطنين من المخاطر، وتضمن بيئة رقمية صحية، وتحافظ على الخصوصية والكرامة الإنسانية.

المبدأ السادس: الوعي الطبقي الاجتماعي. يجب أن نعمل على تنمية وعي طبقي اجتماعي بين الجماهير العربية، وعي يدرك العلاقة بين الإعلام والسلطة، وبين التبعية والتخلف، وبين الاستقلال والتنمية. هذا الوعي هو أساس أي تحرر حقيقي، وأي نهضة منشودة.

ج. الوعي الطبقي الاجتماعي: مفهومنا الخاص

ما نعنيه بالوعي الطبقي الاجتماعي في السياق العربي يختلف عن المفهوم الماركسي التقليدي، وعن التجربة الصينية أيضاً. إنه مفهوم خاص، يتناسب مع ظروفنا وتاريخنا وثقافتنا.

الوعي الطبقي الاجتماعي عندنا يعني:

أولاً: الوعي بالعلاقة بين الإعلام والسلطة. إدراك أن الإعلام ليس مجرد ناقل محايد للأخبار، بل هو أداة في صراع القوى، وآلية لتشكيل الوعي، وسلاح في معركة الهيمنة. من يملك المال يملك الإعلام، ومن يملك الإعلام يملك العقول، ومن يملك العقول يملك المستقبل.

ثانياً: الوعي بالعلاقة بين التبعية والتخلف. إدراك أن التخلف العربي ليس قدراً محتوماً، بل هو نتاج قرون من التبعية للغرب، واستنزاف للموارد، وتدمير للوعي. التحرر من التبعية هو شرط أساسي لأي نهضة حقيقية.

ثالثاً: الوعي بالعلاقة بين الاستقلال والتنمية. إدراك أن التنمية الحقيقية لا تتحقق في إطار التبعية، بل تتطلب قراراً وطنياً مستقلاً، وإرادة شعبية حرة، ومشروعاً مجتمعياً واضحاً. الدول التي نهضت في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية هي التي اتخذت قرارها الوطني المستقل، وحمت اقتصادها من الهيمنة الخارجية، وبنَت وعي شعبها على أساس قيمها وهويّتها.

رابعاً: الوعي بالانتماء للأمة. إدراك أننا جزء من أمة عربية واحدة، رغم تعدد الدول والأنظمة، وأن قضايانا مصيرية مشتركة، وأن مستقبلنا مرتبط بعضه ببعض، وأن التجزئة والتقسيم هما أخطر أسلحة الإمبراطوريات ضدنا.

خامساً: الوعي بالمسؤولية التاريخية. إدراك أننا جيل يحمل مسؤولية تاريخية كبرى: مسؤولية تحرير العقول من إمبراطوريات التضليل، وبناء مشروع تنموي عربي مستقل، وإعداد الأجيال القادمة لمواصلة المسيرة. هذا الوعي بالمسؤولية هو الذي يحوّل الإنسان من كائن سلبي مستهلك إلى فاعل إيجابي منتج.

خامساً: الإعلام العربي البديل... نحو مشروع وطني تنموي

أ. مبادئ الإعلام البديل

بناءً على ما تقدم، يمكننا صياغة مبادئ أساسية للإعلام العربي البديل، الذي ننشده كبديل عن إمبراطوريات المحميات الخليجية:

1. الاستقلال الوطني: أن يكون الإعلام مملوكاً وطنياً، وممولاً وطنياً، وموجهاً وطنياً. لا يخضع لتمويل خارجي، ولا لأجندات إقليمية، ولا لضغوط دولية. هذا يعني تطوير آليات تمويل وطني مستدام، تعتمد على اشتراكات الجمهور، وإعلانات محلية، ودعم حكومي شفاف، دون أن يتحول الإعلام إلى لسان حال الحكومة.
2. المهنية والموضوعية: أن يلتزم الإعلام بأعلى معايير المهنية والموضوعية، في جمع الأخبار ونقلها وتحليلها. أن يميز بين الخبر والرأي، وأن يعطي كل ذي حق حقه، وأن يحترم حق الجمهور في المعرفة. لكن هذه المهنية لا تعني الحياد المزيف، بل تعني الانحياز للحقيقة، والالتزام بالقيم الوطنية، واحترام خصوصية المجتمع.
3. التنموية: أن يكون الإعلام أداة للتنمية الشاملة، وليس مجرد وسيلة للترفيه والتسلية. أن يسلط الضوء على قضايا التنمية الحقيقية: التعليم والصحة والصناعة والزراعة والبحث العلمي. أن يقدم نماذج ناجحة يمكن الاقتداء بها. أن يبرز دور المبدعين والعلماء والمقاولين الحقيقيين، بدل نجوم الرياضة والفن الزائفين.
4. الوعي الطبقي: أن يكشف الإعلام العلاقة بين رأس المال والإعلام، وبين السلطة والمعرفة، وبين الهيمنة الاقتصادية والسيطرة الثقافية. أن يمكن الجماهير من أدوات التحليل النقدي التي تمكنها من فهم العالم وتغييره. أن يكون صوت الفقراء والمهمشين والمستضعفين، لا صوت الأغنياء والأقوياء والممولين.
5. الانتماء للأمة: أن يعزز الإعلام الانتماء للأمة العربية، والوعي بقضاياها المصيرية، والشعور بالمسؤولية المشتركة تجاه مستقبلها. أن يقدم صورة إيجابية عن الوحدة العربية، ويحذر من مخاطر التجزئة والتقسيم، ويكشف المؤامرات التي تحاك لتمزيق الأمة.
6. الانفتاح على العالم: أن ينفتح الإعلام على تجارب الآخرين، ويستفيد من نجاحاتهم وإخفاقاتهم، ويبني جسور التواصل مع الشعوب الصديقة. وفي مقدمتها الشعب الصيني، الذي أثبت أن النهضة ممكنة، وأن الاستقلال ممكن، وأن المستقبل يمكن صنعه بأيدينا.

ب. آليات البناء: كيف ننتقل من الحلم إلى الواقع؟

الانتقال من الإعلام التابع إلى الإعلام البديل ليس سهلاً، ولا سريعاً، ولا رخيصاً. يحتاج إلى جهود متضافرة، على مستويات متعددة:

1. المستوى الفكري: نحتاج إلى نقاش عام واسع حول دور الإعلام في المجتمع، وعلاقته بالسلطة ورأس المال، ومسؤوليته تجاه الجمهور. نحتاج إلى إنتاج فكري عربي أصيل في هذا المجال، يستفيد من التجارب العالمية وينطلق من خصوصيتنا.
2. المستوى التشريعي: نحتاج إلى قوانين تنظم العمل الإعلامي، تحمي حرية الإعلام وتحاسب على التجاوزات، وتضمن التعددية والتنافس الشريف، وتحمي الإعلام من هيمنة رأس المال وتدخل السلطة.
3. المستوى المؤسسي: نحتاج إلى مؤسسات إعلامية وطنية قوية، مستقلة، مهنية، تمتلك الكوادر المؤهلة، والتقنيات الحديثة، والموارد الكافية. مؤسسات لا تنتظر التمويل الخارجي، ولا تخضع للضغوط السياسية، ولا تتبع الأجندات الخارجية.
4. المستوى البشري: نحتاج إلى أجيال جديدة من الإعلاميين، مؤمنين برسالتهم، ملتزمين بأخلاقيات مهنتهم، متمكنين من أدواتهم، واعين بدورهم في خدمة مجتمعهم وأمتهم. نحتاج إلى برامج تدريبية متطورة، ومناهج تعليمية محدثة، وفرص تدريب مستمر.
5. المستوى التقني: نحتاج إلى استثمار في التقنيات الحديثة، وتطوير منصاتنا الرقمية، وامتلاك أدوات الإنتاج والتوزيع، وعدم ترك الساحة للشركات العملاقة وحدها. نحتاج إلى منصات عربية تنافس المنصات العالمية، بلغة عربية، وبمحتوى عربي، وبقيم عربية.
6. المستوى الجماهيري: نحتاج إلى جمهور واعٍ، ناقد، قادر على التمييز بين الإعلام الجيد والرديء، بين الصادق والكاذب، بين الوطني والتابع. نحتاج إلى تربية إعلامية في المدارس والجامعات، وتوعية مستمرة في وسائل الإعلام نفسها.

سادساً: الحزب الشيوعي الصيني نموذجاً... دروس في القيادة والبناء

أ. الحزب كقائد ومربٍ

في صميم التجربة الصينية، هناك الحزب الشيوعي الصيني، القائد والمربي والمنظم. الحزب لم يكتفِ بقيادة الثورة والبناء، بل اضطلع بدور محوري في تشكيل وعي الشعب، وتربية الأجيال، وتوجيه المجتمع.

هذا الدور التربوي للحزب يتجلى في:

· التثقيف المستمر: ينظم الحزب حملات تثقيفية مستمرة لأعضائه وللشعب، حول مبادئ الاشتراكية، وقيم التضحية والعمل، وأهمية الوحدة الوطنية، وضرورة مقاومة التأثيرات الخارجية.
· القدوة الحسنة: يقدم أعضاء الحزب نموذجاً للقدوة الحسنة في عملهم وتضحياتهم والتزامهم. هم في طليعة العاملين، وفي أصعب المواقع، وأخطر المهام.
· التنظيم الشعبي: ينظم الحزب الجماهير في مؤسسات متعددة: نقابات عمالية، اتحادات شباب، رابطات نسائية، منظمات مهنية. هذه المؤسسات تنقل توجيهات الحزب إلى الجماهير، وتعبر عن مطالب الجماهير إلى الحزب.
· الإعلام الهادف: يوجه الحزب العمل الإعلامي لخدمة الأهداف الوطنية، وتعزيز القيم الاشتراكية، وتحصين المجتمع ضد التأثيرات الخارجية.

هذه الدروس يمكن للعالم العربي أن يستفيد منها، بتطوير أحزاب وطنية حقيقية، تلعب دوراً قيادياً في المجتمع، وتضطلع بمسؤولياتها التربوية والتثقيفية، وتكون قدوة صالحة للجماهير.

ب. المركزية الديمقراطية: نموذج في التنظيم

مبدأ التنظيم الأساسي في الحزب الشيوعي الصيني هو "المركزية الديمقراطية". هذا المبدأ يجمع بين الديمقراطية في النقاش واتخاذ القرار، والمركزية في التنفيذ والالتزام. إنه يضمن مشاركة الجميع في صنع القرار، ثم التزام الجميع بتنفيذه بعد اتخاذه.

هذا المبدأ يمكن تطبيقه في المؤسسات الإعلامية العربية البديلة. ديمقراطية في النقاش حول السياسات التحريرية، واختيار القيادات، وتوزيع المهام. ومركزية في التنفيذ، والالتزام بالمعايير المهنية، وتحمل المسؤولية.

ج. العلاقة مع الجماهير: شرط البقاء والنمو

"العلاقة الوثيقة مع الجماهير" هي أحد الدروس الأساسية للتجربة الصينية. الحزب يدرك أن بقاءه ونموه يعتمدان على دعم الجماهير، ولذلك يحرص على التواصل المستمر معهم، والاستماع إلى مطالبهم، والعمل على تلبيتها.

