أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عزالدين مبارك - لماذا لم يتطور المجتمع العربي الإسلامي إلى قوة حضارية مستقلة بذاتها وفاعلة ؟















المزيد.....

لماذا لم يتطور المجتمع العربي الإسلامي إلى قوة حضارية مستقلة بذاتها وفاعلة ؟


عزالدين مبارك

الحوار المتمدن-العدد: 8606 - 2026 / 2 / 2 - 22:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الوازع الديني كمحرك للتاريخ

المشكل الذي واجه في البداية هو الوازع الديني، بحيث وقع تنميط المجتمع وتكبيله في إجترار النصوص الدينية كمقدس ثابت لا يقبل النقد والتغيير لمواكبة العصر والزمن.
وبذلك تمت محاربة الفكر التنويري والحداثي المخلخل للثوابت الموروثة والمتجاوز للواقع المتخلف، في زمن كانت الامبراطورية الإسلامية في قمة مجدها وعنفوانها بعد انتصارها على الامبراطورية الفارسية والامبراطورية البيزنطية.
في تلك الفترة كان الوازع الديني قوة معنوية حاسمة ومحددة في نتائج الحروب والصراعات، رغم بساطة وبدائية الأسلحة المستعملة والتي تكافئ تقريبا أسلحة جيوش الفرس والبيزنطيين.
ولهذا انتصر المسلمون وفي ظرف قصير وكونوا امبراطورية مترامية الأطراف بفضل الوازع الديني بالأساس كمحرك للتاريخ ودافع قوي لحشد الناس للتوسع وتقبل التضحيات وتحمل المصاعب.
. لكن هذا الوازع الديني كان لاحقا سببا جوهريا في تراجعهم وتلاشي حضارتهم، بعد أن كان سببا في تفوقهم على أعدائهم لأن سطوته على العقول قد تلاشت مع مرور الزمن وأصبح مجرد طقوس ولباس ودروشة.
فالسلطة الإسلامية استعملت الدين كعنصر تحكم وتسلط بعد أن كان تعبدا، وجعلت من المواطنين رعية تسبح باسم الحاكم وتؤلهه، حتى وإن طغى وتجبر لأنه يستمد سلطته من المقدس.
فاهتمت هذه السلطة حصريا بالعبادات والطقوس الدينية واعتماد النقل والحفظ من خلال تعليم يدور حول القرآن والحديث وتفسيرهما، دون نقد وتمحيص وتفكير.
وهذا أنتج أجيالا من الغوغائيين والمتصوفين والمرددين دون فهم وتدبير، غير متعلمين ومهمشين يتمعشون من فتات التراث. كشيوخ تحمل أفكارا رجعية تجذب إلى الوراء وتؤبد التخلف والسطحية والجمود في المجتمعات.
وفي زمن متقدم للخلافة العباسية، ظهرت طبقة مرفهة تحوم حول السلاطين، فاحترفت الفساد والقسوة واستعملت الدين كأداة قهر وقمع، لكل من يفكر وينتقد ويتجاوز الفكر الديني السائد والمتجذر في أعماق الناس ومفاصل الدولة الإسلامية.
ولهذا فعندما بدأت التيارات الفكرية والعلمية والفلسفية تظهر في الغرب، والذي بفضل الأفكار التنويرية لمجموعة من الفلاسفة الكبار، مثل ديكارت وهيغل وفولتار وسبينوزا ونيتشة وغيرهم، تم حسم الصراع مع الكنيسة.
وبذلك، وقع الولوج من الباب الكبير لعالم العلم الحديث، لكن هذه الأفكار الجديدة لم تجد آذانا صاغية وتجاوبا عند العرب والمسلمين، بحكم أنهم لم يكونوا مهيئين لذلك وليس للسلط القائمة استراتيجية تعليمية لتجاوز الثقافة الدينية المتعارف عليها، خوفا من ثورة فكرية قد تهدد عروشهم فيذهب ريحهم.
وبينما كان العرب المسلمون في نومهم، زاهدين في استعمال العقل، مكتفين بما قدم لهم الدين من سلطة معنوية وقداسة وأجوبة، أليس هم من قيل فيهم، خير أمة أخرجت للناس؟ فعاشوا تبعا لذلك متعالين عن النظر حولهم وكأنهم موجودون وحدهم في هذا العالم الفسيح.
حتى تفاجأوا بالمغول يغزون عاصمة خلافتهم، وقد أعاد التاريخ الماكر ذلك بعد زمن طويل مع الأطلسيين الأمريكان في العصر الحديث حينما احتلوا بغداد عاصمة الخلافة العباسية وعاثوا في البلاد فسادا أكثر مما فعل هولاكود.
فالغفوة التاريخية التي حلت بالمسلمين، حولتهم من بدو غزاة لا ينامون إلا والسيوف مخدة تحت رؤوسهم إلى جماعة مرفهة وأسياد منبسطة، تعيش مع عسل الحريم وتعب الخمر عبا، فكان اللهو ديدنهم وحياتهموعالمهم.
حتى أتى لديارهم من هو أشد قسوة وتغولا على حين غرة، ليحلق لهم شنبهم ويعقر خيلهم ويسبي نساءهم ويتمتع بحريمهم، وهكذا تفرق شملهم وذهب مجدهم، كما قالت الأم الملتاعة لولدها في الأندلس أبو عبد الله الصغير آخر أمراء غرناطة "ابكِ كالنساء على ملكٍ لم تحافظ عليه كالرجال".
فعلى أنفاض الخلافة العربية الإسلامية الآفلة بعد أن تشبثت بالفكر الغيبي والفقهي والذي يحمل مبادئ وأدوات قديمة وبدائية، ولم تتطور لما هو أرقى وأقوى وأنجع، حتى تلاشت قوتها المعنوية المتمثلة في الدين، أمام قوة العلم.
فحلت محلها امبراطورية أخرى، متمثلة في الدولة العثمانية، وبذلك تحول العرب إلى عبيد وخدم عند الأتراك الذين باعوهم في نهاية المطاف إلى المستعمر الغربي الانجليزي والفرنسي والذي جاء من أجل نهب الثروات واستعباد الناس.
فتم تقسيم العرب كأمة فاشلة وبدائية ومتخلفة، لا حول لها ولا قوة إلى دويلات بحدود تقريبية يسكن فيها الخبث والدهاء، تم وضع خريطتها على الرمال الحارقة من طرف الحاقدين سايكس وبيكو.
ثم وضع المستعمر الغاصب على كل دولة ملكا أو رئيسا بسلطات ملك، يتآمر على جاره ويتحالف مع الأجانب ضده، ونصبه بدون انتخابات على مجتمعات مغلوبة على أمرها مثل قطيع الأغنام، تعيش العصر بأجسادها الغرائزية وعقولها تائهة ومحتلة بطقوس الماضي الغابر.

