|
|
الوطنية الفلسطينية سبقت الغزوة الصهيونية
سعيد مضيه
الحوار المتمدن-العدد: 8582 - 2026 / 1 / 9 - 11:47
المحور:
القضية الفلسطينية
أدت مقاومة الهجرة الصهيونية الوافدة، ومشاريع الاستيطان منذ أواخر الحقبة العثمانية، وما بعد دورا كبيرا في تشكيل مفهوم فلسطين الحديثة الوطني. بدأت المعارضة الوطنية الفلسطينية تتبلور من حول الأنشطة الصهيونية الاستيطانية في فلسطين في السنوات التي سبقت الحرب؛ وثمة إقرار بأن التربية ورأسمال الطباعة والصحافة الحديثة أدت دورا أساسيا في تكوين الهويات الوطنية الحديثة. صدرت صحيفة "فَلَسطين" اليومية عام 1911 لمحرريْن ارثوكسييْن، عيسى ويوسف العيسى، استخدما الصيغة الدارحة للاسم (فتح الحرفين الأول والثاني) ، بينما المستخدم في الحقبة الإسلامية بكسر الفاء ، وهو ما درج عليه خير الدين الرملي في القرن السابع عشر والمحكمة الشرعية الإسلامية في القرن الثامن عشر، جريا على التقليد الإسلامي، وكذلك خليل بيدس في القرن التاسع عشر، كان قصد المحررين إكساب الجريدة الصفة الشعبية. يتضح من ذلك ان الناشرين والصحفيين قصدوا التعميم الشعبي للوطنية الفلسطينية "من أسفل" وبين الناس العاديين، لا حصر الأمر بالنخب المحلية المتعلمة. كان الوطنيون الفلسطينيون يرتابون من السلطات العثمانية، ولذا تعمد الناشران الابتعاد عن القدس حيث مركز عيون السلطة العثمانية. (313) برزت يافا وحيفا بدلين لعكا، مركزين ثقافيين واقتصاديين في البلاد أواخر العهد العثماني. مثلت الصحف بالمدينتين دورا مهما في تكوين الصورة البصرية والنصية الهوية الفلسطينية؛ لكن بالتلازم والتماهي عميق الجذور مع المحيط العربي السياسي والثقافي. ساهمت صحيفة فلسطين المقاتلة والمعادية للصهيونية إسهاما كبيرا في نحت هوية فلسطينية جديدة (خاصة ومنفصلة). كانت سياسة افتتاحيات فلسطين "تقدمية "، دافعت عن الفلاح الفلسطيني ومسألة الأرض، وقاتلت التعصب الذيني والطائفية والجهل. اعتنقت فكرة المواطنة العثمانية العلمانية والمساواة مؤتلفة مع الوطنية الفلسطينية المحاية. (314). دعا الناشران الى وطنية ثقافية لغوية مستقلة تشمل تراث الإسلام الديني والثقافي. [نقلت تصريحا أدلى به اينشتين عام 1930 يؤكد عدم النية في إنشاء دولة لليهود لفلسطين؛ كان صادقا، إذ واصل معارضته للدولة اليهودية بفلسطين، خاصة بعد أن قرر مؤتمر نيويورك عام 1942 إنشاءها لتشمل كامل الأرض الفلسطينية]. وفي العام 1912 كتب يوسف العيسى مقالة تحدد جغرافيا فلسطين ما بين مصر والبلقاء ومن جبال مؤاب على الحدود الشرقية للبحر الميت الى البحر الأبيض المتوسط. يجادل المؤلف، نور مصالحة، ربما تأثر بحدود الكنيسة الأرثوكسية المستقلة في العهد البيزنطي، أو تأثر بالخريطة الفسيفسائية المكتشفة في مأدبا رسمت الحدود الشرقية حتى الصحراء، وهو ما يعرفه كل ارثوكسي متعلم. (315) كانت مطبعة الفرنسيسكان قد طبعت صورة للفسيفساء عام1897، بمعونة البطريركية الأرثوذكسية بالقدس. دعمت صحيفة القدس المجتمع العربي الأرثوذكسي في صراعه ضد القيادة اليونانية للكنيسة. والحقيقة أيضا ان منطقة البلقاء لم تخضع لجند فلسطين، وأُتْبِعت لدمشق. باتت القدس أكثر الصحف العربية بفلسطين انتشارا، وشكلت خطاب الحركة الوطنية السياسية الفلسطينية في نضالها ضد الانتداب البريطاني والاستيطان الاستعماري الصهيوني ..بعد العام 1918 تركزخطابها على فلسطين الانتدابية.(316)
مخطوطة الخالدي غير المنشورة محمد روحي الخالدي من أوائل المنورين الفلسطيني ين ، مثقف خريج السوربون [وأصدر كتابا في الأدب المقارن ركز فيه على دور الاستبداد في تجفيف الإبداع الثقافي]. وأنجز كتابا آخر "حول الصهيونية، يبدو انه كان يود مراجعته.لكن الموت عاجله. شارك عام 1900 في تأسيس مكتبة العائلة بالقدس، وهي من المعالم الحية لفلسطين والشعب الفلسطيني. في العام 1908 كان من بين ثلاثة فلسطينيين فازوا في الانتخابات الى مجلس المبعوثان عن فلسطين الى مجلس المبعوثان؛ وفي دورة تالية صار نائبا لرئيس المجلس؛ ومن موقعه زار المستعمرات المقامة بفلسطين وتقصى أوضاعها وضمّن المعطيات في كتابه عن الصهيونية. كان ضديقا للسكاكيني، الكاتب والمربي والمفكر المرموق. أعمال الخالدي مثال على بروز هوية وطنية إقليمية فلسطينية خاصة، عند منقلب القرن العشرين. وقبيل وفااته المفاجئة (أصيب بحمى تيفوئيدية لم تمهله سوى أربعة أيام وتوفي في سن الخمسين] كتب الخالدي:"يلفت النظر ان اسم البلد، حالما يظهر، فهو فلسطين وليس جنوب سوريا أبدا، او أي شيء آخر". [ومفهوم جنوب سوريا برز فترة قصيرة بهدف مسح لاسم فلسطين]. واليوم تؤوي مكتبة الخالدي مجموعة كبيرة من المخطوطات الإسلامية التاريخية والفقهية، وهي مجموعة محلية جمعها فلسطينيون، وفيها مخطوطة عربية فريدة عن تاريخ الصهيونية السياسي مدونة بخط يد الخالدي الجميل .