أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - محمد ساجت قاطع - السياسة والوعي في العراق: مصنع خرافات يعمل بلا كهرباء














المزيد.....

السياسة والوعي في العراق: مصنع خرافات يعمل بلا كهرباء


محمد ساجت قاطع
كاتب وباحث عراقي

(Mohammed Sajit Katia)


الحوار المتمدن-العدد: 8582 - 2026 / 1 / 9 - 08:26
المحور: كتابات ساخرة
    


رحلة المواطن بين أكاذيب الصباح وتبريرات المساء في دولة تحترف إنتاج الوعي المشوّه

في العراق، لا تحتاج السلطة إلى جهد كبير لصناعة الوعي الشعبي؛ فكل ما عليها فعله هو إطلاق رواية في الصباح، وبحلول المساء يصبح نصف الشعب مؤمناً بها وكأنها اكتشاف علمي، بينما ينقسم النصف الآخر بين من يخاف من تكذيبها، ومن يعتبر أن التكذيب «عمل غير وطني» قد يُسجّل في دفاتر «الخيانة».

الطبقة السياسية ليست مجرد صانعة للوعي، بل مصنع كامل للوعي المشوّه. خطوط إنتاجها تبدأ من الاستوديوهات التلفزيونية وتنتهي بصاحب المولدة، الذي صار ناطقاً غير رسمي باسم الدولة، ويقدّم تحليلات يومية عن “الحصار الخارجي” الذي يمنع وصول الكهرباء إلى بيته.

السياسي العراقي لا يقول: «نريد أن نسيطر على الوعي الشعبي». لا، أبداً. هو يقول: «نريد توجيه المواطن لما فيه مصلحة الوطن»… والترجمة الحقيقية لجملة «مصلحة الوطن» هي: مصلحة الحزب، مصلحة الزعيم، ومصلحة المصالح التي لا تُعلن.

منذ 2003، اُستخدمت السياسة في العراق كما يستخدم الساحر قبعته: يخرج منها أرنباً حين يشاء، وعند اختفاء الكهرباء يخرج «مؤامرة خارجية»، وإذا اختفت مليارات الدولارات يظهر «خطأ إداري»، وإذا سقط جسر يظهر «سمك الكارب الذي تضخم فجأة»، وإذا حدثت كارثة جديدة يظهر «طرف ثالث» لا يُرى إلا في الأخبار الرسمية.

الإعلام لم يسلم من العبث، فصار يشبه محل “بقالة” سياسي: قناة تبيع لك الأمل، قناة تبيع لك الخوف، قناة تبيع لك الطائفية، قناة تبيع لك اليأس بالجملة. والنتيجة واحدة: المواطن مشغول بالقشور، غارق في التفاصيل الثانوية، ويعتقد أن مهمته الوطنية الكبرى هي متابعة «من فاز بمنصب مدير عام»، كأننا في دوري كرة قدم لا في دولة تبحث عن نفسها.

التعليم أيضاً لم يسلم. المطلوب ليس تعليم الطلاب معنى المواطنة أو التفكير النقدي، بل التأكد من أنهم يغادرون المدرسة مقتنعين أن الوطن بخير، وأن كل مشكلاتنا بسبب «الطابور الخامس» الخفي، الذي لا نراه لكنه حاضر في كل شبر من الأخبار الرسمية.

الاقتصاد صار سلاحاً أكثر فتكاً في تشكيل الوعي. المواطن الذي ينتظر تعييناً حكومياً يطوّر حساسية فطرية تجاه أي حديث عن الإصلاح. تمرّر أمامه عبارة «إلغاء المحاصصة» فيتخيل أن راتبه سيُلغى هو الآخر. هكذا نجحت الطبقة السياسية في تحويل الفساد إلى جزء من النظام البيئي، مثل الغبار الذي نستنشق يومياً: موجود، مقبول، ولا يمكن العيش بدونه.

ورغم هذا العبث، جاءت تظاهرات تشرين 2019 لتقول للطبقة السياسية: «شكراً، وعيكم لم يعد يمر علينا». كانت تلك أول مرة يكسر فيها العراقيون دائرة الخوف والسرديات الجاهزة، ويستعيدون من السياسة ما فقدوه: صوتهم.

