أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صالح مهدي محمد - خارج الشاشة














المزيد.....

خارج الشاشة


صالح مهدي محمد

الحوار المتمدن-العدد: 8458 - 2025 / 9 / 7 - 19:14
المحور: الادب والفن
    


قصة قصيرة
لم يعد يعرف متى ذابت جدران شقته في زجاجٍ بارد، ومتى تحولت حياته إلى شاشة تتنفس العالم عنه ولا تمنحه هواءه. كل شيء صار مُصفّى في مربعات ضوء: عمله، صداقاته، ضحكاته الصفراء التي لا تحمل صوتًا. العالم انكمش إلى ومضات.

في صباحٍ باهت، ظهرت رسالة غير موقَّعة وسط بريده:
"اخرج من الشاشة، هناك حياة تنتظرك."

لم تكن إعلانًا ولا إنذارًا، بل همسًا غريبًا اخترق الأسلاك. ارتبك وأغلق الحاسوب كما يغلق بابًا تسللت منه ريح مجهولة.

في اليوم التالي خرج بلا هاتف. الشوارع كانت فوضى أصوات وروائح، السماء أوسع مما تعكسه الخلفيات الرقمية، والخوف أول ما شعر به، قبل أن يتسرّب إيقاعه الداخلي في نغمة المدينة.

عند مكتبةٍ منسيّة، اصطدم بامرأة تحمل كتابًا مهترئًا. ابتسمت وقدّمت له الغلاف: ديوان شعر. كان الورق متآكلًا، لكنه لمح فيه بريقًا لم يعرفه من قبل. تحدّثا عن الكتب، عن المدن التي تختبئ في الصفحات، وعن الغياب الذي لا تملؤه صورٌ ولا أيقونات.

عاد إلى شقته متردّدًا. الحاسوب يتأهّب، الإشعارات تتكدّس، لكن الجملة بقيت تنبض في رأسه. تلك الليلة لم يفتحه، جلس عند النافذة يتأمل أضواء السيارات كأنها رسائل من عالمٍ آخر، بلا كلمات سرّ.

بعد أيام، غلبه فضوله. فتح بريده، فإذا بالرسائل تتدفق كفيضان، وبينها برزت رسالة ثانية:
"خطوتك الأولى موفّقة… ابحث عن نفسك في المكتبة."

ارتعش. هرع إلى المكتبة. العجوز الحارس ناوله ظرفًا كتب عليه: إلى من يختبئ خلف الشاشات.

في الداخل، بخطٍ أنيق:
"أنا أختك. غادرتُ منذ سنوات، وظننت أنني فقدتُك. تابعتك من بعيد، ورأيتك تذوب في الشاشات. لم أجد سبيلًا إليك إلا عبرها. الدم لا يحتاج كلمة مرور… لكنك قد لا تجدني إن تأخرت."

رفع رأسه فإذا بالمرأة ذات الكتاب أمامه، صوتها مرتجف:
"كنتُ أخشى ألا تتذكرني."

تلعثم: "أنتِ… أمل؟"
ابتسمت ببطء، ثم أومأت. "ربما… أو ظلّي فقط."

قبل أن يسألها، انطفأت الأنوار في المكتبة فجأة. وحين عاد الضوء، كان الكتاب مفتوحًا على الطاولة، لكن المرأة لم تكن هناك.

تجمّد في مكانه، لا يدري إن كان اللقاء وهمًا، أم ذاكرة تسللت من شقّ في الشاشة. وبين يديه الكتاب، وعلى الصفحة الأولى جملة مكتوبة بخطٍ مألوف:
"اخرج من الشاشة… أو ابقَ داخلها، فلستَ تعرف أين تبدأ الحياة وأين تنتهي."



#صالح_مهدي_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ريح تهمس بظلالها
- قصة قصيرة: خرائط الرماد
- قصة قصيرة السوق الصباحي
- الصدى
- ممرات الضوء الخفي
- احلام المدن
- حوار مع الصدى
- رائحة المطر
- وجهك ملامح روحي
- ثلاثية
- انعطاف السير
- شظايا الهواء
- صمت يكتبنا
- إيحاءات السرد والرمزية
- وصايا الغيم للبحر
- كَأنّكَ نسيتَ أن ترحل
- طفولة
- رسائل مشفرة
- نص _ أعدك
- البحر والليل


المزيد.....




- سعيد بوخليط يوثق ذاكرة مراكش بعيداً عن السرديات الجافة
- 150 عامًا في صنع السينما في رويال فيستفال هول
- المثقف التكتيكي: تقلبات المنبر بين الحروب والتحولات
- -الخروج إلى البئر-.. حبكة سامر رضوان وبراعة الممثلين تعوضان ...
- هرمجدون.. أفلام -الخوف من الفناء- تعود للواجهة مع كل حرب
- كأس الشوكران: حياة سقراط المليئة بالأسئلة ومحاكمته المثيرة ل ...
- خيال سينمائي مع صور قصف حقيقي.. إدارة ترامب تروج لحربها ضد إ ...
- 21 رمضان.. عقيقة الحسن ورحيل مؤسس الدولة العثمانية
- في الشوارع ومراكز الإيواء.. رمضان يقاوم الحرب في السودان
- رحيل عاشق الطبيعة الموصلية الفنان الرائد بشير طه


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صالح مهدي محمد - خارج الشاشة