أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد ساجت قاطع - العراق والتفكير الأحادي في فهم الظاهرة السياسية














المزيد.....

العراق والتفكير الأحادي في فهم الظاهرة السياسية


محمد ساجت قاطع
كاتب وباحث عراقي

(Mohammed Sajit Katia)


الحوار المتمدن-العدد: 8460 - 2025 / 9 / 9 - 13:07
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يمثل التفكير الأحادي أحد أبرز التحديات الفكرية التي تواجه الأفراد والمجتمعات في قراءة الواقع السياسي. هذا النمط من التفكير يختزل الأحداث في ثنائيات صارمة: مع أو ضد، صحيح أو خاطئ، ثورة أو فوضى، داخلي أو خارجي، ويمنع العقل من استيعاب التعقيد والتعددية التي تفرضها الحياة السياسية.

في العراق، كما في العديد من المجتمعات التي تعيش تحولات سياسية واجتماعية معقدة، يبرز التفكير الأحادي كأحد أبرز المعوقات أمام فهم الظواهر السياسية والتفاعل الواعي معها. هذا النوع من التفكير يميل إلى اختزال الأحداث والقرارات في إطار ثنائي صارم إما صواب مطلق أو خطأ مطلق، إما مع أو ضد، دون إدراك التعقيد ولا وجود مساحة للمناطق الرمادية.

التفكير الأحادي يجعل جزءا من المجتمع يلتقط الحدث السياسي بسطحية، ويسقط عليه أحكاما مسبقة، بينما تغيب قراءة الأسباب والعوامل المتعددة على سبيل المثال، ينقسم الرأي العام غالبا بين من يعتبر السياسي “مصلحا كاملاً” ومن يعتبره “فاسدا مطلقا“ ، دون الإحاطة بالضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تحكم الأداء. وفي الاحتجاجات الشعبية، تصنّف الأحداث إما “ثورة مشروعة” أو “فوضى ضارة”، دون إدراك أن الظاهرة تحمل عناصر الحق والخلل معا.في العلاقة مع الخارج الخطاب الشعبي غالبا ما يتأرجح بين اعتبار التدخلات الدولية “إنقاذا” أو “احتلالا”، دون تحليل موضوعي لمصالح القوى الدولية وتقاطعاتها مع المصلحة الوطنية.

تتمثل انعكاسات التفكير الأحادي على المجتمع العراقي كبيرة، حيث يساهم في تغذية الانقسامات الاجتماعية والسياسية: إذ يؤدي الاختزال الثنائي للأحداث إلى تأجيج الصراعات بين المكونات والطوائف. وضعف الحوار والتفاعل البناء: يفضي إلى ثقافة الاتهام والشعارات الجاهزة بدلا من مناقشة الأسبابوالحلول الواقعية. وسهولة التلاعب الإعلامي والسياسي: إذ يصبح الرأي العام أكثر هشاشة أمام شعارات متطرفة أو حملات تضليلية. ويعزز مناخ عدم الثقة. كل ذلك يحد من قدرة الشعب على ممارسة ضغط واع لإصلاح النظام السياسي.

هنا تتجلى أهمية قاعدة “لا إفراط ولا تفريط”، التي تفرض على الفرد والمجتمع تجنب الانزلاق إلى التقييم المفرط أو التقليل من قيمة أي حدث أو موقف. هذه القاعدة، الموروثة من الفكر التربوي والديني، تدعو إلى التوازن في الحكم والتعامل مع الظواهر السياسية بموضوعية ووعي. فالسياسة ليست مسرحًا للقطاعات المطلقة، بل منظومة معقدة من المصالح والمواقف التي تتقاطع مع البنية الاجتماعية والاقتصادية والتاريخية.

