أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد ساجت قاطع - الدين بين الرسالة والأداة














المزيد.....

الدين بين الرسالة والأداة


محمد ساجت قاطع
كاتب وباحث عراقي

(Mohammed Sajit Katia)


الحوار المتمدن-العدد: 8450 - 2025 / 8 / 30 - 11:16
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


ليس من وظيفة الدين أن يؤسس سلطة، ولا من مهمته أن يُسيّر شؤون الدولة. الدين في جوهره دعوة للسمو الروحي، وتحفيز للأخلاق، وإطار للتأمل في الغاية والمعنى. لكن حين يُختطف الدين ويُحشر في أروقة الحكم، يتحوّل من رسالة إلى أداة، ومن دعوة إلى سلطة، ومن نور إلى عصا بيد الحاكم. في هذا السياق يصبح نقد "الدين السياسي" ليس خيارًا فكريًا، بل واجبًا أخلاقيًا وفكريًا، من أجل حماية الدين من التشويه، والناس من الاستغلال.

لم يكن اقتران الدين بالسياسة يومًا مجرد صدفة عابرة، بل ظاهرة متكررة في التجارب البشرية. فمنذ العصور القديمة كانت السلطة السياسية تبحث دائمًا عن شرعية عليا تُحصّن وجودها من النقد والمساءلة. في أوروبا العصور الوسطى مثلًا، تحوّل الدين الكنسي إلى غطاء للاستبداد السياسي، فخضع الناس لسلطة مزدوجة: سلطة الملك وسلطة الكنيسة، حتى جاءت حركة الإصلاح الديني والثورة الفكرية التي فصلت بين المجالين.

وفي التجربة الإسلامية، ورغم أن الإسلام في بدايته لم يقدَّم كدولة مؤسساتية، بل كرسالة دينية وروحية، إلا أن تطور الدولة الأموية والعباسية وما تلاهما جعل الدين جزءًا من شرعنة الحكم. فالمؤسسة الفقهية في كثير من المراحل التاريخية لم تكن مستقلة تمامًا، بل خاضعة أو متداخلة مع مشروع السلطة، تمنحه الغطاء، وتُعيد إنتاج خطاب "طاعة ولي الأمر" باعتباره واجبًا دينيًا.

حين نتحدث عن "الدين السياسي"، فإننا لا نقصد الدين في ذاته، ولا الممارسات الروحية أو الشعائر التي يقوم بها الأفراد والجماعات. بل نعني تحديدًا تحويل الدين إلى أداة سياسية عبر:
 تديين الدولة: حين تُصبح القوانين والسياسات العامة مُعرّفة حصريًا بمنظور ديني تفرضه السلطة.
 أسلمة السياسة: حين تستخدم الأحزاب والحركات السياسية الدين كأيديولوجيا للتعبئة وكسب الشرعية.
 احتكار الحقيقة: حين تحتكر فئة معينة – سواء دولة أو مؤسسة دينية رسمية – تفسير النصوص ومن ثم تُسكت الأصوات الأخرى.
الدين السياسي بهذا المعنى ليس إيمانًا ولا تجربة روحية، بل أيديولوجيا تُستعمل لإدارة الصراع السياسي، ولإضفاء القداسة على قرارات دنيوية.

تكمن خطورة تسييس الدين في أنه يُنتج نوعًا من "الاستبداد المقدس". فالسلطة حين تفرض قراراتها باسم الله، تُصبح عصيّة على النقد، وتحوّل أي معارضة سياسية إلى "كفر" أو "خيانة". هكذا يتضاعف القمع: فبدل أن يكون سياسيًا فقط، يغدو قمعًا روحيًا وأخلاقيًا يطال الضمائر والنيات.

إضافة إلى ذلك، فإن هذا التداخل يضر بالدين ذاته: إذ يفقد مصداقيته لدى الأجيال الجديدة حين يرونه أداة بيد الساسة، ويغدو عرضة للتآكل الأخلاقي لأنه يُستعمل لتبرير الظلم والفساد. وكثير من مظاهر العلمنة التي شهدها التاريخ الحديث لم تكن نتيجة عداء جوهري للدين، بل كرد فعل على استغلاله السياسي المتكرر.