لكن السلطة لم تعجبها النتيجة، فقررت إعادة الوعي الشعبي إلى «المسار الصحيح»… مسار الصمت. عاد الإعلام يتحدث عن “المندسّين”، وعادت الوجوه نفسها التي أرهقت المجتمع لسنوات تُنظّر حول «المصلحة الوطنية»، كأن شيئاً لم يحدث.

في النهاية، يبدو أن السؤال لم يعد: كيف تتدخل السياسة في تشكيل الوعي؟ بل أصبح: كم بقي من الوعي أصلاً كي نتحدث عن تشكيله؟ ومع ذلك، يبقى الأمل قائماً.

الشعب الذي استطاع أن يسخر من السياسي، ويحوّل كل خطأ حكومي إلى نكتة تنتشر أسرع من الكهرباء، قادر على قلب قواعد اللعبة يوماً ما. فالضحك—في بلد مثل العراق—ليس ترفاً، بل أول خطوة لاستعادة الوعي.

» محمد ساجت السليطي ( كاتب وباحث عراقي )



#محمد_ساجت_السليطي (هاشتاغ)       Mohammed_Sajit_Katia#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قابل إنته تفتهم أكثر من القاضي..!!؟
- العراق بين أزمة الوعي وفساد السلطة
- من تشرين العظيمة إلى نيبال
- العراق والتفكير الأحادي في فهم الظاهرة السياسية
- بين سلطة الله وسلطة الحاكم
- لماذا نحتاج إلى نقد الدين السياسي؟
- بين لاهوت التحرير ولاهوت الطاعة
- الدين السياسي عدو الإصلاح
- الدين حين يتحول إلى أيديولوجيا قمع
- كيف تُنتج الدولة رجال دينها؟
- من الدين لله إلى الدين للسلطة
- الدين بين الرسالة والأداة
- بين التحالف والخيانة... فرقٌ كبير
- آثار ظاهرة وعّاظ السلاطين على الدين والمجتمع
- الوجه النفسي لظاهرة وعّاظ السلاطين: الحاجة إلى الحماية بدل ا ...
- مثقفو التبرير: حين يتحول الفكر إلى أداة بيد السلطة
- تأثير الغباء الاجتماعي على الشعوب: قراءة في نظرية ديتريش بون ...
- فقه الطاعة وفقه الاستبداد: التحليل الفقهي والسياسي لشرعية ال ...
- الجذور التاريخية لظاهرة وعّاظ السلاطين
- كيف يُهزم الجهل؟


المزيد.....




- الفيلم السعودي -رهين-.. فوضى سينمائية تقع في فخ الكوميديا ال ...
- وداعاً -ابن رشد العصر-.. جدل مراد وهبة لن يموت أبداً!
- عالم ما بعد هوليود: كيف تعيد صناعة السينما رسم خريطة التأثير ...
- مارلين بوث تحصد جائزة سيف غباش بانيبال للترجمة الأدبية 2025 ...
- “فيلة وسناجب”: فيلم يكشف صعوبة استرداد الكنوز الأثرية المنهو ...
- غوينيث بالترو تكشف عن فقدانها لدور سينمائي بعد إعلان انفصاله ...
- تطورات الحالة الصحية للفنان المغربي عبد الهادي بلخياط
- وزير الإعلام اللبنانى ينعى نجل الفنانة فيروز
- الممثلة المصرية لقاء سويدان تكشف إصابتها بالعصب السابع على ا ...
- -Paname-.. معرض الفنان التشكيلي الجزائري بلال حمداد يدخل با ...


المزيد.....

- الضحك من لحى الزمان / د. خالد زغريت
- لو كانت الكرافات حمراء / د. خالد زغريت
- سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته / د. خالد زغريت
- رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج / د. خالد زغريت
- صديقي الذي صار عنزة / د. خالد زغريت
- حرف العين الذي فقأ عيني / د. خالد زغريت
- فوقوا بقى .. الخرافات بالهبل والعبيط / سامى لبيب
- وَيُسَمُّوْنَهَا «كورُونا»، وَيُسَمُّوْنَهُ «كورُونا» (3-4) ... / غياث المرزوق
- التقنية والحداثة من منظور مدرسة فرانكفو رت / محمد فشفاشي
- سَلَامُ ليَـــــالِيك / مزوار محمد سعيد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - محمد ساجت قاطع - السياسة والوعي في العراق: مصنع خرافات يعمل بلا كهرباء