أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عماد الطيب - جريح الثقة لا يُشفى















المزيد.....

جريح الثقة لا يُشفى


عماد الطيب
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8543 - 2025 / 12 / 1 - 02:00
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


الثقة حين تُمنح بلا حذر، تشبه باباً تُفتح مصراعاه على اتساعهما لمن نظنه يعرف قيمة الدخول. لكن التجربة تُعلّم الإنسان أن هذا الباب نفسه قد يكون الممر الذي يتسلل منه الخذلان، وأن الثقة العمياء، مهما بدت نقية، تحمل في جوفها احتمال أن تتحول إلى رصاصة، دقيقة التصويب، لا تُخطئ موضعها، ولا ينجو من ألمها أحد. الإنسان حين يُصاب بخيبة الثقة لا ينزف من جرح ظاهر، لكنه ينزف من أماكن لا تُرى، من طبقات داخلية كانت تظن أنها مؤمّنة، حتى يفاجأ بأن كل سياج وضعه لم يكن إلا وهماً صنعه قلبه أكثر مما صنعه عقله.
المؤلم أن الخذلان لا يأتي من غريب. الغريب لا يملك مفاتيح الوصول إلى نقاط ضعفك، ولا يعرف طبقاتك الداخلية، ولا يحمل تاريخك معه. إنما تأتي الجراح العميقة من أشخاص قد منحناهم الدخول بلا استئذان، وظننا أن وجودهم حولنا أمان، وأنهم لن يرفعوا أيديهم يوماً ليطعنوا. وفي اللحظة التي نتأكد فيها من أن الطعنة جاءت من اليد نفسها التي وضعنا فيها ثقتنا، نفهم السبب الحقيقي وراء وصف الثقة العمياء بأنها "رصاصة قاتلة". فهي لا تُطلق من مسافة بعيدة، بل من قرب شديد، ولذلك تصيب القلب مباشرة.
من الأمثلة التي تتكرر كثيراً قصة الصديق الذي يعرف أسرارك لأنه شاركك سنوات طويلة من العمر. كان شاهداً على تحولاتك، يسمع صراعاتك وأفكارك الهشة، ويعرف كيف تهتز داخلياً حين تتألم. تمنحه أسرارك لقناعة دفينة بأنه ملاذ. ولكن، حين تنقلب العلاقة، أو تختبرها عاصفة، يكتشف الإنسان أن بعض الناس لا يحافظون على الأسرار لأنها قيمة، بل لأنها مادة مؤجلة لوقت الخصومة. وعندما تحين لحظة الخلاف، تتحول الأسرار التي أُودعت في قلب صديق إلى ذخيرة تُطلق بلا رحمة. هذه الخيانة ليست مجرد سوء نية؛ إنها كشف صادم لحقيقة أن بعض العلاقات كانت قائمة على هشاشة أكبر مما توقعت، وأن الثقة التي منحتها لم تكن في محلّها.
وفي العلاقات العاطفية، يبدو جرح الثقة أكثر عمقاً، لأن المحبّ عادةً يمنح ثقته بقلبه قبل عقله. هو يسلّم ضعفَه، ويرفع سقف حسن الظنّ إلى أقصى مداه، ويصدّق أن الطرف الآخر سيحمل قلبه كما يحمل الإنسان طفلاً صغيراً يتعلم المشي. لكن الخذلان في الحب يأتي بطريقة لا تُنسى: كلمة تكشف كذباً، أو موقف يفضح خيانة، أو تفاصيل صغيرة تتراكم حتى تُعرّي الحقيقة. حينها يشعر الإنسان بأنه خُدِع من حيث كان يظن أنه مُحتضَن. يشبه الأمر أن يتكئ الشخص على عمود ثابت فيظنه سنداً، ثم يكتشف أنه لم يكن سوى قشرة جوفاء تنهار بمجرد اللمس. الخيبة التي تتولد هنا لا تختفي، لأنها لا تصيب العلاقة فقط، بل تصيب صورة الإنسان في نظر نفسه: كيف صدّقت؟ كيف لم ترَ العلامات؟ كيف منحت الأمان لمن لا يستحقه؟ وهنا يتشكل جرح الثقة الحقيقي: إنه ليس مجرد فقدان للآخر، بل فقدان لجزء من اليقين الداخلي.
النصوص الأدبية والفلسفية تناولت هذا الموضوع بطرق عديدة، لأنها ترى في الثقة مرآة لطبيعة الإنسان نفسها. فنيتشه مثلاً يرى أن الإنسان حين يمنح ثقته فإنه يكشف جزءاً من ضعفه، وأن الخيانة ليست جرحاً لأنها تكشف الآخرين، بل لأنها تكشف هشاشتنا التي حاولنا إخفاءها. ت. س. إليوت كتب في إحدى رسائله أن "أسوأ ما في الخيانة أنها تأتي من أولئك الذين أعطيتهم القدرة على جرحك." وفي التراث العربي، نجد في سيرة المتنبي مثالاً واضحاً حين وثق بسيف الدولة ثقة مطلقة، ثم وجد نفسه هدفاً للوشايات التي غيّرت مكانته. جرح المتنبي في تلك الحادثة لم يكن سياسياً بقدر ما كان شخصياً؛ لقد كُسِر لأنه وثق.
