صالح مهدي محمد
الحوار المتمدن-العدد: 8575 - 2026 / 1 / 2 - 18:49
المحور:
المجتمع المدني
يظن بعض الناس ان النجاة من تعب العلاقات الاجتماعية ممكنة بمجرد الانسحاب. ان تغلق الباب، وتقلل الكلام، وتكتفي بنفسك. لكن الواقع يقول شيئا اخر؛ فالعلاقات، مثل الغبار، تجد دائما طريقة للتسلل، حتى الى اكثر الناس عزلة.
ابو سلام واحد من هؤلاء الذين قرروا مبكرا ان يبتعدوا. لا مجاملات، لا زيارات مفاجئة، ولا احاديث مكررة عن الطقس والرواتب واحتمال ان تتحسن الحياة يوما ما. كان مقتنعا ان السلام النفسي يقاس بعدد العلاقات التي لا يقيمها، لا بعدد الاصدقاء. الناس، بطبيعة الحال، لم يتركوه وشأنه، فسرعان ما حصل على اللقب الجاهز: "غير اجتماعي… ما يحب الناس"، بينما كان يرى نفسه انسانا يحب نفسه فقط، وربما هذا ذنب لا يغتفر.
المشكلة ان المجتمع لا يتسامح مع من يخرج عن القالب. غير الاجتماعي مشروع اصلاح دائم. كل محاولة للانسحاب تقابل بجملة من نوع: "بس خمس دقايق"، وهي خمس دقائق يعرف الجميع انها تمتد ساعة ونصف، مع تحليل للحياة الزوجية ومقارنة اسعار الطماطة بين الامس واليوم.
وحين كان ابو سلام صامتا، قيل له انه مرتاح لانه لا يسمع مشاكل احد، قبل ان تنهال عليه، بالمناسبة نفسها، مشاكل الاخرين بالتفصيل. وحين حاول ان يشرح موقفه، سمع الجملة الذهبية: "مشاكلك هي مشاكلك، بس مشاكل غيرك هم همك". هكذا اكتشف ان الانسان اجتماعي بالقوة، حتى لو كان في داخله صبار يكتفي بقطرة ماء كل اسبوعين.
بعد سنوات من الرفض والتجاهل، وصل ابو سلام الى قناعة عملية: طالما ان المشاكل ستأتيه في كل الاحوال، فالافضل ان يختلط، على الاقل ليعرف مصدرها. خرج الى الناس بحذر، جلس، استمع، وتكلم قليلا. لكن الاحكام لم تتغير؛ مرة عاقل، مرة متكبر، مرة ضايج، ومرة متناقض. المشكلة لم تكن فيه، بل في الحاجة الدائمة لتصنيفه.
الحقيقة ان ابو سلام لا يريد اكثر من شاي هادئ وحياة بلا قصص لا تخصه، لكن القدر، او المجتمع، يصران على منحه عضوية دائمة في كل نقاش وصراع لا علاقة له به. لذلك اختار حلا وسطا: قريب، لكن ليس كثيرا. حاضر، لكن بخفة. اجتماعي، لكن بلا استنزاف.
قد لا يكون هذا حلا مثاليا، لكنه الاقرب للنجاة في عالم لا يترك لك خيارا واضحا. ان بقيت وحدك اتهموك بالكآبة، وان اختلطت اتهموك بالتذبذب. وبين هذا وذاك، لا يبقى امامك سوى المحاولة… حتى لو كانت المحاولة مجرد وسيلة اخرى لتأجيل الصداع.
#صالح_مهدي_محمد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