عصر الكيان والنفط

كان ظهور النفط بالجزيرة العربية والعالم العربي، كطاقة مهيمنة على الإقتصاد العالمي الحديث ومحرك أساسي للصناعة عموما نقمة وليس نعمة، في مجتمعات مازالت قبلية ولم تغادر بعد بداوتها .
وقد تدفق في زمن كان فيه الصراع بين الكتلة الغربية بقيادة أمريكا والكتلة الشرقية بقيادة الإتحاد السوفياتي آنذاك محتدما، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية مع انغراس الكيان الغاصب بفلسطين مما أعطى للنفط قيمة كبيرة ومحل صراع وتجاذب دولي.
وعدم توفر القوة الكافية للدفاع عن هذه الثروة لدى بلدان المصدر، وإمكانية استيعاب العائد المالي الهائل المتدفق، في إقتصادها الطفيلي والمتعثر، جعل هذه الدول في مأزق ودونية وفريسة للضغوط والإبتزاز.
كل هذه العوامل مجمعة، حولت المنطقة العربية الإسلامية إلى وجهة تكالب الدول الغربية ومحاولة السيطرة على هذه الثروة الهامة، ولو باستعمال القوة العسكرية الغاشمة وتغيير السلطة القائمة.

معوقات بناء القوة

كما هاجرت المبالغ الطائلة التي لم تجد مكانا تستثمر فيه في الداخل للغرب، مثلما هاجر العلماء والأطباء والمهندسون للضفة الأخرى بحثا عن ظروف عمل أحسن وهذا يمثل هدرا للموارد وخسارة كبيرة لمجتمعات في طور النمو.
فوقع نتيجة ذلك، إفراغ البلدان العربية الإسلامية من قوتها المالية والبشرية، نتيجة غياب الإستراتيجية الفعالة للبعدين السياسي والإقتصادي مع ضعف في الديناميكية المجتمعية والتعليم الكفؤ، وانتشار الفساد وغياب الحريات والحوكمة والمساءلة في عالم المال والأعمال.
ولهذه الأسباب فلا يمكن للعالم العربي الإسلامي، الغير مهيئ من كل النواحي لهذه التحولات الكبيرة، لعب دور حضاري فعال، يتماشى مع آليات العصر الحديث ويتمكن من اللحاق بركب الأمم الصاعدة والقوية، وذلك لأعوام طويلة قادمة.
فهو عالم غير متجانس من ناحية الثروة والمستوى الفكري للموارد البشرية، ويعيش تبعية متجذرة للغرب ومتأخر بعشرات السنين من الناحية التقنية والتكنولوجية والتنظيمية.
الحلول الضائعة

