أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد ساجت قاطع - حين لا يكون الخطاب الوطني مُربحاً














المزيد.....

حين لا يكون الخطاب الوطني مُربحاً


محمد ساجت قاطع
كاتب وباحث عراقي

(Mohammed Sajit Katia)


الحوار المتمدن-العدد: 8590 - 2026 / 1 / 17 - 03:14
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


إياد جمال الدين نموذجاً لتحوّل المثقف في سوق الطائفية

لم يكن إياد جمال الدين شخصية عابرة في المشهد العراقي بعد 2003. بل مثّل، لسنوات، حالة نادرة لرجل دين شيعي يتكلم بلغة الدولة لا الطائفة، وينتقد المليشيات، ويرفض ربط التشيّع بالمحاور الإقليمية، ويؤكد أن قوة الشيعة – كما قوة أي مكوّن – لا تتحقق إلا في ظل دولة قوية عادلة تحتكر السلاح وتفرض القانون.

غير أن هذا الخطاب، رغم ما منحه لصاحبه من احترام فكري وإعلامي، كان ثمنه الإقصاء السياسي. فالحديث عن الدولة في بيئة تُدار بمنطق الجماعة، وعن المواطنة في نظام قائم على المحاصصة، لم يؤدِّ إلى تعزيز موقع إياد جمال الدين، بل أخرجه تدريجياً من العمل السياسي، ثم دفعه – بشكل غير مباشر – إلى الخروج من العراق نفسه.

وهنا تتجلى حقيقة قاسية في التجربة العراقية: الخطاب الوطني لا يُكافَأ بالتمكين، بل يُعاقَب بالنفي والتكميم. في المقابل، الخطاب الطائفي، مهما كان ضيقاً وخطيراً، يملك ما لا يملكه الخطاب الوطني: جمهوراً جاهزاً، لغة خوف مشتركة، وأدوات قوة تحمي من يتبناه. هو خطاب لا يعد بدولة، لكنه يعد بالحماية، ولا يتحدث عن القانون، بل عن البقاء في مواجهة تهديد دائم أو مُتخيَّل.

إياد جمال الدين، كغيره من الأصوات التي راهنت على الدولة، اصطدم بهذه المعادلة. فبعد أن جرّب خطاباً وطنياً كلّفه خروجه من البرلمان ومن الداخل العراقي، بدا أن الرسالة السياسية التي تلقّاها كانت واضحة: هذا الخطاب لا مكان له في سوق السياسة القائم. من هنا، يبدو أن الرجل توصّل – صراحة أو ضمناً – إلى قناعة مفادها أن التأثير والحضور لا يأتي من الصواب الأخلاقي، بل من مخاطبة الجماعة بلغتها ومخاوفها. فانتقل من خطاب يخاطب “العراقي” إلى خطاب يخاطب “الشيعي”، ومن نقد السلاح إلى تبرير وجوده، ومن استقلال القرار الوطني إلى ربط المصير بمحاور إقليمية.

المشكلة هنا ليست في تغيّر الرأي بحد ذاته، فمراجعة المواقف حق مشروع، بل في تغيّر المعايير التي بُنيت عليها المكانة الفكرية للرجل. إذ ما الذي يميّز إياد جمال الدين عن غيره، إذا كان سيستخدم المنطق نفسه الذي أمضى سنوات في نقده؟

قد يُقال إن الظروف تغيّرت، وإن الخطر الوجودي يفرض خطاباً دفاعياً، لكن هذا التبرير ذاته هو جوهر الخطاب الطائفي الذي قاد العراق إلى ما هو عليه. فالدولة لا تُبنى بمنطق الاستثناء، ولا تُستعاد بشرعنة ما قوّضها أصلاً.

إن حالة إياد جمال الدين ليست مسألة شخصية، بل مثال كاشف لمأزق أوسع في العراق: من يتكلم عن الدولة يُقصى، ومن يرفض السلاح يُهمَّش، ومن يخاطب الطائفة يُحتوى، ومن يبرّر القوة خارج القانون يُعاد إدخاله إلى المشهد. إن حالة إياد جمال الدين دليل على مأزق أوسع: مأزق المثقف أو رجل الدين الذي يكتشف أن الخطاب الوطني غير مطلوب شعبياً في زمن الخوف، وأن الطائفية، رغم كل مساوئها، هي الطريق الأسرع إلى الجمهور. لكن التاريخ لا يحاسب على عدد المتابعين، بل على الاتساق. والتأثير الذي يُبنى على الطائفية قد ينجح لحظة، لكنه يترك بلداً ممزقاً.أما الخطاب الوطني، فحتى حين يُهزم سياسياً، يبقى وحده القادر على أن يكون أساس دولة حين تهدأ العواصف.