إن استمرار الذهنية الأحادية في فهم السياسة العراقية يطيل من عمر الأزمات ويجعلها أكثر تعقيدا. أما الانتقال إلى تفكير مركب، فهو ليس ترفا فكريا، بل شرط أساسي البناء وعي مجتمعي قادر على إنتاج حلول واقعية والخروج من دائرة الصراع والانقسام، فالمستقبل لن يبنى بعقلية الأبيض والأسود، بل بعقلية ترى جميع الألوان الممكنة.

يتيح التفكير المركب، المستند إلى قاعدة “لا إفراط ولا تفريط”، قراءة الأحداث من عدة زوايا، وفهم تداخل المصالح، وتقدير الإيجابيات والسلبيات في آن واحد. هذا التفكير يعزز من وعي المجتمع السياسي، ويتيح له ممارسة النقد البناء، والمطالبة بالإصلاحات بطريقة أكثر فعالية.

في النهاية، سيظل مستقبل العراق مرتبطًا بقدرة شعبه على تجاوز الثنائية المطلقة، والانتقال من عقلية الأبيض والأسود إلى عقلية ترى جميع الألوان الممكنة، وتوازن بين الحقائق والاختلالات، وفق قاعدة توازن أساسية: لا إفراط ولا تفريط.

***
» محمد ساجت السليطي (كاتب وباحث عراقي )



#محمد_ساجت_السليطي (هاشتاغ)       Mohammed_Sajit_Katia#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين سلطة الله وسلطة الحاكم
- لماذا نحتاج إلى نقد الدين السياسي؟
- بين لاهوت التحرير ولاهوت الطاعة
- الدين السياسي عدو الإصلاح
- الدين حين يتحول إلى أيديولوجيا قمع
- كيف تُنتج الدولة رجال دينها؟
- من الدين لله إلى الدين للسلطة
- الدين بين الرسالة والأداة
- بين التحالف والخيانة... فرقٌ كبير
- آثار ظاهرة وعّاظ السلاطين على الدين والمجتمع
- الوجه النفسي لظاهرة وعّاظ السلاطين: الحاجة إلى الحماية بدل ا ...
- مثقفو التبرير: حين يتحول الفكر إلى أداة بيد السلطة
- تأثير الغباء الاجتماعي على الشعوب: قراءة في نظرية ديتريش بون ...
- فقه الطاعة وفقه الاستبداد: التحليل الفقهي والسياسي لشرعية ال ...
- الجذور التاريخية لظاهرة وعّاظ السلاطين
- كيف يُهزم الجهل؟
- ليس الجهل وحدهُ الخطر...
- نظرية المشاركة: محاولة حسن العلوي للتصالح مع التاريخ
- الإصلاح الديني... لماذا يفشل دائما ؟ (1)
- الإصلاح الديني... لماذا يفشل دائما ؟ (2)


المزيد.....




- -لا يعرف ما يجب فعله-.. مسؤولة سابقة في الناتو تعلق على أحدث ...
- رغد صدام حسين توضح حقيقة وجود -ابنة سرية- لوالدها في اليمن
- سلام يهنئ الشعبين اللبناني والسوري باتفاق تشكيل لجنة لبنانية ...
- أوكرانية -تتنكر كرجل- وتتحول إلى أخطر هاربة في أوروبا بعد تف ...
- رويترز: طمعا في -رضا- ترامب.. روته بات مكلفا بأمور -الأسرة و ...
- مفاجأة سياسية في إسرائيل: نتنياهو يتفوق على حزبه في استطلاع ...
- بي بي سي ترصد سفناً محتجزة وصيادي أسماك قرش في مضيق هرمز مع ...
- ترامب يؤكد استمرار المفاوضات مع إيران.. والجيش الإسرائيلي يع ...
- رجال الإطفاء يواجهون حريق غابات ضخما في جنوب فرنسا
- استراتيجية جديدة في الجولان السوري: كيف يوظف الجيش الإسرائيل ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد ساجت قاطع - العراق والتفكير الأحادي في فهم الظاهرة السياسية