(317) [اختلسها وأخفاها مناصرون للصهيونية ولم تظهر إلا عام 1997، حصلت عليها صحيفة "الحياة"، وقامت بنشرها على حلقات. المعروف نان الخالدي بمنهجية علمية وبموضوعية كتب عن الحركة الصهيونية وتمويلها من الماليين اليهود وقيم قدراتها بموضوعية، من خلال اطلاعاته الاستقصائية للمستعمرات ودون مشاهداته] عاينها المؤلف نور مصالحة في 22 ابريل 2017، وكتب "تبدو المخطوطة الاستثنائية كأنها مسودة كتاب غير منحزة، مع انه يبدو انه اشتغل عليها طويلا قبل وفاته. تجدر الإشارة الى ان الكاتب على مدى النص، يستخدم عبارة فِلَسطين وتراب فلسطين، بصف المطامع الصهيونية والاستيطان الاستعماري في بلده فلسطين. تتضمن المخطوطة أيضا قائمة بالمستعمرات الصهيونية في فلسطين، بأسمائها العبرية، مع الأسماء العربية المحلية، التي إما أبدلوها وإما اختاروا اسما عبريا يطابق الاسم العربي." تعاطف عمه، يوسف ضياء الدين الخالدي، مع فكرة التعلق اليهودي الديني بالقدس؛ لكنه كان شديد الانتقاد للصهيونية، بكونها مشروعا سياسيا، ورأى في المخططات الاستعمارية الصهيونية الغربية تهديدا رئيسا لشعب فلسطين الأصلي. وفي مقابلة مع صحيفة هاتسقي اليهودية (1توفمبر /تشرين ثاني 1909) حذر من ان الاستعمار الصهيوني" سيؤدي حتما الى طرد العرب من الأماكن التي أقاموا فيها منذ قرون". كان يوسف ضياء الدين الخالدي، أول رئيس لبلدية القدس، ارتاد في اسابق ندرسة انجيزية في مالطا، حيث درس اللغتين الإنجليزية والفرنسية، ثم واصل دراسته للغات السامية في أكاديمية فيينا الشرقية. اقترح في رسالة الى رادوك خان، كبير حاخامي فرتسا وزميل هيرتسل، أوائل عام 1899، ان على اصهيونيين ان يتخذوا مكانا آخر لإقامة مشروعهم السياسي"(318) يضيف ضياء الدين في رسالته،" الأتراك والعرب يتعاطفون مع ايهود لكن بعضهم اصيب بحمى كراهية اليهود مثلما حصل لأكثر الأمم المتحضرة [الأوروبية] المتقدمة.... لابد من أجل ضمان سلامة اليهود في السلطنة العثمانية من ان تتوقف الحركة الصهيونية بالمعنى الجغرافي للكلمة...با ألهى، العالم شاسع بما يكفي، وهناك لا تزال بلدان غير مأهولة، حيث يمكن إسكان اليهود الفقراء [الاوربيين] الذين قد يسعدون هناك، ويشكلون يوما ما أمة. قد يكون هذا هو الحل الأفضل، والأكثر عقلانية لمسألة [الأوروبيين] ايهود. لكن بحق الإله، دعوا فلسطين تبقى في سلام". يواصل المؤلف: في ذلك الحين تقريبا حدثت تطورات في المعارضة العربية للصهيونية، تركزت على نشاط شراء الصهاينة أراض في فلسطين. كانت رغبة الأكثرية في اقطار العربية تدور حول الإصلاحات واللامركزية داخل الدولة العثمانية؛ وكان ينظر للاستيطان الصهيوني بفلسطين وشراء الأرض خطرا حقيقيا يهدد شعب البلاد الأصلي. أوضح الصهيونيون والمستوطنون في فلشطين ان هدفهم النهائي إقامة دولة يهودية في فلسطين. (319) وحسب تشارلز سميث تشكلت لجنة برئاسة مفتي القدس عام 1897 لتفحص مسألة بيع الأراضي لليهود، وأدت اعتراضاتها الى وقف المبيعات بضع سنوات. في الحقيقة تواصل شراء الأراضي في مرج بن عامر والجليل الشرقي، شمل بيع أراضي قرية الفولة (ملك الياس سرسق) قضاء الناصرة عام 1910 للصندوق القومي اليهودي. وهو من الملاك المتغيبين ومالك بالمصارف. رفض الفلاحون إخلاء الأرضي ورفعوا شكوى الى السلطات العثمانية؛ ساندهم في شكواهم شكري العسلي، قائممقام الناصرة ثم النائب عن دمشق بمجلس المبعوثان، تعاون مع الخالدي في التنبيه من خطر الغغزوة الصهيونية. خاطب العسلي القائد العسكري في حوران باسم ( صلاح الدين) من اجل الوقوف بوجه الخطط الصهيونية فكتب :"استميحك... ان تهرع لصد الخطر الصهيوني عن فلسطين ، التي روى ارضها دم صحابة النبي ودماء جيشي، الأرض التي ضحيت من اجل استنقاذها [بأرواح] إخوتي وشعبي وقادتي".(320) في العام 1916 كان العسلي بين من علقهم جمال السفاح على أعواد مشانقة ، ويعتقد الكثيرون انه عوقب على مواقفه في مجلس المبعوثان .
