أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عباس موسى الكعبي - أمريكا كلها مصحة عقلية..














المزيد.....

أمريكا كلها مصحة عقلية..


عباس موسى الكعبي

الحوار المتمدن-العدد: 8580 - 2026 / 1 / 7 - 14:04
المحور: قضايا ثقافية
    


ارتكب الشاعر عزرا باوند خيانة عظمى ضد بلده، الولايات المتحدة. وتم زجه في مصحة عقلية. غير ان المؤسسة الأدبية الأمريكية منحته أحد أرفع أوسمتها. كانت الرسالة الضمنية واضحة: انه لا يجوز معاقبة عبقري لمجرد امتلاكه آراءً مختلفة. واليكم القصة:
مع اقتراب نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت أوروبا قد غرقت في الخراب. مدنٌ سُوّيت بالأرض.. ملايين القتلى. وكشرت الفاشية عن انيابها، لا بصفتها نظرية، بل كنظام صناعي لسلخ البشر. وفي خضم هذه الاحداث، لم يصمت الشاعر عزرا باوند. لم يكن الشاعر شخصية هامشية تصرخ في الفراغ، بل كان أحد أكثر شعراء القرن العشرين تأثيرًا، ومهندسًا رئيسيًا للحداثة، والرجل الذي حرّر أعمال ت. س. إليوت وروّج لها، والمعلم الذي شكّل جيلًا من الكُتّاب. كان أمريكي المولد، لكنه عاش طويلًا في منفى اختياري في أوروبا، مقتنعًا بأن الشعر يسمو فوق الدول والقوانين والقيود الأخلاقية المعتادة.
انطلق باوند من إيطاليا نحو الإذاعة الحكومية متحدثًا باسم نظام موسوليني. ولم يكتفِ بانتقاد السياسة الأمريكية، بل أشاد بالفاشية علنًا، ومجّد هتلر، وردّد نظريات المؤامرة المعادية للسامية حول سيطرة المصرفيين اليهود على العالم، وسخر من الديمقراطية واصفًا إياها بالضعف، ووصف فرانكلين روزفلت بالمحتال، وصوّر الجيش الأمريكي كمنظمة إجرامية، وتجاهل تقارير المجازر الجماعية، وأنكر الهولوكوست.
ألقى باوند أكثر من مئة خطاب إذاعي. وانتشر صوته عبر أثير العدو كدعاية للفاشية خلال الحرب. ويعتبر ذلك، من الناحية القانونية، خيانة عظمى، عقوبتها الإعدام.
وحينما ألقت القوات الأمريكية القبض عليه عام ١٩٤٥، لم تعامله كشاعرٍ، بل كعميلٍ للعدو. ولأسابيع، احتُجز باوند في معسكر اعتقال عسكري قرب بيزا، محبوسًا في قفص فولاذي لا يزيد عرضه عن متر ونصف. لم يكن هناك سرير، ولا مرحاض، ولا حماية من تقلبات الطقس. كان ينام على أرضية إسمنتية تحت أضواء كاشفة. لقد ألحقت به العزلة والإذلال ما لم يفعله الرصاص. وبعد عدة أسابيع، انهار نفسيًا.
في تلك اللحظة، اتخذت الحكومة قرارًا سيُحدد مصيره. فبدلًا من المضي قدمًا في محاكمة علنية بتهمة الخيانة، والتي كانت ستكشف التسجيل الكامل لبثه، أعلنت أنه غير مؤهل عقليًا للمثول أمام المحكمة. لذا، تم تعليق التهمة، ولم يتم حسمها، ولم يصدر حُكم عليه. وجرى نُقل عزرا باوند إلى مستشفى سانت إليزابيث في واشنطن العاصمة، وهو مستشفى للأمراض النفسية تابع للحكومة الفيدرالية، حيث مكث لمدة اثنتي عشرة سنة.
ثم جاءت اللحظة التي أذهلت حتى من كانوا يدافعون عنه. ففي عام ١٩٤٩، وبينما كان لا يزال رهن الاحتجاز لكونه رجلاً غير مستقر نفسياً لدرجة تمنعه من المثول أمام العدالة، مُنح عزرا باوند جائزة بولينجن للشعر، إحدى أرفع الجوائز الأدبية في الولايات المتحدة. كانت الجائزة ممولة من مؤسسة بولينجن وتُدار من قِبل مكتبة الكونغرس نفسها. لم يكن هذا مجرد لفتة هامشية، بل كان اعترافاً مؤسسياً بعبقريته.
لم يكن المانحون من المتطرفين، بل كانوا أساتذة ونقاداً وكتاباً بارزين ومثقفين مرموقين ممن تفهموا تماماً ما فعله الشاعر.
أثار ذلك غضب الناس المتحمسين. لكن كان تبرير المانحين هادئاًً: "يجب فصل الفن عن السياسة". وزعموا أنهم يُكرمون اللغة، لا الولاء. والحرفية، لا الشخصية. والقصيدة، لا الإنسان. وأن العبقرية كائنة ضمن الفراغ الأخلاقي، ولا تخضع لتقييم أحد.
وعندما أُطلق سراح باوند عام ١٩٥٨، بعد اثنتي عشرة سنة من السجن دون محاكمة أو اصدار حكم، عاد إلى إيطاليا. فسأله الصحفيون إن كان نادم على شيء، وإن كان مخطئًا، أو كان يرغب في التراجع عن كلامه.
لم يجب إلا بجملة واحدة: "أمريكا كلها مصحة عقلية."