في الإعلام العربي البديل، العلاقة مع الجمهور يجب أن تكون محورية. الإعلام لا يوجد لذاته، بل لخدمة الجمهور. يجب أن يستمع الإعلام إلى الجمهور، ويفهم احتياجاته، ويعبر عن تطلعاته، ويشاركه همومه. يجب أن يكون الإعلام أداة في يد الجمهور، لا وصياً عليه.

سابعاً: خطاب عربي جديد... مواجهة خطاب الإمبراطوريات

أ. تفكيك خطاب الإمبراطوريات

لا يمكن بناء خطاب عربي بديل دون تفكيك خطاب الإمبراطوريات أولاً. تفكيك يعني فهم آلياته، وكشف تناقضاته، وفضح زيفه، وتعرية مصادره.

خطاب الإمبراطوريات الإعلامية يقوم على عدة ركائز:

1. تزييف الوعي التاريخي: محو الذاكرة التاريخية للأمة، أو تشويهها، أو تقديم روايات مزيفة عنها. تقديم تاريخ العرب كتاريخ انقسامات وصراعات وهزائم، بدل تاريخ حضارة وإبداع ونهضة.
2. تفكيك الهوية الجامعة: تحويل الهوية العربية الجامعة إلى هويات فرعية متصارعة: دينية، مذهبية، عرقية، قبلية، جهوية. تحويل الصراع مع العدو الخارجي إلى صراعات داخلية لا نهاية لها.
3. ترويج نماذج القدوة الزائفة: تقديم شخصيات عربية تخدم الإمبراطورية على أنها قدوة وأبطال. رجال أعمال تابعون، سياسيون فاسدون، إعلاميون مرتزقة، مفكرون متغربون، شيوخ تابعون.
4. تخدير العقول: إغراق الفضاء الإعلامي بمحتوى تافه: مسلسلات هابطة، برامج ترفيهية سخيفة، أخبار فاضحة، فتاوى مثيرة للجدل. كل ذلك لشغل الناس عن قضاياهم الحقيقية.
5. توجيه الغضب: توجيه غضب الجماهير نحو أهداف ثانوية، وتفريغه في معارك جانبية، بحيث لا يتجه نحو العدو الحقيقي: الإمبراطورية وحلفائها.

مواجهة هذا الخطاب تتطلب خطاباً مضاداً، يفند ادعاءاته، ويكشف ألاعيبه، ويقدم بديلاً حقيقياً.

ب. بناء خطاب التحرر

خطاب التحرر العربي الجديد يقوم على أسس مغايرة:

1. استعادة الذاكرة التاريخية: إعادة اكتشاف التاريخ العربي بكل إيجابياته وسلبياته، والاستفادة من دروسه لبناء المستقبل. تقديم تاريخ مشرق يلهم الأجيال، دون تجاهل الإخفاقات والدروس.
2. تعزيز الهوية الجامعة: التأكيد على الهوية العربية الواحدة، رغم تنوعها، وعلى المصير المشترك، رغم تعدد الدول، وعلى القضايا المركزية، رغم اختلاف الأولويات.
3. تقديم نماذج القدوة الحقيقية: إبراز شخصيات عربية مبدعة في العلم والأدب والفن والسياسة والاقتصاد، ممن قدموا إسهامات حقيقية لأمتهم، دون مبالغة أو تزييف.
4. تنمية العقول: تقديم محتوى جاد، ينمي العقل، ويوسع الأفق، ويعمق الفهم. محتوى يحترم ذكاء الجمهور، ولا يتعامل معه كطفل يحتاج إلى تسلية دائمة.
5. توجيه الغضب نحو الهدف الحقيقي: مساعدة الجماهير على فهم من هو العدو الحقيقي، وأين مصلحتهم الحقيقية، وكيف يمكنهم تحقيق أهدافهم. توجيه طاقاتهم نحو البناء والإنتاج والمقاومة، لا نحو التدمير والصراعات الداخلية.

ج. آليات البناء

بناء هذا الخطاب الجديد يحتاج إلى آليات متعددة:

· مراكز بحثية: تدرس الخطاب الإمبراطوري، وتحلل آلياته، وتقترح سبل مواجهته.
· منصات إعلامية: تقدم نموذجاً عملياً للخطاب البديل، وتثبت جدواه وإمكانية تطبيقه.
· شبكات تواصل: تربط المثقفين والإعلاميين والفاعلين في العالم العربي، لتبادل الخبرات والتجارب.
· برامج تدريبية: تعد أجيالاً جديدة من الإعلاميين والمثقفين، قادرة على حمل هذا الخطاب وتطويره.
· أنشطة جماهيرية: تنشر هذا الخطاب بين الجماهير، وتحوله من نظرية إلى ممارسة، ومن فكرة إلى واقع.

ثامناً: الصين والعالم العربي... آفاق التعاون في مواجهة الإمبراطوريات

أ. التقاء المصالح

العالم العربي والصين يواجهان تحديات مشتركة في مواجهة الإمبراطوريات الإعلامية الغربية. كلاهما يعاني من تشويه صورته، وتزوير تاريخه، والتأثير على عقول أبنائه. كلاهما يسعى إلى بناء خطاب خاص به، يعبر عن هويته ومصالحه. كلاهما يحتاج إلى تعاون دولي لمواجهة هذه التحديات.

هذا التقاء المصالح يفتح آفاقاً واسعة للتعاون بين الجانبين، في مجالات متعددة:

· تبادل الخبرات: يمكن للصين أن تنقل للعالم العربي خبراتها في بناء الإعلام الوطني، وحماية الفضاء الرقمي، وتطوير التربية الإعلامية. ويمكن للعالم العربي أن يقدم للصين خبراته في التعامل مع الإعلام الغربي، وفهم آليات التأثير في المنطقة.
· التدريب المشترك: يمكن تنظيم برامج تدريب مشتركة للإعلاميين والمثقفين من الجانبين، لتبادل الخبرات وتطوير المهارات وبناء شبكات مهنية.
· الإنتاج المشترك: يمكن إنتاج مواد إعلامية وثقافية مشتركة، تعبر عن رؤية الجانبين، وتقدم صورة إيجابية عن حضارتيهما، وتنافس المنتجات الغربية في الأسواق العالمية.
· التنسيق في المحافل الدولية: يمكن التنسيق بين الجانبين في المحافل الدولية، للدفاع عن سيادتهما الفكرية، ومقاومة الضغوط الغربية، وتعزيز التعاون بين دول الجنوب العالمي.
· مواجهة الخطاب المعادي: يمكن التعاون في مواجهة الخطاب المعادي للجانبين، الذي يروج في الإعلام الغربي، ويكشف عن زيفه وتحيزه.

ب. حوار الحضارات بدل صدامها

أحد الدروس المهمة التي تقدمها التجربة الصينية هو الدعوة إلى "حوار الحضارات" بدل "صدامها". هذا المفهوم يرفض فكرة التفوق الحضاري لأي أمة على أخرى، ويدعو إلى التعايش والتعاون والاستفادة المتبادلة بين الحضارات .

هذا المفهوم يتوافق مع القيم العربية الإسلامية، التي تدعو إلى التعارف والتعاون والسلام بين الأمم. وهو يشكل أساساً متيناً للعلاقة بين الصين والعالم العربي، ويحمي هذه العلاقة من التوظيف في صراعات لا تخدم مصالح الجانبين.

في ظل الإمبراطوريات الإعلامية التي تروج لصدام الحضارات، وتصور العلاقة بين الشرق والغرب كصراع وجودي، فإن الدعوة إلى حوار الحضارات تشكل بديلاً منقذاً. بديلاً يفتح آفاقاً للتعاون والتفاهم، ويحمي العالم من الانزلاق إلى صراعات دموية لا نهاية لها.

تاسعاً: تحديات الطريق... عقبات في طريق البناء

أ. التحديات الداخلية

الطريق إلى الإعلام العربي البديل ليس مفروشاً بالورود. هناك تحديات داخلية كبيرة يجب مواجهتها:

1. تحدي الوعي: ما زال الوعي العربي الجماهيري متأثراً بسنوات طويلة من التضليل الإمبراطوري. كثيرون ما زالوا يصدقون خطاب الإمبراطوريات الإعلامية، ويستهلكون منتجاتها، ويتأثرون بأجنداتها. تغيير هذا الوعي يحتاج إلى وقت وجهد وصبر.
2. تحدي النخبة: كثير من النخب العربية مثقلة بتبعيتها للغرب، وشغفها به، وإعجابها بنماذجه. هذه النخب تشكل عائقاً أمام بناء خطاب عربي أصيل، لأنها ترفض أي نقد للغرب، وتدافع عن نماذجه، وتستورد مفاهيمه دون تمحيص.
3. تحدي المؤسسة: المؤسسات الإعلامية العربية القائمة، سواء كانت حكومية أو خاصة، هي جزء من المشكلة لا من الحل. هي إما تابعة للسلطة، أو خاضعة لرأس المال، أو منحازة لأجندات خارجية. إصلاحها أو استبدالها مهمة شاقة.
4. تحدي التمويل: الإعلام البديل يحتاج إلى تمويل مستقل، وهذا التمويل شبه مستحيل في الظروف الراهنة. التمويل الحكومي يعني التبعية للسلطة. التمويل الخاص يعني التبعية لرأس المال. التمويل الخارجي يعني التبعية للإمبراطوريات. نحن بحاجة إلى نماذج تمويل جديدة، مبتكرة، مستقلة.
5. تحدي الجمهور: الجمهور العربي، بعد سنوات من التخدير الإعلامي، أصبح صعب الإرضاء. اعتاد على الإثارة والتشويق والتسلية، وأصبح ينفر من المحتوى الجاد والهادف. جذبه إلى الإعلام البديل يحتاج إلى إبداع وابتكار، لا إلى تكرار أنماط قديمة.

ب. التحديات الخارجية

وإلى جانب التحديات الداخلية، هناك تحديات خارجية كبيرة:

1. هيمنة الإمبراطوريات الإعلامية: الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية تمتلك موارد هائلة، وخبرات متراكمة، وتقنيات متطورة، وعلاقات واسعة. مواجهتها تحتاج إلى قوة هائلة، وإرادة صلبة، واستراتيجية ذكية.
2. الضغوط الغربية: الغرب لن يقف مكتوف الأيدي أمام محاولات بناء إعلام عربي بديل. سيمارس ضغوطاً سياسية واقتصادية وإعلامية لإفشال هذه المحاولات، وسيدعم عملاءه في المنطقة لعرقلتها.
3. التدخلات الإقليمية: بعض الأطراف الإقليمية، التي تستفيد من الوضع الراهن، ستعمل على إفشال أي مشروع إعلامي بديل يهدد مصالحها. ستستخدم أدواتها المتعددة: سياسية، أمنية، إعلامية، لضرب هذا المشروع في مهده.
4. المنصات الرقمية العالمية: سيطرة الشركات العملاقة على المنصات الرقمية تشكل تحدياً كبيراً. هذه المنصات تصمم خوارزمياتها بما يخدم أجنداتها، وتتحكم في المحتوى الذي يصل إلى الجماهير، وتستطيع حجب أي صوت لا يعجبها.