فلا يمكن بهذه الحالة المتأخرة والمتخلفة لدول المنظومة العربية الإسلامية والمتصارعة في ما بينها، بمفعول التدخل الخارجي، أن تصنع عالما وهيكلا ذو وزن بدون توحيد الثروة والقوى الإقتصادية والعسكرية وتجاوز معضلة الزعامات، والفكر القبلي الموروث.
فقد أضاع العرب فرصة الحرب الباردة، حتى يتمكنون من إنتاج هيكل موحد فعال وعقلاني وتجاوز الوحدة اللغوية والتراثية والظاهرة الصوتية كما قال عبد الله القصيمي في أحد كتبه.
فلم يعد الوازع الديني مصدر قوة، كما كان في العصور الوسطى وزمن الخلافة، فالعصر غير العصر والزمن غير الزمن ومن لا يتغير ويتجدد يتلاشى ويضمحل، فذلك هو منطق التاريخ.
فلا يمكن أن يتغلب السيف على الصاروخ والحصان على الدبابة في زمن الحروب المعاصرة، فالزمن قد تغير كثيرا ولكل عصر أدواته وآلياته الفكرية والمادية ومن لا يتطور ويتفاعل ويتأقلم ستدوسه أقدام الحضارات الأخرى بدون رحمة.
والأدهى من كل شيء، فقد تم توظيف العالم العربي الإسلامي، ثروة ومواردا بشرية، في حروب واستراتيجيات دول أخرى، بحكم التبعية والخوف على ضياع المناصب والعروش،
مما يزيد في تخلفه وضياع مستقبله وحلمه في بناء نظام قوي وموحد حتى تكون له مكانة معتبرة في النظام العالمي الجديد الذي هو في طور التشكل.



#عزالدين_مبارك (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خالق الكون العشوائية
- ترمب يريد إتفاقا مع إيران وليس حربا
- الإسلام كرم الرجل على حساب حقوق المرأة
- صناعة الإله لتحقيق رغبات البشر
- الإله لا ينصر القوم الفاشلين والفاسدين
- التحول الديني من العمودي إلى الأفقي
- تحولات العرب من عصر الغنيمة إلى عصر الإذلال
- الزعيم بورقيبة محطم المجتمع الذكوري في تونس
- من سيسقط في فخ الحسابات الخاطئة أمريكا أم إيران؟
- الدين كمنظومة سياسوية للتحايل على الأغبياء باسم المقدس الوهم ...
- الحلول الممكنة لعجز الصناديق الإجتماعية في تونس
- فائض القوة والمال والجشع الإمبراطوري الأمريكي
- بكاء الآلهة
- المناضل المزيف والعدمي
- حلم العرب بالعودة للخلافة ضد منطق التاريخ والتطور
- هيكلة المؤسسات العمومية في تونس : المصاعب والحلول
- لماذا فشلت المعارضة في تونس في التأثير على الرأي العام؟
- أمريكا والطاقة والهيمنة العالمية
- التأسلم القهري للأمازيغ بشمال إفريقيا
- الإعلام الموجه والموظف لصناعة الفوضى


المزيد.....




- -باد باني- يصنع التاريخ.. أبرز لحظات حفل جوائز غرامي الـ68
- هيغسيث: أمريكا -على أتم الاستعداد- للتحرك ضد إيران إذا رفضت ...
- مصادر لـCNN: محادثات بين كبار مسؤولي أمريكا وإيران في تركيا ...
- -لم تُكشف هوياتهم-.. إيران توقف أربعة أجانب بتهمة المشاركة ف ...
- -إنجاز استراتيجي-.. الجزائر تدشّن خط سكك لنقل خام الحديد من ...
- فيل يقتل سائحا في تايلاند.. ما علاقة الشهوة الجنسية بالسلوك ...
- العودة الطوعية من ألمانيا: كيف تحصل على الدعم المالي والتنظي ...
- حين تتحول الرؤية إلى واقع… وقائد يرى حلمه يتحقق
- صحف عالمية: إسرائيل تخشى أن تكون الضربة الأمريكية لإيران -شك ...
- عاصفة إبستين تصل بريطانيا وبيان من رئيس الوزراء


المزيد.....

- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عزالدين مبارك - لماذا لم يتطور المجتمع العربي الإسلامي إلى قوة حضارية مستقلة بذاتها وفاعلة ؟