أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد ساجت قاطع - مرتزقة الأحزاب... والسعار الاجتماعي في العراق














المزيد.....

مرتزقة الأحزاب... والسعار الاجتماعي في العراق


محمد ساجت قاطع
كاتب وباحث عراقي

(Mohammed Sajit Katia)


الحوار المتمدن-العدد: 8600 - 2026 / 1 / 27 - 21:51
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


منذ سنوات، تهيمن على المشهد السياسي في العراق أحزاب تقليدية تمسّكت بالسلطة لا عبر مشروع وطني جامع، ولا من خلال رؤية واضحة لإدارة الدولة، بل عبر منظومة معقّدة من الأدوات التي تضمن لها الاستمرار والتمثيل السياسي.
هذه الأحزاب، التي اعتادت إدارة النفوذ أكثر من إدارة الدولة، لم تجد في البرامج أو الإنجاز أو الكفاءة وسيلة حقيقية لإقناع الناس، فاختارت الطريق الأسهل: إدارة الوعي العام وتوجيهه. وبدل أن تتنافس على الحلول الاقتصادية والخدمية، لجأت إلى تعبئة الشارع بالعاطفة، واستثمار الانقسام الطائفي، وتوظيف الرموز الدينية والاجتماعية، مستفيدة من المال السياسي والإعلام الحزبي.
ومع اتساع تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، وجدت في الفضاء الرقمي أداة مثالية لتعويض فشلها السياسي، فظهرت فئة جديدة تُعرف باسم “المدونين”، أو ما يمكن تسميتهم بوضوح أكبر: الأبواق الحزبية. هؤلاء ليسوا صناع رأي مستقلين، بل مرتزقة خطاب، يوظَّفون لتلميع صورة الأحزاب، وتبرير إخفاقاتها، وشيطنة خصومها، مستخدمين لغة تحريضية مبسطة تصل بسرعة إلى البسطاء وعامة الناس. وهنا تبدأ أخطر فصول الأزمة، حين يتحول الخطاب السياسي من نقاش حول الدولة إلى صراع هويات، ومن منافسة برامج إلى معركة تعبئة وانقسام.
أخطر ما فعلته الأحزاب السياسية في العراق ليس الفساد وحده، بل تطبيع التحريض وتحويله إلى خطاب يومي. فالأبواق المأجورة، بعضهم يرتدي عمامة دينية، وبعضهم عباءة عشائرية، وآخرون وجوهاً عادية على المنصات الرقمية، يؤدون جميعاً الوظيفة نفسها: شحن المجتمع لا خدمته، وتأجيج المخاوف لا معالجتها.
هؤلاء المرتزقة لا يصنعون رأياً، بل يصنعون عدوى. خطابهم لا يقوم على تحليل أو حقائق، بل على إثارة الغرائز، واستدعاء المخاوف، وإعادة إنتاج الانقسام الطائفي والمناطقي بلغة بسيطة، مباشرة، وقابلة للانتشار. ومع التكرار، يتحول هذا الخطاب إلى قناعة لدى كثيرين، لا سيما من لا يمتلكون أدوات التمحيص أو الوصول إلى مصادر متعددة للمعلومة.
يتجلى لدينا ما يمكن ان نسميه بـ السعار الاجتماعي كإنعكاس طبيعي ونتيجة خطيرة لاستخدام هذا النمط من السلوك السياسي: وهو ليس غضباً واعياً ناتجاً عن موقف سياسي مدروس، بل حالة انفعال جماعي تصيب فئات واسعة من المجتمع نتيجة التعرّض المستمر لخطاب تحريضي يصوّر الآخر بوصفه عدواً، والاختلاف بوصفه تهديداً، والنقد بوصفه استهدافاً للطائفة أو الهوية.
البسطاء يتحولون في هذا السياق إلى ضحايا سهلة، يستمعون إلى رجل دين يقدّم الموقف الحزبي كأنه واجب شرعي، أو إلى مدوّن يختزل الصراع السياسي في معركة وجود، فينجرّون إلى مواقف متشددة دون إدراك أنهم يُستخدمون وقوداً في صراع لا يخدم مصالحهم.
وهكذا تنتقل المعركة من قاعات السياسة إلى الشارع، ومن خلاف بين أحزاب إلى انقسام بين الناس أنفسهم. يتخاصم الجيران، يتوتر النسيج الاجتماعي، وتتحول الاختلافات الطبيعية إلى قطيعة وعداء، فيما تقف الأحزاب بعيداً تراقب نتائج خطابها وهي تحصد الولاءات.
الأحزاب تدرك خطورة هذا الخطاب، لكنها تستخدمه عن قصد، لأنه الأرخص والأسرع في حشد الأنصار. أما الأبواق، فيعرفون أن تصعيد التحريض يرفع قيمتهم السوقية، ويضمن استمرار دورهم. وهكذا تتغذى الحلقة المغلقة: حزب يحتاج التحريض، مرتزق يقدّمه، ومجتمع يدفع الثمن.
ختاماً، يمكننا القول إن السعار الاجتماعي ليس ظاهرة عفوية ولا حالة غضب عابرة، بل يُعدّ واحدة من أخطر وأهم النتائج المباشرة لاستخدام أحزاب السلطة التقليدية هذا الأسلوب وهذه الأداة في سلوكها السياسي، حين استبدلت المشروع الوطني بخطاب التحريض، والرؤية الجامعة بالأبواق والمدونين، وإدارة الدولة بإدارة الانقسام.
فحين تُستخدم العاطفة والطائفية أدواتٍ للحصول على التمثيل السياسي، يصبح المجتمع هو الخاسر الأكبر، وتتحول السياسة من وسيلة لبناء الدولة والمجتمع إلى عامل لتفكيكهما. وما لم يُكسر هذا النمط، ويُجرَّد التحريض من شرعيته، سيبقى السعار الاجتماعي يتغذى عليه، ويدفع المجتمع ثمناً باهضاً لوحده.

