أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - صالح مهدي محمد - وهم الانشغال














المزيد.....

وهم الانشغال


صالح مهدي محمد

الحوار المتمدن-العدد: 8578 - 2026 / 1 / 5 - 22:57
المحور: كتابات ساخرة
    


يقال إن الإنسان الحديث يعيش في سباق دائم مع الوقت، لكن الحقيقة أنه يعيش في سباق دائم مع صورة يريد أن يبدو عليها، صورة الإنسان المشغول الذي لا يجد لحياته دقيقة فارغة، وكأن الفراغ عيب أخلاقي لا يغتفر. فتراه يمشي في الشارع وهو يحدث الهاتف بنبرة مهمة، ويكتب رسائل طويلة عن مشاريع ضخمة لا يعلم عنها حتى خياله، ثم ينشر حالة على وسائل التواصل يقول فيها: «أيام مزدحمة، دعواتكم»، بينما الحقيقة أنه مستلق على الأريكة يشاهد مقاطع عشوائية ويعيد ترتيب التطبيقات على شاشة هاتفه.
فهكذا أصبح الانشغال مسرحا واسعا يؤدي فيه الجميع دور البطولة، وليس مهما أن يكون هناك عمل حقيقي بقدر ما هو مهم أن نبدو كمن يغوص في أكوام ملفات غير موجودة. وانظر إلى المكاتب مثلا: ستجد من يفتح جهازه المحمول ثم يحدق فيه طويلا بملامح متجهمة، ليس لأنه يحل مشكلة برمجية معقدة، بل لأنه ينتظر اتصال الإنترنت. وستجد من يفتح عشر نوافذ على الشاشة فقط ليبدو منهمكا إذا مر المدير من قربه. فالانشغال لم يعد حالة، بل صار زيا رسميا يرتدى في حضور الآخرين، وكلما زاد ضجيج الحركة قل في الحقيقة حجم الفعل.
حتى صارت المقولة الشهيرة: «الوقت لا يكفي» جملة جاهزة تقال قبل أن نفكر إن كان هناك أصلا شيء يستحق أن يلتهم الوقت. والغريب أننا حين نجد أنفسنا أخيرا أمام لحظة فراغ حقيقية، لا نعرف كيف نتعامل معها، نهرب منها كأن الفراغ وحش يطاردنا، فنملأه بأي شيء: مكالمة لا ضرورة لها، تصفح بلا هدف، قائمة مهام نكتبها لليوم التالي دون أن ننفذ منها شيئا. المهم ألا نعترف بأن أغلب الانشغال الذي نشكو منه هو اختراع محض، ديكور اجتماعي نخفي خلفه خواء حقيقيا.
ولعل أكثر مشاهد الكوميديا السوداء حين يقول أحدهم لصديقه: «آسف، لم أرد عليك لأني كنت مشغولا جدا»، بينما آخر رسالة أرسلها قبل ذلك كانت: «ما رأيكم نتغدى بركر؟». فيبدو الانشغال وكأنه درع سحري يحمي الإنسان من اللوم. ومع مرور الوقت يصبح عادة، ثم حاجة نفسية، ثم هوية كاملة، حتى يبدأ المرء يصدق أكاذيبه الصغيرة عن جدول حياته المكتظ.
وهكذا تستمر المسرحية الكبرى، مسرحية وهم الانشغال، حيث الجميع يركض ولا أحد يصل، والجميع يتحدث عن ضيق الوقت بينما الوقت يذهب في إثبات أن الوقت ضيق. ليبقى السؤال ساخرا ومعلقا: ماذا لو تجرأنا يوما واعترفنا بأننا لسنا مشغولين، بل فقط نخاف أن نبدو فارغين؟ ربما عندها يبدأ العمل الحقيقي، وربما — وهذا الأرجح — سنكتشف أن الأشياء التي ملأت ضوضاءنا اليومية لم تكن تستحق كل هذا العناء.



#صالح_مهدي_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قرب بلا رغبة
- قصة قصيرة الجولة المفتوحة
- قصة قصيرة أثرٌ لا يجفّ
- السفر إلى المستقبل… عبر تطبيقات الهاتف
- هوس المبالغة… حين يتحوّل كل شيء إلى حدث تاريخي
- النجاح صفة من يقود الحياة
- الوعي الصفة الأكثر قوة في الشخصية
- ثقافة الاختلاف والتعدد : هل يمكن للثقافة أن تزدهر دون تنوع؟
- كانت أحلاما
- دور القراءة في الوعي
- الراتب ومحاولة الاقتصاد في الصرف
- يوم منظم... أو هكذا نعتقد!
- القراءة... سؤال الوعي في زمن السرعة
- رجل المعرفة… أو هكذا يظن!
- التاريخ يعيد نفسه
- قصة قصيرة : حارس النسيان
- اللمسة الأولى
- بين الإنسانية والسياسة وحدها تظهر ملامح الاستكبار
- قصة قصيرة : دكّان الضوء
- قصة قصيرة : العائدون من الغياب


المزيد.....




- “فيلة وسناجب”: فيلم يكشف صعوبة استرداد الكنوز الأثرية المنهو ...
- غوينيث بالترو تكشف عن فقدانها لدور سينمائي بعد إعلان انفصاله ...
- تطورات الحالة الصحية للفنان المغربي عبد الهادي بلخياط
- وزير الإعلام اللبنانى ينعى نجل الفنانة فيروز
- الممثلة المصرية لقاء سويدان تكشف إصابتها بالعصب السابع على ا ...
- -Paname-.. معرض الفنان التشكيلي الجزائري بلال حمداد يدخل با ...
- بعد صدور كتابه - أبو الهول حارس السر المجهول - ؛ اختيار عمرو ...
- سارايكتش للجزيرة نت: الاستشراق الصربي تحول إلى أداة لتبرير إ ...
- قصة الحب وراء تاج محل.. لماذا تتعدّد الروايات حول من شيّده؟ ...
- كيف تشكّل اللغة إدراكنا البصري؟


المزيد.....

- الضحك من لحى الزمان / د. خالد زغريت
- لو كانت الكرافات حمراء / د. خالد زغريت
- سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته / د. خالد زغريت
- رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج / د. خالد زغريت
- صديقي الذي صار عنزة / د. خالد زغريت
- حرف العين الذي فقأ عيني / د. خالد زغريت
- فوقوا بقى .. الخرافات بالهبل والعبيط / سامى لبيب
- وَيُسَمُّوْنَهَا «كورُونا»، وَيُسَمُّوْنَهُ «كورُونا» (3-4) ... / غياث المرزوق
- التقنية والحداثة من منظور مدرسة فرانكفو رت / محمد فشفاشي
- سَلَامُ ليَـــــالِيك / مزوار محمد سعيد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - صالح مهدي محمد - وهم الانشغال