صحيح أن الجماهير في زمن الخوف لا تبحث عن مشروع دولة، بل عن ملاذ، لكن دور المثقف – أو رجل الدين المتنوّر – لم يكن يوماً مجاراة الغرائز الجمعية، بل تفكيكها وكشف مخاطرها. وإلا، فما الفرق بينه وبين أي خطيب تعبوي آخر؟

قد يكون الخطاب الوطني غير مربح اليوم، وقد لا يملك جمهوراً واسعاً، لكنه وحده الذي لا ينهار مع الزمن. أما الخطاب الطائفي، فحتى حين ينجح، فإنه ينجح على حساب الدولة، وعلى حساب المستقبل.

في النهاية، التأثير الذي يُبنى على الطائفية تأثير مؤقت، لكنه يخلّف أثراً دائماً من الانقسام والخراب. أما الخطاب الوطني، فقد يخسر المعركة الآن، لكنه وحده القادر – حين تتغير الظروف – أن يكون أساساً لدولة لا تقوم على الخوف، بل على المواطنة.

» محمد ساجت السليطي ( كاتب وباحث عراقي)



#محمد_ساجت_السليطي (هاشتاغ)       Mohammed_Sajit_Katia#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- السياسة والوعي في العراق: مصنع خرافات يعمل بلا كهرباء
- قابل إنته تفتهم أكثر من القاضي..!!؟
- العراق بين أزمة الوعي وفساد السلطة
- من تشرين العظيمة إلى نيبال
- العراق والتفكير الأحادي في فهم الظاهرة السياسية
- بين سلطة الله وسلطة الحاكم
- لماذا نحتاج إلى نقد الدين السياسي؟
- بين لاهوت التحرير ولاهوت الطاعة
- الدين السياسي عدو الإصلاح
- الدين حين يتحول إلى أيديولوجيا قمع
- كيف تُنتج الدولة رجال دينها؟
- من الدين لله إلى الدين للسلطة
- الدين بين الرسالة والأداة
- بين التحالف والخيانة... فرقٌ كبير
- آثار ظاهرة وعّاظ السلاطين على الدين والمجتمع
- الوجه النفسي لظاهرة وعّاظ السلاطين: الحاجة إلى الحماية بدل ا ...
- مثقفو التبرير: حين يتحول الفكر إلى أداة بيد السلطة
- تأثير الغباء الاجتماعي على الشعوب: قراءة في نظرية ديتريش بون ...
- فقه الطاعة وفقه الاستبداد: التحليل الفقهي والسياسي لشرعية ال ...
- الجذور التاريخية لظاهرة وعّاظ السلاطين


المزيد.....




- بين الهوية والفن.. لاس فيغاس تستضيف معرضًا أقرب لكبسولة زمني ...
- فيديو درامي يوثق لحظة هروب زعيمة المعارضة في فنزويلا ماريا ك ...
- -لن نقبل أي حلول مفروضة علينا- .. أول تعليق لعيدروس الزبيدي ...
- تقارير عن طلب إسرائيلي لوقف أي ضربة لإيران.. ومذيع CNN يقدّم ...
- -تقوم بعمل قذر وهي لا تمثّلنا-.. ماتشادو تهاجم رئيسة فنزويلا ...
- احتجاجات إيران تصل لندن.. الشرطة البريطانية تعتقل متظاهرًا أ ...
- -يوتيوب- يحدد زمن مشاهدة مقاطع -شورتس- للمراهقين
- كيف تتصرف روسيا إذا شنّت الولايات المتحدة حربا على إيران؟
- ميرتس: واشنطن تدير ظهرها للنظام القائم على القوانين
- تشاد تحذّر بعد مقتل 7 من جنودها بهجوم لقوات الدعم السريع


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد ساجت قاطع - حين لا يكون الخطاب الوطني مُربحاً