#عباس_موسى_الكعبي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هدنة عيد الأضحى
- أجمل هدية عيد ميلاد في العالم
- الكرم الخفي للروائي سي. إس. لويس..
- الغلاف الذي غيّر مسار الأدب الأمريكي
- ان لم تستطع ان تسخر من الجنون، فلن تنجو منه
- حكاية الجارية.. صرخة في وجه الاستبداد الثيوقراطي..
- حلم مرسيدس المستحيل..
- هل سمعت بالكاتبة لو أندرياس-سالومي؟
- سيمون دو بوفوار والنسوية الحديثة
- رواية “هبّ الله”- سرد المأساة وإعادة تشكّل الهوية المفقودة
- رصاصة في عنق جورج أورويل
- هشاشة العلاقات البشرية لدى كافكا
- الإيمان عند أنطوني نوريس غروفز في مطلع القرن التاسع عشر
- علم الآثار الرافديني وأدب الرحلات: علاقات متحوِّلة (8)
- علم الآثار الرافديني وأدب الرحلات: علاقات متحوِّلة (7)
- علم الآثار الرافديني وأدب الرحلات: علاقات متحوِّلة (6)
- علم الآثار الرافديني وأدب الرحلات: علاقات متحوِّلة (5)
- علم الآثار الرافديني وأدب الرحلات: علاقات متحوِّلة (4)
- علم الآثار الرافديني وأدب الرحلات: علاقات متحوِّلة (3)
- علم الآثار الرافديني وأدب الرحلات: علاقات متحوِّلة (2)


المزيد.....




- عودة السلاحف العملاقة إلى جزر غالاباغوس بعد ما يقارب 200 عام ...
- ناطحات سحاب مهجورة في نيويورك يخزن فيها الأثرياء الفاحشون أم ...
- خريطة الحدود البحرية تشعل أزمة بين العراق والكويت
- مشاكل فنية تؤجل أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 1972
- فينيسيوس جونيور.. ضحية لشتائم عنصرية أم لتصرفاته الاستفزازية ...
- الجيش الأمريكي يخلي قاعدة في قسرك بشمال شرق سوريا
- إيران: تواصل مظاهرات الطلاب المناهضة للنظام لليوم الثاني
- بالصور.. أعمال عنف واسعة بالمكسيك بعد مقتل زعيم أكبر عصابة ف ...
- التمر.. -بطارية الطوارئ- التي أوصى بها النبي وكشف العلم سرها ...
- عاجل | مصدر أمني للجزيرة: مقتل 4 عناصر من الأمن الداخلي في ه ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عباس موسى الكعبي - أمريكا كلها مصحة عقلية..