|
|
طوفان الأقصى 778 – العراق بعد الإنتخابات – صراع النفوذ وتوازنات هشة في لحظة مفصلية
زياد الزبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8535 - 2025 / 11 / 23 - 00:53
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي
23 نوفمبر 2025
مقدمة تعتمد هذه الدراسة على ثلاثة مقالات رئيسية: تحليل ليونيد ساڤين* حول نتائج الانتخابات العراقية المنشور في مؤسسة الثقافة الإستراتيجية (17 تشرين الثاني/نوفمبر 2025)، وتحليل ألكسندر الجنابي* في موقع المجلس الروسي للشؤون الدولية حول الإستحقاقات الدستورية وتوازنات ما بعد الإنتخابات، إضافة إلى تقرير فقار فاضل* في صحيفة الأخبار حول الصراع الأميركي – الإيراني في تشكيل الحكومة المقبلة. يجمع هذا العرض بين الروايات الروسية والعربية لرسم صورة مركّبة للمشهد السياسي في بغداد بعد الإنتخابات البرلمانية الأخيرة.
أولاً: الإنتخابات وملامح خريطة سياسية جديدة
في 11 نوفمبر 2025 دخل العراق جولة إنتخابية جديدة في ظل توترات إقليمية وضغوط داخلية متراكمة. وكما يشير ساڤين، فقد جاءت النتائج «لتمنح إئتلاف الإعمار والتنمية بزعامة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني الصدارة بـ46 مقعداً»، بعد حصوله على أكثر من 1.3 مليون صوت. يتبعه تحالف «تقدم» السُنّي بقيادة محمد الحلبوسي بـ33 مقعداً، ثم إئتلاف «دولة القانون» بقيادة نوري المالكي بـ28 مقعداً. ورغم التنوع في النتائج، يُجمع محللو المقالات الثلاث على أن المشهد الشيعي هو الأكثر تأثيراً؛ إذ حصدت القوى الشيعية في مجموعها 184 مقعداً، ما يجعل تشكيل الحكومة رهيناً لتفاهمات داخل هذا البيت السياسي أولاً، قبل أي مفاوضات مع القوى السنية والكردية. ورغم المخاوف من دعوات المقاطعة التي قادها مقتدى الصدر، إلا أنّ «نسبة المشاركة الرسمية بلغت 56%»، وهي نسبة كافية لمنع أي تشكيك قانوني في شرعية الإقتراع.
ثانياً: معركة تشكيل الحكومة – بين «قرار شيعي موحّد» وصراع النفوذ
تلتقي المقالات الثلاث على فكرة أن القلب الحقيقي للأزمة ليس في نتائج الصناديق، بل في ما يليها. فبحسب تقرير الأخبار، يسارع «الإطار التنسيقي» إلى حسم إسم رئيس الحكومة عبر لجنتين تعملان على «وضع مواصفات محددة لشخصية رئيس الوزراء»، سعياً إلى «قرار شيعي موحّد يضمن تماسك الكتلة ويحدّ من الإختراقات الخارجية». لكن رغم حديث بعض قيادات «التنسيقي» عن أن «التدخلات الأميركية والإيرانية لم تعد بالقوة نفسها»، إلا أن الواقع ـ كما يلاحظ فقار فاضل ـ يشي بالعكس تماماً. فالصراع الأميركي – الإيراني «بلغ مستويات لا تسمح لأي من الطرفين بالتراجع عن محاولة التأثير داخل العراق». من جهة إيران، فإنّ صعود الفصائل في البرلمان، وحصول «كتائب حزب الله» وحدها على 7 مقاعد، يجعل طهران تعتبر اللحظة «فرصة لإعادة تثبيت حضورها»، خصوصاً في الحقائب الأمنية والإقتصادية الحساسة. أما واشنطن، فهي «تشعر بخيبة أمل من النتائج التي أفرزت كتلة ضعيفة للسوداني لا تتجاوز 15% من البرلمان»، بحسب الباحث عبد الستار العيساوي. ولذلك تتجه الولايات المتحدة لفرض شروط سياسية وإقتصادية، أبرزها «نزع سلاح الفصائل» وربط أي إستقرار مالي «بملف التحويلات بالدولار ونافذة الإحتياطي الفيدرالي».