في واقعنا العربي والإسلامي المعاصر، تتجلى مظاهر "الدين السياسي" بأشكال متعددة:
 دول تُشرعن حكمها عبر مؤسسات دينية رسمية.
 أحزاب ترفع شعارات دينية لتبرير هيمنتها.
 جماعات مسلحة تحتكر "الشرعية الإلهية" وتُقصي الآخرين.
وفي كل هذه الصور، نجد أن الضحية الكبرى هي: حرية الإنسان، واستقلالية الدين، ومصداقية الخطاب الأخلاقي.

إن نقد الدين السياسي اليوم ضرورة ملحة، ليس لأنه يُعطل مسار السياسة فقط، بل لأنه يُعطّل إمكان تجديد الدين نفسه. ما دام الدين أداة للسلطة، سيظل أي إصلاح ديني مشبوهًا أو متهمًا، وسيظل العقل مُحاصرًا. وحده النقد الصريح والشجاع يمكن أن يفتح الباب أمام عودة الدين إلى جوهره: دعوة للسمو، لا وسيلة للاستغلال.

***
» محمد ساجت السليطي (كاتب وباحث عراقي )



#محمد_ساجت_السليطي (هاشتاغ)       Mohammed_Sajit_Katia#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين التحالف والخيانة... فرقٌ كبير
- آثار ظاهرة وعّاظ السلاطين على الدين والمجتمع
- الوجه النفسي لظاهرة وعّاظ السلاطين: الحاجة إلى الحماية بدل ا ...
- مثقفو التبرير: حين يتحول الفكر إلى أداة بيد السلطة
- تأثير الغباء الاجتماعي على الشعوب: قراءة في نظرية ديتريش بون ...
- فقه الطاعة وفقه الاستبداد: التحليل الفقهي والسياسي لشرعية ال ...
- الجذور التاريخية لظاهرة وعّاظ السلاطين
- كيف يُهزم الجهل؟
- ليس الجهل وحدهُ الخطر...
- نظرية المشاركة: محاولة حسن العلوي للتصالح مع التاريخ
- الإصلاح الديني... لماذا يفشل دائما ؟ (1)
- الإصلاح الديني... لماذا يفشل دائما ؟ (2)
- أسطورة المنقذ: بين الحاجة للعدل واستغلال الوهم
- حين ينتصر الجهل
- فاجعة الكوت... حين يُستغل الألم لتصفية الحسابات
- من يصنع الجهل؟
- ماذا يشعر الجاهل؟
- التطبير... بین شجاعة الفتوى ومراعاة الجماهير
- متى يُصبح الجهل مقدسًا؟
- الجهل ... موت بطيء في هيئة حياة


المزيد.....




- محافظة القدس: إسرائيل تدمر آثارا إسلامية أسفل المسجد الأقصى ...
- محافظة القدس: إسرائيل تدمر آثارا إسلامية أسفل المسجد الأقصى ...
- فرنسا: نصب تذكاري للمحرقة اليهودية يتعرض للتشويه بعبارة -الح ...
- محافظة القدس: الاحتلال يدمّر آثارا إسلامية أموية أسفل المسجد ...
- حرس الثورة الاسلامية: اليمن سيوجّه ردّا قاسيا للصهاينة
- “نحن أبناء الأرض”.. مسيحيو غزة يرفضون التهجير
- مسيحيو غزة: باقون في الأرض رغم القصف والتهجير
- رئيس الوكالة اليهودية يلغي زيارته لجنوب إفريقيا خشية اعتقاله ...
- إسرائيل تمنح وسام الرئاسة لزعيم الطائفة الدرزية
- خطط اسرائيلية غيرمعلنة حول مستقبل المسجد الاقصي


المزيد.....

- القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق ... / مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
- علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب / حسين العراقي
- المثقف العربي بين النظام و بنية النظام / أحمد التاوتي
- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى
- نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية / د. لبيب سلطان
- شهداء الحرف والكلمة في الإسلام / المستنير الحازمي
- مأساة العرب: من حزب البعث العربي إلى حزب الله الإسلامي / حميد زناز
- العنف والحرية في الإسلام / محمد الهلالي وحنان قصبي
- هذه حياة لا تليق بالبشر .. تحرروا / محمد حسين يونس
- المرحومة نهى محمود سالم: لماذا خلعت الحجاب؟ لأنه لا يوجد جبر ... / سامي الذيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد ساجت قاطع - الدين بين الرسالة والأداة