الأصعب من الخذلان نفسه هو أثره الطويل. جريح الثقة لا يشفى بسهولة، لأنه يحمل بداخله ذاكرة نشطة. كل موقف جديد يعيد إليه ذكرى الجرح القديم. كل علاقة جديدة تحتاج ضعف الوقت لبناء يقينها. يصبح الإنسان يقظاً أكثر من اللازم، متردداً أكثر من اللازم، ويخشى أن يسلّم نفسه مرة أخرى. كثيرون يعيشون سنوات طويلة بعقل يقول لهم "انتبه" وقلب يقول "أعطِ فرصة"، فيبقون عالقين بين الرغبة في الحماية والرغبة في الحياة.
والحقيقة أن الثقة ليست فعلاً مثالياً دائماً، بل هي مخاطرة محسوبة. الإنسان لا يمكن أن يعيش بلا ثقة، لكنه أيضاً لا يستطيع أن يمنحها بلا وعي. ولهذا ترى أغلب الأشخاص الذين مرّوا بجرح كبير يضعون طبقات من الحذر حول قلوبهم. يظهرون ذكاءً اجتماعياً أعلى، لكن خلف هذا الذكاء يسكن خوف دفين. ومع ذلك، ورغم جراحهم، تستمر العلاقات الإنسانية لأن الإنسان بطبيعته كائن يحتاج إلى المشاركة والتواصل. لكن هذه المشاركات ليست كما كانت؛ إنها تحدث بعين مفتوحة هذه المرة، بعقل يتحقق، وبقلب يتقدم على مهل.
من الحكمة التي يوردها علماء النفس الاجتماعي أن الإنسان الذي يتجاوز جراح الثقة لا يعود كما كان، لكنه يصبح أكثر قدرة على التمييز. التجربة المؤلمة تخلق نوعاً من الفراسة النفسية، قدرة على قراءة التفاصيل الصغيرة، وتقييم الأشخاص بناءً على الاستمرارية وليس الانطباعات. وهذه المهارة، رغم أنها وُلدت من الألم، تكون أحياناً سبباً في إنقاذ الإنسان من جراح جديدة. بمعنى آخر، الجرح الذي لا يُشفى قد لا يكون كله شراً؛ ربما يحمل داخله مناعة.
لكن يجب الاعتراف بأن بعض الجراح لا تُشفى لأنها لم تُواجه أصلاً. كثيرون يكبتون خيبتهم ولا يعترفون بالألم، فيتحول الجرح إلى ظل يتبعهم. لذلك فإن أول طريق للشفاء هو الاعتراف بأن الثقة حين كُسرت، تركت أثرها. والإنسان حين يعترف بألمه يصبح قادراً على بناء علاقات جديدة لا تقوم على سذاجة ولا على خوف، بل على وضوح. العلاقات التي تقوم على الوضوح تُبنى ببطء، لكنها تصمد.
المشكلة ليست في الثقة بحد ذاتها؛ فالإنسان الذي لا يثق بأحد يصبح جداراً حجرياً لا يستطيع أن يحب أو يتعلم أو يتطور. المشكلة دائماً كانت في "الثقة العمياء" تحديداً، تلك التي نمنحها قبل أن نرى، ونصدق بها قبل أن نفهم، ونعلق عليها آمالاً غير واقعية. الثقة الصحية هي تلك التي يكون فيها القلب حاضراً، لكن العقل أيضاً جالس على الطاولة. هي ثقة تُبنى بالوقت، لا بالاندفاع، وتُختبر في المواقف، لا بالكلمات، وتُثبتها الأفعال، لا الوعود.
وفي النهاية، جريح الثقة لا يُطلب منه أن ينسى، ولا أن يعود كما كان، ولا أن يمنح الآخرين أكثر مما يستطيع. كل ما يُطلب منه هو أن يتعلم من تجربته دون أن يفقد إنسانيته. فالقلب حين يتوقف عن الثقة تماماً، لا يصبح حكيماً؛ يصبح قاسياً. والإنسان حين يصبح قاسياً يفقد أجمل خصائصه.
لقد كانت الثقة دائماً مغامرة، لكنها مغامرة لا يمكن الاستغناء عنها. وبين الحذر المبالغ فيه والاندفاع المفرط، توجد منطقة متوازنة يستطيع الإنسان أن يعيش فيها بسلام، ويمنح الآخرين ما يستحقونه، ويحمي نفسه دون أن يحبسها. هذه المنطقة لا يصل إليها الإنسان إلا بعد أن يتلقى صدمة أو اثنتين، وربما أكثر. لكن في كل تجربة مؤلمة، يتكشف له جزء من الحقيقة: ليست الثقة هي المشكلة، بل لمن نمنحها، وكيف نوزعها، ومدى وعينا حين نفعل ذلك.
وهكذا يبقى جرح الثقة جزءاً من تاريخ الإنسان الداخلي، يذكّره بأن القلب ثمين، وأن من يُؤتَمن عليه يجب أن يكون جديراً به. فإذا وُجد هذا الشخص، فإن الثقة ليست رصاصة، بل خلاص. وإن لم يوجد، فعلى الأقل يكون الإنسان قد عرف كيف يحمي نفسه دون أن يغلق أبواب حياته.