ثالثاً: زيارة أميركية “مستعجلة”… ورسائل مباشرة
تؤكد "الأخبار" أن مبعوث الرئيس ترامب إلى العراق، مارك سافايا، «أجرى سلسلة لقاءات في بغداد»، ناقلاً رسائل واضحة تطالب بـ«ضرورة إختيار شخصية حكومية منفتحة على واشنطن». وتستعد الإدارة الأميركية لإرسال وفد جديد خلال أيام، لـ«إيصال رسائل تخصّ شكل الحكومة المقبلة». ويشير هذا التحرك إلى أن الولايات المتحدة تحاول تعويض تراجعها في البرلمان عبر ضغط دبلوماسي ومالي، لكن دون الإنزلاق إلى مواجهة كاملة، لأن «النفط العراقي عنصر مهم لإستقرار أسواق الطاقة»، ولأن العراق «شريك أساسي في مكافحة الإرهاب». تصف المقالات هذه السياسة بـ«العصا والجزرة»: عقوبات، تهديدات مالية، ثم فتح قنوات أمنية وإقتصادية.
رابعاً: موازين القوى الإقليمية – العراق مركز الإشتباك غير المباشر
تظهر المقالات إتفاقًا على أن بغداد أصبحت مجدداً «ساحة إختبار» للتوازنات الإقليمية: 1. النفوذ الإيراني إيران تتعامل مع الحكومة المقبلة بإعتبارها جزءاً من منظومة أمنها الإقليمي. لذلك تشدد على ضرورة الحفاظ على: •هوية سياسية تضمن إستمرار محور المقاومة •نفوذها في ملفات الطاقة والتجارة •وضع «الحشد الشعبي» ضمن بنية الدولة وأي محاولة لإضعاف الحشد «ستستفزّ الفصائل وطهران». 2. الولايات المتحدة تحاول واشنطن الحدّ من تمدد القوى الشيعية المرتبطة بإيران، مع الإصرار على «تعديل بنية الدولة» بطريقة تقلص النفوذ الإيراني. ولأن حلفاء واشنطن الإنتخابيين تراجعوا، فقد باتت تعتمد على أدوات أخرى: •العقوبات •الضغط المالي •التهديد بإدراج فصائل على قوائم الإرهاب •تحريك ملف القوات الأميركية كما يذكر ساڤين: «ورغم بدء إنسحاب القوات الأميركية من الأنبار ومطار بغداد، إلا أن الإنسحاب الكامل ما يزال بعيداً».
خامساً: التوازن الكردي – معركة موازية لا تقل تعقيداً
تشير تحليلات ساڤين إلى أن إقليم كردستان يعيش أزمة تشكيل حكومته الخاصة منذ إنتخابات 2024، حيث لم تستطع أي من القوتين الرئيسيتين – الحزب الديمقراطي الكردستاني (39 مقعداً) والإتحاد الوطني (23 مقعداً) – الحصول على الأغلبية. ويبرز في المشهد ضعف قوى المعارضة، مثل: - «الجيل الجديد»، الذي تراجع من 15 مقعداً إلى 3 مقاعد - «العدالة» (Komal)، التي إنخفض تأثيرها - «الشعب» (باري گال)، الذي لم يحصل على أي مقعد هذه الهشاشة السياسية الكردية تجعل الإقليم أقل قدرة على فرض شروطه على بغداد، وأكثر إستعدادًا لقبول صفقات مع تركيا أو الولايات المتحدة، في لحظة يحتاج فيها الطرفان إلى تعزيز موقعهما داخل العراق.
