سامي ابراهيم فودة
الحوار المتمدن-العدد: 8593 - 2026 / 1 / 20 - 14:57
المحور:
القضية الفلسطينية
تكالبت دولُ العالم على غزّة،
لا لأنها ارتكبت جرمًا،
بل لأنها تجرّأت على أن تكون حرّة.
اجتمع الأقوياء على مدينةٍ محاصَرة،
واصطفّت المصالح في وجه الحق،
فصار الحصار سياسة،
والصمت تواطؤًا،
والظلم نظامًا دوليًا يُدار بربطات عنق أنيقة.
لم تكن غزّة وحدها في المواجهة؛
كان العالم كلّه في الجهة المقابلة.
دولٌ ترفع شعارات القانون الدولي،
ثم تدوسه حين يُنصف الضعفاء.
مؤسساتٌ تتغنّى بحقوق الإنسان،
ثم تصمت حين يكون الإنسان فلسطينيًا.
حين تخاف الإمبراطوريات من المثال
لم تُحاصَر غزّة لأنها خطر عسكري،
بل لأنها خطر أخلاقي.
فالإمبراطوريات لا تخشى السلاح بقدر ما تخشى الفكرة،
ولا ترتعد من الصواريخ
كما ترتعد من إنسانٍ يرفض الانكسار.
غزّة مثالٌ مزعج:
شعبٌ قليل الموارد،
كثير المعنى،
يُربك حسابات القوة
ويفضح خواءها.
وحين تعجز الإمبراطوريات عن كسر الإنسان،
تجتمع عليه.
الطغيان… حين يتوحّد خوفًا
تآلف الطغاة،
لا حبًا في بعضهم،
بل خوفًا من أن تنتصر الحقيقة.
ملوكٌ ورؤساء،
سماسرةُ وطن،
وتجّار دم،
كلّهم التقوا عند وهمٍ واحد:
أن الجوع يُسقط القيم،
وأن القصف يُميت الكرامة.
لكنهم نسوا
أن الكرامة حين تُحاصَر
تتحوّل إلى عقيدة،
وأن العقائد
لا تُقصف ولا تُهزَم.
غزّة… الإنسان قبل السلاح
في غزّة،
لا تُقاس الرجولة بما يُملَك،
بل بما يُحتَمَل.
الأمّ تُربّي أبناءها على الوقوف،
لا على انتظار النجدة.
والطفل يتعلّم أن الحياة موقف،
وأن الحرية ثمن،
وأن الصبر ليس ضعفًا
بل وعيٌ بموعد الحق.
غزّة لا تتقن دور الضحية،
بل تؤدي دور الشاهد.
شاهدٌ على أن الإنسان
إذا امتلك قضيته
صار أكبر من آلة الحرب.
سقوط الأقنعة
لم تفضح غزّة الطغاة وحدهم،
بل فضحت العالم.
سقطت الأقنعة،
وانكشفت ازدواجية المعايير،
وتبيّن أن القانون يُستدعى
حين يخدم الأقوياء،
ويُغيَّب
حين يحمي الضعفاء.
غزّة لم تطلب شفقة،
بل طالبت بعدالة.
ومن لا يحتمل العدل
يتّهم الضحية
بالتطرّف.
وعدٌ لا يغيب
يمكرون…
ويحسبون أن الزمن في صفّهم.
لكن الزمن ليس محايدًا؛
إنه يميل للحق
ولو بعد حين.
الله لا يُهمل دمًا،
ولا ينسى دعاءً،
ولا يُضيع صبرًا صادقًا.
وغزّة تعرف ذلك،
لذلك تصبر بثقة،
لا باستسلام؛
وتثبت بيقين،
لا بإنهاك.
لماذا ستبقى غزّة؟
ستبقى غزّة
لأنها لم تساوم على معناها.
ستبقى
لأنها اختارت أن تكون واقفة
ولو كانت وحدها.
ستبقى
لأن الشعوب قد تُهزَم عسكريًا،
لكنها لا تُكسَر أخلاقيًا.
أما الإمبراطوريات المتغطرسة،
فإلى زوال؛
هكذا يقول التاريخ
كلما مرّ على أرضٍ
ظنّها أحدٌ ملكًا خاصًا.
وغزّة…
بما تمثّله من كرامةٍ صافية،
ستظلّ الدليل الحيّ
على أن الإنسان
حين يتمسّك بحقه
يعلو…
حتى وهو تحت الركام.
#سامي_ابراهيم_فودة (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