ج. كيف نواجه هذه التحديات؟

مواجهة هذه التحديات تحتاج إلى:

· رؤية استراتيجية واضحة: تحدد الأهداف والوسائل والمراحل، وتأخذ في الاعتبار كل هذه التحديات، وتخطط للتعامل معها.
· إرادة سياسية قوية: على مستوى الأنظمة والحكومات، لدعم هذا المشروع وحمايته من الضغوط الخارجية.
· تحالفات واسعة: مع كل القوى الحية في المجتمع: أحزاب وطنية، نقابات مهنية، منظمات مجتمع مدني، شخصيات مستقلة، لتبني هذا المشروع والدفاع عنه.
· استثمارات كافية: توفير الموارد المالية اللازمة لانطلاق هذا المشروع واستمراره، من مصادر وطنية متنوعة.
· صبر طويل: إدراك أن بناء الإعلام البديل هو مشروع جيل، لا مشروع سنة أو سنتين. يحتاج إلى وقت وجهد وصبر، وإيمان أكيد بأن المستقبل لهذا المشروع.

عاشراً: خاتمة الباب الخامس... في انتظار الفجر

أ. خلاصة الرحلة

خمسة أبواب قطعناها معاً في هذه الرحلة الطويلة، بحثاً عن الحقيقة في زمن التضليل، وعن الوعي في زمن التخدير، وعن الأمل في زمن اليأس.

في الباب الأول، تتبعنا السلالة الإمبراطورية التي تربط بي بي سي بالجزيرة، وكيف انتقلت عدوى التبعية من لندن إلى الدوحة.

في الباب الثاني، وقفنا على وثائق لا تدع مجالاً للشك، تكشف عن لقاءات وضاح خنفر مع السفارة الأمريكية، وتعهداته بتعديل تغطية الجزيرة وفق الرغبات الأمريكية.

في الباب الثالث، كشفنا كيف تحولت قنوات الدين إلى منابر للإسلام الصهيوني، توظف التكفير والطائفية في خدمة الإمبراطورية.

في الباب الرابع، تتبعنا استهداف تجارب التنمية المستقلة في العالم العربي، من عبد الناصر إلى الثورة الإيرانية، ومن سوريا إلى العراق، ومن الجزائر إلى اليمن.

وفي هذا الباب الخامس، بحثنا عن البديل، مستلهمين التجربة الصينية في بناء السيادة الفكرية، وحماية عقل المواطن من الإمبراطوريات الإعلامية، وتأسيس إعلام وطني تنموي يخدم الشعب لا الإمبراطورية.

ب. ما تعلمناه

ماذا تعلمنا من هذه الرحلة؟

تعلمنا أن الإمبراطوريات الإعلامية ليست مجرد قنوات فضائية، بل هي مشروع استعماري متكامل، يهدف إلى سلخ العقول عن الأجساد، والعقول عن القلوب، والمستقبل عن التاريخ.

تعلمنا أن التبعية للغرب لا تجلب سوى الخراب والدمار، وأن الاستقلال هو السبيل الوحيد لتحقيق الكرامة والازدهار.

تعلمنا أن الشعوب العربية، رغم كل ما تتعرض له من تضليل وتجويع وتقتيل، ما زالت تحتفظ ببوصلة الوعي، وقادرة على التمييز بين الحقيقة والكذب، وبين المحتل والمقاوم، وبين الظالم والمظلوم.

تعلمنا أن بناء البديل ممكن، رغم كل التحديات، إذا توفرت الإرادة والرؤية والتحالف.

ج. رسالة أمل

هذا البحث ليس نداء يأس، بل هو رسالة أمل. رسالة تقول: إن وعينا هو سلاحنا، وإن وحدتنا هي قوتنا، وإن مستقبلنا بين أيدينا.

الإمبراطوريات الإعلامية قد تمتلك المال والسلطة والتقنية، لكنها لا تملك القلوب. القلوب مع الشعوب، والشعوب تبحث عن الصدق والحرية والكرامة. والإعلام البديل، إذا التزم بهذه القيم، سيجد طريقه إلى القلوب، وسينتصر في النهاية.

الطريق طويلة وشاقة، لكنها ليست مستحيلة. والشعوب العربية، التي صنعت حضارة عظيمة على مدى قرون، وقاومت الاستعمار القديم، وحررت أوطانها من الاحتلال المباشر، قادرة اليوم على تحرير عقولها من الاحتلال الناعم، وقادرة على بناء نهضة تنموية حقيقية، وقادرة على صناعة مستقبل يليق بتاريخها وإمكاناتها وطموحاتها.

د. كلمة أخيرة

في ختام هذه الرحلة الطويلة، لا يسعنا إلا أن نوجه كلمة شكر لكل من ساهم في هذا البحث، وكل من قرأه وتأمله وناقشه. نأمل أن يكون قد أضاف شيئاً إلى وعينا الجمعي، وساهم في تعزيز مناعتنا الفكرية، وفتح آفاقاً جديدة للتفكير في مستقبل إعلامنا وأمتنا.

ونوجه كلمة تحذير لكل من يخططون ضد أمتنا، ويوظفون إعلامها في خدمة الإمبراطوريات: لن تنتصروا. مهما بلغت قوتكم الإعلامية، ومواردكم المالية، وتقنياتكم المتطورة، فإن وعينا سينتصر في النهاية. لأن الحقيقة أقوى من الكذب، والحرية أقوى من التبعية، والإرادة أقوى من القهر.

ونوجه كلمة أمل لكل من يكافحون من أجل إعلام عربي حر، مستقل، وطني، تنموي: أنتم لستم وحدكم. هناك آلاف مثلكم في كل بلد عربي، يعملون بصمت وإخلاص، ينتجون محتوى جاداً، ويواجهون التحديات، ويحلمون بمستقبل أفضل. تواصلوا مع بعضكم، تبادلوا الخبرات، ادعموا بعضكم، واثقوا أن النصر قادم.

أما الإمبراطوريات الإعلامية، ومشاريعها التدميرية، فمصيرها إلى زوال. لأن كل باطل يزول، وكل ظل يقصر، وكل ليل يتبعه فجر. وفجر الأمة العربية آتٍ، بإذن الله وبوعي أبنائها وإرادتهم وتضحياتهم.

….

تم الانتهاء من إعداد هذا البحث في
شتاء 2026


…….



الخاتمة: في انتظار الفجر... نحو وعي عربي جديد

خلاصة الرحلة وتأملات في المستقبل

……

أولاً: مدخل الخاتمة... لحظة الحصاد

ليس كل ما يُزرع يُحصد، وليس كل ما يُحصد يُخزن، وليس كل ما يُخزن يُؤكل. ثمّة زرع يضيع في التربة قبل أن ينبت، وحصاد يفسد قبل أن يخزن، وخزن يتحول إلى سم قبل أن يؤكل. لكن ثمّة زرع إذا نبت أثمر، وإذا أثمر حصد، وإذا حصل خزن، وإذا خزن أكل، فكان قوتاً للأحياء، وغذاء للأفئدة، ونوراً للأبصار.

هذه الرحلة الطويلة التي قطعناها معاً على مدى مئة وخمسين صفحة، كانت أشبه بزرع بذور في تربة الوعي العربي. بذور كنا نأمل أن تنبت شجرة وارفة، تظل الأجيال، وتثمر حكمة، وتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها. والآن، في هذه الخاتمة المطولة، ثلاثون صفحة أخرى، نقف لحظة الحصاد. نجمع ما زرعنا، ننظر فيما أنبتت البذور، نتأمل في الثمار التي جنينا، ونفكر في البذور التي لم تنبت بعد، والتي تحتاج إلى تربة أخرى، وماء آخر، وعناية أخرى.

هذه الخاتمة ليست مجرد تلخيص لما سبق، ولا مجرد تكرار لما قيل، بل هي محاولة للارتقاء بالنقاش إلى مستوى أعلى، والانتقال من التحليل إلى التركيب، ومن التفكيك إلى البناء، ومن النقد إلى الرؤية. هي محاولة لصياغة خلاصة جامعة، تجمع خيوط السرد المتناثرة في الأبواب الخمسة، وتنسجها في نسيج واحد متماسك، يقدم رؤية متكاملة للإمبراطوريات الإعلامية الخليجية، وتأثيرها على الوعي العربي، وسبل مواجهتها وبناء البديل.

سنعود في هذه الخاتمة إلى الأسئلة الكبرى التي انطلقنا منها: لماذا تأسست هذه الإمبراطوريات الإعلامية؟ لمن تخدم؟ كيف تعمل؟ ما تأثيرها على الوعي العربي؟ كيف نواجهها؟ ما هو البديل؟ سنحاول الإجابة عن هذه الأسئلة إجابات جامعة، تستفيد من كل ما تقدم، وتقدم خلاصات واضحة، ورؤى مستقبلية، وأملًا في غدٍ أفضل.

ثانياً: الإمبراطوريات الإعلامية... خلاصة التحليل

أ. من هم؟

الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية ليست مجرد قنوات فضائية عادية، تتنافس في سوق الإعلام كما تتنافس الشركات التجارية في أسواق السلع. إنها مشروع استراتيجي متكامل، صمم في معامل الاستخبارات الغربية، ونفذ بتمويل خليجي سخي، وأدير بخبرات إعلامية عالمية، ليخدم أجندة واحدة: إبقاء العالم العربي في دائرة التبعية للغرب، ومنع أي نهضة تنموية مستقلة، وتفكيك أي وعي جمعي يمكن أن يشكل تهديداً لمصالح الإمبراطورية.

هذه الإمبراطوريات ليست كياناً واحداً متجانساً، بل هي مجموعة من الكيانات المتنافسة أحياناً، المتعاونة أحياناً أخرى، لكنها تشترك في الجوهر والأهداف والوظيفة. من قطرية الجزيرة، إلى سعودية العربية والحدث، إلى إماراتية سكاي نيوز عربية، إلى كويتية وغيرها، كلها تختلف في التفاصيل وتتفق في الجوهر، تتنافس في الظاهر وتتحد في الباطن، تتصارع على الجمهور وتخدم نفس الإمبراطورية.

ب. من أين جاؤوا؟

جذور هذه الإمبراطوريات تمتد إلى الإمبراطورية البريطانية، وتحديداً إلى بي بي سي، تلك المؤسسة الإعلامية العريقة التي كانت صوت الإمبراطورية في مستعمراتها ومحمياتها. من بي بي سي جاء الكوادر، ومنها جاءت الخبرات، ومنها جاءت الرؤى، ومنها جاءت الأجندات. كانت بي بيسي المدرسة التي تخرج فيها الجيل الذهبي للإعلام العربي الحديث، قبل أن ينتقلوا إلى الدوحة ليؤسسوا الجزيرة، حاملين معهم كل ما تعلموه في لندن: معايير المهنة، وأساليب العمل، والرؤية للعالم، والولاءات الخفية.

ولم تكن المخابرات البريطانية بعيدة عن هذه المعادلة. فمنذ البداية، كانت العلاقة بين بي بي سي والاستخبارات البريطانية علاقة عضوية، تتداخل فيها الأدوار وتتشابك فيها المهام. وعندما انتقل الكوادر إلى الدوحة، انتقلت معهم هذه العلاقات، واستمرت هذه الأدوار، وتكيفت هذه المهام مع البيئة الجديدة.