سادساً: السوداني بين ولايتين… أم نهاية مسار؟
ترى المقالات الثلاث أن موقع رئيس الوزراء محمد شياع السوداني أصبح معقداً: •كتلة إنتخابية صغيرة •قوة الفصائل داخل البرلمان •ضغوط أميركية وخليجية •حسابات شيعية داخلية متضاربة وبحسب "الأخبار": «السوداني حاول خلال الأشهر الماضية إستمالة الولايات المتحدة ودول خليجية لضمان دعمه لولاية ثانية». لكن صعود القوى المقرّبة من إيران «جعل موقعه أضعف من أن يضمن الإستمرار من دون غطاء خارجي». ومع أن ساڤين يرى أن السوداني حافظ سابقاً على «توازن بين إيران وتركيا والخليج والولايات المتحدة وروسيا»، إلا أن هذا التوازن اليوم يبدو أصعب من أي وقت مضى.
سابعاً: نحو أي مستقبل؟ توازن هش أم إنفجار محتمل
يخلص داوود القيسي، كما يورد تقرير الأخبار، إلى أن العراق «مقبل على مرحلة شديدة الحساسية»، ستكون إما: 1. توازن هشّ قابل للإنفجار في أي لحظة 2. أو إنفجار فعلي يفتح البلاد أكثر أمام نفوذ القوى الخارجية والسبب بسيط: «لا يمكن فصل أي خطوة نحو تشكيل الحكومة عن التأثيرات الإقليمية والدولية». في المقابل، يرى ساڤين أن الوضع رغم تعقيده «يوحي بتوازن مقبول» إذا إستطاعت القوى السياسية عدم الإنجرار إلى الصدام، وإذا إستطاعت بغداد حماية «الحشد» من الضغوط الأميركية، والحفاظ في الوقت نفسه على توازن في العلاقات مع واشنطن وطهران.
خاتمة
تكشف قراءة المقالات الثلاث صورة عراقية مركّبة: برلمان شيعي كبير لكن منقسم، تراجع سني، هشاشة كردية، وصراع مفتوح بين واشنطن وطهران للهيمنة على تفاصيل تشكيل الحكومة. تبدو بغداد اليوم، كما يصفها فقار فاضل: «واقعة بين عصا واشنطن وجاذبية طهران… فيما يسعى السياسي العراقي لإثبات أنّ القرار هذه المرة أكثر إستقلالية». وفي النهاية، يبقى مستقبل الحكومة المقبلة مفتوحاً على إحتمالين: إما إنتاج صيغة توازن مكلفة وصعبة… أو إنزلاق البلاد مرة أخرى إلى ساحة صراع بين القوى الكبرى. ***** المرجع
- "الإنتخابات العراقية: التوازن الناشئ يبعث على التفاؤل" ليونيد سافين مؤسسة الثقافة الإستراتيجية 17 نوفمبر 2025
- "الإنتخابات البرلمانية العراقية: قطع قديمة على رقعة شطرنج جديدة" ألكسندر الجنابي المجلس الروسي للشؤون الدولية 17 نوفمبر 2025
- "وفد أميركي «مستعجل» في بغداد: نتائج الإنتخابات تخيّب واشنطن" فقار فاضل صحيفة الأخبار اللبنانية 21 نوفمبر 2025 ***** هوامش
1) ليونيد سافين هو خبير روسي في الجغرافيا السياسية وكاتب معروف بمؤلفاته حول النظام الدولي والأمن العالمي، ويشغل مناصب بحثية وإعلامية في مراكز تحليلية روسية متخصّصة في السياسة الخارجية والإستراتيجيات.
2) ألكسندر آل-جنابي هو باحث عراقي-روسي يعمل باحثاً مساعداً (دكتوراه) في مركز التحليل الدولي لمعهد الإستشراق التابع لأكاديمية العلوم الروسية، وهو أيضاً خبير في الشؤون الشرق أوسطية لدى منصة "المنبر الشرقي" التحليلية الروسية.
