أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عباس موسى الكعبي - الخضوع القسري والخضوع الطوعي..














المزيد.....

الخضوع القسري والخضوع الطوعي..


عباس موسى الكعبي

الحوار المتمدن-العدد: 8581 - 2026 / 1 / 8 - 18:15
المحور: قضايا ثقافية
    


كان جورج أورويل وألدوس هكسلي يحذراننا من المستقبل ذاته، لكن من منظورين متناقضين. فأحدهما يخشى عالماً يحكمه الألم والقسوة، بينما كان الآخر يخشى عالماً تحكمه المتعة واللذة. وللأسف، كلاهما على حق. فقد تشكّلت رؤية أورويل للسيطرة من خلال المعاناة والمواجهة. فقد عاش بين الفقراء، وحارب في الحرب الأهلية الإسبانية، وشهد الاستبداد عن كثب، وعرف كم كان قاسيًا. ورأى الحقيقة تتحول إلى سلاح، يُعاد كتابتها تبعا لأهواء أصحاب السلطة. وحسب أورويل، ان الطغيان قد أعلن عن نفسه بصوت عالٍ ومسموع: كان يرتدي الأحذية العسكرية، ويحمل البنادق، ويطالب بالطاعة من خلال المراقبة والعقاب والتهديد المستمر بالألم. ففي رواية "1984"، لا يُشترط أن يحب المرء السلطة، بل يكفي أن يخشاها. واما التحكم والسيطرة، فيعملان عن طريق تقييد الحقيقة، وسحق المعارضة، وتحطيم الفرد حتى تصبح مقاومته مستحيلة.
أما خوف هكسلي فقد نبع من مصدر مختلف تمامًا. فقد وُلد هكسلي في كنف عائلة متعلمة، محاطًا بالمفكرين، فكان أقل اهتمامًا بالعنف، وأكثر انزعاجًا من الاستسلام الصامت. راقب عالمًا يزداد هوسًا بالاسترخاء والترفيه. فلم يتخيل هكسلي مستقبلًا يُجبر فيه الناس على الخضوع القسري، بل تخيل مستقبلًا يكون فيه الخضوع طوعيا. ففي رواية "عالم جديد شجاع"، كانت السيطرة خفية، لا وجود لرجال الامن، ولا سجون ظاهرة. بدلًا من ذلك، هناك متعة ولذة، وتشتيت للذهن، وتحفيز لا ينتهي. والناس صامتون وهادئون، لا لأنهم مضطهدون، بل لأنهم راضون ومقتنعون بمصيرهم. لذا، لا تحتاج السلطة إلى إسكات المعارضة عندما لا يرغب أحد في الكلام. وهنا يتباين تحذيراهما بشكلٍ حاد.
اعتقد أورويل أن الاستبداد يتغذى على الألم والخوف والجوع والعقاب. واعتقد هكسلي أن المتعة والاسترخاء هما السلاح الأخطر بيد الاستبداد. وأن الراحة قادرة على محو الرغبة في المقاومة. وحذر أورويل من عالم تُحظر فيه الكتب وتُمنع فيه القراءة. وحذر هكسلي من عالم لا يهتم فيه أحد بقراءة أي كتاب.
شكّلت حياتهما الشخصية هذه المخاوف. فأورويل، ذلك الشخص المريض والفقير لم يثق قط بسلطة تُطالب الناس بالطاعة. أما هكسلي، ذلك الشخص المنعزل الذي يتمتع بالملاحظة الدقيقة، فقد ارتاب في مجتمع يُضحّي بالحقائق التي تحيط به من أجل نيل الراحة والاسترخاء.
رأى أحدهما ان الحرية تُسلب من الاخرين، في حين رأى الآخر ان الاخرين لا يرغبون بالحرية أصلا.
ما يجعل أعمالهما مُقلقة اليوم ليس القبول برؤية أحدهما وترك الاخرى، بل إدراك مدى تعايش الرؤيتين بسلاسة. فنحن نعيش في عالمٍ باتت فيه المراقبة أمرًا طبيعيًا، والتشتت الذهني مازال متواصلًا، حيث تتلاعب السلطات بالحقيقة وتحرفها، وتوظف اللذة والاسترخاء للقضاء على الأصوات المعارضة. إذ لا يُمثل الخوف واللذة نقيضين، بل أداتين مُتكاملتين للسيطرة. فأورويل يحذرنا مما يحدث عندما تستخدم السلطة القسوة لغرض الهيمنة. ويحذرنا هكسلي مما يحدث عندما تسلب السلطة وعينا حيال ما يجري حولنا.



#عباس_موسى_الكعبي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أمريكا كلها مصحة عقلية..
- هدنة عيد الأضحى
- أجمل هدية عيد ميلاد في العالم
- الكرم الخفي للروائي سي. إس. لويس..
- الغلاف الذي غيّر مسار الأدب الأمريكي
- ان لم تستطع ان تسخر من الجنون، فلن تنجو منه
- حكاية الجارية.. صرخة في وجه الاستبداد الثيوقراطي..
- حلم مرسيدس المستحيل..
- هل سمعت بالكاتبة لو أندرياس-سالومي؟
- سيمون دو بوفوار والنسوية الحديثة
- رواية “هبّ الله”- سرد المأساة وإعادة تشكّل الهوية المفقودة
- رصاصة في عنق جورج أورويل
- هشاشة العلاقات البشرية لدى كافكا
- الإيمان عند أنطوني نوريس غروفز في مطلع القرن التاسع عشر
- علم الآثار الرافديني وأدب الرحلات: علاقات متحوِّلة (8)
- علم الآثار الرافديني وأدب الرحلات: علاقات متحوِّلة (7)
- علم الآثار الرافديني وأدب الرحلات: علاقات متحوِّلة (6)
- علم الآثار الرافديني وأدب الرحلات: علاقات متحوِّلة (5)
- علم الآثار الرافديني وأدب الرحلات: علاقات متحوِّلة (4)
- علم الآثار الرافديني وأدب الرحلات: علاقات متحوِّلة (3)


المزيد.....




- مصور يوثق مشاهد حالمة لطيور الفلامنجو في بحيرة قارون بمصر
- مشهد مهيب وسط العواصف.. أمواج عاتية تضرب منازل بأكملها بولاي ...
- زيلينسكي في الذكرى الرابعة للاجتياح الروسي: شعبنا اختار -الم ...
- ما هي أفضل طريقة لتعلم لغة جديدة؟
- الحرب على أوكرانيا تتم عامها الرابع وسط تصعيد ميداني وخلاف أ ...
- احتجاجات طلابية مستمرة في إيران.. وعراقجي يبحث التطورات مع أ ...
- فون دير لاين في كييف وأوكرانيا تحيي 4 أعوام على حرب روسيا
- خلاف دفاعي ألماني- فرنسي يهدد برنامج الطائرات المقاتلة
- المكسيك تنشر 10 آلاف جندي لإنهاء موجة عنف دامية أشعلها مقتل ...
- مستوطنون يضرمون النار في مسجد ويخطّون شعارات مسيئة


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عباس موسى الكعبي - الخضوع القسري والخضوع الطوعي..