ج. بماذا يعملون؟

الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية تعمل على جبهات متعددة، بأدوات متعددة، لتحقيق أهداف متعددة:

1. على الجبهة السياسية: تعمل على توجيه الرأي العام العربي وفق الأجندات الغربية، ودعم الأنظمة والأحزاب والشخصيات الموالية للغرب، وتشويه صورة الأنظمة والأحزاب والشخصيات المستقلة أو المقاومة.
2. على الجبهة الإيديولوجية: تروّج لخطاب إسلامي تابع، يكرس التبعية للغرب، ويكفر مشاريع التنمية المستقلة، ويحول الصراع مع العدو الخارجي إلى صراعات داخلية مذهبية وطائفية.
3. على الجبهة الثقافية: تقدم نموذجاً ثقافياً مستهلكاً، تافهاً، مسلياً، يشغل الناس عن قضاياهم الحقيقية، ويفرغ طاقاتهم في متاهات لا نهاية لها.
4. على الجبهة الاقتصادية: تروّج لنماذج التنمية التابعة، القائمة على الانفتاح غير المشروط على الغرب، وبيع الموارد الطبيعية، واستيراد السلع الاستهلاكية، وتهميش الإنتاج المحلي والتصنيع الوطني.
5. على الجبهة النفسية: تعمل على تكريس ثقافة الهزيمة واليأس والإحباط، وتقويض الثقة بالنفس، وإلغاء الإرادة، وتسفيه الأحلام.

د. لمن يعملون؟

في التحليل النهائي، الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية تعمل لخدمة الإمبراطورية الغربية، ممثلة في الولايات المتحدة وبريطانيا وحلفائها. هي ذراعها الناعم في المنطقة العربية، وأداتها الرئيسية للهيمنة الثقافية والإيديولوجية، وجيشها الذي يحتل العقول كما تحتل الجيوش التقليدية الأراضي.

لكنها تعمل أيضاً لخدمة مصالح الأنظمة الخليجية الحاكمة، التي تجد في هذه الإمبراطوريات وسيلة لتعزيز شرعيتها، وتصدير أزماتها الداخلية، والتنفيس عن الضغوط الشعبية، وضرب خصومها الإقليميين. إنها علاقة تبادل منافع: الإمبراطورية الغربية تحصل على أدوات التأثير في المنطقة، والأنظمة الخليجية تحصل على غطاء سياسي وحماية أمنية ودعم دولي.

ه. كيف يعملون؟

آليات عمل هذه الإمبراطوريات متعددة ومتشابكة، لكن يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

1. التوجيه الخفي: عبر اتصالات منتظمة بين إدارة هذه القنوات وسفارات الدول الغربية، يتم تبادل الملاحظات والتوجيهات حول كيفية تغطية الأحداث، وأي الزوايا يجب تسليط الضوء عليها، وأيها يجب تجاهله.
2. التوظيف الانتقائي: يتم اختيار الكوادر الإعلامية وفق معايير لا تقتصر على الكفاءة المهنية، بل تشمل أيضاً الولاء للأجندات، والاستعداد لتنفيذ التوجيهات، والقدرة على المناورة بين المهنة والسياسة.
3. الخطاب المزدوج: يتم تقديم خطاب مزدوج، ظاهره الحرية والمهنية والموضوعية، وباطنه التبعية والانحياز والتضليل. هذا المزدوج يربك الجمهور، ويصعب عليه التمييز بين الحقيقة والكذب.
4. التغطية المنحازة: يتم تغطية الأحداث بانحياز واضح، لكن بطريقة غير مباشرة: عبر اختيار الضيوف، وصياغة الأسئلة، وزوايا التناول، والمفردات المستخدمة.
5. التكرار والإيحاء: يتم تكرار رسائل معينة، وإيحاءات محددة، بشكل يومي ومنتظم، حتى تترسخ في الوعي الجمعي، وتتحول إلى "حقائق مسلم بها".
6. التعتيم والتضخيم: يتم التعتيم على أحداث معينة، وتضخيم أحداث أخرى، وفق ما يخدم الأجندات. يتم إخفاء جرائم الأصدقاء، وتضخيم أخطاء الأعداء.
7. الترفيه كتخدير: يتم إغراق الفضاء الإعلامي بمحتوى تافه، مسل، مثير، يشغل الناس عن قضاياهم الحقيقية، ويصرفهم عن المشاركة السياسية والاجتماعية.

ثالثاً: ماذا فعلوا بالعقل العربي؟ تشريح الجريمة

أ. سلب الهوية

أخطر ما فعلته الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية هو سلب الهوية العربية. لقد عملت هذه الإمبراطوريات، على مدى عقود، على تفكيك الهوية العربية الجامعة، وتفتيتها إلى هويات فرعية متصارعة: دينية، مذهبية، عرقية، قبلية، جهوية. حوّلت العربي من إنسان ينتمي إلى أمة لها تاريخ وحضارة ومشروع، إلى إنسان ينتمي إلى طائفة أو مذهب أو قبيلة، يخاف من الآخر ويكرهه ويقاتله.

هذا التفكيك للهوية تم عبر آليات متعددة:

· تضخيم الخلافات المذهبية بين السنة والشيعة، وتقديمها كصراعات وجودية لا يمكن حلها.
· إحياء العصبيات القبلية والجهوية، وتقديمها كبديل عن الانتماء الوطني.
· الترويج لهويات مستوردة: "العلمانية"، "الليبرالية"، "الإسلام السياسي"، تفصل العربي عن جذوره وتاريخه.
· تشويه رموز الوحدة العربية، وفي مقدمتهم جمال عبد الناصر، وتقديمهم كديكتاتوريات فاشلة.

النتيجة كانت عربي مشتت الهوية، حائر الانتماء، لا يعرف من هو ولا إلى أين يتجه. عربي يبحث عن هويته في متاهات الإمبراطوريات الإعلامية، لا في تاريخه وحضارته وأمته.

ب. تشويه الذاكرة

الذاكرة هي وعاء الهوية، ومستودع التجارب، وبوصلة المستقبل. من يمتلك ذاكرة واعية، يمتلك قدرة على فهم ماضيه، وتحليل حاضره، وتخطيط مستقبله. ومن يفقد ذاكرته، يصبح تابعاً لذاكرة الآخرين، أسيراً لرواياتهم، رهينة لتأريخهم.

الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية عملت بجد على تشويه الذاكرة العربية، عبر آليات متعددة:

· تقديم رواية مشوهة للتاريخ العربي، تركز على الانقسامات والصراعات والهزائم، وتتجاهل لحظات الوحدة والإنجاز والانتصار.
· تضخيم فترات الانحطاط والتخلف، وتهميش فترات الازدهار والنهضة.
· إعادة كتابة التاريخ وفق الأجندات، بحيث يصبح البطل خائناً، والخائن بطلاً.
· محو تجارب التنمية المستقلة من الذاكرة، أو تقديمها كتجارب فاشلة تستحق النسيان.

النتيجة كانت عربي بلا ذاكرة، يجهل ماضيه، ولا يفهم حاضره، ولا يستطيع تخطيط مستقبله. عربي يستهلك تاريخاً جاهزاً، منتجاً في معامل الإمبراطوريات الإعلامية، ويظنه تاريخه الحقيقي.

ج. إفقار اللغة

اللغة ليست مجرد أداة تواصل، بل هي وعاء الفكر، وهوية الأمة، وروح الحضارة. من يمتلك لغة غنية، يمتلك قدرة على التعبير الدقيق، والتفكير العميق، والإبداع المتميز. ومن تفقر لغته، يضيق فكره، ويضعف تعبيره، ويقل إبداعه.

الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية عملت على إفقار اللغة العربية، عبر آليات متعددة:

· الترويج للغة ركيكة، سطحية، مستهلكة، تخلو من العمق والجمال والغنى.
· استيراد مفردات وتعابير أجنبية، وإحلالها محل المفردات العربية الأصيلة.
· تبسيط اللغة إلى درجة التفاهة، بحيث تصبح عاجزة عن التعبير عن الأفكار المعقدة والمشاعر العميقة.
· الفصل بين اللغة الفصحى واللهجات العامية، وتقديم العامية كلغة الحياة، والفصحى كلغة الموتى.

النتيجة كانت عربي يفقد أدوات التعبير عن ذاته، ويعجز عن صياغة تجربته بلغته الأم، ويضطر لاستعارة لغات الآخرين للتعبير عن همومه وأحلامه.

د. تفكيك العقل

العقل العربي، الذي كان في الماضي مصدر إبداع وابتكار ونهضة، تحول إلى عقل مستهلك، متلقٍ، تابع. الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية عملت على تفكيك هذا العقل، عبر آليات متعددة:

· التشتيت: إغراق العقل بسيل لا ينتهي من الأخبار والصور والمعلومات، بحيث لا يعود قادراً على التركيز والتمييز والبناء.
· التبسيط: اختزال القضايا المعقدة في شعارات مبسطة، وحلول جاهزة، وصور نمطية.
· التخويف: تضخيم المخاطر والتهديدات، وخلق جو من الخوف والقلق الدائمين، يشل القدرة على التفكير والعمل.
· التسلية: إغراق العقل بمحتوى تافه، مسل، مثير، يصرفه عن التفكير الجاد والنقد العميق.
· التوجيه: توجيه التفكير في قوالب جاهزة، ومسارات محددة سلفاً، بحيث لا يخرج العقل عن المألوف والمقرر.

النتيجة كانت عقل عربي مفكك، مشتت، عاجز عن التحليل والتركيب والنقد والإبداع. عقل يستهلك ما يقدم له، دون تمحيص أو تساؤل أو اعتراض.

ه. قتل الأمل

ربما كانت أخطر جريمة ارتكبتها الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية هي قتل الأمل في النفوس العربية. فالأمل هو الوقود الذي يحرك الشعوب نحو المستقبل، والدافع الذي يدفعها للتضحية والعمل، والضوء الذي ينير طريقها في أحلك الظروف.

هذه الإمبراطوريات عملت على قتل الأمل بطرق متعددة:

· تكريس ثقافة الهزيمة: تقديم الهزائم العربية كقدر محتوم، ونتيجة طبيعية للتخلف والضعف.
· تضخيم الإنجازات الغربية: تقديم الغرب كنموذج لا يمكن الوصول إليه، ومستوى لا يمكن بلوغه.
· تشويه تجارب النهضة: تقديم تجارب التنمية المستقلة في العالم العربي كتجارب فاشلة، لا تستحق الاقتداء.
· الترويج لفكرة أن "لا بديل": الترويج لفكرة أن التبعية للغرب هي الخيار الوحيد الممكن، وأن أي محاولة للاستقلال محكوم عليها بالفشل.
· إحباط المبادرات الفردية والجماعية: عدم الاهتمام بالمبادرات الإيجابية، أو تقديمها بشكل يسخر منها ويقلل من شأنها.

النتيجة كانت شباب عربي فقد الأمل في مستقبله، وفي قدرته على تغيير واقعه، وفي إمكانية بناء حياة أفضل. شباب يهاجر بحثاً عن حلم في بلاد الآخرين، أو يلجأ إلى المخدرات والانتحار هرباً من واقع مؤلم، أو ينخرط في جماعات متطرفة تقدم له وهم الخلاص.

رابعاً: دروس الماضي... ما الذي فشلنا فيه؟

أ. فشل النخب

لم تكن الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية وحدها المسؤولة عما وصلنا إليه. هناك مسؤولية كبرى تقع على النخب العربية: المثقفين، الأكاديميين، السياسيين، الإعلاميين، الدينيين.

