سامي ابراهيم فودة
الحوار المتمدن-العدد: 8616 - 2026 / 2 / 12 - 09:24
المحور:
القضية الفلسطينية
في مسرحية مدرسة المشاغبين، أطلق عادل إمام إفيهًا عابرًا صار خالدًا:
«كلّ واحد يخلّي باله من لَغلوغته».
ضحكنا يومها، لأننا كنا نعرف أن المسرح يسخر من الخوف، لا يصنعه.
لكن المفارقة المريرة، أن ما كان نكتة على الخشبة، صار اليوم خطاب تهديد في الواقع، حين يخرج قيادي حمساوي ليُعلن—بلغة الوعيد لا القانون—أن أجهزة أمنية ستراقب من ساهم في إخفاق منسوب الرجولة.
وهنا، لم يضحك أحد.
بل سأل الناس: أي رجولة؟ ومن يملك حق تعريفها؟ ومن يوزّع صكوكها؟
تصريح فتحي حماد لم يكن زلّة لسان، ولا انفعال لحظة، بل خطابًا مقلقًا يعكس عقلية رقابية أخطر من الفعل نفسه.
فحين تُقاس الرجولة بمعايير غامضة، وتُربط بالأمن، تتحوّل القضية من نقاش اجتماعي إلى محكمة تفتيش أخلاقية.
تساءل الناس في غزة—وهم أهل الصبر والكرامة:
هل المقصود هو المعارض لسياسات الحركة؟
أم الشاب الذي لا يشبه صورتهم النمطية؟
أم صاحب قصة شعر “غربية”؟
أم من يرتدي بنطالًا ضيقًا؟
أم كل من لم يهتف، ولم يصفّق، ولم يبايع؟
وهنا السؤال الأخطر:
هل فقدت غزة رجولتها فعلًا؟
أم أن الرجولة اختُطفت، وأُعيد تعريفها لتناسب فصيلًا، لا وطنًا؟
غزة التي قدّمت الشهداء أطفالًا ونساءً وشيوخًا،
غزة التي حُوصرت وجاعت وقُصفت ولم تنحنِ،
غزة التي ما زالت تنجب أحرارًا رغم الركام—
هل تحتاج شهادة “رجولة” من قيادي؟
أم جهازًا أمنيًا ليخبرها من هو الرجل ومن هو “المخصي”؟
الأخطر من التصريح نفسه، هو منطق الاستثناء:
كأن كل غزة مشكوك في رجولتها…
باستثناء قيادات الحركة وعناصرها “الربّانية”!
وهنا لا نتحدث عن دين، بل عن استعلاء سياسي مقنّع بلباس الوعظ، وعن سلطة ترى المجتمع قاصرًا، وتُنصّب نفسها وصيًّا على الأخلاق، واللباس، والسلوك، وحتى الكرامة.
الرجولة—يا سادة—لا تُراقَب بالكاميرات،
ولا تُقاس بالبناطيل،
ولا تُفرض بالتهديد.
الرجولة موقف، وصدق، وشجاعة قول الحق،
حتى في وجه من يدّعي احتكاره.
في ختام سطور مقالي
حين تتحوّل الرجولة إلى ملف أمني،
والاختلاف إلى شبهة،
والرأي إلى تهمة،
فنحن لا نحمي المجتمع… بل نُفرغه من روحه.
غزة لا تحتاج من يعلّمها الرجولة،
غزة هي التي علّمت العالم معنى الصمود.
وإن كان لا بدّ من نصيحة،
فلنقلها كما قالها المسرح ساخرًا،
لكن بوعي أشدّ:
خلّوا بالكم من لغلوغتكم…
لأن التاريخ لا يرحم من يهدد الناس باسم الفضيلة.
#سامي_ابراهيم_فودة (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