3) فقار فاضل هو صحافي عراقي يكتب في الشؤون السياسية والأمنية، ويُنشر له بإنتظام في صحيفة «الأخبار» اللبنانية ومواقع عراقية، مع تركيز خاص على ملفات النفوذ الإقليمي وتفاعلات ما بعد الإنتخابات في العراق.
#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
خطة ترامب لإنهاء حرب أوكرانيا - ملف خاص - 1
-
ألكسندر دوغين - تصاعد الخطاب المعادي لإسرائيل في الولايات ال
...
-
ألكسندر دوغين - ماغا MAGA والصليب في زمن “السلام الكاذب”
-
طوفان الأقصى 776 - واشنطن – تل أبيب: ترامب يطلب العفو عن نتن
...
-
طوفان الأقصى 775 - غزة بين الخطة الأمريكية والإعتراضات الإقل
...
-
ألكسندر دوغين - لماذا تحتاج روسيا إلى إنترنت سيادي؟
-
طوفان الأقصى 774 - مراجعة لكتاب الغد كان بالأمس - 3-3
-
طوفان الأقصى 773 - مراجعة لكتاب الغد كان بالأمس - الجزء 2-3
-
طوفان الأقصى 772 - مراجعة لكتاب -الغد كان بالأمس: الحياة وال
...
-
طوفان الأقصى 771 - تغيّر بوصلة الغضب في الشرق الأوسط: قراءة
...
-
طوفان الأقصى 770 - السلام في الشرق الأوسط وممر النقل العابر
...
-
طوفان الأقصى 769 - خطوة إلى الأمام... خطوتان إلى الوراء: قرا
...
-
طوفان الأقصى 768 - إيران وتوقيت العودة إلى التخصيب: إستراتيج
...
-
طوفان الأقصى 767 - حرب متعددة الأبعاد: كيف يستخدم نتنياهو ال
...
-
طوفان الأقصى 766 - نتنياهو يزرع الفوضى... في بحثٍ محموم عن ح
...
-
بمناسبة ثورة أكتوبر الإشتراكية العظمى الجزء 7 والأخير - لماذ
...
-
طوفان الأقصى 765 - النفط والماء... كيف تحاول تركيا ترسيخ أقد
...
-
بمناسبة ثورة أكتوبر الإشتراكية العظمى الجزء 6 - الشرعية السي
...
-
طوفان الأقصى 764 - واشنطن و«سوريا الجديدة»: بين إعادة التدوي
...
-
بمناسبة ثورة أكتوبر الإشتراكية العظمى الجزء 5 - ألكسندر سامس
...
المزيد.....
-
ترامب: زعيمة المعارضة الفنزويلية ستزور واشنطن.. وأتطلع إلى ل
...
-
فانس يدعو أوروبا لأخذ تصريحات ترامب بشأن غرينلاند على محمل ا
...
-
الدويري: انهيار وشيك لقوات -قسد- المحاصرة في حلب
-
المبعوث الأميركي إلى سوريا يدلي بتصريحات حول حلب
-
11 قاعدة تحكم العالم الجديد
-
ترامب ينسحب من معاهدة المناخ بالإضافة إلى 66 منظمة أخرى؛ ما
...
-
الشرع يبحث مع أردوغان وماكرون مستجدات الأوضاع في حلب
-
الشيوخ الأميركي يصوت لصالح الحد من سلطات ترامب في حربه على ف
...
-
عاجل | الدفاع السورية: نعلن إيقاف إطلاق النار في أحياء الأشر
...
-
قانونيون: إيقاف 31 محاميا مسعى للإفلات من العقاب في السودان
...
المزيد.....
-
صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة
/ محمد حسين النجفي
-
الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح
...
/ علي طبله
-
الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد
...
/ علي طبله
-
الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل
...
/ علي طبله
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر
/ محمد جعفر ال عيسى
-
اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات،
...
/ رياض الشرايطي
-
رواية
/ رانية مرجية
-
ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ
/ غنية ولهي- - - سمية حملاوي
-
شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان
...
/ غيفارا معو
المزيد.....
|