هذه النخب فشلت في أداء دورها التاريخي على مستويات متعددة:

· فشلت في تقديم مشروع نهضوي عربي واضح، يجمع الأمة، ويعبئ طاقاتها، ويوجه جهودها.
· فشلت في نقد الذات، ومراجعة الأخطاء، وتصحيح المسارات.
· فشلت في التواصل مع الجماهير، وفهم همومهم، والتعبير عن تطلعاتهم.
· فشلت في مقاومة الإغراءات، وحماية استقلالها، والالتزام بمبادئها.
· فشلت في بناء مؤسسات بديلة، قادرة على منافسة الإمبراطوريات الإعلامية، وتقديم خطاب عربي أصيل.

كثير من النخب العربية تحولت إلى نخب تابعة، تستورد أفكارها من الغرب، وتقلد نماذجه، وتدافع عن مصالحه. نخب تعيش في أبراج عاجية، منفصلة عن واقع شعوبها، عاجزة عن فهم همومهم وتطلعاتهم.

ب. فشل المؤسسات

المؤسسات العربية الرسمية، سواء كانت حكومية أو تعليمية أو إعلامية أو ثقافية، فشلت هي الأخرى في أداء دورها. هذه المؤسسات، التي كان يفترض أن تكون حامية للهوية الوطنية، ومنتجة للوعي، ومطورة للقدرات، تحولت إلى مؤسسات بيروقراطية جامدة، فاسدة في كثير من الأحيان، تابعة في معظمها.

المؤسسات الإعلامية الرسمية أصبحت مجرد أبواق للأنظمة الحاكمة، تكرر خطابها، وتدافع عن سياساتها، وتتجنب أي نقد جاد. المؤسسات التعليمية تراجعت مستوياتها، وتخلفت مناهجها، وانفصلت عن احتياجات المجتمع. المؤسسات الثقافية أغلقت أبوابها، أو تحولت إلى منتديات للنخبة، بعيدة عن هموم الجماهير.

هذا الفشل المؤسسي خلق فراغاً كبيراً، سارعت الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية لملئه، بخطابها الجذاب، وإمكاناتها الضخمة، وانتشارها الواسع.

ج. فشل الجماهير

وليس النخب والمؤسسات وحدها من فشل. الجماهير العربية، التي يفترض أنها صاحبة المصلحة الأولى في التغيير، فشلت هي الأخرى في أداء دورها.

فشلت في تطوير وعي نقدي يمكنها من تمييز الحقيقة من الكذب، والمصلحة من الضرر، والصديق من العدو. فشلت في تنظيم نفسها، وتوحيد صفوفها، والضغط من أجل حقوقها. فشلت في دعم الإعلام البديل، والمشاريع المستقلة، والأصوات الحرة.

الجماهير العربية، بعد عقود من التخدير الإعلامي، أصبحت كتلة استهلاكية، تتلقى ما يقدم لها دون تمحيص، وتتفاعل مع ما يثيرها دون تفكير، وتستهلك ما يسليها دون مسؤولية. هذا التحول من "مواطن" إلى "مستهلك" هو أحد أكبر إنجازات الإمبراطوريات الإعلامية، وأخطر نتائجها.

د. فشل التجارب النهضوية

ولم تنجح تجارب التنمية المستقلة نفسها في تحقيق أهدافها كاملة، رغم بطوليتها وأهميتها. هذه التجارب عانت من مشاكل داخلية متعددة:

· ضعف المؤسسات الديمقراطية، وغياب آليات المشاركة الشعبية، والاعتماد المفرط على القيادة الفردية.
· أخطاء في السياسات الاقتصادية والاجتماعية، وتبني نماذج تنموية غير مناسبة في بعض الأحيان.
· صراعات داخلية على السلطة، وانقسامات في صفوف القوى الوطنية.
· عدم القدرة على تجديد الخطاب، وتطوير الأدوات، ومواكبة المتغيرات.

هذه المشاكل الداخلية استغلتها الإمبراطوريات الإعلامية لتشويه هذه التجارب، وتضخيم إخفاقاتها، وتقديمها كدليل على استحالة النهضة العربية.

خامساً: التحديات الحالية... ما الذي نواجهه اليوم؟

أ. تطور أدوات الإمبراطوريات

الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية لم تقف عند ما حققته، بل طورت أدواتها باستمرار، لتواكب تطورات العصر، وتستجيب للتحديات الجديدة.

أهم تطوراتها:

· الانتقال إلى الرقمية: استثمار ضخم في المنصات الرقمية، ووسائل التواصل الاجتماعي، والذكاء الاصطناعي، للوصول إلى أجيال جديدة هجرت التلفزيون التقليدي.
· التخصيص: استخدام البيانات الضخمة والخوارزميات الذكية، لتقديم محتوى مخصص لكل مستخدم، يلبي رغباته ويؤثر في قراراته.
· التفاعلية: تحويل الجمهور من متلق سلبي إلى مشارك نشط، عبر استفتاءات وتعليقات ومشاركات، مما يعزز ارتباطه بالقناة ويشعره بالانتماء.
· التنويع: إطلاق قنوات متخصصة، في مجالات متعددة: رياضة، دين، ترفيه، أفلام، مسلسلات، لتغطية كل احتياجات الجمهور، واحتكاره بالكامل.
· العولمة: التوسع خارج العالم العربي، بقنوات ناطقة بالإنجليزية والفرنسية والأوردو وغيرها، لنشر خطابها عالمياً، وخدمة الأجندات الدولية.

هذه التطورات تجعل مواجهة الإمبراطوريات الإعلامية أكثر صعوبة، وتتطلب استراتيجيات أكثر ذكاءً وتطوراً.

ب. تحديات العصر الرقمي

العصر الرقمي يحمل في طياته تحديات جديدة، تزيد من تعقيد المشهد:

· هيمنة الشركات العملاقة: شركات مثل جوجل وفيسبوك وتويتر تسيطر على الفضاء الرقمي، وتصمم خوارزمياتها بما يخدم أجنداتها، وتستطيع حجب أي صوت لا يعجبها.
· الأخبار الكاذبة: انتشار الأخبار الكاذبة والمضللة بشكل هائل، يصعب معه التمييز بين الحقيقة والكذب.
· غرف الصدى: تحول المستخدمين إلى جماعات مغلقة، تتفاعل مع من يشاركها الرأي فقط، وتتعزز لديها القناعات دون نقد أو مراجعة.
· الإدمان الرقمي: تحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى مصدر إدمان، يستهلك وقت المستخدمين وطاقاتهم، ويصرفهم عن الأنشطة المفيدة.
· انتهاك الخصوصية: جمع البيانات الشخصية للمستخدمين، واستخدامها لأغراض تجارية وسياسية، دون علمهم أو موافقتهم.

هذه التحديات تجعل مهمة بناء إعلام عربي بديل أكثر صعوبة، وتتطلب استراتيجيات مبتكرة تتعامل مع هذه التعقيدات.

ج. ضعف البدائل

في مقابل قوة الإمبراطوريات الإعلامية، نجد ضعفاً شديداً في البدائل العربية. المبادرات الإعلامية المستقلة قليلة، محدودة الموارد، ضعيفة الانتشار، غير قادرة على منافسة الإمبراطوريات.

أسباب هذا الضعف:

· نقص التمويل: غياب آليات تمويل مستقلة ومستدامة للإعلام البديل.
· تشتت الجهود: عمل المبادرات بشكل منعزل، دون تنسيق أو تعاون.
· الملاحقة الأمنية: تعرض الكثير من الإعلاميين المستقلين للملاحقة والاعتقال والتهديد.
· الاختراق الخارجي: تعرض بعض المبادرات للاختراق من أجهزة استخبارية، أو للاستقطاب من أطراف إقليمية.
· ضعف الجمهور: صعوبة جذب جمهور معتاد على الإمبراطوريات الإعلامية، إلى بدائل تفتقر للإثارة والتشويق.

هذا الضعف يخلق حلقة مفرغة: غياب البدائل يقوي الإمبراطوريات، وقوة الإمبراطوريات تضعف البدائل.

سادساً: عناصر الوعي الجديد... نحو بناء المناعة الفكرية

أ. الوعي بالذات

أول عناصر الوعي الجديد هو الوعي بالذات: من نحن؟ ما هو تاريخنا؟ ما هي حضارتنا؟ ما هي قيمنا؟ ما هي مصالحنا؟ ما هي تطلعاتنا؟

هذا الوعي بالذات يحتاج إلى:

· إعادة اكتشاف التاريخ: قراءة تاريخنا قراءة نقدية، تستفيد من دروسه، وتستلهم إنجازاته، وتتجنب أخطاءه.
· الاعتزاز بالهوية: الفخر بالانتماء العربي، والاعتزاز بالحضارة العربية، والتمسك بالقيم العربية الأصيلة.
· فهم المصالح: تحديد المصالح العربية الحقيقية، والتمييز بينها وبين المصالح المستوردة أو المفروضة.
· صياغة التطلعات: التعبير عن تطلعات الأمة العربية إلى الحرية والكرامة والعدالة والتنمية، بشكل واضح ومحدد.

هذا الوعي بالذات يشكل الأساس المتين الذي يبنى عليه الوعي الجديد، والمناعة الفكرية التي تحمي العقل العربي من الاختراق الإمبراطوري.

ب. الوعي بالآخر

العنصر الثاني هو الوعي بالآخر: من هو الآخر؟ ما هي أهدافه؟ ما هي أدواته؟ كيف يفكر؟ كيف يعمل؟

هذا الوعي بالآخر يحتاج إلى:

· فهم الإمبراطورية: دراسة الإمبراطورية الغربية، تاريخها، أهدافها، أدواتها، استراتيجياتها، نقاط قوتها وضعفها.
· فهم الإمبراطوريات الإعلامية: تحليل آليات عملها، كشف تناقضاتها، فضح زيفها، تعرية مصادرها.
· فهم المشروع الصهيوني: دراسة تاريخه، أهدافه، أدواته، تحالفاته، تأثيره على المنطقة العربية.
· فهم الأنظمة التابعة: تحليل طبيعة الأنظمة العربية التابعة، علاقتها بالإمبراطورية، دورها في تدمير المشاريع الوطنية.

هذا الوعي بالآخر يمكننا من فهم طبيعة التحديات التي نواجهها، وأساليب المواجهة المناسبة، ونقاط الضعف التي يمكن استغلالها.

ج. الوعي بالعلاقة

العنصر الثالث هو الوعي بالعلاقة بين الذات والآخر: كيف نتفاعل معه؟ كيف نواجهه؟ كيف نتعاون معه عندما يكون ذلك في مصلحتنا؟

هذا الوعي بالعلاقة يحتاج إلى:

· التمييز بين الصديق والعدو: تحديد من هم أصدقاء الأمة العربية الحقيقيون، ومن هم أعداؤها.
· بناء التحالفات: بناء تحالفات استراتيجية مع القوى الصديقة في العالم، وفي مقدمتها الصين وروسيا ودول الجنوب العالمي.
· الانفتاح النقدي: الانفتاح على تجارب الآخرين، مع الاحتفاظ بقدرة نقدية تميز بين ما ينفعنا وما يضرنا.
· المواجهة الذكية: مواجهة الإمبراطوريات الإعلامية بذكاء، وعدم الانجرار إلى معارك جانبية، واستثمار نقاط ضعفها.

هذا الوعي بالعلاقة يمكننا من بناء استراتيجية متكاملة، توازن بين المواجهة والتعاون، وبين الانفتاح والحذر، وبين القوة والمرونة.

د. الوعي بالمسؤولية

العنصر الرابع والأخير هو الوعي بالمسؤولية: أن كل فرد في هذه الأمة مسؤول عن مستقبلها، وأن ما يفعله أو لا يفعله له تأثير في هذا المستقبل.