#سعيد_مضيه (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الاستعمار الاستيطاني وتجريد الفلسطينيين
-
مفهوم -الأرض المقدسة- توطئة لتواطؤ صهيو امبريالي
-
حيوية الهوية الجيوسياسية لفلسطين في عهود التردي
-
فلسطين العربية المسيحية- الإسلامية
-
هوية فلسطين الاجتماعية والثقافية والدينية عميقة الجذور في ال
...
-
غزة.. تعثرت مرارا لتنهض وتركت بصمتها على الحضارة
-
فلسطين عبر التاريخ كانت وستبقى
-
اضطرابات الشرق الأوسط ومأساة تقرير لجنة كينغ-كراين
-
هل ثمة آمال معلقة على مصادقة مجلس الأمن على خطة ترمب؟
-
جهود محمومة لتثبيت حدود إسرائيل التوراتية
-
مغالطات عن الإسلام يسوّغ الغرب بها مغامراته العدوانية -2
-
مغالطات عن الإسلام يسوّغ الغرب بها مغامراته العدوانية
-
كاتبة اميركية تفضح خدع إسرائيل
-
مآلات وردود أفعال غير محسوبة لحروب التوسع والإلحاق
-
هل إسرائيل على حافة انهيار؟ تساءل المؤرخ الإسرائيلي إيلان با
...
-
إسرائيل مسلسل حروب وشواحن كراهية وتمييز عنصري
-
إرادة لا تُقهر: انتصار روح غزة على عمارة الإبادة الجماعية
-
ميلّر مايسترو بروباغاندا الفاشية بإدارة ترمي
-
هل أجهزت حرب الإبادة على القانون الدولي كذلك؟
-
دولة العدوان تكرر لفنزويلا ما اقترفته ضد العراق
المزيد.....
-
ترامب: 30 مليون برميل نفط في طريقها إلينا وبدء مسار استعادة
...
-
الجيش يحكم سيطرته على الأشرفية ويواصل عملياته في -الشيخ مقصو
...
-
كاراكاس تبحث توسيع علاقاتها مع واشنطن وترامب يركز على النفط
...
-
كيف تنقل السلطات الأميركية مادورو بين السجن والمحكمة؟
-
مصدر عسكري سوري: ضباط الأسد يقاتلون إلى جانب الأكراد في حلب
...
-
ترامب: شركاتنا ستجني ثروة عظيمة من فنزويلا
-
الجيش السوري يعلن بدء عملية عسكرية في حي الشيخ مقصود بحلب
-
ترامب يدعو الصين وروسيا لشراء -كل ما تحتاجانه من النفط- من أ
...
-
ترامب عن غرينلاند: -أود إبرام صفقة بالطريقة السهلة وإن لم تت
...
-
العاصفة -غوريتي- تودي بحياة أكثر من 10 أشخاص وتربك الحياة ال
...
المزيد.....
-
بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف
...
/ غازي الصوراني
-
قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة
/ معتصم حمادة
-
مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني
/ غازي الصوراني
-
الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي
...
/ غازي الصوراني
-
بصدد دولة إسرائيل الكبرى
/ سعيد مضيه
-
إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2
/ سعيد مضيه
-
إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل
/ سعيد مضيه
-
البحث مستمرفي خضم الصراع في ميدان البحوث الأثرية الفلسطينية
/ سعيد مضيه
-
فلسطين لم تكسب فائض قوة يؤهل للتوسع
/ سعيد مضيه
-
جبرا نيقولا وتوجه اليسار الراديكالي(التروتسكى) فى فلسطين[2].
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
المزيد.....
|