أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صالح مهدي محمد - قصة قصيرة : حارس النسيان














المزيد.....

قصة قصيرة : حارس النسيان


صالح مهدي محمد

الحوار المتمدن-العدد: 8497 - 2025 / 10 / 16 - 00:14
المحور: الادب والفن
    


قصة قصيرة
حارس النسيان

في الزقاق القديم، حيث تتعانق البيوت الطينية كأكتافٍ تتكئ على ذاكرةٍ طويلة، كان العمّ سالم يجلس كلّ مساءٍ أمام دكّانه الصغير، يلمّع قنديله النحاسيّ الذي ورثه عن أبيه. لم يعد أحدٌ يشتري شيئًا من تلك الأدوات القديمة التي تملأ رفوفه، لكنّ الرجل كان يتصرّف كما لو أنّ الزمن لا يجرؤ على المرور في دكّانه.

في المساء، حين يبدأ الضوء بالانطفاء في الشوارع الحديثة المجاورة، كان القنديل يُشعل من تلقاء نفسه، كأنّ له ذاكرةً لا تُطفأ. وكان الأطفال يمرّون أحيانًا فيضحكون:
ـ "يا عمّ، هذا الضوء من زمن جدّك!"
فيبتسم سالم قائلًا: "ومن يدري، يا صغار، لعلّ جدّي ما زال يمرّ من هنا كلّ مساءٍ ليطمئنّ إلى أنّ القنديل لم يخن عهده."

في أحد الأيام، جاءت فتاةٌ شابّة تحمل آلة تصويرٍ حديثة، كانت توثّق ما تبقّى من السوق القديم قبل أن تُهدم بيوته. وقفت أمام الدكّان وسألت:
ـ "لماذا تحتفظ بكلّ هذا؟ لقد تجاوزته الحياة."
أجابها سالم مبتسمًا: "الحياة لا تتجاوز شيئًا، بل تنساه. وأنا حارس النسيان."

تأمّلت الفتاة القنديل الذي يشعّ بوميضٍ هادئ، فاقتربت تلتقط له صورة، لكنّ الصورة خرجت غريبة؛ لا يظهر فيها القنديل، بل انعكاس وجهٍ آخر، وجهٌ يشبه سالم لكنّه أصغر، يرتدي عباءةً قديمة ويحمل نظرةَ زمنٍ غابر. شعرت الفتاة برعشةٍ غامضة، فابتعدت بخطواتٍ متردّدة.

في الليل، حين أُطفئت الأنوار في السوق، بقي قنديلُ سالمٍ مضيئًا، يرسل شعاعه إلى الجدران المتهالكة، كما لو كان يذكّرها بأنّ الطين أيضًا له روح. كان صوت الريح يحمل معه صدى الحرفيين القدامى، ورائحة النحاس والعرق، وأغاني النسّاجين الذين اختفوا منذ زمنٍ بعيد.

في الصباح، لم يُفتح الدكّان. وجد الناس القنديل مضيئًا، وسالم جالسًا في مكانه، مبتسمًا بعينيه المغمضتين، كأنّه عبر أخيرًا إلى الجهة الأخرى من الضوء.

ومنذ ذلك اليوم، لا أحد يمرّ بالزقاق إلّا ويلاحظ أنّ القنديل ما زال يضيء كلّ مساء، بلا زيتٍ ولا يدٍ تُشعلُه — كأنّه يواصل حراسة الذاكرة، يذكّر العابرين بأنّ التراث ليس ماضيًا مضى، بل روحٌ ما زالت تضيء لتدلّنا على الطريق إلى أنفسنا.



#صالح_مهدي_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اللمسة الأولى
- بين الإنسانية والسياسة وحدها تظهر ملامح الاستكبار
- قصة قصيرة : دكّان الضوء
- قصة قصيرة : العائدون من الغياب
- مقال بعنوان : لغة الإعلام السياسي وتوصيفات الخطاب
- الإدراك والفهم السياسي المجتمعي بين الوعي والممارسة
- قصة قصيرة وجوه الذاكرة
- نص : أماكن للتنزه
- السياسة والاعلام في زمن التواصل الاجتماعي
- عدنا ولكن
- لا يجيبني البحر
- رثاء إلى أبي
- ارتباك الكائن في مرآة الحلم
- خارج الشاشة
- ريح تهمس بظلالها
- قصة قصيرة: خرائط الرماد
- قصة قصيرة السوق الصباحي
- الصدى
- ممرات الضوء الخفي
- احلام المدن


المزيد.....




- -محمد بن عيسى.. حديث لن يكتمل- فيلم وثائقي عن مسار رجل متعدد ...
- حكاية مسجد.. -المؤيد شيخ- بالقاهرة من سجن إلى بيت لله
- ثقافة العمل في الخليج.. تحديات هيكلية تعيق طموحات ما بعد الن ...
- محمد السيف يناوش المعارك الثقافية في -ضربة مرفق-
- دهيميش.. مقرئ ليبي قضى 90 عاما في خدمة القرآن
- -عفريتة- السينما المصرية.. رحيل -كيتي- نجمة الاستعراض في زمن ...
- 11 رمضان.. إعادة رسم الخرائط من خراسان لأسوار دمشق
- حكاية مسجد.. -باب السلام- في عُمان ينقل المصلين من الضجيج إل ...
- عندما يرفض الفنان موقع الحياد الكاذب: التونسية كوثر بن هنية ...
- حكاية مسجد.. -باب السلام- في عُمان ينقل المصلين من الضجيج إل ...


المزيد.....

- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صالح مهدي محمد - قصة قصيرة : حارس النسيان