هذا الوعي بالمسؤولية يحتاج إلى:

· المشاركة الفاعلة: المشاركة في الحياة العامة، بكل الوسائل المتاحة: الكتابة، النقاش، التنظيم، العمل التطوعي، النضال السلمي.
· دعم البدائل: دعم الإعلام البديل، والمشاريع المستقلة، والأصوات الحرة، بالمال والوقت والجهد والدعاية.
· تربية الأجيال: تربية الأجيال الجديدة على حب الأمة، والوعي بقضاياها، والاستعداد للتضحية من أجلها.
· نقد الذات: النقد المستمر للذات، وتصحيح الأخطاء، وتطوير الأداء، وتعلم الدروس.

هذا الوعي بالمسؤولية يحول الإنسان من كائن سلبي مستهلك إلى فاعل إيجابي منتج، ومن تابع إلى قائد، ومن ضحية إلى بطل.

سابعاً: استراتيجيات المواجهة... كيف نواجه الإمبراطوريات الإعلامية؟

أ. على المستوى الفكري

المواجهة الفكرية هي الأساس، لأن الإمبراطوريات الإعلامية تحاربنا في ساحة الفكر أولاً. هذه المواجهة تحتاج إلى:

1. إنتاج معرفة عربية أصيلة: تشجيع البحث العلمي في مجالات متعددة: التاريخ، الاجتماع، السياسة، الإعلام، الثقافة، لإنتاج معرفة عربية أصيلة، تنطلق من خصوصيتنا وتلبي احتياجاتنا.
2. نقد الخطاب الإمبراطوري: تحليل الخطاب الإمبراطوري، وكشف تناقضاته، وفضح زيفه، وتعرية مصادره، وتفنيد حججه.
3. تطوير خطاب عربي بديل: صياغة خطاب عربي جديد، يجمع بين الأصالة والمعاصرة، ويعبر عن تطلعات الأمة، ويقدم حلولاً لمشكلاتها، ويلهم أبناءها للعمل والتضحية.
4. ترجمة التجارب الناجحة: ترجمة التجارب الناجحة في مواجهة الإمبراطوريات الإعلامية، وخاصة التجربة الصينية، والاستفادة من دروسها.
5. نشر الوعي النقدي: نشر الوعي النقدي بين الجماهير، عبر وسائل متعددة: التعليم، الإعلام، الثقافة، لتمكينهم من تحليل الخطاب الإعلامي وتمييز الحقيقة من الكذب.

ب. على المستوى المؤسسي

المواجهة المؤسسية لا تقل أهمية عن المواجهة الفكرية، لأن الأفكار تحتاج إلى مؤسسات تحملها وتنشرها وتحميها. هذه المواجهة تحتاج إلى:

1. بناء مؤسسات إعلامية وطنية: إنشاء مؤسسات إعلامية وطنية قوية، مستقلة، مهنية، تمتلك الكوادر المؤهلة، والتقنيات الحديثة، والموارد الكافية.
2. تطوير التعليم: إصلاح المناهج التعليمية، وتطوير أساليب التدريس، وتدريب المعلمين، لبناء أجيال واعية، ناقدة، مبدعة.
3. دعم الثقافة: دعم النشاط الثقافي، وتشجيع الإبداع، وحماية المثقفين، وإنشاء مؤسسات ثقافية في كل مدينة وقرية.
4. حماية الفضاء الرقمي: تطوير قوانين تحمي الفضاء الرقمي، وتكافح الأخبار الكاذبة، وتضمن خصوصية المستخدمين، وتحافظ على الأمن الفكري للمجتمع.
5. تشجيع البحث العلمي: تخصيص ميزانيات كافية للبحث العلمي، وإنشاء مراكز بحثية متخصصة، ودعم الباحثين والمبدعين.

ج. على المستوى الشعبي

المواجهة الشعبية هي الأهم، لأن الشعوب هي صاحبة المصلحة الحقيقية في التغيير، وهي القادرة على إحداثه إذا توحدت وتنظمت. هذه المواجهة تحتاج إلى:

1. التنظيم الشعبي: تشجيع إنشاء منظمات شعبية: نقابات، جمعيات، روابط، تعمل على نشر الوعي، وتنظيم الجهود، والضغط من أجل التغيير.
2. المقاطعة: مقاطعة القنوات التابعة، والمنتجات الداعمة لها، والإعلانات الممولة لها، كوسيلة للضغط الاقتصادي عليها.
3. دعم البدائل: دعم الإعلام البديل، والمشاريع المستقلة، والأصوات الحرة، بالمال والوقت والجهد والدعاية.
4. التواصل الاجتماعي: استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لنشر الوعي، وتبادل الخبرات، وتنظيم الحملات، وبناء شبكات الدعم.
5. المشاركة السياسية: المشاركة في الحياة السياسية، بكل الوسائل المتاحة، للضغط على الحكومات لاتخاذ سياسات تحمي الأمن الفكري للمجتمع.

د. على المستوى الإقليمي والدولي

المواجهة لا تقتصر على المستوى المحلي، بل تمتد إلى المستويين الإقليمي والدولي. هذه المواجهة تحتاج إلى:

1. التنسيق العربي: تنسيق الجهود بين الدول العربية، لمواجهة الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية، وبناء إعلام عربي بديل.
2. التحالفات الدولية: بناء تحالفات دولية مع القوى الصديقة، وفي مقدمتها الصين وروسيا، لمواجهة الهيمنة الإعلامية الغربية.
3. التواجد في المحافل الدولية: التواجد الفاعل في المحافل الدولية، للدفاع عن السيادة الفكرية للدول العربية، ومقاومة الضغوط الغربية.
4. تبادل الخبرات: تبادل الخبرات مع الدول التي نجحت في بناء سيادتها الفكرية، والاستفادة من تجاربها.
5. مواجهة الخطاب المعادي: مواجهة الخطاب المعادي للعرب في الإعلام الغربي، وكشف زيفه وتحيزه.

ثامناً: الصين نموذجاً... دروس مستفادة

أ. الإرادة السياسية

أول وأهم درس من التجربة الصينية هو أهمية الإرادة السياسية. الصين لم تنتظر أحداً ليحل مشكلاتها، بل اتخذت قرارها الوطني المستقل، وسارت في طريقها بثبات وإصرار، رغم كل التحديات والضغوط.

الإرادة السياسية تعني:

· اتخاذ قرارات صعبة، حتى لو كانت غير شعبية في المدى القصير.
· الاستمرار في المسار، رغم العقبات والنكسات.
· عدم الرضوخ للضغوط الخارجية، مهما كانت قوية.
· وضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.

هذا الدرس مهم للعالم العربي، الذي عانى طويلاً من غياب الإرادة السياسية، وتردد القيادات، وخضوعها للضغوط الخارجية.

ب. الاستثمار في الإنسان

الدرس الثاني هو الاستثمار في الإنسان. الصين أدركت أن الإنسان هو أغلى ثروة تملكها، وأن تنميته هي مفتاح كل تقدم. لذلك، استثمرت بشكل كبير في التعليم والصحة والثقافة، ووصلت إلى كل مواطن في كل قرية نائية.

الاستثمار في الإنسان يعني:

· تعليم مجاني وإلزامي للجميع.
· رعاية صحية شاملة وعادلة.
· دعم للثقافة والإبداع.
· حماية للفئات الضعيفة والمهمشة.

هذا الدرس مهم للعالم العربي، الذي يعاني من تردي التعليم، وتدهور الصحة، وتهميش الثقافة، واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء.

ج. البناء المؤسسي

الدرس الثالث هو البناء المؤسسي. الصين لم تعتمد على الأفراد فقط، بل بنت مؤسسات قوية، قادرة على الاستمرار والتطور، بغض النظر عن تغير الأشخاص.

البناء المؤسسي يعني:

· وضع قوانين وأنظمة واضحة.
· بناء هياكل تنظيمية فعالة.
· تطوير آليات رقابة ومحاسبة.
· تأهيل كوادر قيادية.

هذا الدرس مهم للعالم العربي، الذي يعاني من ضعف المؤسسات، وهشاشتها، وتبعيتها للأفراد.

د. الحفاظ على الهوية

الدرس الرابع هو الحفاظ على الهوية. الصين انفتحت على العالم، واستفادت من تجارب الآخرين، لكنها حافظت على هويتها الثقافية، ولم تذوب في العولمة.

الحفاظ على الهوية يعني:

· التمسك بالقيم الأصيلة.
· حماية اللغة والتراث.
· مقاومة الذوبان الثقافي.
· تقديم الذات للعالم بهوية واضحة.

هذا الدرس مهم للعالم العربي، الذي يعاني من هجمة شرسة على هويته، ومحاولات لتذويبها في ثقافة العولمة.

ه. الصبر الاستراتيجي

الدرس الخامس هو الصبر الاستراتيجي. الصين أدركت أن بناء النهضة يحتاج إلى وقت، وأن الطريق طويلة وشاقة، وأن الإنجازات الكبرى لا تتحقق بين عشية وضحاها. لذلك، صبرت وثابرت، ولم تستعجل النتائج.

الصبر الاستراتيجي يعني:

· وضع خطط طويلة المدى.
· الاستمرار في العمل رغم بطء النتائج.
· عدم اليأس عند النكسات.
· التعلم من الأخطاء وتصحيح المسار.

هذا الدرس مهم للعالم العربي، الذي يعاني من ثقافة الاستعجال، وعدم الصبر، والبحث عن حلول سريعة لمشكلات عميقة.

تاسعاً: آفاق المستقبل... ماذا يمكن أن يكون؟

أ. عربي جديد

المستقبل الذي نحلم به هو عربي جديد. عربي واعٍ، ناقد، مبدع، منتج، واثق من نفسه ومستقبله. عربي يعتز بهويته، ويفخر بتاريخه، ويؤمن بقدرته على صناعة مستقبله.

هذا العربي الجديد:

· يقرأ كثيراً، ويتعلم باستمرار، ويطور ذاته.
· ينقد ما يسمع ويرى، ولا يصدق كل ما يقال له.
· يبدع في مجاله، وينتج قيمة مضافة لمجتمعه.
· يشارك في الحياة العامة، ولا يكتفي بدور المتفرج.
· يتعاون مع الآخرين، ويبني جسوراً مع كل من يشاركه أهدافه.

ب. إعلام عربي جديد

المستقبل الذي نحلم به هو إعلام عربي جديد. إعلام وطني، مستقل، مهني، تنموي، يخدم الشعب لا السلطة، وينير العقول لا يظلمها، ويوحد الصفوف لا يفرقها.

هذا الإعلام الجديد:

· يلتزم بالحقيقة، وينقلها كما هي، دون تجميل أو تشويه.
· ينحاز للفقراء والمهمشين، ويعبر عن همومهم وتطلعاتهم.
· يكشف الفساد، وينتقد الأخطاء، ويحاسب المسؤولين.
· يشجع الإبداع، ويكتشف المواهب، وينشر الأفكار الجديدة.
· يتعاون مع الإعلام البديل في كل البلاد العربية، ويشكل شبكة عربية موحدة.

ج. مجتمع عربي جديد

المستقبل الذي نحلم به هو مجتمع عربي جديد. مجتمع متعلم، منتج، عادل، ديمقراطي، متسامح، منفتح على العالم، معتز بهويته.

