نادية الإبراهيمي
الحوار المتمدن-العدد: 8577 - 2026 / 1 / 4 - 15:44
المحور:
الادب والفن
كان يمكن لتلك الفانوس الصدئ أن يظل مجرّد خردة تُركت معلّقة على مسمار نسيه أحدهم، لو لم يأت طائر صغير يبحث عن وطن يليق بخفق جناحيه، ويقنع هذا الحديد البائد أنه ما يزال صالحا لأن يحتضن حياة.
حين نظرتُ إلى ذلك الفانوس الصدئ، أدركت أن الأشياء لا تحرس نفسها، ثمة يد خفية تعيد توزيع الطمأنينة في هذا الكون، وتدل المخلوقات على ما يناسب قلوبها لا أعيننا.
من علّم هذا الطائر أن يجد دفء الأمان في حديد متآكل؟!
من همس في جناحيه أن الحياة يمكن أن تستعاد من فجوةٍ في مصباحٍ انطفأ؟!
إنها صنعة الخالق، ذلك الذي يهدي النسمة مجراها والغصن انحناءه، ويعلّم الطير أين يُسكِن قلبه الصغير.
الفانوس الذي تركه البشر للصدأ، أعاده الله سببا للحياة. والحديد الذي حسبناه ميتا، جعله الخالق واحة لدورتين من نبض، نبض الأم وارتجاف الفراخ تحت جناحها.
هكذا تفضح الأشياء سرّها ، لا قيمة لها بذاتها، بل بما نلقيه نحن فيها من معنى.
فالفانوس الذي انطفأ منذ زمن تذكّر فجأة أنه كان يوما يهدي العابرين نورا، فعاد — بفضل عشّ ودفقة دفء — مصباحا آخر
لكنّه هذه المرّة يضيء من الداخل، من نبض صغير يختبئ بين أعواد القش.
لم تكن الخشبة تدري أنها تحمل بيتا، ولا المسمار تخيّل أنه سيسند حياة كاملة بصدفة معلّقة.
لكن الأشياء — مثل البشر — لا تختار أدوارها ، هي تستدعى إليها حين يلمسها احتياج صادق.
أنظرُ إلى الموقف فأقول لنفسي:
كم من قلب صدئ فينا لم يمنح فرصة ليكون مأوى؟
وكم من أرواح مرّ عليها العابرون فلم يروا فيها إلا الخربة، بينما كانت تنتظر طائرا واحدا ليوقظ احتمالاتها المدفونة؟
ربما هذا هو درس الأشياء..
أن الهشاشة لا تنفي الحماية،والقِدم لا يلغي القدرة، والبهتان لا يعني النهاية.
فالسكينة قد تولد في أكثر الأماكن مهجورية، تماما كما تولد الحكمة في أكثر الأرواح ألما.
#نادية_الإبراهيمي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