أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مصطفى المنوزي - الاحتجاج المهني كفعل سيادي أو حين تدافع المحاماة عن الدولة من داخلها














المزيد.....

الاحتجاج المهني كفعل سيادي أو حين تدافع المحاماة عن الدولة من داخلها


مصطفى المنوزي

الحوار المتمدن-العدد: 8599 - 2026 / 1 / 26 - 22:17
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليس من قبيل الصدفة أن يتحول الاحتجاج المهني للمحامين إلى موضوع جدل عمومي وسياسي وقيمي، فالأمر يتجاوز في عمقه منطق المطالب الفئوية أو الاعتراض الظرفي، ليطرح سؤالًا بنيويًا حول طبيعة العلاقة بين الدولة ومكوناتها الحقوقية، وحول معنى السيادة القانونية في زمن تتنازع فيه السلطة الرمزية بين منطق الضبط الإداري ومنطق الحماية الحقوقية. في هذا السياق، يغدو الاحتجاج ليس خللًا في النظام، بل لحظة اختبار لمرونته، وقدرته على الإصلاح الذاتي، واستعداده للاعتراف بشرعية النقد من داخله. إن جلّ المغاربة ينحدرون من سلالات المقاومة وجيش التحرير على امتداد الوطن، والأغلبية الساحقة من النقباء والمحامين هم أبناء مدارس النضال والدفاع عن الحقوق الإنسانية والحريات العامة؛ رجالًا ونساءً، أدّوا ضريبة الكفاح، وتحمّلوا كلفة التضحية، وصنعوا بالوعي والصبر مسار التحرّر والكرامة. ولهذا لم يكن السلف، وتبعه الخلف، ليكترثوا للقوانين القمعية من قبيل ظهير “كل ما من شأنه الإخلال بالنظام العام”، ولا لعقوبات الإعدام والسجن المؤبد التي سنّها الاستعمار، ثم ورثها العقل الأمني خلال سنوات الرصاص. ولقد تصالح الجميع مع ماضيه ، وناهضوا ثقافة الضحية ، لكن بعض العقل الأمني لم يقطع مع تمثلات الماضي فتعذر الإنتقال في العقيدة ، غير أن الصمود الذاتي والموضوعي كصمام أمان ، جعل ثقافة المقاومة المدنية والاحتجاج السلمي دائمًا راسخة كرواسب إيجابية وأقوى من منطق القمع والتخويف. واليوم، في العهد الجديد، يظلّ الاحتجاج مشروعًا ما دام سلميًا، ومنعه داخل فضاء المحاكم لا يختلف في جوهره عن التحريض على التظاهر في الشارع دون تقدير عواقب الاحتكاك بالعموم، بما قد يفضي إلى العنف والتطرّف. فلا تُسقِطوا غصن الزيتون من أيدي العقلاء، ولا تُطفئوا جذوة الحكمة في لحظة تحتاج إلى أعلى درجات التبصّر، لأن التضييق على التعبير السلمي لا يصنع استقرارًا، بل يؤجّل الانفجار، ولا يحمي هيبة العدالة، بل يربك صورتها الرمزية والأخلاقية ؛ لأن اختزال احتجاج المحامين في كونه فعل تعطيل أو خروج عن النظام، لا يعكس فقط سوء تقدير سياسي، بل يكشف عن أزمة أعمق في تمثل دور المهن القانونية داخل البناء الدستوري. فالمحاماة ليست جهازًا تقنيًا ملحقًا بمرفق العدالة، ولا مجرد وسيط إجرائي بين المتقاضين والمحاكم، بل هي مكون أصيل في منظومة دولة الحق والقانون، تؤدي وظيفة مزدوجة: حماية الحقوق الفردية من جهة، والمساهمة في صيانة الشرعية الدستورية من جهة ثانية. ومن ثم، فإن الدفاع عن استقلالها وحقها في الاحتجاج هو في جوهره دفاع عن توازن النظام الدستوري ذاته.
إن الحق في الاحتجاج المهني لا يستمد مشروعيته من أعراف نقابية أو تقاليد مطلبية فحسب، بل يتأسس دستوريًا على حرية التعبير والتنظيم، وعلى مبدأ المشاركة في تدبير الشأن العام، وعلى كون دولة القانون لا تُختزل في احتكار السلطة، بل تقوم على توزيعها الرمزي بين الفاعلين المؤسساتيين والمجتمعيين. فالاحتجاج، في هذا الأفق، ليس فعل قطيعة مع الدولة، بل ممارسة مدنية تهدف إلى تصويب اختلالاتها، وإلى إعادة توجيه سياساتها بما يخدم الصالح العام والعدالة الاجتماعية.
وإذا كانت بعض الخطابات تسعى إلى نزع الشرعية عن هذا الاحتجاج عبر ربطه بالتحريض أو التسييس أو المساس بالاستقرار، فإن هذا المنطق يعكس تصورًا اختزاليًا للأمن القانوني، يعتبر الاستقرار مرادفًا للسكوت، والانضباط مساويًا للطاعة، في حين أن التجارب الديمقراطية الرصينة تؤكد أن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق إلا عبر فتح قنوات النقد والمساءلة، وتوسيع مجال المشاركة، والاعتراف بحق الفاعلين في الاعتراض المسؤول. فالدولة التي تخشى الاحتجاج السلمي، إنما تعترف ضمنًا بهشاشة مشروعيتها الرمزية.
إن استقلال المحاماة لا يعني تحصنها من النقد أو إعفاءها من المساءلة، بل يعني حمايتها من التبعية والاحتواء والترويض، بما يمكنها من أداء دورها الطبيعي كقوة اقتراح وتصحيح داخل منظومة العدالة. فحين تحتج المحاماة، فهي لا تدافع فقط عن مصالح أعضائها، بل تستبطن، بوعي أو بدونه، رهانات أوسع تتصل بجودة العدالة، وبكرامة المتقاضين، وبمستقبل دولة القانون. لذلك فإن محاصرة هذا الاحتجاج أو التشكيك في نواياه يشكل مساسًا غير مباشر بالحق المجتمعي في عدالة مستقلة وفعالة.
وفي العمق، يعكس هذا الجدل توترًا بنيويًا بين نموذجين للدولة: نموذج الدولة الإدارية التي تميل إلى الضبط والاحتواء والتوجيه من أعلى، ونموذج الدولة الاجتماعية الحقوقية التي تقوم على التشارك والمساءلة والتوازن بين السلط. وفي هذا السياق، يصبح الاحتجاج المهني أحد تجليات هذا الصراع الرمزي، حيث تدافع المهن القانونية عن موقعها كوسيط نقدي بين السلطة والمجتمع، لا كأداة تنفيذية في يد القرار الإداري.
إن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في كبح الاحتجاج، بل في استثماره كمؤشر على حيوية المجال العمومي، وكفرصة لإعادة بناء الثقة بين الدولة وفاعليها الحقوقيين. فالاحتجاج الواعي والمسؤول ليس خطرًا على النظام، بل صمام أمان له، لأنه يسمح بتفريغ التوترات، وكشف الأعطاب، واستباق الانفجارات الاجتماعية والمؤسساتية. ومن هنا، فإن الدفاع عن مشروعية الاحتجاج المهني للمحامين هو دفاع عن منطق الدولة القوية بعدالتها، لا الدولة القوية بأجهزتها.
هكذا، يتحول الاحتجاج من فعل مقاومة إلى فعل سيادي بالمعنى العميق للكلمة: سيادة القانون على منطق القوة، وسيادة العقل العمومي على نزعة التحكم، وسيادة الحق على حساب الامتياز. وفي هذا التحول، تستعيد المحاماة دورها التاريخي كضمير نقدي للعدالة، لا كملحق إداري لها، وكفاعل استراتيجي في بناء دولة تتأسس على الكرامة، لا على الصمت، وعلى المشاركة، لا على الإذعان. فلتدعونا إذن نتواطأ من أجل العدالة وكفى تحريضا على التآمر ضدها ، و حول النزاهة الوطنية فليتنافس المتنافسون بشرف وعزيمة ، سلميا وحضاريا .