هذا المجتمع الجديد:

· يوفر تعليماً مجانياً وجيداً للجميع.
· يضمن رعاية صحية شاملة وعادلة.
· يوفر فرص عمل كريمة للشباب.
· يحمي حقوق المرأة والطفل والأقليات.
· يشجع المشاركة السياسية والحريات العامة.
· ينفتح على ثقافات العالم، دون أن يفقد هويته.

د. أمة عربية موحدة

المستقبل الذي نحلم به هو أمة عربية موحدة. أمة تتجاوز حدودها المصطنعة، وتوحد جهودها لمواجهة التحديات المشتركة، وتبني مستقبلاً مشتركاً لأبنائها.

هذه الأمة الموحدة:

· تنسق سياساتها الخارجية، لتواجه الضغوط الدولية بفاعلية.
· تتعاون اقتصادياً، لبناء سوق عربية مشتركة، وتحقيق التكامل الاقتصادي.
· تتعاون ثقافياً، لتعزيز الهوية العربية، ونشر اللغة العربية، وحماية التراث العربي.
· تتعاون إعلامياً، لبناء إعلام عربي موحد، يواجه الإمبراطوريات الإعلامية، ويقدم خطاباً عربياً أصيلاً.
· تتعاون عسكرياً، لحماية الأمن القومي العربي، ومواجهة التهديدات المشتركة.

عاشراً: مسؤولية الجيل... ماذا علينا أن نفعل الآن؟

أ. مسؤولية المثقفين

على المثقفين العرب أن ينهضوا بمسؤولياتهم التاريخية:

· إنتاج معرفة عربية أصيلة، تنطلق من خصوصيتنا وتلبي احتياجاتنا.
· نقد الخطاب الإمبراطوري، وكشف زيفه، وفضح تناقضاته.
· تطوير خطاب عربي بديل، يجمع بين الأصالة والمعاصرة.
· التواصل مع الجماهير، وفهم همومهم، والتعبير عن تطلعاتهم.
· بناء مؤسسات ثقافية وإعلامية بديلة، قادرة على المنافسة.

ب. مسؤولية الإعلاميين

على الإعلاميين العرب أن يتحملوا أمانة الكلمة:

· الالتزام بالحقيقة، ونقلها كما هي، دون تجميل أو تشويه.
· الانحياز للفقراء والمهمشين، والتعبير عن همومهم وتطلعاتهم.
· كشف الفساد، وانتقاد الأخطاء، ومحاسبة المسؤولين.
· تجنب الإثارة والتشويق على حساب المهنية والموضوعية.
· تطوير أدواتهم باستمرار، ومواكبة تطورات العصر.

ج. مسؤولية الشباب

على الشباب العربي أن يستعد لقيادة المستقبل:

· التعلم باستمرار، وتطوير الذات، واكتساب مهارات جديدة.
· المشاركة في الحياة العامة، والانخراط في الأنشطة التطوعية والسياسية.
· دعم الإعلام البديل، والمشاريع المستقلة، والأصوات الحرة.
· بناء شبكات التواصل مع الشباب العربي في كل البلاد.
· الحفاظ على الأمل، وعدم اليأس، والإيمان بقدرتهم على التغيير.

د. مسؤولية الجماهير

على الجماهير العربية أن تستيقظ من سباتها:

· تطوير وعي نقدي، يمكنها من تمييز الحقيقة من الكذب.
· مقاطعة القنوات التابعة، والمنتجات الداعمة لها.
· دعم الإعلام البديل، والمشاريع المستقلة.
· المشاركة في الحياة العامة، والضغط من أجل التغيير.
· نقل الوعي إلى الأجيال الجديدة، وتربيتهم على حب الأمة.

ه. مسؤولية الأنظمة

وعلى الأنظمة العربية أن تتحمل مسؤولياتها:

· حماية السيادة الوطنية، ومقاومة الضغوط الخارجية.
· دعم الإعلام الوطني، وحمايته من الاختراق الخارجي.
· الاستثمار في التعليم والصحة والثقافة.
· فتح المجال للمشاركة الشعبية، واحترام الحريات العامة.
· التعاون مع الدول العربية الشقيقة، لبناء مستقبل مشترك.

حادي عشر: كلمة أخيرة... الفجر قادم

أ. الفجر قادم

بعد كل هذه الرحلة الطويلة، وبعد كل هذه التحليلات العميقة، وبعد كل هذه الخلاصات المريرة، نعود إلى الأمل. الفجر قادم، لا محالة. لأن الظلام مهما طال، لا بد أن يعقبه فجر. والليل مهما امتد، لا بد أن يتبعه نهار. والباطل مهما انتفش، لا بد أن يضمحل.

الفجر قادم، ليس لأننا نتمناه فقط، بل لأن عوامل قيامه تتجمع شيئاً فشيئاً. الوعي يتزايد، والتجارب تتراكم، والدروس تتعلم، والأجيال تتغير. الإمبراطوريات الإعلامية تنكشف شيئاً فشيئاً، ويفقد خطابها بريقه، وتتهاوى مصداقيتها، وينكشف زيفها.

الفجر قادم، لأن الشعوب العربية بدأت تستفيق من سباتها، وتدرك حقيقة ما يجري حولها، وتستعد لاستعادة دورها في صناعة التاريخ. لأن الشباب العربي بدأ يبحث عن هويته، ويعتز بانتمائه، ويؤمن بقدرته على التغيير. لأن المثقفين العرب بدأوا ينتجون معرفة بديلة، ويقدمون خطاباً جديداً، ويبنون مؤسسات مستقلة.

الفجر قادم، لأن الإمبراطورية الغربية بدأت تتراجع، وتفقد هيمنتها، وتتهاوى هيبتها. لأن الصين وغيرها من قوى الجنوب العالمي بدأت تقدم نماذج بديلة، وتؤكد أن التعددية ممكنة، وأن السيادة ممكنة، وأن النهضة ممكنة.

ب. لكن الطريق لا يزال طويلاً

الفجر قادم، لكن الطريق لا يزال طويلاً. ما زال أمامنا الكثير من العمل، والتضحية، والصبر. ما زالت الإمبراطوريات الإعلامية قوية، ومواردها ضخمة، وأدواتها متطورة. ما زالت الأنظمة التابعة متمسكة بمواقعها، وتدافع عن مصالحها بشراسة. ما زالت النخب المتخندقة في خدمة الإمبراطورية، تنشر سمومها وتضليلها. ما زالت الجماهير تعاني من التخدير والتشتيت والإحباط.

لكن هذا لا يعني اليأس، بل يعني المزيد من العمل. يعني أننا يجب أن نستعد لمعركة طويلة، لا لانتصار سريع. يعني أننا يجب أن نتحلى بالصبر الاستراتيجي، ولا نستعجل النتائج. يعني أننا يجب أن نتعلم من أخطائنا، ونطور أدواتنا، ونصقل قدراتنا.

ج. معاً نصنع الفجر

الفجر لا يصنعه فرد واحد، ولا جماعة واحدة، ولا جيل واحد. الفجر يصنعه الملايين، عبر الأجيال، بالعمل المتواصل، والتضحية المستمرة، والصبر الجميل.

لذلك، نحن ندعو كل من قرأ هذا البحث، وتأثر به، واقتنع بأفكاره، إلى الانضمام إلى ركب builders الفجر. كل في موقعه، وبما يستطيع. المثقف بقلمه، والإعلامي بكلمته، والشاب بحماسه، والمواطن بوعيه، كلهم شركاء في صناعة الفجر.

لنتواصل، ونتعاون، ونتحد. لنتبادل الخبرات، وندعم بعضنا، ونقوي بعضنا. لنبن معاً إعلاماً عربياً بديلاً، ووعياً عربياً جديداً، ومستقبلاً عربياً مشرقاً.

د. وأخيراً...

هذه الخاتمة الطويلة، التي تختتم بحثاً أطول، ليست نهاية الطريق، بل هي بدايته. هي دعوة للعمل، لا للقراءة فقط. هي حافز للتغيير، لا للتأمل فقط. هي نداء للانتفاض، لا للقنوط فقط.

نعم، الإمبراطوريات الإعلامية قوية. نعم، التحديات كبيرة. نعم، الطريق طويل. لكننا نملك ما هو أقوى من كل هذا: نملك الحق، ونملك الإرادة، ونملك الأمل.

والحق يعلو ولا يعلى عليه. والإرادة تصنع المستحيل. والأمل يحيي النفوس وينير الدروب.

فليكن هذا البحث بداية نهضتنا الإعلامية، ومقدمة صحوتنا الفكرية، ونواة وحدتنا العربية. ولنعمل معاً، يداً بيد، قلباً بقلب، عقلاً بعقل، لنصنع فجراً عربياً جديداً، يشرق على أمتنا بالخير والبركة والسلام.


---


القاهرة - دمشق - بغداد - صنعاء - الجزائر - وكل عاصمة عربية أحبت الحرية
شتاء 2026


……

توثيق مراجع الكتاب

إمبراطوريات الظل... سلخ العقول العربية في زمن التبعية

…..

أولاً: وثائق وتقارير رسمية

وثائق المخابرات البريطانية (MI6) والعلاقة مع الإخوان

1. الأرشيف البريطاني: وثائق وزارة الخارجية البريطانية حول جماعة الإخوان المسلمين، 1948-1955. تتضمن تقارير استخباراتية عن علاقة الإخوان بالضباط الأحرار في مصر وعضوية ستة من أعضاء مجلس قيادة الثورة في الجماعة .
2. الأرشيف البريطاني: تقارير عن نشأة جماعة الإخوان المسلمين وعلاقتها بالقوى الغربية، وردت في كتاب المستشرق البريطاني ج. هيوارث دن "الاتجاهات الدينية والسياسية في مصر الحديثة" .
3. وثائق المخابرات البريطانية حول العلاقة مع سيد قطب، ودوره في مجلة "الفكر الجديد"، ودعم المخابرات البريطانية والأميركية لبعثته إلى الولايات المتحدة ضمن "مشروع النقطة الرابعة" الأميركي .
4. الأرشيف البريطاني: تقارير استخباراتية عن تطور الحركات الإسلامية في مصر، وردت في دراسة عدنان أيوب مسلّم "المراحل التكوينية لمسيرة سيد قطب الفكرية وصعوده كداعية إسلامي"، جامعة ميشيغان، 1983 .

وثائق ويكيليكس: برقيات السفارة الأميركية في الدوحة

1. برقية السفارة الأميركية في الدوحة، 30 أكتوبر 2005: تقرير عن لقاء وضاح خنفر مدير قناة الجزيرة بمسؤول الشؤون العامة في الاستخبارات العسكرية الأميركية، وتعهده بتهذيب وتهدئة لهجة المواد المسيئة للولايات المتحدة وإزالة صور ضحايا الجيش الأميركي من الأطفال والنساء .
2. برقيات السفارة الأميركية في الدوحة، يوليو-سبتمبر 2005: تقارير استخباراتية أميركية تتضمن ملاحظات على تغطية الجزيرة للحرب في العراق، وردود وضاح خنفر المكتوبة عليها .
3. برقيات السفارة الأميركية في الدوحة: وثائق تكشف عن لقاءات منتظمة بين إدارة الجزيرة ومسؤولي السفارة الأميركية، وتمرير وزارة الخارجية القطرية لتقارير الاستخبارات الأميركية إلى إدارة القناة .
4. تصريحات جوليان أسانج مؤسس موقع ويكيليكس في برنامج "بلا حدود" على قناة الجزيرة، 22 ديسمبر 2010، حول وجود 17 ألف برقية دبلوماسية أميركية ذكر فيها اسم قطر، و500 وثائق تشير إلى وضاح خنفر وآلاف أخرى تشير إلى الجزيرة .