#عماد_الطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لا تمنح الحقيقة كاملة .. انهم لن يفهموك !!
- بين الثائر والطاغي شعرة
- لقد كانت معركة عظيمة كلفتني قلبًا بأكمله
- ظل الآخر
- قلب مسافر عاشق
- رحيل في منتصف الطريق
- السيادة.. ليست علماً يرفرف ولا نشيداً يصدح
- خرابٌ تحت قبّة الجامعة: حين يتحوّل الجهل إلى لقبٍ أكاديمي
- عندما تتحوّل الكتابة إلى مطرقة لا ترحم
- الكتابة واشكالية المتلقي
- في المسافة بين إنسانيتهم… و ( انسانيتنا )
- حين يفقد الوطن كرامته
- من قال إن الزمن يشفي؟
- امرأة بين السطور
- حين تتحول العقول الى سجون
- في جامعاتنا .. ثقافة مشتعلة خلف أبواب مغلقة
- تقاسيم أخيرة في جنازة الذكريات
- حين يكون الصمت بيتي الأول
- العراق بين وفرة الموارد وتعطّل الإرادة
- الشخصية العراقية والسلطة والسياسة


المزيد.....




- مفاوضات فلوريدا.. تفاؤل بإنهاء حرب أوكرانيا رغم الخلافات
- وزير خارجية بولندا: نرغب في إنهاء عادل للحرب وبحدود آمنة لأو ...
- مواجهات في جنين والاحتلال يقتحم مناطق عدة بالضفة والقدس
- طالبو اللجوء بين رغبات ترامب بالترحيل وقرارات القضاء الأميرك ...
- تونس.. رجال الرئيس ينتفضون ضده
- عاجل | ترامب: أجريت اتصالا مع مادورو ولا أريد الخوض في التفا ...
- فيضانات استثنائية تشرد آلاف السكان بماليزيا
- محادثات ميامي تمهد لعرض خطة ترامب على موسكو
- مدغشقر.. ساحة تنافس جديدة بين باريس وموسكو؟
- تقدم بين الأوكرانيين والأمريكيين .. لكن هناك حاجة لـ-مزيد من ...


المزيد.....

- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري
- المتعقرط - أربعون يوماً من الخلوة / حسنين آل دايخ
- حوار مع صديقي الشات (ج ب ت) / أحمد التاوتي
- قتل الأب عند دوستويفسكي / محمود الصباغ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عماد الطيب - جريح الثقة لا يُشفى