#مصطفى_المنوزي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من شرعية الاختيار إلى سيادة السردية: نحو حكامة دبلوماسية ديم ...
- من الفرجة إلى الخلاص: الرياضة بين الهيمنة الرمزية وسؤال المع ...
- الحكم الذاتي بين رهانات الأمن المنتج للثقة وإصلاح العقيدة ال ...
- لحظة الحسم في الصحراء: من احتكار الدولة إلى التشاور الوطني
- الحق الذي يراد به باطل: ذرائع إقصاء الحوار والنقد داخل الأحز ...
- في تفاعل الحرية والهوية، ومن أجل توليف منتج بين الصمود والار ...
- جيل زد والفكرة الإتحادية : من نفي النفي إلى الخلاص التوقعي
- جيل زد 212 بين خيار التسييس العفوي وبرنامج وطني للشباب
- التيه السياسي بين الفيزياء والكيمياء: الدولة كمطبخ أم كمختبر ...
- بين أسلمة الدولة وتسليع الحقوق: المعضلة المغربية عشية التحول ...
- اغتراب النخبة داخل الأطر الحزبية والمؤسساتية وظاهرة الانفصال ...
- من أجل تجنيب الوطن معوقات البناء الديموقراطي
- في نقد علاقة السياسة بالدين وعلاقة النقد بالسياسة
- المجتمع يواجه السيبة بالتسيب والدولة تبرر الوضع ب « الجمهور ...
- دعوة إلى تنظيم حملة دولية من أجل الحق في معرفة الحقيقة واحتر ...
- تضامنا مع فاضحي الفساد أناشد نزاهة القضاء وعقلانية التعبير .
- مامفاكينش مع الحق في معرفة الحقيقة ( خاطرة على هامش زيارة فر ...
- التقدمية بين التراخي الثقافي وفوبيا الانقراض
- بين خيار التحديث وخيار الدمقرطة
- موسم الهجرة التنموية المضادة


المزيد.....




- تحدٍّ مرعب .. أليكس هونولد يتسلق ناطحة سحاب بدون حبال ومعدات ...
- تفاصيل افتتاح مراكز لتسوية أوضاع عناصر من -قسد- في الرقة ودي ...
- كيف ينعكس العثور على جثة غويلي على نتنياهو داخليا ودوليا؟
- الفيديو في كل مكان.. أي دور حقيقي للصحافة؟
- بين الحماية والحظر.. هل تنجح القوانين في انتزاع الأطفال من أ ...
- صحف عالمية: إسرائيل بلا خطة لـ-اليوم التالي- وتهديدات ترمب ت ...
- الأمن السوري يحبط محاولة تهريب أسلحة إلى لبنان
- هل تجهز إسرائيل -مصيدة أمنية- للمسافرين قرب معبر رفح؟
- خبير روسي: أمريكا تسعى لتقويض نفوذ الصين عبر إيران
- الإمارات تؤكد عدم استخدام مجالها الجوي أو أراضيها لمهاجمة إي ...


المزيد.....

- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مصطفى المنوزي - الاحتجاج المهني كفعل سيادي أو حين تدافع المحاماة عن الدولة من داخلها