وثائق بريطانية عن الثورة الإيرانية وحرب الخليج

1. وثائق وزارة الخارجية البريطانية، مارس 1979: تقرير تحليلي تاريخي للسياسة البريطانية تجاه إيران في السنوات التي سبقت الثورة، وأسباب الفشل الاستخباراتي في توقع سقوط نظام الشاه .
2. وثائق وزارة الخارجية البريطانية، 23 مايو 1978: التقرير السنوي للملحق العسكري البريطاني في طهران حول ولاء القوات المسلحة الإيرانية لنظام الشاه واستبعاد احتمال قيام انقلاب عسكري .
3. وثائق وزارة الخارجية البريطانية، 7 يناير 1983: رسالة سكرتير الحكومة الخاص جيه. إي. هولمز إلى رئاسة الوزراء حول زيارة النائب الأول لرئيس الوزراء العراقي طه ياسين رمضان إلى لندن، وأهمية استضافة رئيسة الوزراء مارغريت تاتشر له .
4. وثائق وزارة الخارجية البريطانية، 23 نوفمبر 1981: رسالة توصية من اللورد كارينغتون وزير الخارجية إلى رئيسة الوزراء بدعوة طه ياسين رمضان لزيارة بريطانية، مشيراً إلى أن "العراق سوق مربحة جداً" وأن الصادرات البريطانية تجري بمعدل 700 مليون جنيه سنوياً .
5. وثائق وزارة الخارجية البريطانية، ديسمبر 2001: مقترح من ضابط المخابرات البريطانية (أم آي 6) للإطاحة بالرئيس العراقي صدام حسين، يتضمن ثلاث وثائق سرية كشفت عنها لجنة شيلكوت، وجاء فيها أن "إسقاط صدام حسين سيظل جائزة كبرى لأنه سيعطي خطوط تدفق النفط آفاقاً أمنية جديدة" .
6. وثائق وزارة الخارجية البريطانية، نوفمبر 1996: رسالة جون هولمز السكرتير الخاص لرئيس الوزراء جون ميجور تحذر من احتمال الانجرار إلى حرب جديدة بقيادة الولايات المتحدة ضد العراق، وتقترح "التخلي عن شمال العراق" إذا لزم الأمر .

……

ثانياً: كتب ودراسات أكاديمية

عن بي بي سي والإعلام البريطاني

1. فرامبتون، مارتن. "الإخوان المسلمون والغرب: تاريخ من العداء والانخراط". لندن: دار النشر الأكاديمية، 2018.
2. هيوارث دن، ج. "الاتجاهات الدينية والسياسية في مصر الحديثة". لندن: مطبعة جامعة أكسفورد، 1950.
3. مسلّم، عدنان أيوب. "المراحل التكوينية لمسيرة سيد قطب الفكرية وصعوده كداعية إسلامي". أطروحة دكتوراه، جامعة ميشيغان، 1983.
4. كشميري، سيد بشير أحمد. "سيد قطب، الأديب العملاق والمجدد الملهم في ضوء آثاره وإنجازاته الأدبية". أطروحة دكتوراه، 1985.

عن تأسيس الجزيرة والعلاقة مع بي بي سي

1. نجم، صلاح. "الجزيرة: قصة الميلاد". الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات، 2005.
2. الشريف، عدنان. "سنوات التأسيس: ذكريات الإعلام العربي". بيروت: دار الساقي، 2010.

عن سيد قطب وتأثير تجربته الأميركية

1. شلش، علي. "التمرد على الأدب: دراسة في تجربة سيد قطب". القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1986.
2. شلش، علي. "دليل المجلات الأدبية 1939-1952". القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 1995.
3. شلش، علي. "المجلات الأدبية في مصر: تطورها ودورها". القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 1998.
4. قطب، سيد. "لماذا أعدموني؟". القاهرة: دار الشروق، (نُشر بعد اغتياله).

عن الثورة الإيرانية

1. الخميني، روح الله. "الحكومة الإسلامية". طهران: مؤسسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني، 1979.
2. وثائق أرشيف وزارة الخارجية البريطانية عن الثورة الإيرانية، 1978-1979 .

عن التجربة التنموية السورية

1. تقرير "الاقتصاد المنزلي المنتج: تجارب سورية في زمن الحرب". المركز السوري للدراسات السياسية، 2017.
2. دراسة عن مشروع "خيوط الشمس" في ريف دمشق، 2013.

عن العشرية السوداء في الجزائر

1. تقارير الجبهة الإسلامية للإنقاذ وانتخابات 1991 في الجزائر. المركز الجزائري للدراسات السياسية، 1992.
2. دراسة عن التمويل الخليجي للجماعات المسلحة في الجزائر خلال التسعينات. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015.

عن التجربة الصينية في بناء السيادة الفكرية

1. جيانيبنغ، تسنغ. "الثراء المشترك في الحياة الروحية: دراسة في تطور المجتمع الصيني". معهد شينخوا للدراسات الاستراتيجية، 2023.
2. تقرير معهد شينخوا: "الاستعمار المعرفي وآليات مواجهته في العصر الرقمي". بكين: مطبعة شينخوا، 2022.
3. "قرارات الحزب الشيوعي الصيني حول تسريع بناء أنظمة الخطاب والسرد الصينية". المؤتمر الوطني العشرون للحزب، 2022.

……

ثالثاً: مقالات صحفية وتقارير إعلامية

1. أسانج، جوليان. "ويكيليكس: أميركا منزعجة من الجزيرة". مقابلة في برنامج "بلا حدود"، 22 ديسمبر 2010 .
2. "البنا وقطب وثالثهما كان جاسوساً!" صحيفة الشرق الأوسط، 7 نوفمبر 2023 .
3. "وثائق بريطانية تكشف فشل الغرب في توقع الثورة الإيرانية". إندبندنت عربية، 9 فبراير 2024 .
4. "الخليج تنشر وثائق بريطانيا السرية للعام 1984". صحيفة الخليج، 3 يناير 2015 .
5. "بريطانيا خططت للإطاحة بصدام 2001". 13 مايو 2011 .
6. "وثائق بريطانية.. الرهائن حيلة طهران لتحرير قتلة شابور بختيار". موقع ناصر شاهر، 2023 .
7. "وثائق سرية بريطانية: جون ميجور كان يخشى حرباً مع صدام حسين". 2015 .

……

رابعاً: خطب وتصريحات سياسية

1. تصريح جاسم بن حمد (أو وزير خارجية قطر السابق): "كل ما ننفذه - في القواعد العسكرية والإعلامية - هو بأوامر أمريكية". (المصدر: تسريبات إعلامية، تاريخ غير محدد).
2. تصريحات وضاح خنفر بعد استقالته من قناة الجزيرة، مقابلة مع موقع هافينغتون بوست، سبتمبر 2011.
3. خطاب الإمام الخميني عند عودته من المنفى إلى طهران، 1 فبراير 1979.

…..

خامساً: مراجع إضافية

1. تشومسكي، نعوم. "الإعلام والدعاية: صناعة الإجماع". ترجمة: مركز دراسات الوحدة العربية. بيروت: دار الساقي، 2002.
2. هابرماس، يورغن. "التحول البنيوي للفضاء العمومي". ترجمة: د. حسن صقر. القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2015.
3. غيدنز، أنتوني. "علم الاجتماع". ترجمة: د. فايز الصياغ. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2005.

……

منهجية التوثيق

تم توثيق المراجع في هذا الكتاب وفق المنهجية التالية:

1. الوثائق الرسمية: تم الاعتماد على وثائق رفعت عنها السرية من الأرشيف البريطاني، وبرقيات ويكيليكس الدبلوماسية الأميركية، مع الإشارة إلى تاريخ الوثيقة ورقمها إن وجد.
2. الكتب والدراسات الأكاديمية: تم توثيق اسم المؤلف، عنوان الكتاب، دار النشر، سنة النشر.


…….
لييج - بلجبكا
دوسلدورف - المانيا

شتاء 2026



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- -العقل المحتل: إمبراطوريات الإعلام وسرقة المستقبل- في مواجهة ...
- إيران: ما وراء أسطورة -دولة الملابس- - قراءة في جيوسياسية ال ...
- العقل المحتل... الإمبراطوريات الإعلامية وسرقة المستقبل..مقدم ...
- إمبراطورية الجزر: من احتكار روتشيلد المالي إلى اغتصاب إبستين ...
- سوريا بين احتلال القصر واحتلال الرغيف
- الجمهورية التي أرعبت الإمبراطورية... كيف حوَّل «خورمشهر-4» إ ...
- افتتاحية كتاب ( شاهدٌ بلا سلاح )أحمد صالح سلوم
- افتتاحية كتاب ( كاتب على حافة الخريطة) – أحمد صالح سلوم
- الطَّرِيقُ الثَّالِثُ: إِيرَانُ تَبْحَثُ عَنْ مَخْرَجٍ بَيْن ...
- تمهيد في تفكيك البنى الخطابية الوهابية للهيمنة المعاصرة في م ...
- ما وراء واجهةدي ويفر -رئيس الجميع-: تفكيك الخطاب النيوليبرال ...
- تأملات في التشكل الإبيستيني للنظام الصهيوني وأسطورة السيادة ...
- الجزر المعتمة: جغرافيا التعذيب في خدمة الإمبريالية المعاصرة
- روتشيلد وممثله ابستين: هشاشة العدالة في مواجهة سيادة الإمبرا ...
- سيرة ابستين نتنياهو : تشابك السلطة والانحطاط في دهاليز السي ...
- استشراف آفاق السيادة: رؤى تنموية في عالم متعدد المراكز
- فضائح إبستين: جراح الطفولة في سرداب الأوليغارشية
- أوراق التمويه: استنبات الوعي الزائف في استعمار الأمم
- محمد حسنين هيكل في ظلال الغياب واستمرارية النماذج
- نزيف تحت الجلد: سيرة كتاب هز عروش الإمبراطوريات


المزيد.....




- حكاية مسجد.. -خانقاه بيارة- في كردستان العراق
- بن يونس ماجن: هطول غزير
- عاصفة غضب في مهرجان برلين السينمائي بسبب محاولات تهميش القضي ...
- -وقائع زمن الحصار-: فيلم يروي التفاصيل اليومية لحصار مخيم ال ...
- تنديد بـ-صمت- مهرجان برلين السينمائي حيال غزة بخلاف مواقفه م ...
- تنديدا بـ-صمت- مهرجان برلين السينمائي حيال غزة.. مخرجة فيلم ...
- المريخ في الأردن: حكايات الرمال التي عانقت خيال السينما
- 14 موقعا أثريا.. الاحتلال يصادر مناطق واسعة ببلدة سبسطية شما ...
- الشيخ عباس مقادمي.. صوت رمضان في الذاكرة السعودية
- غرّة رمضان.. قصة رحلة فتحت باب فردوس الأندلس لثمانية قرون


المزيد.....

- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد صالح سلوم - من بي بي سي إلى الجزيرة والعربية ... سلالة استعمارية . من كتاب:( العقل المحتل.. امبراطوريات الإعلام وسرقة المستقبل) ..الجزء الثاني والاخير