محمد حمد
الحوار المتمدن-العدد: 8448 - 2025 / 8 / 28 - 21:53
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
أربعون عاما، وليس أربعين يوما، وانا اعاشرهم ليل نهار. في السرّاء والضرّاء. ومع ذلك، لا صرت منهم ولا صاروا منّي. يشيّدون حول الغريب جدرانا غير مرئية من الصمت والنظرات المريبة والابتسامات الصفراء التي تعني ضمنا:"اكفينا شرّك يا هذا". حتى لو كنت تحمل صفات نبيّ أو قدّيس. وكلّما تعرّفتُ، في مناسبة ما، على شخص جديد يداهمني بنفس السؤال الذي يشبه الطعنة المميتة: "تشرب الخمر...تاكل لحم الخنزير...كم زوجة عندك؟". وهكذا.
ولتثبت براءتك من هذه "التُهم" عليك أن تختار بعناية فائقة افضل وأدق ما لديك من مفردات في لغتهم الدارجة. وكلّما طال بك المقام عندهم ارتفعت حولك جدران العزلة وازدادت لديهم الرغبة الظاهرة في العيون بعدم الاحتكاك بك الاّ لضرورات قصوى تقتضيها الظروف المعيشية. فانت تبقى دائما في نظرهم "الآخر" الذي جاء من مكان ما دون أن يكون على موعد مع احدهم. وتبقى عشرات الاسئلة الغامضة تدور حولك بلا توقّف. كانك سرٌّ من الاسرار !
وذات مساء التقيت على سلم العمارة جارتي التي تسكن مقابل شقتي منذ أكثر من عشرين عام. وبعد السلام العابر المعتاد، سالتني بنبرة جادّة:
(انت اصلك هندي؟). اخفيتُ رغبتي في الضحك احتراما لها واجبت على الفور: (نعم اصلي هندي...ولكن من الهنود الحمر). هزّت راسها ومضت. ويبدو لي انها اقتنعت من جوابي.
لا يرونك الاّ بالصورة التي رسمت لك في أذهانهم قبل أن تطأ اقدامك ارضهم. فانت موجود في مخيلتهم بالشكل الذي اختاروه لك، ربما قبل ان تولد !
يحذّرونك، احيانا بلطف وادب، بأن ثمة خطوطا حمراء (قد لا تراها لانك اجنبي) ينبغي عدم تجاوزها أو حتى الاقتراب منها.
وفي يوم من الايام سالت بعض الطلبة. وكنت انظّم دورات لغة عربية للاجانب، عن المهنة التي تليق بي او تلائمني، حسب تصوّرهم، قبل أن التقي بهم. وبعد ان اجروا تقييما دقيقا لهندامي وشكلي ولون بشرتي (اسمر حنطاوي) وكذاك طريقة سيري في الشارع، وكان جواب الاغلبية:
بائع متجوّل !
#محمد_حمد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