أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - صالح مهدي محمد - الراتب ومحاولة الاقتصاد في الصرف














المزيد.....

الراتب ومحاولة الاقتصاد في الصرف


صالح مهدي محمد

الحوار المتمدن-العدد: 8514 - 2025 / 11 / 2 - 22:50
المحور: كتابات ساخرة
    


يُقال إن الراتب كالكائن الخجول، لا يظهر إلا مرة في الشهر، ثم يختفي قبل أن نلتقط له صورة تذكارية. ينزل في الحساب بخطوة واثقة، فيشعر الموظف فجأة أنه وريث إحدى الشركات الكبرى. تبدأ الأحلام بالرقص في رأسه: شراء هاتف جديد، تسديد الديون، ربما حتى سفرة قصيرة… لكن قبل أن ينتهي من إعداد القائمة، يكون الراتب قد غادر بهدوء، تاركاً خلفه إشعاراً بنكيّاً مؤلماً: "رصيدك الحالي أقل من الحد الأدنى للحياة".

في اللحظة الأولى، يعيش المواطن نشوة الثروة المؤقتة، فيتحول من خبير في الاقتصاد المنزلي إلى رجل أعمال عابر. يتحدث بلغة "الاستثمار" و"الميزانية" و"توزيع الموارد"، ويقسم على نفسه أن هذا الشهر سيكون مختلفاً، وأنه سيتعامل مع الراتب بعقلانية تامة. لكن ما إن يمر يومان حتى يبدأ مسلسل "النفَس الأخير للمحفظة".

منذ اليوم الثالث، تبدأ ملامح الخطة الاقتصادية بالاهتزاز: "لماذا لا نحتفل بنزول الراتب؟ غداء بسيط فقط!"، والغداء البسيط يتحول إلى عشاء فاخر، ثم "كوفي" سريع، ثم "توصيلة" مريحة بدل الحافلة، وهكذا يبدأ الراتب يلوّح مودعاً قبل أن يصل منتصف الشهر.

يحاول البعض ممارسة طقوس الادخار، فيقسمون الراتب إلى أقسام: جزء للمصاريف، جزء للطوارئ، جزء للترفيه، وجزء للادخار. لكن مع نهاية الأسبوع الأول، يصبح الجزء الأخير أسطورة حضرية تُروى للأجيال: "كان أبي يدّخر من راتبه!".

والحقيقة أنّ محاولة الاقتصاد في الصرف أشبه بمحاولة إغلاق صنبور ماء مكسور باستخدام ورق منديل. فكل خطة تبدأ بحماس وتنتهي بندم، وكل "ميزانية مدروسة" تتحول إلى "ميزانية منكوبة". والأسوأ أن الأسعار تتصرف وكأنها لديها ضغينة شخصية ضد المواطن. كلما فكر في الادخار، ارتفع سعر الزيت أو الحليب أو فاتورة الكهرباء كأنها تقول له: "ادّخر منّي إن استطعت!"

أما الحديث عن "التقشف" في البيت، فله فصول درامية لا تقل تشويقاً عن المسلسلات التركية. الزوجة تُعلن عن سياسة جديدة: “من اليوم ما نشتري إلا الضروري!”، لكن الضروري يتضح أنه يشمل العطور والمكسرات وزينة الصالون. الأبناء يطالبون بـ"احتياجات مدرسية" غامضة تشبه مؤامرة مالية، والزوج ينظر إلى محفظته كمن يودع صديقاً يحتضر.

ومع ذلك، يبقى هناك نوع من التفاؤل البطولي، فكل شهر يتكرر المشهد ذاته: يقسم بالله الشهر غير! سوف يختلف تماما خطة جديدة، تقشف صارم، لا مطاعم ولا مشتريات عشوائية... ثم في اليوم الخامس من الشهر، يظهر إشعار بعنوان: “رصيدك الحالي صفر، نتمنى لك شهراً سعيداً”.

في النهاية، يبدو أنّ الراتب ليس سوى زائرٍ عابرٍ، يأتي كل شهر ليذكّرنا بأننا لم نتعلم شيئاً من الشهر السابق. والاقتصاد في الصرف، رغم جمال الفكرة، يبقى في واقعنا تمريناً ذهنياً أكثر منه سلوكاً قابلاً للتطبيق.

أما الحل؟ فربما أن نضحك على ما تبقّى من الراتب، لأن الضحك وحده – حتى الآن – لا يخضع للضريبة.



#صالح_مهدي_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يوم منظم... أو هكذا نعتقد!
- القراءة... سؤال الوعي في زمن السرعة
- رجل المعرفة… أو هكذا يظن!
- التاريخ يعيد نفسه
- قصة قصيرة : حارس النسيان
- اللمسة الأولى
- بين الإنسانية والسياسة وحدها تظهر ملامح الاستكبار
- قصة قصيرة : دكّان الضوء
- قصة قصيرة : العائدون من الغياب
- مقال بعنوان : لغة الإعلام السياسي وتوصيفات الخطاب
- الإدراك والفهم السياسي المجتمعي بين الوعي والممارسة
- قصة قصيرة وجوه الذاكرة
- نص : أماكن للتنزه
- السياسة والاعلام في زمن التواصل الاجتماعي
- عدنا ولكن
- لا يجيبني البحر
- رثاء إلى أبي
- ارتباك الكائن في مرآة الحلم
- خارج الشاشة
- ريح تهمس بظلالها


المزيد.....




- مؤثرو منصات التواصل يشعلون صداما جديدا بين نقابة الممثلين وص ...
- في معرض استثنائي بمراكش.. إيف سان لوران يخرج من عالم الموضة ...
- ولهذا مات الشاعر!... إلى صديقي عبد الناصر صالح
- مهرجان فجر في دورته 44 يشهد حالة من التوهج للسينما الإيرانية ...
- من فاراب لدمشق.. لوحات تستحضر طفولة الفارابي ومساره الفلسفي ...
- الخارجية العمانية: ركزت المشاورات على تهيئة الظروف الملائمة ...
- بالفيديو.. إيقاف رياضي في الفنون القتالية لسبب غريب
- مهرجان -جدّي كنعان- الرمضاني.. تعليم وترفيه للأطفال بروح مقد ...
- بن يونس ماجن: شطحات لكبار السن
- وزير الثقافة السعودي يزور المتحف الوطني السوري


المزيد.....

- قلق أممي من الباطرش الحموي / د. خالد زغريت
- الضحك من لحى الزمان / د. خالد زغريت
- لو كانت الكرافات حمراء / د. خالد زغريت
- سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته / د. خالد زغريت
- رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج / د. خالد زغريت
- صديقي الذي صار عنزة / د. خالد زغريت
- حرف العين الذي فقأ عيني / د. خالد زغريت
- فوقوا بقى .. الخرافات بالهبل والعبيط / سامى لبيب
- وَيُسَمُّوْنَهَا «كورُونا»، وَيُسَمُّوْنَهُ «كورُونا» (3-4) ... / غياث المرزوق
- التقنية والحداثة من منظور مدرسة فرانكفو رت / محمد فشفاشي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - صالح مهدي محمد - الراتب ومحاولة الاقتصاد في الصرف