» محمد ساجت السليطي (كاتب وباحث عراقي)..



#محمد_ساجت_السليطي (هاشتاغ)       Mohammed_Sajit_Katia#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين لا يكون الخطاب الوطني مُربحاً
- السياسة والوعي في العراق: مصنع خرافات يعمل بلا كهرباء
- قابل إنته تفتهم أكثر من القاضي..!!؟
- العراق بين أزمة الوعي وفساد السلطة
- من تشرين العظيمة إلى نيبال
- العراق والتفكير الأحادي في فهم الظاهرة السياسية
- بين سلطة الله وسلطة الحاكم
- لماذا نحتاج إلى نقد الدين السياسي؟
- بين لاهوت التحرير ولاهوت الطاعة
- الدين السياسي عدو الإصلاح
- الدين حين يتحول إلى أيديولوجيا قمع
- كيف تُنتج الدولة رجال دينها؟
- من الدين لله إلى الدين للسلطة
- الدين بين الرسالة والأداة
- بين التحالف والخيانة... فرقٌ كبير
- آثار ظاهرة وعّاظ السلاطين على الدين والمجتمع
- الوجه النفسي لظاهرة وعّاظ السلاطين: الحاجة إلى الحماية بدل ا ...
- مثقفو التبرير: حين يتحول الفكر إلى أداة بيد السلطة
- تأثير الغباء الاجتماعي على الشعوب: قراءة في نظرية ديتريش بون ...
- فقه الطاعة وفقه الاستبداد: التحليل الفقهي والسياسي لشرعية ال ...


المزيد.....




- مع اقتراب عيد ميلاده الـ21.. الملكة رانيا في صورة مع ابنها ا ...
- مشهد مرعب.. انهيار أرضي يترك بلدة إيطالية على حافة جرف ويهدد ...
- -كنا نعلم بالأعطال-.. وثيقة مزعومة تفجّر اتهاماً خطيراً بشأن ...
- العاصفة -تشاندرا- تتسبّب بفيضانات وانقطاع للتيار الكهربائي ف ...
- بعد وجود دام سنوات.. -آخر طائرة روسية- تغادر مطار القامشلي ف ...
- من وعود العمل إلى الخنادق بلا تدريب: كيف جُنِّد أفارقة للقتا ...
- ضربة تلوح في الأفق واتصال رفيع المستوى: ماذا دار بين الرياض ...
- بعد 140 عاماً .. هل تحتاج صناعة السيارات الألمانية لكارل بنز ...
- -تم تجريدنا من إنسانيتنا-.. شهادة أحد الناجيين من المحرقة
- ريبورتاج - جدل سياسي في العراق بشأن قبول الحكومة تسلم عناصر ...


المزيد.....

- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد ساجت قاطع - مرتزقة الأحزاب... والسعار الاجتماعي في العراق